أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - قصي الجابري - تسييس المالية العامة والانضباط المالي في العراق: هل تستطيع موازنة 2027 كسر الحلقة؟















المزيد.....


تسييس المالية العامة والانضباط المالي في العراق: هل تستطيع موازنة 2027 كسر الحلقة؟


قصي الجابري

الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 00:13
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


تم تكليفي قبل مدة من قبل وزارة التخطيط برئاسة فريق للكتابة حول التجارب الدولية في الإنضباط المالي. ولقد تم تسليم الدراسة الى الوزارة وكان عنوانها (الانضباط المالي والاستدامة المالية في العراق: إطار متكامل للقواعد المالية وإدارة المخاطر في ضوء تجارب دولية مختارة). وبمناسبة قيام وزارة المالية بالإعداد لموازنة عام 2027 رأيت أن أكتب مقالة تستلهم بعض الأفكار التي وردت في دراسة وزارة التخطيط.
تبدأ عملية إعداد موازنة العراق لعام 2027 في ظرف يختلف في كثير من جوانبه، عن ظروف إعداد الموازنات التقليدية. فالمسألة لم تعد تقتصر على تقدير سعر النفط وحجم الإيرادات والنفقات وتحديد العجز المتوقع، وإنما أصبحت ترتبط بسؤال أكثر عمقاً: هل تستطيع المالية العامة العراقية أن تنتقل من كونها أداة للاستجابة للضغوط السياسية قصيرة الأجل إلى أداة مؤسسية قادرة على حماية الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل؟ تنبع أهمية هذا السؤال من أن المشكلة المالية التي يواجهها العراق لا ترتبط بنقص الموارد الطبيعية بقدر ما ترتبط بعدم التوافق بين طبيعة الإيرادات النفطية، بما تتسم به من تقلب ونضوب، وبين هيكل إنفاق عام أصبح أكثر صلابة واستمرارية من الإيرادات التي تموله. فمن مراجعة بيانات نظام توحيد حسابات الدولة خلال المدة من عام 2015 – 2025 نجد أن معدل نمو الإنفاق الحكومي الفعلي بلغ 7.2% في حين بلغ معدل نمو الإيرادات الحكومية 6.5%. وكان معدل نمو الإنفاق الجاري الفعلي 8.7% في حين لم يتجاوز معدل نمو الإنفاق الإستثماري 1.7%. كما شكلت نسبة العجز الى الناتج المحلي الإجمالي حوالي 4.6% وهي تتجاوز القاعدة المعيارية البالغة 3% وفق إتفاقية ماستريخت.
من جانب آخر فقد أشار صندوق النقد الدولي في مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 إلى أن سعر النفط اللازم لمعادلة الموازنة ارتفع إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في عام 2024، مقارنة بنحو 54 دولاراً في عام 2020، نتيجة التوسع المالي وارتفاع تكاليف الأجور وضعف الإيرادات غير النفطية. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في حجم الإنفاق العام وحده، بل في طبيعة القرارات التي تقف وراء هذا الإنفاق. فعندما تتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وتتحول التعيينات إلى التزام مالي يمتد لعقود، وتصبح المشاريع العامة استجابة لضغوط محلية متفرقة، وتتحول الزيادات في الرواتب أو المنافع إلى مكاسب يصعب التراجع عنها، تبدأ الموازنة تدريجياً بفقدان وظيفتها الاقتصادية لتصبح، بدرجة متزايدة أداة لإدارة التوازنات السياسية والاجتماعية. وهنا يظهر مفهوم تسييس المالية العامة، أي إخضاع القرارات المتعلقة بالإنفاق والإيرادات والاقتراض وتخصيص الموارد بدرجة أكبر للاعتبارات السياسية قصيرة الأجل، على حساب الاستدامة المالية والكفاءة الاقتصادية.
في العراق، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة الفصل بين المالية العامة ودورة المطالب السياسية. ومن الخطأ اختزال الانضباط المالي في خفض النفقات، فالانضباط المالي لا يعني أن تنفق الحكومة أقل بالضرورة، وإنما أن تنفق بما يتناسب مع قدرة الاقتصاد على التمويل، وبما يخدم أولويات التنمية، وبما يمكنها من تحمل التزاماتها المستقبلية. وهذا التمييز مهم بصورة خاصة في الحالة العراقية. فخفض الإنفاق الرأسمالي لمجرد تحقيق هدف رقمي للعجز قد يحافظ على الاستقرار المالي في الأجل القصير، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى إضعاف النمو غير النفطي، وتقليص فرص التنويع الاقتصادي، وزيادة الاعتماد على النفط في المستقبل. وقد حذر صندوق النقد الدولي بالفعل من أن صلابة الإنفاق الجاري قد تجعل التصحيح المالي يعتمد بصورة مفرطة على خفض الإنفاق الرأسمالي، بما يضر بالنمو. لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه موازنة 2027 هو ليس كم نستطيع أن نخفض؟ وإنما: ما الذي يجب ألا نخفضه؟ وما الذي لم يعد بالإمكان الاستمرار في تمويله؟ وما الالتزامات التي يجب ألا تتحول إلى أعباء دائمة؟ من هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي: إعادة تعريف الانضباط المالي باعتباره نظاماً لاتخاذ القرار المالي، وليس مجرد سقفاً رقمياً للإنفاق.
