أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر عبد زيد الوائلي - هوبزباوم وفلسفة العبور: الثقافة في زمن الانتقال















المزيد.....

هوبزباوم وفلسفة العبور: الثقافة في زمن الانتقال


عامر عبد زيد الوائلي

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 13:09
المحور: الادب والفن
    


يبدو القرن العشرون، في قراءة إريك هوبزباوم، كما لو أنه قرنٌ خرج من عالمٍ لم يعد قادرًا على احتوائه، ودخل عالمًا آخر لم يكن قد امتلك بعدُ اللغة الكافية لفهمه. ولم يكن ما حدث مجرد انتقال في المؤسسات أو أنماط الإنتاج أو التقنيات، بل كان تحوّلًا في البنية العميقة التي كان الإنسان من خلالها يمنح العالم معناه، ويصنع ذائقته، ويتلقى الفن، وينتمي إلى الجماعة، ويتصور الزمن والتاريخ والمستقبل. ومن هنا فإن قراءة هوبزباوم من داخل فلسفة العبور تتيح لنا أن نرى في القرن العشرين ليس مجرد قرنٍ من التحولات المتسارعة، بل قرنًا انكسرت فيه الحدود التي كانت تنظّم حركة الثقافة، وأصبح الإنسان يعيش داخل مساحات انتقالية لا تستقر طويلًا على صورة واحدة.

إن مفهوم «الصدع» الذي يكشفه هوبزباوم يمكن، في هذا السياق، أن يُعاد تفسيره بوصفه أثرًا من آثار العبور. فالصدع لا يعني فقط انهيار عالم ثقافي قديم، وإنما يعني أن الحدود التي كانت تمنح ذلك العالم تماسكه بدأت تفقد قدرتها على الفصل: الحد الفاصل بين النخبة والجمهور، بين الفن والحياة اليومية، بين الثقافة والسوق، بين المنتج والمتلقي، وبين الثقافة المحلية والثقافة العابرة للحدود. وحين تتشقق الحدود لا يكون القديم قد اختفى تمامًا، ولا يكون الجديد قد اكتمل؛ بل ينشأ ذلك المجال الوسيط الذي تسميه فلسفة العبور منطقة السيولة، حيث تتحرك الأشكال والمعاني والهويات بين ما كانت عليه وما يمكن أن تصير إليه.

فالإنسان لا يعيش دائمًا داخل نظام مستقر من المعاني، بل يعيش أحيانًا في الفجوة بين نظامين؛ وفي هذه الفجوة تحديدًا تتكثف إمكانات التحول، كما تتكثف المخاوف من فقدان الحدود. لذلك فإن تاريخ الثقافة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه تعاقبًا ساكنًا للأشكال الفنية، وإنما بوصفه تاريخًا للمعابر التي تنتقل من خلالها المعاني بين البشر، والمؤسسات، والوسائط، والأسواق، والأجيال.

1. الثقافة بوصفها فعل عبور

تكشف قراءة هوبزباوم أن الثقافة ليست بناءً مغلقًا، ولا مخزونًا ثابتًا من الأعمال والقيم، وإنما هي نظام متحرك يتغير كلما تغيرت الشروط الاجتماعية التي تمنحه وجوده. فالثقافة البرجوازية الرفيعة كانت مرتبطة بعالم اجتماعي محدد: مؤسسات، أكاديميات، صالونات، مسارح، دور نشر، وطبقات تمتلك من التعليم والوقت والموارد ما يسمح لها بالمشاركة في إنتاج الثقافة وتلقيها.

