عامر عبد زيد الوائلي
الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 08:42
المحور:
الادب والفن
ليست الدهشة مجرد لحظة عابرة نشعر فيها بأن شيئًا ما غريب، ولا هي ذلك الانفعال الذي ينتابنا أمام مشهد لم نره من قبل. الدهشة التي تبدأ منها الفلسفة أكثر تعقيدًا من ذلك؛ إنها اللحظة التي يتوقف فيها المألوف عن كونه مألوفًا، حين ينفصل الشيء قليلًا عن العادة التي كانت تخفيه، فنراه كما لو أننا نراه للمرة الأولى. عندها لا يعود العالم مجرد خلفية نعيش فيها، بل يتحول إلى سؤال. وما كان يبدو بديهيًا يصبح قابلًا للفحص، وما كان يمر أمامنا دون مقاومة يبدأ في تعطيل طريقنا. بذلك يمكن أن تكون الدهشة أول شرارة في الكتابة الفلسفية: ليست لأنها تمنحنا جوابًا، بل لأنها تمنعنا مؤقتًا من الاكتفاء بالجواب الذي اعتدناه.
لقد ارتبطت الدهشة طويلًا ببدايات التفلسف. غير أن أهميتها في الكتابة الفلسفية لا تكمن في تاريخها بوصفها مفهومًا فلسفيًا، بل في وظيفتها العملية: كيف يمكن للكاتب أن يجعل الدهشة تنتقل من إحساس إلى سؤال، ومن سؤال إلى إشكالية، ومن إشكالية إلى نص؟ فليس كل من يندهش فيلسوفًا، وليس كل ما يثير العجب يصلح أن يكون بداية لسؤال فلسفي. قد نندهش من حدث نادر، أو من منظر جميل، أو من ظاهرة غير مألوفة، ثم ينتهي الانفعال بمجرد زوال المفاجأة. أما الدهشة الفلسفية فتختلف لأنها لا تنتهي عندما نعرف «ماذا حدث»، بل تبدأ تحديدًا عندما نسأل: لماذا بدا لنا ما حدث طبيعيًا قبل أن نكتشف أنه يحتاج إلى تفسير؟
وهنا ينبغي التمييز بين الملاحظة والدهشة. الملاحظة تقول: «هذا يحدث». أما الدهشة فتضيف: «كيف أمكن أن يحدث هذا، ولماذا كنت أراه طبيعيًا؟». وبين العبارتين مسافة صغيرة في اللغة، لكنها كبيرة في التفكير. قد يلاحظ الإنسان أن الناس يكررون سلوكًا معينًا كل يوم، وأن مجتمعًا ما يقبل ممارسة معينة، وأن الناس يستخدمون كلمة محددة دون أن يتساءلوا عن معناها، وأن مفهومًا ما يبدو واضحًا للجميع. لكن الملاحظة تظل في حدود تسجيل الواقع ما لم يحدث الانقطاع الذي يجعل المألوف موضوعًا للسؤال. فان الكتابة الفلسفية تبدأ غالبًا من هذا الانقطاع.
فما يمر علينا آلاف المرات قد يكون أكثر إثارة للفلسفة مما يحدث مرة واحدة. الأشياء النادرة تلفت الانتباه، لكن الأشياء المتكررة قد تخفي بنيتها تحت غطاء العادة. نحن لا نتساءل عادة عن اللغة التي نتحدث بها، لأننا نتحدث بها؛ ولا نتساءل عن الزمن في كل لحظة، لأننا نعيش داخله؛ ولا نتساءل عن الهوية كل صباح، لأننا نستيقظ حاملين اسمًا وذاكرة وعلاقات تجعلنا نشعر بأننا الشخص نفسه. لكن الفلسفة تبدأ عندما يتوقف هذا الشعور عن كونه كافيًا.
ما الهوية إذا كانت تتغير؟ وما الحرية إذا كنا نختار داخل شروط لم نخترها؟ وما الحقيقة إذا كانت لا تظهر إلا عبر لغة ومفاهيم وتاريخ؟ وما الآخر إذا كان وجوده لا يضيف إلى العالم شخصًا آخر فقط، بل يعيد تشكيل علاقتنا بأنفسنا؟
هذه الأسئلة لا تأتي من معلومات جديدة بالضرورة، بل من طريقة جديدة في النظر إلى ما نعرفه أصلًا. وهنا تصبح الدهشة تقنية للكتابة، لا مجرد لحظة نفسية تسبقها. الكاتب الفلسفي لا ينتظر دائمًا حدثًا استثنائيًا كي يبدأ الكتابة؛ يستطيع أن يصنع الدهشة من داخل المألوف نفسه. إنه يعيد ترتيب زاوية النظر بحيث يظهر ما كان مختفيًا بسبب الاعتياد.
