أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - أحمد قيقة - غزة بعد أربع سنوات: ما الذي تغيّر في العالم، وما الذي لم يعد ممكنًا أن يعود؟














المزيد.....

غزة بعد أربع سنوات: ما الذي تغيّر في العالم، وما الذي لم يعد ممكنًا أن يعود؟


أحمد قيقة

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 14:09
المحور: القضية الفلسطينية
    


تمرّ أربع سنوات على الثامن من أكتوبر 2023، اليوم الذي بدأت فيه الحرب على قطاع غزة، أطول حرب وأشدّها تدميرًا في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي. ومع أن وقف إطلاق النار المُعلن في أكتوبر 2025 أوقف القصف الشامل، فإنه لم يوقف القتل؛ إذ يتواصل سقوط الضحايا رغم الهدنة، وتجاوزت حصيلة الشهداء ثلاثة وسبعين ألفًا وفق السلطات الصحية في غزة، أغلبهم من النساء والأطفال. أما الجرحى والمفقودون تحت الأنقاض فبعشرات الآلاف، والمعطوبون وأصحاب الإعاقات الدائمة جيلٌ كامل.

بعد أربع سنوات، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ فالعالم رأى كل شيء مباشرةً على الشاشات. السؤال الآن: ما الذي تغيّر؟ وما الذي انكسر نهائيًا ولن يعود كما كان؟

أولًا: حصيلة لا تُقاس بالأرقام وحدها

تحوّل قطاع غزة إلى أكبر ورشة دمار في العصر الحديث. فقد طال الهدم معظم المساكن، ودُمّرت المستشفيات والجامعات والمساجد والكنائس وشبكات الماء والصرف الصحي. وعرف القطاع مجاعة موثّقة أقرّتها الهيئات الأممية المختصة، ونزح جلّ سكانه مرات متتالية داخل رقعة تضيق كل يوم.

وبوصفي طبيبة، لا أستطيع أن أقرأ هذه الحصيلة إلا من زاوية الصحة العامة. فاستهداف المنظومة الصحية ألحق خسارة لا تُعوَّض: مئات من الأطباء والممرضين والمسعفين قُتلوا أو اعتُقلوا، وأجيال من الأطفال تعاني سوء التغذية المزمن والصدمات النفسية، وانقطعت المتابعة عن المصابين بالأمراض المزمنة. هذه آثار ستمتدّ عقودًا بعد آخر قذيفة، وإعادة الإعمار الحقيقية تبدأ بإعادة بناء الإنسان قبل الحجر.

ثانيًا: سقوط السردية واهتزاز المنظومة الأخلاقية الدولية

أهم تحوّل أحدثته هذه السنوات هو انهيار احتكار الرواية. فلعقود طويلة، صاغت مراكز القرار الغربية وإعلامها صورة الصراع، وكان الفلسطيني يُقدَّم إما ضحيةً صامتة أو تهديدًا أمنيًا. أما اليوم، فقد وثّق الصحفيون الفلسطينيون، الذين قُتل منهم عدد غير مسبوق في تاريخ النزاعات، ما يجري بالصوت والصورة، ووصلت شهاداتهم إلى ملايين البشر من دون وسيط.

وانكشفت في المقابل ازدواجية المعايير الدولية بشكل فجّ. فالقيم التي رُفعت شعاراتٍ في نزاعات أخرى، كحماية المدنيين وحرمة المستشفيات وتجريم التجويع، بدت انتقائية حين تعلّق الأمر بغزة. وهذا الانكشاف دفع أجيالًا كاملة، في الجنوب كما في الشمال، إلى مساءلة النظام الدولي نفسه.

ثالثًا: تحوّل في البراديغم القانوني والسياسي

لم يبقَ هذا التحوّل في حدود الرأي العام، بل امتدّ إلى المؤسسات:

أمام محكمة العدل الدولية، رفعت جنوب إفريقيا دعوى بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وأصدرت المحكمة تدابير مؤقتة ملزمة، كما أكّد رأيها الاستشاري الصادر في يوليو 2024 عدم شرعية الاحتلال.
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، في سابقة لم يكن أحد يتصوّرها قبل سنوات.
خلصت لجنة التحقيق الأممية المستقلة في سبتمبر 2025 إلى أن ما جرى في غزة يرقى إلى الإبادة الجماعية.
اعترفت دول غربية وازنة، منها فرنسا والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا، بدولة فلسطين، فاتّسعت دائرة الاعتراف لتشمل أغلبية واضحة من أعضاء الأمم المتحدة.

وفي الجامعات والنقابات والبرلمانات، صارت القضية الفلسطينية معيارًا أخلاقيًا يُقاس به الموقف من العدالة وحقوق الإنسان، بعدما كانت لسنوات ملفًا هامشيًا أو مؤجَّلًا.

