أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نورالدين حنيف - الجسد العلماني















المزيد.....

الجسد العلماني


نورالدين حنيف

الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 14:11
المحور: قضايا ثقافية
    


1 – الشاهد:
ذاتَ حوارٍ، قالت صديقتي العلمانية: أنا حرّةٌ في جسدي و لا أطيق أن أسجنه في طقوس دينية تُملِي عليّ شروطَ اسْتِعماله. قلتُ: هي ليست شروطاً بالمعنى الذي يُضيِّق الخناقَ على حريّة الإنسان. إنها تعاليم ربّانية تشذبُ في العلاقات الجسدية ما يخرج عن الفطرة و القيم والأخلاق والمواضعات الاجتماعية. قالت: هذه كلّها قيود لا معنى لها، وأنا أحبّ أن أتحرك بجسدي دون قيد و أن أستعمله كيفما شئت دون رقابة خارجية. بل إنني أذهب إلى أجرأ من ذلك و أكبر... قلتُ: كيف؟ قالتْ: حتى ابني الرضيع، أنا حرة في أن أمسكَ عنه جسدي بحرمانه من الرضاعة لأنه ليس حتماً عليّ أن أظل رهينة قيدٍ زمنيٍّ يفرض عليّ أن أمدّه بالغذاء لمدّة حوليْن كامليْنِ، حتى يترهّل صدري و أفقد رشاقتي. قلتُ: في هذه أنتم معشر العلمانيين تذهبون مذهب التطرف و تنسون أنه بين الأم ورضيعها عقدٌ ضمني يُلزِمها بواجب الرّضاعة قالتْ: أي عقد؟ قلتُ: تأسّس العقد ضمنياً عندما فكّرتِ في الإنجاب، و قد كان حريّاً بكِ ألّا تنجبي أصلاً... لأنّك إن تذرّعتِ بالحق في الأمومة، فإن هذا يستتبع آلياً الواجب في الرعاية. و هو الواجب الذي يتحول إلى حقٍّ يُمتِّع الرضيعَ بالحضن والرضاع و ما شابَه... انتهى .
2 – سؤال الجسد :
فضّلتُ أن تكون هذه الأقصوصة مدخلا لقراءة الجسد الإنساني قراءة تتساءل أكثر مما تقرّر و تفتح الإشكال على مصراعيْه أكثر مما تُعرِّف، حتّى لا تدّعي في تداعياتها البحثية امتلاكها للمعرفة و لسلطة هذه المعرفة. و فضّلتُ أيضاً هذه الأقصوصة البينية على أيّ مدخل آخر لأنها تطرح الإشكال بين تصوريْن، واحد بمرجعية دينية و الآخر بمرجعية وضعية.
إذن هي مقولة الحرية و الجسد تطرح ذاتها هنا بإلحاح، في سياق حضاري لاحظَ على نفسه تغوّلَ المدّ العلماني القائل بتسييب العلاقة بين الفرد و جسده، في غير رقابة ميتافيزيقية بالمفهوم الفلسفي، و في غير رقابة عُلوية و غيبية بالمفهوم الديني. و هو السياق ذاتُه الذي لاحظتْ فيه الحضارة الإنسانية صحوة الدين و الرجوع إلى الله والوحي و إلى خطاب النبوة.
إن الحديث عن الجسد و عن حريته في التصرّف هو الحديث عن البدايات الممكنة. و هي البدايات الثاويةُ في هوية هذا الجسد، الفارضة أكثر من سؤال:
هل هي هوية تدل على الإنسان في فردانيته الصارخة بحيث تنتصر حدود الذات على الدوائر الجمعية؟ و هل هذه الهوية نازحة من عمليات عقلِ الذات لِذاتِها الفردانية المعبّرة عن نفسها في فلسفة قائمة ومستقلّة؟ أم هي هوية الفرد المتجاوزة لتمثيلِ (الأنا) الهووية المتشرنقة داخل المفهوم الفردي... أم هي الهوية الواسعة الدّالّة على رمزية هذه (الأنا) و الذّاهبة إلى التعبير عن الإنسان بمفهومه الجمعي و غير الكامن في أنتروبولوجيا المحلّي حيث الإنسان الأوربي هو غير الإنسان الافريقي و هما غير الإنسان الأمريكي اللاتيني و هكذا؟ و هل هي هوية الجسد في تمثلاته الضيّقة و البسيطة و المرتبطة بالشخصنة أم هي هوية الكائن الأنتربولوجي الكوني المعبّر عن مفاهيم الجسد الواحد على الرغم من اختلاف البنيات الفيزيولوجية و اللونية والعرقية؟
3 – سؤال الجوهر:
لا تتحدد هوية الإنسان في ملامحه الجسدية إلا في الإطار الضيّق الذي يميز هذا عن ذاك في محفل لا يقوم على أحكام القيمة. إذ سرعان ما تتلاشى الحدود البيضاء و السمراء و السوداء عندما تحضر الهوية الإنسانية في مفهومها الكلياني الموسوم بالغاية في التوحيد. من هنا نفهم عميقاً قوله تعالى (الحمدلله ربّ العالمين) القاضي باحتواء الكون كلّه في دوائر المحبّة الإلهية. و بالتالي فلا موجب للحديث عن العَرَضِ في ماهية الإنسان، إلا في العمليات الإجرائية التفكيكية و التحليلية التي تتغيّى فهم خصوصيات الثقافات و تعبيراتها المحلية عن طبائع الناس داخل حقولٍ معيشية أكثر حميمية و محليّة. و ما تبقّى من الصوغِ الإنساني، هو الدفع بالكليانية إلى أقصى حدودها لكسب جوهر الإنسان .
إن جوهر الإنسان هو رهان الإنسانية، و هو المرجعية القوية في تحديد الهوية و معالمها و امتداداتها الممكنة. من هنا نسبية الطرح القائل بهوية الجسد الواحد و الفردي، و من ثمّة حريّة هذا الجسد الواحد و الفردي. إن المسألة مترابطة أشدّ الترابط في ذهن العلمانية الراغبة في تبرير الحرية الجسدية و الجسدانية في أفق يتغيّى أكثر من التكريس لقيم الحرية الفردية. إنها تبتغي من وراء ذلك فتح بوّابات الحريات على مصاريعِها فتحا بدون قيود و بدون شروط و بدون رقابات، و خاصّة الرقابات الدينية، و بالأخص الرقابة الإسلامية الشاذبَة لفعل الجسد تشذيبا قويما مبنيا على رؤية ربّانية فريدة في تاريخ القيم.
