ماجد هديب
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 02:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حماس... الانتحار الذي أعقب الردة
بقلم: ماجد هديب
لم يكن يحيى السنوار مجرد شخص اضطرته ظروف الاحتلال ان يكون مقاوما ثم قائدا، كما لم تكن الصدفة وحدها سببا لتصنع منه قائدا اربك حسابات قادة ودول ،وكان سببا في تغيير موازين القوى بالمنطقة ،بل ما كان ليحيى السنوار ان يصل الى هذا المستوى من القيادة دون عوامل هيأت له ذلك، وفي مقدمتها ظروف وملابسات الافراج عنه ،تماما كما هي العوامل التي هيأها رابين مع الملك حسين لانطلاقة حركة حماس بعد خطوة فصل الاخوان المسلمين بالضفة الفلسطينية عن فرع الاخوان بالاردن لتشكيل فرع فرع فلسطين مع غزة.
كان محمد السنوار الاخ الشقيق ليحيى السنوار قائدا للواء القسام في خانيونس، وهذا ما سهل له عملية اختطاف الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط من قبضة المسؤولين عن اخفائه في لواء غزة من اجل اجبار حركة حماس على عدم اتمام صفقة تبادل الاسرى ما لم يكن شقيقه يخيى السنوار على راس قائمة المفرج عنهم بعد ان بلغ الى مسامعه رفض اسرائيل الافراج عنه في تلك الصفقة .
منذ ذلك الحين وحركة حماس تعيش التناقض والصدام مع نفسها ومع استراتيجياتها وبرامجها اكثر مما كانت تعيشه من صدام وتناقض قبل الافراج عن يحيي السنوار ، وقبل ان يصبح هذا الاخير رئيس حركة حماس والذي بات يتحكم في مفاصل الحركة ،بل وبات يتحكم ايضا في تفاصيل الحياة في غزة وعلى راسها ما كان يصدر عن القضاء من احكام ،ومن النائب العام من قرارات ،ومن اعدامات ميدانية،وفي مقدمتها اعدام قائد لواء القسام في غزة "محمود شتيوي"الذي اصبح العدو اللدود لشقيقه محمد منذ ان نجح هذا الاخير باختطاف شاليط من قبضته .
بعد سنوات قليلة من تولي يحيى السنوار رئاسة المكتب السياسي لحركة حماس في غزة اتجه نحو المفاوضات مع اسرائيل من اجل تعزيز قوة حماس و توسيع نفوذها لانه كان قد ادرك ان لا قوة لحماس دون مفاوضات، وان لا نجاح لاية مفاوضات دون اسنادها بعملية عسكرية تدفع اسرائيل للقبول باملاءات القسام واشتراطاته حول مستقبل غزة والعلاقة مع اسرائيل ،او هكذا ظن السنوار في حينه حينما وجد نفسه او طموحاته أمام خيارين أحلاهما مرّ ،وهو أن ترتد حركة حماس عن كل ما اعلنته من شعارات وبرامج وميثاق مقابل ان تسمح اسرائيل لها في بعض من الوجود ووفقا لما يسمح به امن اسرائيل ومشروعها التوسعي، وإما أن تذهب حركة حماس نحو تنفيذ عملية عسكرية تدفع نتنياهو لقبول ما طالبت به حركة حماس في مفاوضاتها الانسانية من فتح للمعابر ،وزيادة اعداد العمال ،وتنفيذ صفقة تبادل للاسرى دون ان يقف قائد هذه الحركة ولو للحظة مع الذات ليدرك بان تلك العملية هي بمثابة الصعود بحركته نحو الانتحار.، وانها ستمنح نتنياهو المبررات المشروعة التي كان يبحث عنها لاعادة احتلال غزة من اجل تحقيق ما كان يدعو له من سلام وتطبيع بعد تغيير معالم المنطقة.
كنت قد تناولنت وقبل الحرب على غزة في مقالات كثيرة ما كانت تقوم به حركة حماس من مفاوضات انسانية مع اسرائيل ،من بينها "حماس والمفاوضات الانسانية",و"حماس والصعود نحو الهاوية" ، حيث اوضحت في تلك المقالات ان حماس تعيش حالة من الردة عن كل ما اعلنته من شعارات وبرامج من اجل تعزيز سيطرتها على غزة وتعظيم نفوذها كمقدمة للانقضاض على منظمة التحرير من اجل انتزاع شرعية التمثيل منها ،كما اوضحت بان تلك الردة التي تعيشها حركة حماس سيعقبها الانتحار وقد جاء السابع من اكتوبر فعلا بمثابة الاعلان عن هذا الانتحار الذي كنت قد حذرت من خطورة الاقدام عليه .