وهذه واحدة من أهم مهارات الكتابة الفلسفية: اكتشاف المشكلة داخل الشيء الذي يبدو أنه لا يمثل مشكلة.
حين نقول مثلًا: «الإنسان حر»، قد تبدو العبارة مألوفة. لكن ماذا يحدث إذا سألنا: حر بالنسبة إلى ماذا؟ وداخل أي شروط؟ وهل الحرية تعني غياب الإكراه أم القدرة على الفعل داخل القيود؟ وإذا كانت خياراتنا تتشكل جزئيًا من اللغة والتربية والمجتمع والتاريخ، فما الذي يبقى من الحرية؟ هنا لم نضف معلومة جديدة إلى العبارة الأولى، وإنما غيّرنا علاقتنا بها. لقد نقلناها من مستوى التقرير إلى مستوى الإشكال. وهذه النقلة هي جوهر صناعة السؤال.
فالسؤال الفلسفي لا يُصنع بمجرد وضع علامة استفهام في نهاية الجملة. يمكن أن نكتب عشرات الأسئلة ولا ننتج سؤالًا فلسفيًا واحدًا. «ما الحرية؟» سؤال مشروع، لكنه لا يصبح سؤالًا منتجًا إلا عندما نكتشف التوتر الذي يجعله ضروريًا. لماذا نحتاج إلى تعريف الحرية؟ ما الذي يجعل التصورات الشائعة عنها غير كافية؟ هل الحرية خروج من الضرورة أم طريقة جديدة للتعامل معها؟ هل يمكن أن يكون الإنسان حرًا وهو يعيش داخل شروط اجتماعية وتاريخية لم يخترها؟ هنا يتحول السؤال من طلب معلومة إلى فتح مجال للتفكير.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الدهشة الفلسفية ليست دهشة بما هو مجهول فقط، بل دهشة بما كنا نظنه معلومًا. إنها لا تقول: «لم أرَ هذا من قبل»، بل تقول شيئًا أكثر عمقًا: «كنت أظن أنني أعرف هذا، لكنني الآن لم أعد أعرفه بالطريقة نفسها». وهذا هو الفارق بين الدهشة الانفعالية والدهشة المنتجة للتفكير.
الدهشة الانفعالية تنشأ من المفاجأة وتنتهي غالبًا بزوالها. أما الدهشة الفلسفية فتنتج مقاومة للاستقرار. إنها تجعل السؤال يستمر بعد انتهاء اللحظة الأولى. ولذلك فإن معيار الدهشة الفلسفية ليس قوة الانفعال، وإنما قدرتها على إنتاج سلسلة من الأسئلة. الدهشة التي لا تفتح سؤالًا قد تبقى تجربة وجدانية؛ أما الدهشة التي تعيد تشكيل علاقتنا بالمألوف فتتحول إلى مادة فلسفية.
ولهذا لا ينبغي للكاتب أن يسأل فقط: «ما الذي أدهشني؟» بل عليه أن يسأل: «ما الذي يجعل هذا الأمر يستحق أن أندهش منه؟ ولماذا لم أكن أندهش منه من قبل؟ وما الافتراض الذي كان يجعلني أراه طبيعيًا؟»
هذه الأسئلة تنقل الدهشة من الذات إلى بنية الموضوع. فبدل أن يقول الكاتب: «لقد أثار هذا الأمر دهشتي»، يبدأ في البحث عن الشروط التي جعلت الأمر يبدو طبيعيًا أو غريبًا. وهنا تدخل المناهجية إلى صناعة السؤال: يمكن أن نسأل تاريخيًا عن كيفية تشكل الظاهرة، وتحليليًا عن المفاهيم التي تصفها، ونقديًا عن الافتراضات التي تجعلها مقبولة، وتأويليًا عن المعاني التي تراكمت حولها، وأنثروبولوجيًا عن علاقتها بأنماط العيش والممارسة.