لكن ذلك العالم لم يسقط دفعة واحدة؛ لقد بدأ بالتحول من داخله. الحروب والثورات والتصنيع والهجرة والتحضر والتعليم الجماهيري والتكنولوجيا الحديثة أعادت توزيع مواقع إنتاج الثقافة وتلقيها. وهنا يصبح السؤال الفلسفي أكثر أهمية من سؤال «ماذا حدث للثقافة القديمة؟». السؤال هو: إلى أين عبرت الثقافة؟

لقد انتقل الفن من المؤسسة إلى السوق، ومن الصالون إلى المسرح الجماهيري، ومن المسرح إلى السينما، ومن السينما إلى التلفزيون، ومن التلفزيون إلى الفضاء الرقمي. وفي كل عبور لم يتغير الوعاء وحده، بل تغيرت طبيعة الرسالة نفسها، وإيقاع تلقيها، وشروط إنتاجها، ونمط العلاقة بين صاحبها وجمهورها.

ومن هنا يمكن صياغة إحدى قواعد فلسفة العبور:

كلما تغير وسيط العبور، تغيرت بنية الشيء الذي يعبر.

فالمعنى الذي ينتقل في كتاب ليس هو المعنى ذاته حين ينتقل في صورة، والصورة حين تتحول إلى فيديو، والفيديو حين يصبح مقطعًا قصيرًا مصممًا لاقتصاد الانتباه. الوسيط ليس قناة محايدة، لأنه يشارك في تشكيل ما ينقله.

ولهذا فإن تاريخ الثقافة هو، في أحد أعمق معانيه، تاريخ لتحولات المعابر.

2. من ثقافة النخبة إلى ثقافة الجماهير

كان الفصل بين الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية أكثر وضوحًا في العالم السابق للقرن العشرين. كانت الثقافة الرفيعة تستند إلى مؤسسات تمنحها شرعيتها، بينما كانت الثقافة الشعبية تتحرك في فضاءات مختلفة من الحياة اليومية والاحتفال والحكاية والأغنية والممارسة الجماعية.

لكن القرن العشرين بدأ بتفكيك هذه الحدود. لم تعد الثقافة حكرًا على قلة تمتلك مفاتيح المؤسسات، وأصبح بإمكان الملايين أن يشاهدوا الفيلم ذاته، ويستمعوا إلى الأغنية ذاتها، ويتابعوا الفنان ذاته، ويشاركوا في لحظة ثقافية واحدة تتجاوز المكان والطبقة.

قد يبدو ذلك انتصارًا للديمقراطية الثقافية، وهو كذلك من وجهٍ ما، لكنه يمثل في الوقت نفسه انقلابًا في منطق إنتاج الثقافة. فحين تنتقل الثقافة من القلة إلى الملايين، لا يتغير عدد المتلقين فقط؛ بل يتغير السؤال الذي يحكم الإنتاج الثقافي نفسه.

لم يعد السؤال:

ما الذي يستحق أن يُنتج؟

بل أخذ يتحول إلى:

ما الذي يستطيع أن يجذب الجمهور؟

وهنا يبدأ العبور من قيمة العمل إلى قيمة الانتباه.

لم يعد العمل الثقافي يدخل المجال العام باعتباره حاملًا للمعنى فقط، وإنما باعتباره منتجًا ينافس غيره على المورد الأكثر ندرة في المجتمع الحديث: وقت الإنسان وانتباهه.

وهكذا ظهرت مفارقة الحداثة الثقافية: لقد اتسعت دائرة الوصول إلى الثقافة، لكن اتساع الجمهور رافقه اتساع في قوة السوق على تحديد ما يستحق الوصول.

فالتحرر من احتكار النخبة لم يؤدِّ بالضرورة إلى التحرر من كل أشكال الهيمنة؛ لقد نقل مركز القوة من بوابة المؤسسة الثقافية إلى بوابات أخرى، كان أبرزها السوق والجمهور ووسائل الإعلام لاحقًا.

إن العبور لا يلغي الحدود دائمًا؛ أحيانًا ينقل الحدود من مكان إلى آخر.