اعتقد البعض في حينه ،وما زال البعض عند هذا الاعتقاد ان عملية السابع من اكتوبر جاءت من اجل الاسرى والمسرى وانها لم تخرج عن اطار عمليات المقاومة من اجل التحرير الكامل والشامل، ولكن يبدو بان سفيان ابو زايدة وهو الوزير السابق في السلطة الوطنية والقيادي في حركة فتح قبل ان ينفصل عنها او المفصول منها قد قرر مكرها ان يلكم كل من اعتقد ذلك عندما كشف ما في جعبته من وقائع واحداث وعلاقات ما بين حماس واسرائيل ،خاصة ما يتعلق منها برسالة الترغيب و الترهيب التي حملها لاسرائيل من السنوار
لم تاتي رواية ابو زايدة من اجل قطع الشك من اليقين حول الاهداف الحقيقية لعملية السابع من اكتوبر،ولا للتاكيد بان ما قام به السنوار كان من اجل تحريك المفاوضات الانسانية التي كان يجريها بعيدا عن القضايا السياسية والوطنية ،وانما جاءت هذه الرواية وعلى ما يبدو وبهذا التوقيت من اجل المساهمة في انهاء مرحلة قرر الجميع الخلاص منها وهي مرحلة حماس ونتنياهو ،حيث لا يجرؤ ابو زايدة ان يكشف عما اعلنه وما سيعلنه دون امر له بدلك لما يحمله هذا الكشف من تداعيات خطيرة على كافة المستويات.
اي كانت تلك الاسباب التي دفعت ابو زايدة للكشف عن تلك الوقائع والاحداث فانها اثبتت صحة ما كنا قد توقعناه وحذرنا منه وهو ان عملية السابع من اكتوبر ليست حلقة من حلقات الجهاد والمقاومة من اجل التحرير كما ادعت حركة حماس ، وانما هي عملية انتحار لحركة حماس بعد ان كانت قد اعلنت ردتها عن ميثاقها وشعاراتها ،وهذا ما تنبأت به قبل بومين من قيام حماس بتلك العملية، حيث كنت قد كتبت على صفحتي الشخصية "حماس ما بين الردة والانتحار".
لم ياتي قولي حول ردة حركة حماس ثم التنبؤ بدفعها نحو الانتحار اعتباطا، وانما جاء ذلك استنادا لعملية استقراء لما كان يصدر ما بين الحين والاخر من تصريحات ليحيى السنوار والتي استندت جميعها الى ثقافة "الخاوة" كتعبير منه عن رفض ما وصلت اليه تلك المفاوضات من طريق مسدود بفعل تجاهل نتنياهو لمطالبات حركة حماس الانسانية على الرغم مما وصلت اليه من مستوى غير مسبوق من الردة عن كل ما اطلقته من مواقف وشعارات، والانتقال من خطاب يقوم على رفض الاعتراف بشرعية إسرائيل ورفض التسويات السياسية إلى البحث عن صيغة تحفظ للحركة وجودها وسلطتها وهي تلك السلطة التي حرص السنوار على استمرارها وديمومتها وهذا ما دفعه الى اللجوء لتيار محمد دحلان من اجل دفعه نحو القيام بدور الوساطة بغية اعادة تحريك المفاوضات بين الجانبين وعدم وصولها لطريق مسدود .
لم تنجح تلك الوساطة بفعل تعنت نتنياهو وتجاهله لردة حماس وما اقدمت عليه من تنازلات من اجل الحفاظ على سلطتها في غزة ولذلك "لم يتبقى امام حركة حماس قي ظل تعنت نتنياهو الا الاتصال بابو زايدة مجددا من اجل نقل رسالة تحذير لاسرائيل بان زلزال قادم سينالها ما لم تكسر جمود المفاوضات وما لم تتجه اسرائيل نحو تفديم ما تطلبه حركة حماس من تسهيلات لتعزيز سيطرتها.
