أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نورالدين حنيف - شاعريةُ الجسد















المزيد.....

شاعريةُ الجسد


نورالدين حنيف

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 15:03
المحور: قضايا ثقافية
    


الأسئلة الحقيقية المناسبة لا يطرحها ممارس رياضة الأيكيدو و هو يلج قاعة التدريب، لأنه محمّل بتمثلات مسبقة تفيدُ انخراطه في أسلاك هذه الرياضة، وحسبُ. و لا يتجرّأ على فتحِ نوافذ معرفية من أجل استيعابٍ نظري لهذه المنظومة وهو الأمر العادي عند كل المهتمّين بها. ومن هذه الأسئلة الكامنة والمركزية سؤال :
ما هو جسدي؟ و ما طبيعته؟ و ماذا أريد منه؟ و لِمَ أدخلْتُهُ في هذا السياق الرياضي و الفني و الفلسفي؟ و ماهي مدخلاته الأساسية؟ و ما هي مخرجاته المرجوة؟ و كيف أحاورُ به أجساداً أخرى؟ و كيف أتعالق معها في سياقات إكراهية؟ ...
و أسئلة أخرى من نفس المقام، لا تلح على الممارس لأنه مطبوعٌ بالرغبة في التحصيل التقني لأدبيات هذا الفن، ومن ثمّة تغيب هذه الأسئلة المركزية على مقاصل النزوع النفعي، المشروع والصادق. و هي أسئلة يمكن اختزالها في سؤال واحد: ما هو هذا الوجود الجسدي أو الجسداني في منظومة فن الأيكيدو؟
الأيكيدوكا كائن إنساني مثل سائر الناس، لكنّه يقفز على النمطية بانخراطه في مجال رياضة الأيكيدو. و هو بهذا القفز يتحوّل إلى ممارس لوجودين:
وجود يحكمه التواصل اليومي عبر آلية اللغة العادية المتواضع عليها في أفق التخاطب الاجتماعي، استجابةً لشرطه البشري و الموضوعي. و الثاني وجود فنّي تصمتُ فيه اللغة العادية لتتكلم فيه لغة الجسد، فيصبح الأيكيدوكا محاوراً جيّداً للأجساد الأخرى الغيرية التي يتعامل معها سواءٌ على صفيح ركح التداريب الأسبوعية أو على صفيح الملتقيات الوطنية و الدولية الموسّعة. و بعبارةٍ أخرى فإن الأيكيدوكا، كائنٌ محظوظٌ تُتاح له إمكانياتٌ جديدةٌ عبر الفرص الحياتية الرحبة التي ينطلق فيها عجيباً في محاورات الجسد .
و هو في هذه المحاورة لا ينطلق من فلسفة أو مرجعية فكرية موغلة في التنظير، و إنما ينطلق من انسيابيةِ انخراطه التي تجعله محاورا جيّداً لجسده في علاقةٍ مع الأجساد الأخرى، و في هذا السياق لا يمكننا تصوّر ممارس الأيكيدو حاملاً لترسانة من المرجعيات النظرية الموغلة في التجريد سواء تعلّق الأمر بالممارس المثقف، أو تعلّق الأمر بغير المثقف. و الأمر في هذا المقام لا يغدو أن يكون ممارسة تنزل بأدبيات فلسفة الأيكيدو من أبراجها العلوية إلى إمكان تفعيلها على أرض الواقع. من هنا نفهم عمقَ هذه الرياضة و بساطتها في نفس الآن. و نعتبر هذا ازدواجيةً مطلوبةً في أجرأة النظر الفلسفي لهذه المنظومة وتنزيلها التنزيل الممكن، و دعوة هذا الفعل إلى مساجلة الذات الإنسانية في رغباتها ضدّ ومع الجسد في أفق تحويله من جسد مستهلِك إلى جسد منتج لمجموعة من القيم الإنسانية النبيلة والقابلة أساساً للتنزيل .
لا يقف الجسد في هذه المنظومة عند حدّ الطقس الاحتفالي الذي يبدأ ببداية الحصّة التدريبية و ينتهي بنهايتها التقنية. بمعنى أنه غير محكومٍ بحدود دائرة الطقس الإمتاعية و الاستمتاعية، بل يتجاوزها إلى إمكان انفلات هذا الجسد من قبضة القوقعة التلقينية التي تكتفي بعمليات الشحن لمجموعة من التقنيات الخاصّة بهذه الرياضة، إلى تمثل فن الأيكيدو كمنهج مرن و ذكي في محاورة الجسد لكل أشكال الوجود المحيطة به. كيف يتمّ ذلك ؟
نعلم أن رياضة الأيكيدو هي مجموعة من التقنيات الخاصة بالدفاع، وتعتمد على قوة الشريك كي تمارس حضورها كنقيضٍ للفعل الرياضي العنيف. لكن هذا غير كافٍ لصناعة الممارس المحاور، و إنما تكتفي التقنيات بإنتاج الممارس الآلي الذي يتقن الحركة ويقدّمها في صورتها المرجوّة من دوائر التوجيه الأستاذية. و هذا مطلبٌ مقبولٌ لكنه لا يصنع ممارساً حقيقيا، كما هو الشأن في تعليم الطفل قواعد الموسيقى بطريقة علمية، يحفظها عن ظهر قلب ثم يردّها بضاعةً كلّما طُلب منه ذلك. والأيكيدوكا ليس ممارسا استرجاعيا، إنه ممارس مستقلّ في عمليات الاستقبال وفي عمليات الأداء، أي في المدخلات وفي المخرجات، أو هكذا ينبغي لنا أن نتصوّر هذا الممارس حتى لا نكون أمام مشهدٍ تلقيني يقوم على ثقافة الشحن بدل ثقافة التفاعل، و فتح باب الإبداع...
من هنا، أفقُ أن يكون لكل ممارس خصوصية التعلم و تفعيل مخرجات هذا التعلم، لأن الجسد غير الجسد و الروح غير الروح، و الاختلاف حاصلٌ ومطلوبٌ و واعد بالتنويع في هذا المجال.
تتجلى خصوصية الجسد في مجموعة من الأداءات، منها رقصة التايسباكي، و هي رقصة على الرغم من نمطيتها فهي متعددة بتعدد الأجساد الراقصة، و هي رقصة واحدة في العالم إذا حددناها كنموذج يُنتج المفهوم و يتمّ الاتفاق عليه و التواضع على شكله. أما روحه، فمتعددة، من هنا إمكان القول إن رقصة التايسباكي هي رقصات، تتعدد بتعدد الأجساد التي تمارسها، و يستحيل أن نتصور اتفاقاً حول أداءٍ واحدٍ لأن ذلك يدخل في المستحيل و يفتك بخصوصية الممارسة. هكذا تخضع رقصة التايسباكي لطبيعة الجسد، سليماً كانَ أو ناقصا، وتخضع أيضاً لطبيعته في قدرته المختلفة على الحركة و تمثل هذه الحركة، فليس كل الناس يتحركون بأجسادهم بنفس الوتيرة و نفس الاستجابة و نفس المرونة. و قد نذهب في القول إلى درجة أن أداء الممارِس للرقصة اليوم يختلف عنه في يومٍ آخر، وذلك تبعاً لاستعداده النفسي غير التابث و غير النمطي...