أولاً: أين يبدأ تسييس المالية العامة؟
يشير مفهوم السياسات المالية المدفوعة سياسياً (تسييس المالية العامة) إلى قيام الحكومات بتبني سياسات مالية أو نقدية توسعية مثل زيادة الإنفاق العام، أو التوسع في التوظيف الحكومي، أو تقديم إعفاءات ودعم واسع بهدف تحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأجل، كتعزيز الشعبية أو تحسين فرص الفوز في الانتخابات، حتى لو أدت هذه السياسات لاحقاً إلى آثار غير مواتية مثل ارتفاع العجز المالي أو التضخم أو زيادة الدين العام. حيث أن غياب القواعد المالية والمؤسسات الرقابية القوية يؤدي غالباً إلى تحيزات مالية تضعف الانضباط المالي وتؤثر سلباً في الاستقرار الاقتصادي الكلي. وعموماً يظهر تسييس المالية العامة في العراق من خلال مجموعة من القنوات المترابطة.
قناة التوظيف الحكومي: فالتعيين الحكومي الجديد لا يمثل مجرد قرار يتعلق بنفقات سنة مالية واحدة، وإنما ينشئ راتباً وتقاعداً وحقوقاً مالية والتزامات تمتد لسنوات طويلة. ومن ثم، فإن التعامل مع التعيين باعتباره مجرد إنفاق جاري يقلل من تقدير تكلفته الحقيقية، فهو في جوهره التزام مالي طويل الأجل. ويظهر الآن في معظم مؤسسات الدولة جيوشاً من الموظفين العاطلين والذين يستلمون رواتب تستنزف مالية الدولة التي تعاني من هشاشة مالية واضحة، إذ أشارت موازنة عام 2024 الى أن عدد الموظفين في دوائر الدولة بلغ أكثر من 4 ملايين موظف. في حين إتجهت بعض الدول (مثل مصر) الى إيقاف التعيينات منذ عام 2015 بتكثيف الإعتماد على الرقمنة للحد من أعباء التوظيف على الموازنة العامة للدولة.
القناة الثانية تسييس المشاريع الاستثمارية: فالمشروع العام لا ينبغي أن يدخل الموازنة لمجرد وجود طلب سياسي أو اجتماعي عليه، وإنما ينبغي أن يخضع لتقييم واضح للعائد الاقتصادي والاجتماعي، وقدرة الجهة المنفذة على إنجازه، وتكاليف تشغيله وصيانته في المستقبل. وإلا فإن الدولة لا تراكم أصولاً منتجة، وإنما تراكم مشاريع والتزامات مالية قد تتحول إلى عبء على الموازنات اللاحقة.
القناة الثالثة تسييس الدعم والتحويلات: فالدعم غير الموجه قد يبدو في الأجل القصير أداة اجتماعية ملائمة لكنه ليس بالضرورة الأكثر عدالة. ففي كثير من الحالات تستفيد الأسر ذات الاستهلاك الأعلى من الدعم بدرجة أكبر من الأسر الفقيرة، بينما يمكن للتحويلات النقدية الموجهة أن تحقق أثراً اجتماعياً أكثر دقة وكفاءة.
القناة الرابعة تسييس جانب الإيرادات: ففي كثير من الأحيان يكون التركيز السياسي منصباً على تجنب فرض الضرائب أو زيادة التحصيل، في حين يجري التعامل مع النفط باعتباره المصدر الطبيعي لتمويل المطالب الجديدة. وبهذا تصبح العلاقة بين الحكومة والمواطن علاقة إنفاق أكثر منها علاقة مالية متوازنة تقوم على الإيراد والمساءلة. وقد أكد صندوق النقد الدولي أن القاعدة الضريبية غير النفطية في العراق لا تزال محدودة للغاية، وأن الإيرادات النفطية يمكن أن تبقى فوق 90% من إجمالي الإيرادات الحكومية حتى عام 2030 في السيناريو الأساسي.
ثانياً: المشكلة ليست في النفط وحده، وإنما في تحويل النفط إلى التزام دائم
يميل النقاش العام في العراق إلى تحميل النفط مسؤولية الاختلال المالي، لكن هذا التفسير يظل ناقصاً. فالنفط لا يتحول إلى مشكلة مالية لمجرد كونه مورداً ناضباً ومتقلباً، المشكلة تبدأ عندما تتحول الإيرادات النفطية المتقلبة إلى إنفاق ثابت يصعب التراجع عنه. فالنفط مورد يمكن أن ترتفع إيراداته أو تنخفض تبعاً للأسعار والإنتاج والظروف الخارجية، بينما الرواتب والتقاعد والدعم والتحويلات والتزامات التشغيل تمثل نفقات أكثر صعوبة في التخفيض السريع. ولذلك فإن استخدام ارتفاع مؤقت في الإيرادات النفطية لخلق التزامات دائمة يرفع المخاطر المالية في السنوات اللاحقة. وهذه هي الحلقة التي ينبغي لموازنة 2027 أن تكسرها. فالانضباط المالي الحقيقي لا يتمثل في إدارة نتائج هذه الحلقة بعد وقوعها، وإنما في منع تحول الإيرادات المؤقتة إلى التزامات دائمة منذ البداية.

