أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد عودة - عوالم الديستوبيا في رواية بلاد العم لام














المزيد.....

عوالم الديستوبيا في رواية بلاد العم لام


احمد عودة

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 09:42
المحور: الادب والفن
    


( عوالم الديستوبيا في رواية بلاد العم لام )
للكاتب الاستاذ يوسف المحسن الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت الطبعة الاولى 2025

بعد الصمت الذي تلا رواية ( النساي ) ها هو يوسف المحسن يطل علينا ثانية بغرائبيته العالمية ( بلاد العم لام ) نعم العالمية كما قرأتم لست مخطئاً، قد ولج الكاتب في هذه الرواية الى أحد أكثر الأماكن المحلية غرابة وخطورة ( وادي الكصير ) الذي يقع في بادية العراق الجنوبية ( السماوة )، هذا الوادي التاريخي الذي تقع فيه ( قلعة الكصير ).
وقد استطاعت هذه الرواية أن تمثل عوالمها بإطار من الديستوبيا بمعناها الذي يشير إلى المكان الخبيث أو المكان الفاسد، فيما يشير هذا المفهوم في الأدب والفن إلى مجتمع خيالي أو مستقبلي كئيب تسوده الفوضى والقمع والفقر ويسيطر عليه الاستبداد وتتجرد فيه الإنسانية.
ينطلق الكاتب من قلعة الكصير إلى ( فيوغا ) روسيا وجليدها الهائل ليعود إلى الكصير ثم ينطلق مرة أخرى إلى منطقة السعدون في بغداد ( البتاويين ) تحديداً ثم الكصير ومنه إلى السماوة ( منطقة الشرقي ) ثم ( بستان عليوي ) وهكذا جيئةً وذهاباً ليعود إلى الكصير في نهاية المطاف، ومما لا شكَّ فيه، إن اختياره لقلعة الكصير ليس عبثاً أو اختياراً عابراً؛ بل إنه اختيار دقيق يدل على معرفة وعمق الكاتب وتجربته الكبيرة وفيوضاته الذاكراتية على المكان كون هذه القلعة لها دلالات كثيرة ترتبط بالقصة المروية.
اختار (المحسن) لروايته أبطالاً منهم من تربع على عرشها مثل ( لافي الساير ) أو العم لام كما يطلق عليه في بلاده والذي يمثل الدال الأخطر في خطاب الكاتب ولعله أهم الدوال في الرواية فقد وظفه توظيفاً دقيقاً ووضعه في الموضع الحقيقي لتمثلات الشر والتسيد البغيض ومن زاوية أخرى لتمثلات السلطة الدموية.
كذلك هناك المهندس ( يامن ) بطل الحكاية الدال الأول أو الحمل الوديع الذي يردد كلماته ذاتها حاملاً آلته الحديدية ( تاليتا ) على ظهره ويجوب الصحارى فيها مؤمناً بحلمه وأحقيته في ممارسة مايعتقده أنه أشبه بالفيلسوف اليوناني ( ديوجانس الكلبي ) الذي كان يحمل مصباحاً في وضح النهار باحثاً عن رجلاً نزيه كما يدعي ساخطاً على الكثير من الأشياء؛ بل أنه يعد الفقر فضيلة ولايكترث للمظاهر لذا فأن المهندس ( يامن ) كثير الشبه بديوجانس يحمل على ظهره آلته التي صنعها من بقايا القطع المعدنية في وضح النهار زاهداً عن كل شيء مؤمناً بشيء واحد وحقيقة واحدة يحاول الوصول إليها، ومنهم من مرّ عليه الكاتب ليوثق حقبة معينة مثل ( بجكم التركي ) و ( مهيدة المسكين ) و ( عوفي المهبول ) و ( عفورة الدبية ) و ( دندح المخبول ) وغيرهم من دوال وشخوص الرواية، كل دال من هذه الدوال يمثل خطاباً مختلفاً عن الآخر في الزمان والمكان والحدث ولكن على الرغم من اختلاف الخطابات إلا أنها تصب في سردية واحدة في النهاية.