هكذا، نتحدّث عن الجوهر و العرض في علاقة الإنسان بجسده، من حيث التعبير الفعلي عن حرية الفرد في التصرّف فيما يملك. إن هذه الملكية التي هي صميم و صمّام أمان التصرّف، ملكية شائكةٌ وإشكالية. فمن قالَ إن الإنسانَ مالكٌ حقيقيّ لجسده؟
دعْنا نناقش الأمر في هدوءِ و حكمة و في رزانة... حتّى نحولَ بيننا وبين التأويلات الاندفاعية الفاتكة بالحوار و بأهداف الحوار. إن هذا الجسد الذي يدّعي العلماني أنه حرّ في استعماله وفق إرادته و رغبته بحجة أنه يمتلكه هو طرحٌ يحمل الفكرة و نقيضها الهادمَ لها. و دعنا لا نقول ما قال التصور الإسلامي بأن الله يرث الأرض و من عليها وبالتالي حتى الأجساد يرثها. من منطلق أن العلماني الذي يحاورنا لايأبه بالنقول والنصوص الماتحة من مرجعيات الوحي. نقول له و في برهنة منطقية لا خلفية غيبية فيها: هبْ أيها العلماني أنّك تملك هذا الجسد، و تملك قرار التصرف فيه، إذن فامنع عنه المرض و الخلل والعِلل و الشيخوخة والموت. إن ملكية الشيء لا تقف عند حدود حق التصرف فيه بل تذهب بعيدا إلى حق التحكّم فيه، و بالتالي فلا تقلْ لي أيها المستمع لهذا الحوار (بهتَ الذي كفر) 1... فحتّى هذا المنطق لا نرومه، لأننا لا نريد تكفير أحد بقدر ما نريد التصحيح إن أمكن أو على أقلّ تقدير نريد البيانَ، من وجهة نظرنا التي نظنّها مبنية داخل نسق فكري واضح المعالم ، وبمرجعية معرفية أوضح، تقوم أساسا على منهج (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) 2.
إنّ اختزال العلمانية لمشهد الجسد في حرية العرَض بدل حرية الجوهر، أو بدل حريتهما معاً في تكامل نسقي هو لعمري الخروج بالجسد من منظور الوجود الإنساني إلى منظور الواجهة. و حيث إن الواجهة بحكم تسميتها تبقى مجرّد تقليعة عابرة، فإن عمليات تحليل مقولة الجسد ستسقط آلياً في التركيز على تيمات الإثارة. و من ثمّة سيختزل التحليل ذاته في فكرة الجسد - الحيز، و ستتقلّص إمكانيات قراءته في المنظور الواسع الذي يربطه بعوالم أخرى تكون به و يكون بها، و نقصد بذلك أقنوم الروح، حتّى و لو دأبت الدراسات البحوث على اعتبارها هيولى غير قابلة للقياس و القبض و الأجرأة .
4 – مقاربة منقوصة:
إذن، كيف نطلبُ من منطق التحليل أن يُقارِب حرية الشيء في منقوصهِ لا في كماله أو تكامله؟ بمعنى أن القراءة العلمانية للجسد هي قراءة آثمة بالمفهوم النقدي و الأخلاقي. هي قراءة تختزل الجسد في مناطق (جمع منطِق) غير سليمة على مستوى النظر:
الأول هو النظر الجسماني و البدني لمفهوم الجسد، على اعتبار أنه مجرّد كتلة، تقبل فكرة الحيّز و لا يُراعَى بُعدُها الروحي الممتد خارج الكتلة.
و الثاني هو النظر القيمي الذي يختزل الحرية في الرغبة الدانية القاضية بشقّ عصا الطاعة التاريخية للدين، حتّى ليبدو للقارئ أن المستهدف بهذا التخريج ليس حرية الجسد و إنما نقد الدين، و يُفهم ذلك من أن أغلب التحاليل العلمانية تستعمل لغة نقدية مستفزة و غير علمية، تقوم على تصيّد الممكن من ثغرات الدين في رؤيته للجسد، وخاصّة إذا تعلّق الأمر بدين الإسلام.
و الثالث هو النظر اللاثقافي الهادف إلى إخراج الجسد من ثقافته الصانعة لهويته، إلى اللاثقافة، و إلى اللاجسد... و بالتالي نكون أمام نظر لا يؤسس لكونية الجسد و إنما يروم علمنة الجسد في إطار ثقافة أخرى هي ثقافة التبضيع و التسليع خارج إطار القيم و مرجعياتها البانية.
هذه الصيحات المتلونة بألوان الحداثة لا تروم الحرية في ذاتها ولذاتها في مقارباتها لهذا الجسد الإنساني. إنها ترغب في تعرية هذا الجسد وتحويله من حالة الثقافة إلى حالة الطبيعة. أي من حالة الهوية الممتلكة لمقولة الأسماء التي علّمها الله آدمَ، إلى حالة اللاهوية البدئية القاطعة من الحداثةِ ذاتها في مفارقة عجيبة تتناقض في صميم بنياتها مع مُدخلاتِها ومخرَجاتها قبل أن تتناقض مع الأطروحات الفكرية المُغايِرة. و هي في هذا المسار صيحاتٌ تستفيد من سياقٍ حضاري وهمي يقول بقيم التحرر و الحرية و الحرية الشخصية. في مقابل الترويج من قبلِ هذا السياق ذاتهِ لخطل و خطأ الدعوات و الصيحات المقابلة، و نقصد بها كل صيحة تراثية دينية تحمل مشروع حداثتها في رحم عتاقتها.
4 – خاتمة مفتوحة :
لا تكون الحياةُ في الجسد بما هو جسدٌ متحيّزٌ في الكتلة، و إنما تكون حياتهُ رهينةً باحتضانها لمقولة الروح التي أشرنا سابقا إلى زئبقيتها في التحليل. إلا أن حضورها لا ينكره أحد البتّة. و هي جوهر الوجود وسديمه الغائر في قيم هذا الوجود. إن استحضار الروح في مقامات الجسد ليس انثيالاً لثنائية المحتوى و الوعاء فحسب، و إنما و أساساً هو انثيالٌ لحقيقة العلاقة بينهما، و هي القائمة على جدل الحضور والغياب، أي المعنى و اللامعنى. ففي تجاورهما يكون الجسد ثقافةً وهويةً، و في تغييب أحد الطرفين يكون اللاجسد. و حيث إنّ اللاجسدَ مقولةٌ عائمة فإن الغرض من هذا الصوغ الفكري العلماني هو إطلاق الإنسان في علاقات بشرية بغير ضابط قيمي يتشيّؤ في سياقه هذا الإنسان و يفقد إنسانيته التي بها يكون إنسانا.
...
1 - الآية 258 من سورة البقرة
2 - الآية 111 من سورة البقرة
...