رابعًا: المعنى الأخلاقي للصمود

لعلّ الدرس الأعمق في هذه السنوات الأربع هو أن شعبًا أعزل، محاصرًا ومجوَّعًا، رفض أن يُقتلَع من أرضه. فمشاهد العائدين سيرًا على الأقدام إلى شمال القطاع المدمَّر، يحملون ما تبقّى لهم ليقيموا خيامهم فوق أنقاض بيوتهم، أسقطت عمليًا مشاريع التهجير التي طُرحت علنًا. لقد أثبت الفلسطيني أن الارتباط بالأرض ليس شعارًا، بل خيار وجودي يُدفَع ثمنه كاملًا.

لكن الأخلاق تقتضي أيضًا ألّا نُجمّل الألم. فلا مجد في موت الأطفال، ولا انتصار في ركام المدن. والوفاء للضحايا لا يكون بتحويلهم إلى رموز، بل بالإصرار على المحاسبة، وعلى حقّ الناجين في حياة كريمة، وعلى ألّا يتكرّر ما حدث.

خامسًا: أيّ باب فُتح نحو التحرّر؟

إن القول بأن الطريق إلى الحرية بات مفتوحًا لا يعني أنه بات قصيرًا. فالاحتلال ما زال قائمًا، والاستيطان يتمدّد في الضفة الغربية، والهدنة في غزة هشّة، ومستقبل الحكم وإعادة الإعمار ما زال رهين حسابات إقليمية ودولية معقّدة.

غير أن ما تغيّر جوهري. فقد سقط وهم إمكانية "إدارة الصراع" إلى ما لا نهاية، وسقط معه الرهان على تطبيع يتجاوز الفلسطينيين وحقوقهم. وعادت القضية إلى موقعها الطبيعي بوصفها قضية تحرّر وطني وحقّ تقرير مصير، تحميها قرارات قانونية دولية، وتسندها حركة تضامن عالمية غير مسبوقة في اتساعها وتنوّعها.

ويبقى تحويل هذا الرصيد إلى مكاسب ملموسة مشروطًا بثلاثة أمور:

وحدة وطنية فلسطينية تتجاوز الانقسام وتُعيد بناء تمثيل سياسي جامع وشرعي.
استثمار المسار القانوني حتى نهايته، لأن المحاسبة شرط لأي سلام عادل.
تحويل التضامن الشعبي إلى سياسات، من المقاطعة والضغط الاقتصادي إلى ربط العلاقات الدولية باحترام القانون الدولي.

خاتمة

بعد أربع سنوات، تقف غزة شاهدة على أقسى ما يمكن أن يفعله الإنسان بالإنسان، وعلى أنبل ما يمكن أن يبديه إنسان في مواجهة الفناء. لقد دفعت ثمنًا يفوق الاحتمال، لكنها أعادت طرح السؤال الذي حاول العالم تجاهله طويلًا: هل يمكن أن يستقرّ نظام دولي على إنكار حرية شعب كامل؟

الجواب الذي تكتبه غزة كل يوم، من تحت الركام، هو: لا.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقاربة الكباب لعلاج ظاهرة الإرهاب
- الطريقة النقشبندية في تحليل العملية الإرهابية
- القومية التونسية بين مفهوم التطرف و صرامة المشروع
- المرزوقي بين غرابة الشعار وصعوبة الخيار


المزيد.....




- شاهد.. سائق يتشبث بمركبته المقلوبة وسط السيول قبل إنقاذه بمر ...
- من روستوف الروسية إلى تبوك السعودية.. 10 سنوات بين أكبر حادث ...
- الدفاع التركية: سيتم تسليم قاعدة بعشيقة للسلطات العراقية تدر ...
- سويلم يشارك في جلسة حول حماية الخزانات الجوفية الساحلية والن ...
- سوريا: انفجار في خط للغاز قرب دمشق بعد يومين من حادث مماثل ف ...
- رحلة الرعب من دبي لإسرائيل.. طعن في قمرة القيادة وهبوط اضطرا ...
- حصري فرانس24: طرق وآليات دمج المقاتلين الأجانب في الجيش السو ...
- أهالي غزة يشيعون رفات 105 شهداء قتلتهم إسرائيل قبل 3 سنوات
- -هرمز- ليس الوحيد.. 3 أوراق تحكم الصراع بين واشنطن وطهران
- عراك فوق السحاب.. حدث أمني غير مألوف على متن طائرة -فلاي دبي ...


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - أحمد قيقة - غزة بعد أربع سنوات: ما الذي تغيّر في العالم، وما الذي لم يعد ممكنًا أن يعود؟