أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - قصي الجابري - حين يتحول المسار المهني إلى مسار مغلق: قراءة في قرار تقييد قبول خريجي الإعداديات المهنية















المزيد.....

حين يتحول المسار المهني إلى مسار مغلق: قراءة في قرار تقييد قبول خريجي الإعداديات المهنية


قصي الجابري

الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 21:37
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


اتخذت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مؤخراً قراراً يقضي بتقييد قبول خريجي الإعداديات المهنية وإقتصاره على الكليات التقنية، ومنعهم من التقديم إلى الكليات الأكاديمية بعد أن كانت ضوابط القبول في السنوات السابقة تتيح لهم التقديم إلى عدد من الكليات المناظرة لتخصصاتهم، وفق الشروط والضوابط التي تحددها الوزارة. ومما يلفت الانتباه في هذا القرار أنه يمثل تغييراً في مسار القبول الذي اعتاد عليه الطلبة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يستدعي التوقف عند آثاره المحتملة على خريجي التعليم المهني ومستقبل هذا المسار التعليمي. ومع أنني أتفهم المبررات التي قد تقف وراء توجه الوزارة نحو تعزيز ارتباط خريجي الإعداديات المهنية بالتعليم التقني، وأدرك أهمية دعم هذا القطاع ومواءمة مخرجاته مع احتياجات سوق العمل، إلا أن القرار، في تقديري، يثير عدداً من الملاحظات التي تستحق أن تؤخذ بنظر الاعتبار، ولا سيما ما يتعلق بتكافؤ الفرص التعليمية، ومرونة الانتقال بين المسارات التعليمية، وتأثير القرار في جاذبية التعليم المهني ومستقبله.
من هذا المنطلق، فإن الهدف من طرح هذه الملاحظات ليس الاعتراض على دعم التعليم التقني، وإنما الدعوة إلى مراجعة القرار بما يحقق التوازن بين أهداف الوزارة في تطوير التعليم المهني والتقني وبين حق الطلبة في الحصول على فرص تعليمية تتناسب مع قدراتهم وتخصصاتهم واستحقاقهم الأكاديمي. وفي ختام المقال سأطرح مجموعة من التوصيات.
1- انعكاس القرار على الطالب والأسرة
للقرار بعد اجتماعي لا ينبغي تجاهله. فالأسرة عندما تختار لابنها أو ابنتها الإعدادية المهنية لا تنظر فقط إلى السنوات الثلاث التي يقضيها الطالب فيها، وإنما تنظر إلى ما بعد التخرج: هل يستطيع دخول الجامعة؟ ما التخصصات التي يمكن أن يدخلها؟ هل يستطيع الحصول على شهادة أعلى؟ وهل يبقى أمامه مجال لتغيير مساره إذا تغيرت ميوله؟ لقد شكّل هذا القرار صدمة كبيرة للطلبة وعوائلهم لكون أن هؤلاء خططوا لمسار دراستهم في ضوء الضوابط المعروفة التي وضعتها الوزارة، مما أربك الطلبة وخلق لديهم ردود فعل قوية تجاه هذا القرار. فعندما تتغير قواعد القبول بصورة جوهرية ومفاجئة، فإن الطالب الذي اختار التعليم المهني وفق النظام السابق قد يجد نفسه أمام خيارات لم تكن متوقعة عند اتخاذ قرار الالتحاق بهذا المسار. ومن هنا تظهر أهمية التدرج في تطبيق التغييرات. فإذا أرادت الوزارة اعتماد سياسة جديدة للقبول، فمن الأكثر عدالة أن تكون هناك فترة انتقالية واضحة، بحيث لا يفاجأ الطلبة الذين بدأوا دراستهم في ظل نظام سابق بتغيير جوهري في شروط انتقالهم إلى التعليم العالي.
2- هل نريد تطوير التعليم المهني أم إغلاق مساراته؟
إن الوسيلة الطبيعية لتشجيع التعليم المهني والتقني هي تحسين نوعية هذا التعليم، ورفع مستوى برامجه، وتوفير فرص عمل لخريجيه، وليس تقليص الخيارات المتاحة أمام الطالب. فالطالب الذي يدخل الإعدادية المهنية في عمر مبكر لا يستطيع بالضرورة أن يعرف في تلك المرحلة ماذا سيكون تخصصه الجامعي بعد ثلاث أو أربع سنوات. وقد تتغير اهتماماته وقدراته، وقد يكتشف أن لديه ميلاً أكاديمياً أو قدرة علمية تسمح له بالانتقال إلى تخصص جامعي قريب من تخصصه المهني. وهذا أمر طبيعي في الحياة التعليمية. ولذلك فإن الأنظمة التعليمية المرنة لا تنظر إلى اختيار الطالب لمسار مهني باعتباره قراراً نهائياً يغلق أمامه بقية الأبواب، وإنما توفر له مسارات انتقال منظمة بين التعليم المهني والتقني والأكاديمي.
3- أخطر ما يمكن أن يحدث: تراجع جاذبية التعليم المهني
