أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نورالدين حنيف - بين المحْوِ والنّسْيان














المزيد.....

بين المحْوِ والنّسْيان


نورالدين حنيف

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 13:24
المحور: الادب والفن
    


• في تجربة المحو:
ونحن نكتب ذواتنا لا نفعل سوى أننا نكتب المحو، مصداقا لما قالوه بأنّ الكتابة الجيدة لم تُكتب بعد.
والذات في هذا المقام شقّان: شقٌّ مندمجٌ في فعل الكتابة، محكومٌ بشرط الانبهار الذاتي... وشقّ مراقب يمثل الأنا الأعلى الماضي في قرار المحو، لكل ما هو جدير بالمحو. وقد يكون هذا الجدير كتابة متسرّعة، أو كتابة خضعت لضغط الطلب، أو كتابة مشروطة برد الفعل، أو كتابة مستجيبة لسواد عيون الذات نفسها، أو لغيرها، أو كتابة تروم ظهورا، أو تبتغي مكسبا… أو أي كتابة لم تستجب لشرط الانبثاق المُنثال صدقاً وحقّاً، والخارج خروجاً تلقائياً استجابةً انسيابيةً لمخاض حقيقي يؤذن حقّاً بالخروج.
إن أصدق دليل على كتابة المحو هو دليلٌ قديم، نمثل له بحوليات الشاعر القديم "زهير بن أب سلمى"، وهو شاعر لا يمثل ذاته فحسب وإنما يمثل حساسية فنيّة واسعة على مدار الزمن الإبداعي، تتبنى فعل المحو من أجل الوجود. وما تنقيحاته لقصائده، سوى قرار شخصي يحكم بلا جدوى ما يكتب، وبعبثية ما يكتب، إلا إذا خضع هذا المكتوب لعمليات المحو. من ثمّة، تكون الإضافات والمراجعات والتعديلاتُ هي صميم الكتابة لا الكتابة في أصلها، لأن المحو كتابة ذكية تستحضر العقل في تجلياته المتفاوتة بين حضور قوي وحضور ضعيف، وفي كلا الحضورين، هناك دائما ممارسة ذكية تعلو وتنخفض في عمليات شذبها لليابس من أفنان الكتابة.
الكتابة في أصلها الخام هي مغامرة غير محسوبة الخلاصات والنتائج كأنها الطريق المؤديّة إلى المجهول بلا تشويرات ولا علامات، ويكون فعل المحو هو الكتابة الفعلية ذاتُها التي تلتزم بالحدّ الأدنى من هذه التشويرات وتلك العلامات. وهذا لا يعني البتّة خضوع الكتابة لنموذج جاهز ومسبق يملي عليها قراراتها الخاصة، وإنما قصدنا أن هذه العلامات هي الأقل الضروري من حضور الوعي بالكتابة حتى لا يتحول هذا الفعل إلى هذيان غير قابل للقياس في عالم التقييم والنقد والاستحسان.
يذكّرني هذا السياقُ الماحي بتجربة المسيد في ثقافتنا الشعبية المغربية، عندما كان طالب القرآن يحفظ بعض القرآن. كان يمحو من اللوح ما تمّ حفظه في الذاكرة عن ظهر قلب، ولم يكن هذا المحو بتاتاً يعني في منظور الطالب ولا في منظور الشيخ (لَفْقِيهْ) إلغاءً أو مسحاً لما كان مكتوباً بقدر ما كان إثباتاً له وترسيخاً وتزكيةَ أيضا، للانتقال إلى كتابةٍ أخرى لا يتمّ تصديقُها إلا عن طريق فعل المحوِ. ومن غريبِ الصدف السيميائية أنّ هذه العملية كانت تتمّ بواسطة الماء، المرتبط في ثقافتنا الدينية بالحياة واستمرار الحياة (وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ) سورةالأنبياء، الآية 30.
هكذا، فالمحو معادل موضوعي للحياة في الكتابة، في حين أن التسويد يعادل الموت، لأن رسم الحرف على صفيح القرطاس يعلن عن نهاية مشروع المؤلف ليبدأ مشروع القارئ، وما النهاية إلا شكل من أشكال الموت الرمزي لسلطة الكاتب المبدع.

