أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد عودة - عبثية الحروب.. بين الهزائم الإنسانية والذاكرة المثقوبة














المزيد.....

عبثية الحروب.. بين الهزائم الإنسانية والذاكرة المثقوبة


احمد عودة

الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 08:08
المحور: الادب والفن
    


قراءة نقدية في قصيدة «لَنْ أَعْزِفَ أُغْنِيَةَ الْحَرْبِ» للشاعر نجم عذوف

لَنْ أَعْزِفَ أُغْنِيَةَ اَلْحَرْبِ

خَرَجْتُ مِنَ اَلْحُرُوبِ بِذَاكِرَةٍ مَثْقُوبَةٍ،
وَجَسَدٍ مُشَبَّعٍ بِرَائِحَةِ اَلْبَارُودِ.
حُرُوبٌ عَبَثِيَّةٌ أَدْمَتْ قَلْبَ أُمِّي،
اَلَّتِي مَا زَالَتْ تَنُوحُ عَلَى أَخِي اَلَّذِي أَخَذَتْهُ اَلْحَرْبُ بَعِيدًا.

أُمِّي اَلَّتِي تَفْتَرِشُ عَبَاءَتَهَا كُلَّ لَيْلَةِ جُمْعَةٍ فِي مَقْبَرَةِ اَلنَّجَفِ، عَلَّهَا تَجِدُ ضَالَّتَهَا فِي حُلْمٍ تَرَى فِيهِ أَخِي،
اَلَّذِي ذَهَبَ فِي ( باص ) اَلِانْضِبَاطِيَّةِ إِلَى اَلْجَبْهَةِ، وَعَادَ مَحْمُولًا عَلَى خَشَبَةٍ يَلُفُّهَا عِلْمُ اَلْبِلَادِ اَلَّتِي اِغْتَصَبَهَا اَلطُّغَاةُ.
اَلْبِلَادُ اَلَّتِي (مَا شَفَّنَهْ بِيها رَاحَه)،
اَلْبِلَادُ اَلَّتِي تَضِجُّ بِمَاضٍ بَائِسٍ، وَحَاضِرٍ أَكْثَرَ بُؤْسًا.
اَلْحُرُوبُ مُسْتَمِرَّةٌ،
وَنَحْنُ اَلْقَطِيعُ اَلَّذِي يُقَدَّمُ لِلْمَسْلَخِ اَلْيَوْمِيِّ.
أَلَمْ أَقُلْ إِنَّ ذَاكِرَتِي مَثْقُوبَةٌ؟

تقدم قصيدة الشاعر نجم عذوف ( لن أعزف أغنية الحرب ) مشهداً مأساوياً يتجاوز حدود الوصف المادي للمعارك، ليبحر بعيداً في سيكولوجيا ( الفقد ) ومايخلفه الرصاص من ثقوب لا تندمل في الروح والذاكرة، ليتجلى عذوف كعادته متمرداً على السلطة ثائراً ضد الأنظمة الدموية التي تستبيح الأبرياء.

فيما يلي قراءة نقدية في ثنايا النص:

أولاً- عتبة العنوان/ تمرد على الإيقاع الجنائزي
استهلال النص هو البداية بقرار قطعي ( لن أعزف ). إن هذا النفي لا يمثل الصمت فقط، إنما يمثل موقفاً أخلاقياً وجمالياً ضد ( أدلجة ) الموت. الشاعر هنا يرفض تحويل الحرب الى ( أغنية ) أو ملحمة بطولية، لأن الحرب من وجهة نظره قبح محض لا يستحق اللحن، بل يستحق الرثاء أو الصراخ.