قد تكون النتيجة غير المقصودة للقرار هي إضعاف جاذبية التعليم المهني نفسه. فالعائلة العراقية تنظر عادة إلى التعليم الجامعي باعتباره أحد أهم المسارات الاجتماعية والاقتصادية أمام أبنائها. وإذا أصبح التعليم المهني يعني تلقائياً خيارات جامعية محدودة، فقد تفضّل بعض الأسر دفع أبنائها نحو التعليم الأكاديمي العام حتى عندما تكون قدراتهم وميولهم أكثر ملاءمة للتعليم المهني. وهذا قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة للهدف المعلن من القرار. فالدولة التي تحتاج إلى فنيين ومهنيين وتقنيين مؤهلين تحتاج أولاً إلى جعل التعليم المهني خياراً مرغوباً، لا خياراً يشعر الطالب بأنه يضع حدوداً مبكرة أمام مستقبله. لذا فان واحداً من أهم التأثيرات غير المحسوبة لهذا القرار هي إن هذا القرار سيدمر الإعداديات المهنية، إذ سيرفض الطلبة التوجه الى هذه الإعداديات لكون إن خيارات قبولهم في الجامعات ستكون محدودة جداً.
4- مفارقة المواءمة بين التخصص الدراسي ومسار القبول الجامعي
تستند الوزارة في تبرير هذا الإجراء إلى أن إقتصار قبول خريجي الإعداديات المهنية على الكليات التقنية يتلاءم مع طبيعة تخصصاتهم الدراسية. إلا أن هذا التبرير يثير تساؤلاً مهماً حول مدى اتساق مبدأ المواءمة مع بقية مسارات القبول الجامعي، إذ يبدو أن معيار المواءمة لا يُطبق بالدرجة نفسها على جميع خريجي الإعداديات. فعلى سبيل المثال، يُتاح لخريج الفرع العلمي، الذي يدرس الكيمياء والفيزياء والأحياء والرياضيات وغيرها من المواد التقديم إلى كليات الإدارة والاقتصاد، رغم أن تخصصات الإدارة والإقتصاد لا تمثل امتداداً مباشراً للمواد التي تلقاها خلال دراسته الإعدادية. وكذلك يستطيع خريج الفرع الأدبي، الذي تتركز دراسته في الأدب والتاريخ والجغرافية والاجتماع وغيرها، التقديم إلى كليات الإدارة والاقتصاد، رغم أن هذه المواد لا تشكل الأساس التخصصي المباشر للدراسة الجامعية في تلك الكليات. وفي المقابل، يُمنع خريجي إعدادية التجارة من التقديم إلى كليات الإدارة والاقتصاد، رغم أن دراسته المهنية تتضمن مواد في الاقتصاد والمحاسبة والإدارة والمبادئ التجارية وغيرها، وهي أقرب بصورة مباشرة إلى طبيعة التخصصات التي تدرسها هذه الكليات. وهنا تبرز مفارقة واضحة، فإذا كانت المواءمة بين الدراسة السابقة والتخصص الجامعي هي الأساس الذي يستند إليه القرار، فإن خريج الإعدادية التجارية يبدو، من حيث الخلفية الدراسية، أكثر ارتباطاً ببعض تخصصات الإدارة والاقتصاد من خريجي الفرعين العلمي والأدبي الذين يُسمح لهم بالتقديم إليها. والمفارقة الأخرى أنه سيُسمح لخريجي الفرعين العلمي والأدبي بالتقديم الى الكليات التقنية ومنافسة خريجي الإعداديات المهنية. ومن ثم، فإن المسألة لا تتعلق برفض مبدأ المواءمة بين التعليم الثانوي والتعليم الجامعي، وإنما بضرورة تطبيق هذا المبدأ بصورة متسقة وعادلة على جميع المسارات التعليمية، بحيث يكون التخصص الذي درسه الطالب ومقدار ملاءمته للتخصص الجامعي هو الأساس في تحديد فرص القبول، وليس مجرد نوع الإعدادية التي تخرج منها.
5- ماذا تغير عن السنوات السابقة؟
تزداد أهمية هذه المسألة عندما ننظر إلى ما إعتمدته الوزارة خلال السنوات السابقة وخلال هذه السنة كذلك، إذ أن الوزارة تسمح بقبول الطلبة الأوائل من خريجي الدراسة المهنية في الجامعات الحكومية كافة، بتخصصاتها الأكاديمية والتقنية، وفق التخصص المناظر أو القريب. كما أظهرت ضوابط القبول المنشورة للوزارة وجود مسار واضح لقبول هذه الفئة في الجامعات والكليات الحكومية ضمن التخصصات المناظرة أو القريبة. وهذا يعني أن فكرة انتقال خريج التعليم المهني إلى تخصص جامعي أكاديمي مناظر لم تكن غريبة عن النظام التعليمي العراقي. ومن هنا فإن السؤال الذي يستحق الإجابة هو: لماذا ينبغي أن يكون دعم التعليم التقني على حساب الخيارات التعليمية الأخرى لخريجي التعليم المهني؟ فالوزارة تستطيع أن تدعم التعليم التقني بقوة، وتوسع مقاعده، وتحسن برامجه، وتربطه بسوق العمل، من دون أن تجعل بقية المسارات الجامعية مغلقة أمام الخريج الذي يستوفي شروطها.
6- التعليم المهني ليس تعليماً من الدرجة الثانية
هناك حاجة إلى تغيير النظرة التقليدية إلى التعليم المهني في العراق. فالتعليم المهني في الاقتصادات الحديثة ليس مساراً أدنى من التعليم الأكاديمي، وإنما هو مسار مختلف له وظائفه ومخرجاته وطرائق تدريسه. لكن الاعتراف بقيمة التعليم المهني لا يعني تحويله إلى مسار مغلق. بالعكس، قيمة التعليم المهني ترتفع عندما تكون أمام خريجه مسارات واضحة للتقدم: العمل، أو التعليم التقني، أو التجسير إلى بعض التخصصات الجامعية المناظرة، أو مواصلة الدراسات العليا وفق الشروط المعتمدة. وهذه المرونة هي التي تجعل الطالب والأسرة أكثر استعداداً لاختيار التعليم المهني.