نعم، لم تكن عملية السابع من أكتوبر مجرد عملية عسكرية، بل كانت نقطة تحول في مسار طويل من القرارات السياسية والأمنية التي هيات لها اسرائيل وعملت من اجل الوصول اليها دون ان تتحمل حركة حماس عبىء مناقشة ما قد يحدث للشعب والقضية من انعكاسات لما قامت به ،ودون ان يدرك قائد هذه الحركة بان نتنياهو كان ينتظر اقدام حركة حماس على تنفيذ ما لوحت به من تهديد وذلك لتكون المقدمات المشروعة لاعادة اختلال غزة وتدميرها مع تشريد من تبقى فيها حيا .
اخطات حماس لانها لم تدرك ان العملية ستفتح بابا لا تستطيع إغلاقه ،وهذا ما جعل قياداتها في حالة من التمادي لما كان يصدر عنهم من تصريحات ولاءات املا بتدخل من هنا او هناك لوقف الحرب ،كما اخطات حماس الى درجة الاجرام بحق رجالها وبحق شعبها لانها وعلى الرغم من حجم الرد على هذه الغملية الا انها راهنت على اخلاق نتنياهو والضغط الدولي لتحقيق بعض المكتسبات مع ان العمل العسكري مهما بلغ حجمه لا يتحول تلقائيًا إلى مكتسبات سياسية دون قدرة على إدارة النتائج، وامتلاك البدائل، وقراءة موازين القوى، وتحديد نقطة التوقف.وهذا ما ادى الى انتحار حركة حماس بعد كل ما قامت به من ردة على امتداد سنوات سيطرتها على غزة .
ان دخول حماس خط المواجهة دون ان تدرك أن الثمن سيكون هائلًا، ودون ان تعمل على امتلاك ضمانات لليوم التالي ادى الى ان تلتقي «الردة» مع «الانتحار»لان الردة تعني التراجع عن كل ما اعلنته من استراتيجيات وبرامج سابقة بحثًا عن مكاسب سياسية، بينما جاء الانتحار بعد ان جاء التراجع متاخرا أو أنه لم يعد كافيًا بالنسبة لاسرائيل ،وأن الحركة وجدت نفسها أمام نتائج مواجهة أكبر من قدرتها على التحكم بها.
من هنا نقول ،بانه ومهما تراجعت حركة حماس عن خطابها، ومهما اكتشفت أن هذا التراجع لم يعد يمنحها البقاء، فانها اصبحت أمام معادلة شديدة االعقاب ،وهي إما أن تتراجع أكثر الى حد الانتحار بعد خسارة سيطرتها على غزة ، أو أن ترفض هذا التراجع وتدفع بالشعب نحو هذا الانتحار ،وهذا ما يحصل الان بعد ان انحصر وجود حماس في اعادة تعزيز سيطرتها في بعض المناطق على حساب الدم النازف وخطر التهجير.
اعتقد ان المعضلة التي كانت تواجه حماس حول امكانية تحولها من حركة تقاتل من أجل البقاء إلى طرف سياسي يستطيع أن يعيش مع الآخرين، ويقبل بالتعددية، ويضع السلاح تحت سلطة وطنية وقانونية، ويشارك في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني قد تجاوزتها الوقائع والاحداث لان حركة حماس لم يعد بمقدورها أن تخرج من منطق الردة والانتحار إلى منطق السياسة مع ان الردة ليست حلا، والانتحار ليس بطولة، والشعب الفلسطيني لا يستطيع أن يبقى رهينة لدورة تبدأ بالمواجهة وتنتهي بالدمار ثم تعود من جديد.
كثيرا ما طالبنا حركة حماس إنقاذ فلسطين او انقاذ ما تبقى من معالم شعب وقضية وذلك بان تتحول من البحث عن انتصارها الخاص إلى البحث عن مصلحة وطنية مشتركة، وأن يصبح سلاحها خاضعًا لقرار وطني، وأن تصبح السلطة خاضعة للقانون، وأن تكون المقاومة مع البرنامج السياسي وسيلة ضمن استراتيجية سياسية وطنية وصولا للدولة حتى لا تنكسر المقاومة او تضعف دون تحقيق اية اهداف الا ان حركة حماس اصرت على معادلة الردة من أجل البقاء.الى ان جاء الانتحار الذي اعقب تلك الردة عندما لم تعد هذه الردة بنظر نتنياهو كافية.
#ماجد_هديب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