يمثل الخطاب عند الفيلسوف الفرنسي ( ميشال فوكو ) نظاماً اجتماعياً وتاريخياً ينتج المعرفة والحقيقة فهو ليس مجرد كلمات أو لغة للتعبير عن الأفكار حيث يرى فوكو أن للخطاب أبعاداً عميقة وخطيرة ترتبط بالسلطة والمجتمع، فالخطاب هو الوسيلة التي تحدد مانصارع من أجله وما يعد حقاً أو باطلاً أو جنوناً كما أنه لا ينتج بحرية أو بشكل عشوائي؛ بل يحكمه ( نظام الخطاب ) وهو ما أجاده (المحسن) في بلاد العم لام.
فقد وظف الفلسفة سردياً وروائياً ليسلط الضوء على الهيمنة السياسية ومدى تأثيرها في إنتاج التشكيلة الخطابية التي تمثل مجموعة من الأقوال أو التصريحات المنظمة تاريخياً التي تحدد ما يمكن قوله أو التفكير به في مرحلة زمنية معينة فبحث في ( الحب، الثأر، المرض، الموت، العدالة، والجنس.. ) فقام بمزج الخطاب السياسي والاجتماعي والشعبي ( العامي ) من دون إخلال محافظاً على توازن القوى المتصارعة داخل الرواية ليعيد إنتاج المعرفة وتوجيهها إلى القارئ بسردية تخييلية إبداعية وهنا تجلى الكاتب ليصل إلى أعلى مراحل السمو الأدبي في الخطاب السردي.
وبالعودة إلى الديستوبيا فلعلنا نجد أن من أهم تجلياتها في بلاد العم لام تجسدها وتمثلها في قيام ( بجكم التركي ذيل الحصان ) برمي ( ابن شيرزاد ) في نهر دجلة ليجعل منه وجبة عشاء ( لأسماك البيرانا ) المتوحشة التي انتهشته بشراهة مخيفة ثم يتحدث بعدها بجكم بحشرجة مختنقة والدموع تتلألأ في عينيه ( دعوني مع ذكرى صاحبي وأخي، خلّوا بيني وبين خليلي، لقد أهلكه حبه ووفاؤه لي ) بعدها استحوذ على المقتنيات وكنوز الذهب العائدة لابن شيرزاد، ومن التجليات الأخرى-أيضاً- هي قيام لافي الساير بقتل جده لأمه وإخفاء جثته من دون أن يعلم بها أحد وما فعله بـ( عزام الفالح ) من فاجعة وانتقامه الدموي من ابن عمه ( هليل ) ومافعله ( المارد ) بالمهندس يامن وغيرها الكثير من عوالم الديستوبيا في الرواية.
حقيقية إنها رواية فلسفية معرفية تتجاوز حدود الثقافة المحلية؛ فهي تمثل إرثاً إنسانياً مشتركاً وغير مكتوبة للأغراض التجارية مطلقاً، نجح من خلالها الكاتب في حبكة البنية السردية والتصاعد الدرامي المدروس موظفاً الرموز والاسقاطات للتعبير عن أفكار فلسفية وسياسية عميقة ومحافظاً على العمق النفسي للشخصيات فقد عمد إلى بناء شخصيات معقدة ورمادية ( ليست خيرة مطلقاً ولاشريرة مطلقاً ) إذ تركها تتأثر وتتطور بتطور الأحداث على غرار الأدب العالمي وهذا ما يحسب له.
أراد الكاتب من خلال هذه ( الديستوبيا ) الواقعية تحذير المتلقي والمجتمعات الحالية من عواقب بعض السياسات أو التطور التنكولوجي غير المنضبط.

أحمد عودة



#احمد_عودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تجاهل أم جهل بمعرفة القوانين..؟
- النص المنيع لنجدة التشريع
- تفكيك الإشكالية وطرح الحلول
- عبثية الحروب.. بين الهزائم الإنسانية والذاكرة المثقوبة


المزيد.....




- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- بوتين عن تصريحات وزير الدفاع الإستوني: السيرك رحل والمهرجون ...
- فرنسا.. الذكاء الاصطناعي يطيح برواية من جائزة أدبية مرموقة
- بسبب الذكاء الاصطناعي والسرقة الأدبية.. استبعاد رواية تيليسو ...
- سوريا ...حفل الأخرس في اللاذقية يثير جدلا بسبب التنظيم والحج ...
- -حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز ...
- ياكوتسك.. مدينة بدأت بحصن على نهر لينا وانتقلت هربا من الفيض ...
- من الوحي إلى الشاشة.. رحلة القرآن الكريم في معرض تفاعلي ببطر ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد عودة - عوالم الديستوبيا في رواية بلاد العم لام