ثالثاً: موازنة 2027 ينبغي أن تبدأ من سقف مالي لا من قائمة مطالب
من أهم الإصلاحات المطلوبة أن تتغير فلسفة إعداد الموازنة نفسها. فالنهج التقليدي يبدأ بقيام الوزارات والجهات الحكومية بتقديم احتياجاتها ومطالبها، ثم تحاول وزارة المالية تجميع هذه المطالب وتكييفها مع الموارد المتاحة. أما النهج الأكثر انضباطاً فيفترض أن يبدأ الإعداد من سقف مالي متوسط الأجل تحدده قدرة الحكومة على التمويل، ثم يجري توزيع الموارد المتاحة داخله وفق الأولويات الاقتصادية والاجتماعية. وهذا الاتجاه يتفق مع ما دعا إليه صندوق النقد الدولي في حالة العراق من تعزيز الإطار المالي متوسط الأجل، وتحسين إدارة المالية العامة، واعتماد إطار قائم على القواعد يجعل السياسة المالية أقل مسايرة لتقلبات الدورة النفطية. كما اقترح الصندوق، ضمن هذا الإطار، استهداف مسار مستقر لتحسين الرصيد الأولي غير النفطي. لكن العراق يستطيع أن يذهب أبعد من ذلك، وأن يجعل موازنة 2027 نقطة بداية لإعادة بناء طريقة اتخاذ القرار المالي نفسها.

رابعاً: توصيات لموازنة 2027 تتجاوز الحلول التقليدية
هنالك مجموعة توصيات يمكن وضعها لضبط المالية العامة والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:
1. إنشاء مرساة مالية عراقية تربط الإنفاق بالإيرادات النفطية المستدامة: فبدلاً من تحديد سقف الإنفاق بصورة منفصلة عن تقلبات أسعار النفط، يمكن للعراق اعتماد قاعدة مالية تقوم على مبدأ واضح: لا ينبغي أن يؤدي الارتفاع المؤقت في الإيرادات النفطية إلى زيادة مماثلة في الإنفاق الجاري، كما ينبغي أن يبنى الإنفاق الدائم على تقدير محافظ للإيرادات النفطية القابلة للاستمرار. وبمعنى آخر، ينبغي ألا يكون السؤال الذي يحكم الموازنة: كم لدينا من النفط هذا العام؟ بل: كم من الإيرادات النفطية يمكن اعتبارها دخلاً مستداماً يمكن بناء التزامات دائمة عليه؟ وفي هذا السياق يمكن أن يصبح الرصيد الأولي غير النفطي أحد المؤشرات المركزية للمرساة المالية العراقية، وهو اتجاه ينسجم مع توصيات صندوق النقد الدولي بشأن العراق.