#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقدمة في قصيدة النثر
- شاعريةُ الجسد
- سيكولوجية الذاكرة الانتخابية
- الوهمُ عندما يكونُ صديقًا
- كِتابةُ الْموت
- كتابة الموت
- السياسة لا تقبل الفراغ
- الشيطانُ كائنٌ وسيم - قصّة


المزيد.....




- تواصلان ارتداء أزياء المسلسل خارج الكاميرا.. ما سر تعلّق بطل ...
- الحوثيون يكشفون عن حجم حركة الملاحة في مضيق باب المندب خلال ...
- كيف استقبل الرئيس الأمريكي نظيره الصيني؟
- -حماس- تعلن جاهزيتها لتنفيذ خارطة طريق السلام في غزة
- الدفاع الروسية: تحرير بلدة جديدة في زابوروجيه جنوب أوكرانيا ...
- السعودية تحذر من خطر محتمل وتوجه رسالة عاجلة للمواطنين والمق ...
- واشنطن تقر بثماني محاولات انتحار لأفراد من البحرية منذ انتشا ...
- -أنا عايزة أتجوز-.. منشور فتاة مصرية يشعل تفاعلا واسعا!
- ماذا نعرف عن السلاح السري الإيراني الذي تستخدمه طهران في موا ...
- صحافة التشارك.. عندما تحارب المكتبات العامة الجفاف الإخباري ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نورالدين حنيف - الجسد العلماني