3. من السوق بوصفه وسيطًا إلى السوق بوصفه بيئة

كان السوق في صورته الأولى وسيطًا بين الفنان والجمهور؛ لكنه أخذ يتحول تدريجيًا إلى قوة قادرة على التأثير في العمل الثقافي نفسه. وهنا تقترب ملاحظات هوبزباوم من نقد مدرسة فرانكفورت لمفهوم صناعة الثقافة، لكن فلسفة العبور تفتح سؤالًا إضافيًا:

ماذا يحدث عندما لا يعود السوق مجرد المكان الذي تُباع فيه الثقافة، بل يصبح البيئة التي تتشكل الثقافة داخلها؟

عند هذه النقطة لا ينتج الفنان العمل ثم يبحث عن جمهوره بالضرورة، وإنما قد يبدأ بتصور الجمهور قبل إنتاج العمل. وقد يصبح سؤال القابلية للتسويق سابقًا على سؤال القيمة الجمالية، ويصبح نجاح العمل مرتبطًا بقدرته على الدخول في دورة التداول.

هنا يعبر الفن من الاستقلال إلى التفاوض.

إنه يتفاوض مع الجمهور، والمؤسسة، والممول، والسوق، والسلطة، والذوق العام، ووسائل التوزيع. وليس معنى ذلك أن الفن يفقد حريته بالضرورة؛ فالحرية لا توجد خارج العالم الاجتماعي، وإنما تظهر في القدرة على الحركة داخله.

ولهذا فإن الفنان الحر، وفق فلسفة العبور، ليس هو الذي يقف خارج القوى الاجتماعية، إذ لا وجود لمثل هذا الخارج، وإنما هو الذي يستطيع أن يعبر بينها دون أن يستقر نهائيًا في أي واحدة منها.

الحرية ليست غياب الحدود؛ الحرية هي القدرة على العبور بينها دون الذوبان فيها.

4. أزمة الفن الحديث: حين يسبق الفنان جمهوره

تكشف الموسيقى والفنون الحديثة عن مفارقة عميقة: كلما تحرر الفن من القواعد القديمة، اتسعت إمكاناته التعبيرية، لكنه أصبح في الوقت نفسه أكثر قابلية للانفصال عن الجمهور الذي كان يمتلك مفاتيح فهم الأشكال السابقة.

وهنا يظهر قانون آخر من قوانين العبور:

كل عبور يفتح إمكانًا جديدًا، لكنه ينتج في الوقت نفسه مسافة جديدة.

حين يتحرر الفن من القواعد التي اعتاد الجمهور فهمها، فإنه يعبر إلى منطقة جديدة من التجريب، لكنه قد يترك خلفه جزءًا من جمهوره. وحين يتقدم الفنان بسرعة أكبر من قدرة الجمهور على إعادة تشكيل ذائقته، ينشأ التوتر.

لذلك لا ينبغي اختزال أزمة الحداثة في القول إن الجمهور «لم يفهم» الفن الحديث، ولا في اتهام الفنان بأنه «خان» جمهوره. المسألة أعمق من ذلك؛ إنها مسألة اختلاف في سرعة العبور.

الفنان يعبر نحو المستقبل، بينما يحمل الجمهور ذاكرة الماضي.

وبذلك تصبح أزمة الحداثة الفنية، في جانب منها، أزمة توقيت ثقافي.

فالثقافة لا تتغير بالسرعة ذاتها في جميع مستوياتها. قد تتغير التقنيات بسرعة، بينما تبقى الذائقة بطيئة؛ وقد تتغير المؤسسات بينما تستمر الذاكرة في إعادة إنتاج القديم؛ وقد يصل الشكل الجديد قبل أن تتشكل اللغة القادرة على تفسيره.

إن المسافة بين الفنان والجمهور ليست دائمًا مسافة جمالية، وإنما قد تكون مسافة زمنية: أحدهما يعيش في زمن ما بعد العبور، والآخر لا يزال يعبر.