2. استبدال منع التوظيف بقاعدة التوظيف الممول مسبقاً: يعد التوظيف الحكومي من أكثر القرارات السياسية تكلفة على المدى الطويل. ولذلك يمكن للعراق تبني آلية مختلفة تقوم على أن أي قرار يتعلق بتعيين جماعي جديد يجب أن يرفق بمصدر تمويل دائم يغطي تكلفته لعدة سنوات، وليس بمجرد تخصيص متاح في موازنة السنة الحالية. بعبارة أكثر وضوحاً: لا تعيين دائم من دون مصدر تمويل دائم. ولا يكفي أن تقول الجهة الحكومية إن لديها تخصيصاً في موازنة العام الحالي، بل ينبغي أن تثبت أن القرار لن يتحول إلى عبء غير ممول عندما تنخفض الإيرادات النفطية. وهذه القاعدة يمكن أن تغير طبيعة النقاش السياسي نفسه، فبدلاً من أن يكون السؤال: كم وظيفة يمكن أن نخلق؟ يصبح السؤال: من أين سنمول هذه الوظائف عندما تنخفض أسعار النفط؟

3. إدخال اختبار الصدمة النفطية ضمن وثائق الموازنة: ينبغي أن لا تعتمد الموازنة رقماً واحداً لسعر النفط وتتعامل معه وكأنه حقيقة مؤكدة. فأسعار النفط بطبيعتها متقلبة، والمالية العراقية شديدة الحساسية تجاه هذه التقلبات. لذلك ينبغي أن تتضمن موازنة 2027، ضمن وثائقها الرسمية، ثلاثة سيناريوهات على الأقل: سيناريو أساس، وسيناريو لانخفاض أسعار النفط، وسيناريو لصدمة شديدة. ولا ينبغي أن يقتصر الاختبار على بيان الإيرادات والعجز، بل يجب أن يوضع في كل سيناريو حجم الاحتياجات التمويلية، ومسار الدين، وأثر الصدمة على الاحتياطيات، والإجراءات التي سيتم اللجوء إليها إذا تحققت الصدمة، بما في ذلك ما الذي سيُخفض أو يؤجل. وبذلك تصبح الموازنة وثيقة لإدارة المخاطر، وليس مجرد وثيقة لتوزيع الأموال. وهذا مهم بصورة خاصة للعراق، في ظل حالة اللايقين العالمي وهشاشة المالية العامة أمام انخفاض أسعار النفط وارتفاع الاحتياجات التمويلية.

4. إنشاء بيان التكلفة المالية للالتزام السياسي: هذه من الأفكار التي يمكن أن تكون مناسبة بصورة خاصة للحالة العراقية. فكل قرار جديد يُنشئ التزاماً مالياً دائماً، سواء تعلق بالتعيينات أو الرواتب أو الدعم أو التقاعد أو الإعفاءات أو المشاريع التي تترتب عليها تكاليف تشغيلية مستقبلية، لذا ينبغي أن يُرفق مع الموازنة ما يمكن تسميته بيان التكلفة المالية للالتزام السياسي (Political Commitment Cost Statement). ولا ينبغي أن يقتصر البيان على تكلفة القرار في سنة 2027، وإنما يجب أن يوضح تكلفة السنة الأولى، والسنة الخامسة، والسنة العاشرة... وهكذا. إضافة إلى التكلفة التراكمية على المدى الطويل. فإذا كان قرار معين يكلف 500 مليار دينار في السنة الأولى، لكنه ينشئ التزامات تصل إلى 5 تريليونات دينار خلال عشر سنوات، فمن الضروري أن يكون الرقم الثاني ظاهراً أمام صانع القرار والبرلمان والرأي العام، لا أن تبقى التكلفة المستقبلية مخفية خلف رقم السنة الأولى. وقد تكون هذه الأداة واحدة من الوسائل الأكثر فاعلية للحد من تسييس المالية العامة، لأنها تحول التكلفة السياسية المخفية إلى تكلفة مالية مرئية.