وبذلك تصبح الدهشة نقطة التقاء بين الملاحظة والمنهج. إنها لا تنتج السؤال وحدها، لكنها تمنح السؤال طاقته الأولى، ثم يأتي المنهج لكي يمنع الدهشة من التحول إلى انطباع. فالفلسفة لا تستطيع أن تعيش على العجب وحده؛ عليها أن تحول العجب إلى مشكلة قابلة للفحص. وهنا نصل إلى الكتابة نفسها. كيف تظهر الدهشة في بداية النص؟
ليس بالضرورة أن تبدأ المقالة بعبارة مباشرة مثل: «منذ القدم أثارت هذه المسألة دهشة الفلاسفة». هذه بداية تقريرية يمكن أن تخبرنا بتاريخ الدهشة، لكنها لا تجعل القارئ يختبرها. الكتابة الفلسفية الأقوى تستطيع أن تجعل القارئ يدهش داخل الجملة. تبدأ بمشهد مألوف، ثم تكشف داخله تناقضًا؛ تبدأ بحقيقة تبدو بديهية، ثم تسأل عن شروط بداهتها؛ تبدأ بمفهوم نستخدمه يوميًا، ثم تضعه أمام نتيجة لم ننتبه إليها. فبدل أن نقول: »الإنسان يستخدم اللغة للتواصل. « يمكن أن يبدأ النص من السؤال الكامن في هذه العبارة: »نحن نتحدث باللغة كي نقول ما نريد، لكن ماذا لو كانت اللغة لا تكتفي بنقل ما نريد قوله، بل تحدد جزئيًا ما نستطيع أن نراه ونقوله ونفكر فيه؟«
هنا لم تبدأ المقالة بالمعلومة، بل بالتوتر. لقد أخذت شيئًا مألوفًا ــ اللغة بوصفها وسيلة للتواصل ــ وأعادت فتحه. ومن هذه الفتحة يمكن أن يولد السؤال، ثم المشكلة، ثم البحث.
وهذه هي وظيفة الدهشة في هندسة افتتاح النص: أن تفتح ثغرة في الاستقرار الأول للقارئ. لا لكي تصدمه، ولا لكي تستعرض غرابة الفكرة، وإنما لكي تمنعه من المرور السريع فوق ما اعتاد المرور فوقه.
لكن ثمة خطرًا آخر: أن تتحول الدهشة إلى استعراض بلاغي. يمكن للكاتب أن يكثر من المفارقات والأسئلة والجمل المثيرة، فيبدو النص عميقًا دون أن ينتج معرفة. لذلك يجب أن نميز بين الدهشة التي تفتح الطريق والدهشة التي تستبدل الطريق. الأولى تقود إلى مفهوم وحجة وإشكالية؛ والثانية تكتفي بإنتاج الانفعال. السؤال المنتج هو الذي يستطيع أن يعيش بعد الجملة التي ولد فيها.
ولهذا يمكن أن نقترح اختبارًا بسيطًا للدهشة الفلسفية في الكتابة: إذا أمكن تحويلها بسهولة إلى جواب سريع، فربما لم تصبح بعد إشكالية فلسفية. أما إذا أدى الجواب الأول إلى سؤال ثانٍ، وأدى الثاني إلى اعتراض، وأجبر الاعتراض على إعادة صياغة السؤال، فقد بدأت الدهشة تتحول إلى تفكير. ومن هنا يمكن تصور المسار الأول لصناعة السؤال على النحو الآتي:( ملاحظة ، استغراب ، دهشة ، كشف افتراض ، توتر ، سؤال ، إشكالية.( الملاحظة ترى الشيء. والاستغراب يتوقف عنده. والدهشة تعيد النظر في بداهته. وكشف الافتراض يسأل: لماذا كان يبدو طبيعيًا؟ والتوتر يكشف ما يتعارض داخل التصور.والسؤال يمنح التوتر صيغة قابلة للتفكير. أما الإشكالية فتحول السؤال من لحظة عابرة إلى حقل تتقاطع فيه مفاهيم وحجج ومواقف متعارضة.
وعند هذه النقطة لا تعود الدهشة مجرد بداية زمنية للكتابة، بل تصبح مبدأً من مبادئها. فالكاتب الفلسفي يحتاج إلى الاحتفاظ بقدرة خاصة على النظر إلى الأشياء كما لو أنه يراها للمرة الأولى، لا لأنه يجهلها، بل لأنه يعرف أن المعرفة قد تصبح أحيانًا حجابًا من كثرة الاعتياد. إن ما نعرفه جيدًا قد يكون أكثر ما يحتاج إلى إعادة السؤال.
وبذلك لا تكون الدهشة هروبًا من العالم، بل عودة إليه بطريقة أخرى. إنها تجعلنا نتوقف أمام ما اعتدنا تجاوزه، ونرى الحدود التي كانت تختبئ خلف العادة، ونكتشف أن المألوف ليس نهاية التفكير بل ربما بدايته الأكثر خصوبة. ومن هذه النقطة تحديدًا تبدأ صناعة السؤال الفلسفي: أن نجعل ما كان يمر بلا سؤال قادرًا على مقاومة المرور، وأن نحول لحظة «لماذا؟» الصغيرة إلى إشكالية تستطيع أن تحمل نصًا كاملًا.
فالكتابة الفلسفية لا تبدأ حين نعرف ماذا سنقول، وإنما حين يحدث في علاقتنا بما نعرفه شيء يجعلنا غير قادرين على قوله بالطريقة نفسها مرة أخرى.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