و منها أيضا، حركة الجسد في سياق التفاعل مع جسد الآخر الموصوف بالشريك، حيث تلتقي ثقافتان مختلفتان كما يلتقي تمثلان مختلفان أيضا. و هذا من شأنه أن يُغني الممارسة و يُثريها ويُخصِبها. خذ مثلاً تفاعلَ ممارس في عقده الخامس مع شريك في عقده الثاني، و كيف يمكن أن يكون اللقاء بين سمتِ الحركة الخمسينية مع عنفوان الحركة العشرينية. وخذ مثلا تفاعلَ ممارس ذكر مع شريكةٍ أنثى و انظر كيف يكون اللقاء بين فحولة الحركة و بين نعومتها... و خذ مثلا تفاعلَ ممارس في الدرجة الرابعة مع شريك مبتدئ بحزامٍ أصفر، و انظر كيف يكون اللقاء توجيهيا أكثر مما يكون تنافسيا، ثم انظر كيف سيتفاعل الجسد العارف مع الجسد الطالب معرفةً. و خذ مثلا تفاعلَ ممارس من بيئةٍ مغربية مع ممارس من بيئة يابانية، و انظر كيف يكون اللقاءُ بين ثقافةٍ مؤسسة لهذه المنظومة و بين ثقافةٍ مُفعِّلة لهذه المنظومة... و هكذا في أمثلةٍ كثيرة من شأنها أن تفصح أن طبيعة الجسد في فن الايكيدو مجالٌ خصبٌ و غنيٌّ و مختلف أشدّ الاختلاف، و واعد و متنوّع وبعيدٌ كلّ البعد عن النمطية البليدة .
الجسد صيرورةٌ بحرف الصاد، و تفيد التحول. كما أنه سيرورةٌ بحرف السين وتفيد المسار و الحركة. وبالتالي فنحن أمام جسد غير متخشّب و غير جامد وغير نمطي... بل هو تاريخ شخصيٌّ يتطوّر تباعاً وسِراعاً، و يقدّم في كل تجلٍّ إدهاشاً يشي بخارقيةِ هذا الجسد و بمعجزته واجتراحه للمألوف. و هو من هذا الاستنتاج، جسدٌ لا يقدّم طريقةً لمحاورة الأجساد الأخرى على صفيح الركح فحسبُ و إنما يقدّم طريقةً للوجود تقوم على إدراك الصورة الفلسفية للجسد في الذاتِ و في الآخر و في العلاقة مع الوجود بشكل عام. و بتعبير "هنري برغسون " فإن الجسد يقدّم في محاورته الدائمة للآخر رؤية خاصة للعالم عبر المعيش الجسداني انطلاقا من استقبال صورة الآخر فينا و استقبال الآخر صورتنا فيه .
الجسد كينونة متناهية في بعدها الفيزيولوجي و لكنه مقولة غير متناهية في أبعادها الإنسانية القائمة على المحاورة الدائمة، من هنا فعل الصيرورة والسيرورة. و بالتالي فإنّ كلّ جسدٍ هو كونٌ مستقل و وجودٌ قائمٌ بذاتهِ أولاً وبذواتٍ أخرى ثانياً. مما يُخصِبُ لدينا فكرة التجمع الجسداني على صفيح الركح في ممارسة (الأيكيدو ) بحيث يتحوّل هذا التجمع البشري من حالاتٍ متنوعة لقابليات التعلم إلى حالاتٍ وجودية للحوار و المحاورة، في نسق معرفي غائب، ونقصد أن الممارس لا يستحضر تجريدَ هذا الحوار أو المحاورة بقدر ما يمارس حضوره التلقائي في حضرة أشكالٍ أخرى من الحضور، فيتمّ اللقاء عفويا و تنسجُ العلاقات ذاتَها في غير موقف علمي قصدي و إنما في انسيابية تعلّمية تستقبل المفاهيم الخاصة بفن الأيكيدو دون قصد و دون أن تُدرك ذاتها داخل المصطلح و إنما داخل الممارسة .
أعتبر هذا المنظور الممارس الواقعي، واقعا مشدوداً إلى النظر الفلسفي الثاوي خلف مرجعيات ثقافة آسيوية استنبتها الشيخ (أوشيبا) عبر تمثله العارف لتاريخ الجسد. و هو ما يمكِّنُنا من القول إن الجسد داخل الركح لا يفيد حركةً تقنية فحسب، و إنما يفيد إنتاجاً لقيمٍ إنسانية جديرة بالاعتبار، منها قيمة التعايش و احترام التعدد و تقدير الآخر في غيريته المتفردة، و مراعاة المختلف و تشييد الحوار على أساس قراءات واعية و غير واعية للجسد وتحركات هذا الجسد الذي لا يمكن قراءته مفصولاً عن سياقاته الثقافية الصغرى (داخل الركح ) و الكبرى ( داخل الواقع ) .
الجسد داخل منظومة الأيكيدو لغةٌ، لأنه يتحركُ وفق نظامٍ من المعارف الفنية و الفلسفية التي تؤهل هذه الممارسة كي تكون متجذّرة في التأصيل و قابلة للامتداد الزمني، و الامتداد المكاني، بحيث نستطيع استنباتها في أي بيئة شئنا لأنها تحمل في جيناتها القدرة على التكيف بحكم مرونة مبادئها المؤسسة، وبحكم انطوائها على منظومة القيم الإنسانية. من هنا حركات الجسد المفهومة داخل مفهوم النسق، سواء تعلّق الأمر بالذهن حيث تنرسم في وعي الممارس آليات الفعل و رد الفعل... أو تعلّق الأمر بمهارات التفعيل حيث قدرة الممارس على إنزال هذا الوعي على صفيح الركح. و هو إنزال أو تنزيل لا يرتبط بالتطبيق التقني النموذجي لأدبيات فن الايكيدو فحسب و إنما يرتبط بتفعيل لغة جسدية مشبعة بالقيمة، حيث لا نتصور حواراً جسديا يقوم على العنف أو على رغبة الممارس في إيذاء الشريك المدعو خصماً في نظام رياضات أخرى كالملاكمة والكاراتيه مثلا .
القيمة هي لبّ عملية الاستقبال في رياضة الايكيدو، ولا قيمة لهذه الرياضة خارج منطق القيمة. و هي وجودٌ مثالي يسبق وجود الجسد المادي الواقعي، بل يؤطره، و يوجّهه و يشذب كل ما فيه من انزلاقات سلوكية عنيفة تشي بالكراهية أو الحقد أو الإقصاء أو أي سلوك مستنبت في حقول البغضاء و المشاحنة .