5. تحويل استمرار التمويل إلى حق مشروط بالأداء: لا يعني حصول الوزارة أو الجهة الحكومية على تخصيص مالي إن استمرار هذا التمويل يصبح أمراً شبه تلقائي في السنوات اللاحقة. ويمكن تطبيق مفهوم الموازنة القائمة على الأداء (Performance-Based Budgeting) بصورة تدريجية، بحيث يحصل كل برنامج حكومي رئيسي على تمويل أساسي، بينما يصبح جزء من تمويله المستقبلي مشروطاً بتحقيق مؤشرات أداء ومخرجات ونتائج محددة. وبذلك ينتقل النقاش من السؤال التقليدي: (كم حصلت الوزارة؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا أنتجت مقابل ما حصلت عليه؟ وهذا التحول مهم في دولة ترتفع فيها مستويات الإنفاق العام، بينما لا تزال كفاءة بعض بنود هذا الإنفاق موضع تساؤل.
خامساً: لماذا لا ينبغي للعراق أن يكرر نموذج التقشف السهل: قد يكون خفض الاستثمار العام من أسهل الطرق لإظهار تحسن سريع في العجز، لكنه قد يكون في الوقت نفسه من أكثرها كلفة على الاقتصاد. فإذا كان الاستثمار العام موجهاً إلى الكهرباء والنقل والمياه واللوجستيات والرقمنة والبنية التحتية التي يحتاج إليها القطاع الخاص، فإن خفضه لمجرد تحقيق عجز أقل قد يضعف القاعدة التي يفترض أن تولد الإيرادات غير النفطية في المستقبل. لذلك ينبغي أن تقوم موازنة 2027 على مبدأ مختلف: خفض الإنفاق غير المنتج، وليس خفض الإنفاق المنتج. وهذا يتطلب إعادة تصنيف الإنفاق العام إلى أربعة أنواع رئيسية: إنفاق مولد للنمو، وإنفاق ضروري اجتماعياً، وإنفاق قابل لإعادة الهيكلة، وإنفاق ينبغي التخلص منه تدريجياً. وبهذه الطريقة يمكن حماية الإنفاق الرأسمالي ذي العائد الاقتصادي والاجتماعي المرتفع حتى أثناء تنفيذ التصحيح المالي.

سادساً: من الضريبة السياسية إلى الإصلاح الضريبي الاقتصادي: من الأفكار التي تستحق النقاش في العراق أن يبدأ الإصلاح الضريبي من توسيع القدرة على التحصيل وتحسين كفاءة النظام، بدلاً من البدئ مباشرة برفع معدلات الضرائب وفرض أعباء واسعة على القاعدة الشعبية. فالإصلاح الضريبي لا يعني ببساطة زيادة المعدلات، وإنما يشمل رقمنة التحصيل، وتوسيع الوعاء الضريبي، ومكافحة التهرب، وتقليص الإعفاءات غير المبررة، وتحسين الإدارة الكمركية، وإدخال النشاط الاقتصادي غير الرسمي تدريجياً إلى النظام الرسمي. وقد أكد صندوق النقد الدولي أن تحسين الإدارة الضريبية من خلال الرقمنة والإنفاذ والتحصيل يمثل خطوة أساسية قبل التوسع في فرض ضرائب عامة على الاستهلاك. ومن هنا يمكن أن يكون المدخل الأكثر ذكاءً بالنسبة للعراق هو: رفع القدرة على تحصيل الضريبة قبل رفع الضريبة نفسها.