5. الثقافة عند تقاطع المعابر

إذا أعدنا بناء العلاقة بين الثقافة والسياسة والسوق والأخلاق من منظور فلسفة العبور، فإن الثقافة تظهر بوصفها فضاءً تتقاطع فيه عدة قوى.

السياسة تريد أن تعبر من خلال الثقافة إلى الوعي الجماعي.

والسوق يريد أن يعبر من خلال الثقافة إلى الاستهلاك.

والأخلاق تحاول تحديد ما يمكن أن يعبر إلى المجال العام وما ينبغي أن يبقى خارجه.

أما الفنان فيقف عند نقطة تقاطع هذه المعابر، ولذلك لا يكفي أن نسأله:

ماذا يقول؟

بل ينبغي أن نسأل:

من الذي يسمح له بالكلام؟

ومن يمول كلامه؟

ومن يوزعه؟

ومن يمنحه الجمهور؟

ومن يحدد ما الذي يستحق أن يُرى؟

ومن يقرر ما الذي يعبر إلى الذاكرة، وما الذي يُدفع إلى النسيان؟

هنا تصبح الثقافة سياسةً للعبور.

فكل مجتمع، بطريقة معلنة أو خفية، يضع بوابات تحدد ما الذي يستطيع الدخول إلى المجال العام، وما الذي يبقى على العتبة، وما الذي يُمنع من العبور أصلًا.

ولا تعمل هذه البوابات دائمًا بواسطة المنع المباشر؛ فقد تعمل بواسطة الذوق، أو التمويل، أو التوزيع، أو الشهرة، أو التعليم، أو الإعلام، أو الخوارزمية.

ومن ثم فإن السلطة الثقافية ليست فقط سلطة من يقول، بل سلطة من يحدد إمكان العبور.

6. انهيار الحدود: من الجزر الثقافية إلى شبكة المعابر

ربما كان من أهم التحولات التي يمكن قراءتها في القرن العشرين انهيار الحدود القديمة بين المجالات الثقافية.

لم تعد الثقافة الرفيعة منفصلة بصورة حاسمة عن الثقافة الشعبية، ولم تعد السينما مجرد صناعة مستقلة عن الفن، ولا الموسيقى منفصلة عن السوق، ولا الصورة منفصلة عن السياسة.

دخلت السينما في الفن، ودخل الفن في الإعلان، ودخل الإعلان في الحياة اليومية، ودخلت الموسيقى في الصناعة، ودخلت الصورة في السياسة، ودخلت السياسة في الثقافة.

لم تعد المجالات الثقافية جزرًا منفصلة، بل أصبحت ممرات متقاطعة.

الرواية تعبر إلى السينما.

والسينما تعبر إلى الإعلان.

والإعلان يعبر إلى الحياة اليومية.

والحياة اليومية تعبر إلى الفن.

والفن يعبر إلى السياسة.

ثم تعود السياسة لتعبر إلى الثقافة.

إن الثقافة الحديثة، بهذا المعنى، لا تُفهم جيدًا من خلال التصنيفات الصلبة، لأن الأشياء لم تعد تستقر طويلًا داخل حدودها القديمة.

وهنا تكشف فلسفة العبور عن تحول أعمق: الهوية الثقافية نفسها لم تعد نقطة وصول، بل أصبحت حركة مستمرة بين أشكال متعددة.

فليس المهم أن نعرف أين تنتمي الرواية أو الصورة أو الموسيقى فقط، بل أن نعرف ما الذي تعبر إليه، وما الذي يحدث لها أثناء العبور.

فالعبور لا ينقل الأشياء كما هي؛ إنه يعيد تشكيلها.

7. من الجمهور إلى الخوارزمية: ظهور المعبر غير المرئي

هنا تستطيع فلسفة العبور أن تتجاوز أفق هوبزباوم إلى عصرنا الرقمي.

كان هوبزباوم يرى أن الثقافة الجماهيرية أعادت تنظيم العلاقة بين المنتج والجمهور والسوق. أما اليوم فقد ظهر وسيط جديد أكثر تعقيدًا: الخوارزمية.