#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيكولوجية الذاكرة الانتخابية
- الوهمُ عندما يكونُ صديقًا
- كِتابةُ الْموت
- كتابة الموت
- السياسة لا تقبل الفراغ
- الشيطانُ كائنٌ وسيم - قصّة


المزيد.....




- أستراليا تؤكد تحويل أجزاء من مقاتلات F-35 الأمريكية إلى هونغ ...
- علياء السالمي تكشف تفاصيل أزياء الفريق السعودي في الألعاب ال ...
- شاهد.. كيف علّق ممداني على حظر ترامب لـCNN وPolitico وMS Now ...
- روبيو يكشف موقف إدارة ترامب من لقاء الإيرانيين في نيويورك.. ...
- -ليسوا ميليشيا بل دولة-.. خطة إسرائيلية لسحق الحوثيين وتطبيق ...
- دفن إسرائيلي قتل في إطلاق نار بالضفة الغربية
- رغم ترك ليفربول.. محمد صلاح يتلقى عقوبة إنجليزية
- برلمانية المؤتمر بالشيوخ: الهوية الوطنية المصرية ركيزة أساسي ...
- النائب شعبان رأفت: التحرك المصري يعزز حضور القاهرة في مواجهة ...
- منعٌ من دخول البيت الأبيض ودعوى قضائية.. مواجهة مفتوحة بين ت ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نورالدين حنيف - شاعريةُ الجسد