سابعاً: إنشاء مجلس مالي عراقي مستقل: إذا بقيت السياسة المالية خاضعة بصورة كاملة للحسابات السياسية قصيرة الأجل، فلن تكون القواعد المالية وحدها كافية. ولذلك يمكن للعراق دراسة إنشاء مجلس مالي مستقل (Fiscal Council) تكون مهمته الأساسية تقييم السياسة المالية، وليس إعداد الموازنة نيابة عن الحكومة. ويمكن أن تشمل مهامه تقييم واقعية سعر النفط المفترض في الموازنة، ومراجعة تقديرات الإيرادات، وتقييم أثر القرارات الجديدة على الدين العام، وإصدار تقييم مستقل للمخاطر المالية، ونشر تقرير سنوي عن الاستدامة المالية، وتقييم السيناريوهات البديلة للموازنة، وإصدار تقدير مالي للآثار المترتبة على التشريعات والقرارات الجديدة. والأهم هو أن لا يتحول المجلس إلى مؤسسة استشارية صامتة، بل ينبغي أن يكون له صوت فني مستقل ومعلن أمام الحكومة والبرلمان والرأي العام.

ثامناً: لا نحتاج إلى صندوق سيادي جديد قبل تغيير قاعدة الإنفاق: في ضوء التجارب الدولية، ولا سيما تجربة النرويج، قد يبدو إنشاء صندوق سيادي عراقي خياراً جذاباً. لكن إنشاء الصندوق بحد ذاته لن يحل المشكلة إذا بقيت العلاقة بين النفط والإنفاق على حالها. فإذا لم تتغير قاعدة الإنفاق، فقد يتحول الصندوق ببساطة إلى حساب مالي جديد، بدلاً من أن يكون أداة لإدارة الثروة النفطية على المدى الطويل. لذلك، إذا تقرر إنشاء صندوق سيادي، ينبغي أن يأتي بعد تحديد قاعدة مالية واضحة. ويمكن، على سبيل المثال، أن يُخصص الجزء الذي يتجاوز الإيرادات النفطية المرجعية طويلة الأجل وفق قاعدة مسبقة بين تكوين الاحتياطيات المالية وسداد الدين وتمويل الصندوق السيادي والاستثمار التنموي. وعندها يصبح الصندوق أداة للانضباط المالي، وليس خزينة موازية للإنفاق.

تاسعاً: حماية المالية العامة من الدورة الانتخابية قبل وقوعها: هذه ربما تكون أكثر التوصيات حساسية، لكنها في الوقت نفسه من أكثرها ارتباطاً بجوهر مشكلة تسييس المالية العامة. إذ يمكن للعراق أن يدرس وضع قاعدة مؤسسية تمنع، خلال فترة محددة تسبق الانتخابات، اتخاذ قرارات ذات أثر مالي دائم لا تكون مدرجة ضمن إطار مالي متوسط الأجل ومعتمد مسبقاً. ولا يعني ذلك تجميد عمل الحكومة أو تعطيل الخدمات العامة، وإنما يعني أن القرارات التي تنشئ التزامات مالية دائمة لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات للمنافسة الانتخابية قصيرة الأجل. ويمكن أن تشمل هذه القاعدة التعيينات الاستثنائية، والزيادات العامة غير الممولة، وإنشاء برامج دعم دائمة، وإطلاق مشاريع ذات تكاليف تشغيلية كبيرة، وتقديم ضمانات حكومية جديدة، مع استثناء ما يرتبط بالطوارئ والأمن والخدمات الأساسية. ولا ينبغي النظر إلى هذا الإجراء باعتباره تقشفاً، وإنما باعتباره محاولة لمعالجة ما يعرف في الأدبيات المالية بمشكلة الدورة السياسية للموازنة (Political Budget Cycle).

عاشراً: إدخال سجل الالتزامات المؤجلة إلى الموازنة: هناك جانب من المخاطر المالية لا يظهر دائماً في أرقام العجز الحالية، ويتمثل في الالتزامات التي لم تتحول بعد إلى إنفاق فعلي. ولهذا ينبغي أن تتضمن موازنة 2027، إلى جانب الإيرادات والنفقات والدين، سجلاً واضحاً للالتزامات الحالية والمستقبلية التي قد تؤثر في المالية العامة. ويشمل ذلك عقود المشاريع، والتعيينات الجديدة، والتزامات التقاعد، والضمانات الحكومية، والشراكات مع القطاع الخاص، وعقود شراء الطاقة، والمتأخرات، والالتزامات المحتملة للمؤسسات والشركات العامة. فالأداء المالي السليم لا ينبغي أن يقيس فقط ما أنفقته الحكومة اليوم، وإنما أيضاً ما ألزمت نفسها بإنفاقه غداً. وهذه المسألة تكتسب أهمية إضافية في العراق في ظل عودة المتأخرات، والحاجة إلى تسجيلها ووضع خطة لسدادها، وتحسين تقدير الاحتياجات التمويلية وقدرة الحكومة على تنفيذ ما تدرجه في الموازنة.