• كتابة النسيان
كتابة النسيان هي كتابة الذاكرة ذاتها، فلا تاريخ ينتقص بعضه بعضا، ولا تاريخ يتنكر فيه حاضره لماضيه، أو يتبجح فيه غابره على جديده. النسيان والتذكر وجهان لعملة واحدة هي عملة الوجود الذي لا يقبل التجزيء أو التقسيط. وقد يكون هذا رؤية فنية تختزن منظورا فلسفيا يترجم حالةً غير عابرة من الوجود المحدد لشكل أو لأشكال ممارسة هذا الوجود.
إن حدثا معيّنا، يقع للذات في تاريخها الشخصي، ويتمّ تأطيره مباشرةً داخل فعل الكتابة، يعني خوفاً وجوديا من انفلات الحدث من قبضة الذاكرة. ومعناه أيضا أن اللعبةَ جدلٌ عجيبٌ تمارسه هذه الأطرافُ في غير تواطؤ، بل في تبادل أدوار النسيان والتذكر بعيداً عن الطمس النهائي للحقيقة، وبعيداً أيضاً عن الاستحضار القطعي لهذه الحقيقة. من ثمّة تمارس اللعبة الجدلية بين هذين الطرفين فسحة الإبداع لخلق هالات تتراوح بين العادةِ والإدهاش وهي تستدعي الحدث لا في نواته الجينية/الأصلية، وإنما في تكوينه المستبدل والكثير الاستبدال، والذي يكون غزيراً جدّا… في تراشقٍ مدهش لحالات الاستحضار التي تختلف بين المؤرّخ والمبدع: الأوّل يحمل عصا الرقابة في حين أن الثاني يحمل جزرة الاستدراج. الأول يدرس الحدث في ضيق الصدق التاريخي، في حين أن الثاني يعيد ممارسة الحدث في فسحاتٍ واسعة من الكذب بصيغة البحتري العذبة.
وتختلف درجات الصفر في الكتابة باختلاف الأنواع، وتجدر الإشارة هنا إلى أن السيرة الذاتية هي الأكثر مخاطرة باللعبة الجدلية، لأن كُتّاب السيرة الذاتية يتعاملون في خططهم الكتابية مع النسيان لا باعتباره عائقا معرفيا، ولكن باعتباره لذّة استكشافية تستدعي المدفون وتستحثّ المكنون تشعل أرمدة الفينيق في أرشيفها الغابر، بدرجات تتفاوت – طبعا – بحجم المسافات بينهم وبين أشكال ماضيهم المختلفة، وبتعبير أدقّ: بينهم وبين مصادر حفرياتهم المتآكلة جدّا أو المتآكلة قليلا…
ورغم أن للنسيان مذاقَ الهامش، إلا أنّ في تشظيه ممكناتٍ عجيبةً لممارسة الخلق لمادّة الأحداث، مدثَّرَة في لبوس المخيال، الثرّ والغنيّ، عبر آليات فنيّة، تُنظّمُ النسيان بطريقة شاعرية يتبادل فيها الحاضر والماضي عمليات الفحص والعزل والفرز والقبول، ما دامت تفاصيل أحداثهما غير مقبولة كليّاً.



#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الحق و الجمال
- الجسد العلماني
- مقدمة في قصيدة النثر
- شاعريةُ الجسد
- سيكولوجية الذاكرة الانتخابية
- الوهمُ عندما يكونُ صديقًا
- كِتابةُ الْموت
- كتابة الموت
- السياسة لا تقبل الفراغ
- الشيطانُ كائنٌ وسيم - قصّة


المزيد.....




- معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات ...
- أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على ال ...
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- بوتين عن تصريحات وزير الدفاع الإستوني: السيرك رحل والمهرجون ...
- فرنسا.. الذكاء الاصطناعي يطيح برواية من جائزة أدبية مرموقة
- بسبب الذكاء الاصطناعي والسرقة الأدبية.. استبعاد رواية تيليسو ...
- سوريا ...حفل الأخرس في اللاذقية يثير جدلا بسبب التنظيم والحج ...
- -حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نورالدين حنيف - بين المحْوِ والنّسْيان