لم يعد السوق وحده يحدد ما يصل إلى الجمهور، ولم يعد الجمهور يتلقى الثقافة عبر مؤسسات إعلامية مركزية فقط، بل أصبحت المنصات الرقمية قادرة على تحليل سلوك الإنسان، ورصد ما يشاهده، وما يتوقف عنده، وما يشاركه، وما يتجاهله.

وبذلك لم يعد الإنسان يعبر إلى الثقافة عبر وسيط محايد.

الخوارزمية لا تنقل الثقافة فقط؛ إنها تشارك في ترتيب ظهورها.

وهنا يتحول المسار من:

الفنان ← العمل ← الجمهور

إلى:

الفنان ← المنصة ← الخوارزمية ← الانتباه ← الجمهور.

وهذا التحول ليس تقنيًا فحسب، بل فلسفي؛ لأن الخوارزمية تدخل الآن بين الإنسان والمعنى، وبين العمل والمتلقي، وبين الثقافة والذاكرة.

لقد ظهر نوع جديد من البوابات لا يشبه بوابات المؤسسة القديمة. إنها بوابات غير مرئية، لا تقول للإنسان صراحة: «هذا ممنوع»، وإنما تجعله يرى شيئًا أكثر من شيء آخر، وتكرر أمامه محتوى بعينه، وتدفع موضوعًا إلى مركز انتباهه، وتترك موضوعًا آخر في الهامش.

وهنا تصبح إدارة الظهور شكلًا جديدًا من أشكال السلطة.

8. الانتباه بوصفه رأس مال العبور

في الثقافة الرقمية لم تعد القيمة الثقافية مرتبطة فقط بجودة العمل أو عمقه أو قدرته على إنتاج المعنى. ظهرت قيمة أخرى شديدة القوة: قيمة الانتباه.

فالعمل الذي يستطيع جذب ملايين العيون يمتلك قدرة هائلة على الانتشار، لكن هذه القدرة لا تعني بالضرورة أنه الأكثر عمقًا أو أهمية.

وهنا تظهر المفارقة:

ليس كل ما يجذب الانتباه عميقًا، وليس كل ما هو عميق قادرًا على جذب الانتباه.

ينشأ بذلك انفصال متزايد بين القيمة الثقافية وقيمة الانتشار.

والخوارزمية لا تسأل دائمًا: ما الأكثر أهمية؟ بل تميل إلى السؤال: ما الأكثر قدرة على إبقاء الإنسان داخل المنصة؟

وهنا يتحول الانتباه إلى مورد اقتصادي، ويصبح الإنسان نفسه جزءًا من اقتصاد هذا المورد. فكل ثانية يقضيها أمام الشاشة قابلة لأن تدخل في حسابات السوق، وكل نقرة تكشف تفضيلًا، وكل توقف أمام صورة يتحول إلى معلومة، وكل مشاركة تصبح إشارة تستخدم في إعادة ترتيب المعبر القادم.

لقد انتقلنا من اقتصاد يبيع السلع إلى اقتصاد يستطيع أن يستثمر في توجيه الانتباه نفسه.

وهذا يعني أن الصراع الثقافي المعاصر لم يعد يدور فقط حول من يمتلك وسائل الإنتاج، بل حول من يمتلك وسائل العبور إلى الوعي.

9. الثقافة في زمن السيولة

من هنا تبلغ قراءة هوبزباوم ذروتها حين نعيد وصلها بفلسفة التحول والعبور.

فالقرن العشرون لم يكن مجرد قرن انتقلت فيه الثقافة من شكل إلى آخر، وإنما كان قرنًا بدأت فيه الثقافة تفقد حدودها الصلبة، وتتحول من منظومة من المؤسسات المستقرة إلى شبكة من المعابر المتحركة.