ثانياً- ثقل الأثر/ ( الجسد والذاكرة )
في هذه الثنائية يستخدم الشاعر استعارتين مركزيتين ليوصف بهما حالة الناجي من الحرب:
- الذاكرة المثقوبة: وهي حالة أو محاولة لا شعورية تعمل على شكل ( آلية دفاعية )، أو ربما إشارة إلى ضياع المعنى من هول الفجيعة. أما الثقب هنا هو ممر الوجع الذي لايمكن حصره أو السيطرة عليه.
- الجسد المشبع بالبارود: يمثل تحول الإنسان من كائن حيوي إلى ( بقايا ) مادية للحرب ، علمياً وطبياً تسمى هذه الحالة ( بالتفحم أو الشعوطة النارية ) وهي آثار الحروق الناتجة عن لهب وغازات البارود الساخنة ( وليس الرصاصة نفسها ) التي تخرج من فوهة السلاح وتحرق البشرة أو الشعر المحيط بفتحة الدخول، وهذا يعطي دليلاً على ثقافة الشاعر العلمية والطبية باستخدام هذه الاستعارات، أما الرائحة هنا غير عابرة بل هي ( تشبع ) يلتصق بالهوية.

ثالثاً- صورة الأم/ تراجيديا الانتظار الأبدي
ينتقل النص من ( الأنا ) الشاعرة إلى ( الآخر ) الأكثر تضرراً ( الأم )
- المكان ( مقبرة النجف ): إن حضور هذا المكان يمنح النص هوية مكانية وجدانية عميقة، حيث تتحول المقبرة من سكن للموتى إلى ملاذ للأحياء الذين يبحثون عن ( حلم ).
- عباءة الأم: تجسد بساط الصبر العراقي المسجى فوق تراب الفقد، الأم هنا لا تبحث عن جثة بل عن ( ضالة ) معنوية تخفف وطأة الغياب وترمم تشققات الروح.

رابعاً- المفارقة في العودة/ من ( الباص ) إلى ( الخشبة )
هنا يرسم عذوف مساراً خطياً مرعباً للجندي العراقي
- الذهاب: في باص الانضباطية يمثل دلالة على رمز القيد والاجبار.
- الإياب: محمولاً على ( خشبة ) رمز النهاية الصامتة.

نلحظ أن هناك نقداً سياسياً مريراً يظهر في قوله (عِلْمُ اَلْبِلَادِ اَلَّتِي اِغْتَصَبَهَا اَلطُّغَاةُ ) العلم هنا لا يغطي بطلاً بقدر مايغطي ضحية لشهوات السلطة، مما يجعل الموت يتحول من ( تضحية ) إلى ( اغتصاب ) لحق الانسان في الحياة.

خامساً- اللغة واللهجة/ يبرز ذكاء الشاعر في استحضار العبارة الدارجة ( ماشفنا بيها راحة )، وهو ما يمثل صدق الوجع الشعبي. هذا الانتقال من الفصحى إلى اللهجة المحكية ( العامية العراقية ) ليس عجزاً لغوياً، بقدر ما هو استنجاد بلغة القلب والواقع، هي صرخة المواطن البسيط الذي لم يجد في خارطة الوطن سوى التعب، وهذا ما يعزز واقعية النص وقربه من وجدان القارئ.

سادساً- الخاتمة/ ( تدوير العدم )
يختتم عذوف نصه بسؤال استنكاري يعيدنا الى البداية (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّ ذَاكِرَتِي مَثْقُوبَةٌ؟).
إن هذا التكرار يوحي بأن الحرب لم تنتهي، إنها ( مسلخ يومي ) مستمر. الذاكرة المثقوبة هنا ليست عيباً عقلياً، إنما تمثل نتيجة طبيعية لبلاد تتكرر مآسيها، ولايتبقى فيها للناجي سوى أن ينسى ليعيش، أو يتذكر ليموت كمداً.

الخلاصة: إن نص نجم عذوف هو وثيقة إدانة ضد ( عبثية الحروب )؛ إذ نجح في تحويل الوجع الشخصي وهو ( فقد الأخ ) إلى وجع جمعي ( القطيع والمسلخ )، موظفاً لغة مشحونة بالصور السينمائية والحس الإنساني العالي.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس ...
- -شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في ...
- -الشهداء يعودون إلى رام الله- ... الفن الفلسطيني في معركة ال ...
- ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من ...
- فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف ...
- وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال ...
- من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت ...
- قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا ...
- المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
- شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد عودة - عبثية الحروب.. بين الهزائم الإنسانية والذاكرة المثقوبة