التوصيات
1- الدعوة لبناء نظام تعليم مهني أكثر جاذبية: أهم ما يمكن التوصية به هو تأجيل العمل بالقرار وإخضاعه لمزيد من النقاش بالشراكة مع وزارة التربية والأساتذة المتخصصين في الكليات الهندسية والطبية والإدارة والاقتصاد. إن مراجعة قرار حصر خريجي الإعداديات المهنية في الكليات التقنية يهدف إلى بناء مسار مهني أكثر جاذبية ومرونة، يتيح للطالب إمكانية التطور العلمي وفق قدرته واستحقاقه. فاختيار التعليم المهني في سن مبكرة ينبغي ألا يتحول إلى إغلاق لبقية مسارات المستقبل، وإنما إلى مسار يمكن أن تتفرع منه خيارات تعليمية متعددة وفق الكفاءة والاستحقاق، وهو جوهر العدالة في التعليم.
2- تهيئة المستلزمات اللازمة لتعليم تقني متطور: وفي مقدمة ذلك التوسع في إنشاء الكليات والمعاهد التقنية في الجامعات الحكومية والجامعات الأهلية وتحسين بنيتها التحتية.
3-العمل على أساس الإمتيازات وليس القسر في القبول: بإمكان الوزارة أن تقدم إمتيازات لطلبة المهني بالتقديم الى الكليات التقنية (مثل إضافة درجتين أو ثلاثة على المعدل لغرض القبول في الكليات التقنية). دون أن تمنعهم من التقديم الى الكليات الأكاديمية.
4- اعتماد رؤية متكاملة لإصلاح التعليم المهني والتقني: ينبغي ألا يُنظر إلى قبول خريجي الإعداديات المهنية في الجامعات الأكاديمية باعتباره إجراءً سنوياً ضمن ضوابط القبول، بل باعتباره جزءاً من سياسة متكاملة لإصلاح التعليم المهني والتقني، تقوم على توفير تعليم جيد، ومسارات تعليمية مرنة، واختصاصات تتلائم مع متطلبات السوق، وإمكانية التطور العلمي والمهني.



#قصي_الجابري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تسييس المالية العامة والانضباط المالي في العراق: هل تستطيع م ...
- مؤشرات الإنذار المبكر في المالية العامة العراقية... هل سنسير ...


المزيد.....




- -خُلقا لبعضهما-.. ماذا نعلم عن بنغ لي يوان زوجة الرئيس الصين ...
- -أحد أعظم الألغاز العلمية التي لم تُحل-: ما الذي يكشفه التخد ...
- أمين عام الناتو: الاستخبارات الدنماركية محقة في استبعاد هجوم ...
- ريابكوف: بوتين سيتخذ قرار حضور قمة مجموعة العشرين شخصيا
- لوبان: فرنسا في وضع مالي طارئ ولم تعد قادرة على تمويل أوكران ...
- زيلينسكي: أرغب في البقاء بأوكرانيا بعد انتهاء الصراع دون أن ...
- السيسي يشيد بجهود العراق في حصر السلاح
- التنمية المحلية: متابعة الوضع الراهن لمنظومة المخلفات الصلبة ...
- الفن للجميع.. «قادرون باختلاف» يطلق تجربة جديدة لدمج الأشخاص ...
- إيران تلوّح بخيارات أوسع.. والحرب مرشحة لامتداد جغرافي جديد ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - قصي الجابري - حين يتحول المسار المهني إلى مسار مغلق: قراءة في قرار تقييد قبول خريجي الإعداديات المهنية