الحصيلة: ماذا يجب أن تكون عليه موازنة 2027؟
ينبغي التأكيد على نقطة أساسية هنا وهي أن المشكلة ليست نقص المال، وإنما غياب قاعدة سياسية للمال، فالعراق يمتلك موارد مالية كبيرة واحتياطيات خارجية مهمة ومورداً نفطياً يمكن أن يوفر له التمويل لفترة طويلة إذا أحسن إدارة هذه الثروة. لكن امتلاك المورد لا يعني امتلاك الاستدامة. فالاستدامة تبدأ عندما تستطيع الحكومة أن تقول لا للإنفاق الذي لا تستطيع تمويله في المستقبل، وفي الوقت نفسه أن تقول نعم للاستثمار الذي يزيد قدرتها المستقبلية على التمويل والنمو. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تنطلق منها موازنة 2027. فالانضباط المالي ليس حرباً على الإنفاق، وليس مرادفاً للتقشف، وليس هدفه إرضاء الأسواق أو خفض العجز لذاته. إنه، في جوهره، نظام لحماية القرار الاقتصادي من قِصَر النظر السياسي. وإذا أراد العراق أن يستفيد فعلاً من التجارب الدولية في الإنضباط المالي كتجارب ماليزيا وسنغافورة والنرويج وغيرها من الدول، فإن الدرس الأهم لا يكمن في إنشاء صندوق سيادي أو تبني قاعدة رقمية للدين والعجز فحسب، وإنما في بناء مؤسسات تجعل القرارات المالية طويلة الأجل أقوى من الضغوط السياسية قصيرة الأجل. ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن تفعله موازنة 2027 ليس أن تكون موازنة تقشف، وإنما أن تكون أول موازنة عراقية تُلزم السياسة بأن تتكيف مع قدرة المالية العامة، بدلاً من أن تُجبر المالية العامة على التكيف مع السياسة. وفي تقديري ينبغي أن لا يكون الهدف الرئيسي لموازنة 2027 هو الوصول إلى رقم معين للعجز، كما لا ينبغي أن تتحول إلى موازنة تقشفية هدفها خفض الإنفاق بصورة عامة. الأهم أن تكون موازنة 2027 موازنة انتقال من المالية القائمة على النفط إلى المالية القائمة على القواعد. وهذا الانتقال يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين القرار السياسي والقرار المالي، بحيث يصبح الالتزام المالي خاضعاً لقدرة الحكومة على تمويله، وليس العكس. فالهدف النهائي ليس تقليص حجم الحكومة، وإنما رفع جودة الحكومة وكفاءة إنفاقها وقدرتها على اتخاذ قرارات مالية قابلة للاستمرار.



#قصي_الجابري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مؤشرات الإنذار المبكر في المالية العامة العراقية... هل سنسير ...


المزيد.....




- هانتر بايدن ينفعل بعد انهيار عملته الرقمية -$LAPTOP-: -حدث خ ...
- بوتين: أخطاء بنيوية في سياسات الغرب وراء أزمات أوروبا
- ستاندرد آند بورز تثبت التصنيف الائتماني للسعودية
- بوتين: بنك التنمية الجديد لـ-بريكس- يعزز نمو المجموعة ويوسع ...
- أمريكا تدرس استخدام قانون الإنتاج الدفاعي لزيادة طاقة تكرير ...
- مصالح الاقتصاد تجمع بكين ونيودلهي.. ورحلات مباشرة بين دبي وب ...
- في العراق ولبنان.. عقوبات أميركية تحاصر وكلاء إيران واشنطن ...
- المصافي الأمريكية عند 98%.. فهل تملك واشنطن ورقة أخرى لكبح أ ...
- الرئيس التنفيذي لشيفرون: مخزونات النفط الاحتياطية تتراجع وال ...
- لماذا تقاتل إسرائيل لعرقلة مرور التجارة والطاقة الجديدة عبر ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - قصي الجابري - تسييس المالية العامة والانضباط المالي في العراق: هل تستطيع موازنة 2027 كسر الحلقة؟