والقرن الحادي والعشرون يدفع هذا التحول إلى أقصاه؛ إذ لم تعد الثقافة تنتظر المؤسسة لكي تمنحها الشرعية، ولا السوق لكي يوزعها، ولا الجمهور لكي يكتشفها. أصبحت الثقافة تتحرك في فضاء سريع، عابر للحدود، متداخل الوسائط، شديد الاعتماد على الانتباه.

لكن السيولة لا تعني التحرر المطلق.

فكلما أصبحت الثقافة أكثر سيولة، ظهرت قوى جديدة تحاول تنظيم هذه السيولة، وترتيبها، واستثمارها، وإعادة توجيهها.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى لفلسفة العبور:

كلما اتسعت إمكانات العبور، ازدادت الحاجة إلى بوابات جديدة للتحكم فيه.

لقد تحطمت بعض الحدود القديمة، لكن حدودًا أخرى ولدت مكانها.

انتهى احتكار الصالون، فظهر احتكار السوق.

تراجع احتكار المؤسسة، فبرز احتكار المنصة.

ضعفت سلطة الناقد، فبرزت سلطة الخوارزمية.

اتسع الجمهور، فأصبح الانتباه نفسه موردًا للصراع.

وبذلك لا يمكن أن تكون فلسفة العبور فلسفة احتفال ساذج بالحركة؛ إنها فلسفة تكشف الصراع الذي يحدث داخل الحركة نفسها.

فالعبور ليس انتقالًا بريئًا من نقطة إلى أخرى، وإنما هو مجال تتصارع داخله قوى متعددة لتحديد: من يعبر؟ وإلى أين؟ وبأي سرعة؟ ومن يدفع ثمن العبور؟ ومن يملك البوابة؟

ومن هنا يمكن صياغة القانون الثقافي الأعمق في عصر السيولة:

حين تسقط الحدود القديمة لا ينتهي الصراع على الثقافة؛ بل ينتقل الصراع إلى التحكم في مسارات العبور نفسها.

وهذا هو ما يجعل قراءة هوبزباوم من داخل فلسفة العبور أكثر من مجرد إعادة تفسير لتاريخ الثقافة؛ إنها محاولة لفهم اللحظة التي لم تعد فيها الثقافة مكانًا نسكنه، بل فضاءً نعبره باستمرار.

فالإنسان المعاصر لا يعيش داخل ثقافة واحدة كما لو كانت بيتًا مكتمل الحدود؛ إنه يتحرك بين ثقافات، وصور، ولغات، ووسائط، وذاكرات، وأسواق، وخوارزميات. وكل عبور يعيد تشكيله كما يعيد تشكيل ما يعبر إليه.

لذلك فإن سؤال الثقافة اليوم لم يعد:

أي ثقافة نمتلك؟

بل أصبح:

كيف نعبر داخل الثقافة دون أن تتحول سيولتها إلى شكل جديد من أشكال السيطرة؟

وهنا تبدأ فلسفة العبور مهمتها الحقيقية: ليس في إعادة الإنسان إلى حدود الماضي، ولا في الاحتفاء بسيولة بلا حدود، وإنما في تعليم الإنسان كيف يتحرك بين الحدود، وكيف يفتح المعابر المغلقة، وكيف يميز بين العبور الذي يحرر والعبور الذي يُستثمر، بين السيولة التي توسع إمكانات الإنسان والسيولة التي تحول الإنسان نفسه إلى مادة قابلة للتوجيه والاستهلاك.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التربية بوصفها مصنعاً للطاعة
- الاستبداد وصناعة الوعي


المزيد.....




- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري
- سحر الأبيض والأزرق.. -سيدي بوسعيد- لوحة تراثية تروي ذاكرة تو ...
- وزير التربية والتعليم يعتمد نتيجة الدور الثاني للدبلومات الف ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر عبد زيد الوائلي - هوبزباوم وفلسفة العبور: الثقافة في زمن الانتقال