عمر عزيم
طالب
(Omar Azime)
الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 23:09
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
محاولة بقاء للحسين افقير: قراءة نقدية
تفتتح الرواية بمشهد جنازة: عمر بونظيف ينفض الغبار عن يديه بعدما وارى جثمان أمه الثرى، وحيدًا لا أب ولا أم ولا أخ. هذا المشهد الافتتاحي ليس مجرد حدث درامي، بل هو المفتاح الذي تُقرأ من خلاله الرواية بأكملها: يتيمٌ بلا سند، ينتزعه الموت من آخر ما تبقى له من أمان، ويُلقى به في عالم لا يرحم. العنوان نفسه، محاولة بقاء، مستمد من بيت شعري لهاشم رفاعي يصدّر الرواية، يصف الجريمة بأنها محاولة البقاء لا اعتداء ولا ادخار عدوان. هذا الاختيار الاستهلالي يكشف عن مشروع الكاتب: لا يريد أن يكتب رواية عن لص، بل عن إنسان يُدفع نحو الجريمة دفعًا.
تسير الرواية وفق بنية خطية بسيطة، تتقدم فصلًا بعد فصل مع الزمن الفعلي لحياة عمر، دون التفافات زمنية معقدة أو تقنيات استرجاع مركبة. هذا الاختيار البنائي يخدم الغرض الاجتماعي للرواية أكثر مما يخدم أي طموح تجريبي: القارئ يرافق عمر خطوة بخطوة، من فقدان الأم، إلى العمل في ورشة البناء، إلى الطرد الظالم، إلى المطاردة اليائسة عن عمل، وصولًا إلى السرقة في الفصل الخامس عشر.
لكن الإيقاع ليس متساويًا. الفصول الأولى تمنح وقتًا طويلًا لتفاصيل الحياة اليومية في الورشة، بحوارها الدارج ونظامها الطبقي الصارم بين الرئيس والمكلَّف والعامل البسيط، حتى إن القارئ قد يشعر بأن الرواية استقرت في نمط توثيقي بطيء. غير أن نقطة التحول الحقيقية تأتي في مشهد المواجهة بين عمر ورئيس الورشة، حيث يُتهم بالتحريض على الإضراب ويُصفع ويُطرد. من هذه اللحظة يتسارع الإيقاع: البطالة، البحث العقيم عن عمل، القروض الربوية التي يحذّره منها صديقه، ثم القرار الأخير. المسافة الزمنية بين الطرد والسرقة تُختصر بحكمة، وكأن الكاتب يريد أن يُحس القارئ بالانحدار السريع لا التدريجي، بمجرد أن يُقفل الباب الأول في وجه بطله.
النهاية، رغم كل هذا التصعيد، جاءت مفاجئة في اقتضابها: عمر يسرق الدراجة، يفلت من العقاب، ثم تمت. لا محاكمة، لا عقاب، لا حتى ندم مكتمل الأركان. هذا الإغلاق المفتوح يمكن أن يُقرأ نقديًا بطريقتين: إما أنه ضعف بنائي يترك القارئ معلقًا دون أن تُستثمر الجريمة دراميًا حتى نهايتها المنطقية، أو أنه اختيار واعٍ يريد أن يقول إن المجتمع لا يعاقب اللص الصغير، بل يتركه يذوب في الزحام، بلا أثر ولا عبرة معلنة.
عمر بونظيف شخصية مأساوية بالمعنى الكلاسيكي: ليست فاسدة بطبيعتها، بل مدفوعة إلى السقوط بفعل ظروف خارجة عن إرادتها. الرواية تحرص على تبرئته أخلاقيًا في كل منعطف: كان ابن الخير، لم يعرف الجوع، لم يمد يدًا للمعونة قبل موت أمه. حتى في لحظة السرقة، يمنحه السارد صوتًا داخليًا يبرر فعله بمقارنة ساخرة لاذعة: كما ترى الدول الإمبريالية الاستعمار وسيلة للخروج من أزماتها. هذه المقارنة تكشف عن نبرة الكاتب السياسية الكامنة تحت السرد الاجتماعي، وهي من أقوى لحظات النص لأنها تُخرج المأساة الفردية إلى أفق نقدي أوسع.
لكن هذا التبرير المستمر يحمل ثمنه: عمر يظل، حتى النهاية، شخصية سلبية أكثر مما هي فاعلة. أفعاله كلها ردود فعل: يُطرد فيغضب، يُفلس فيسرق، تُذكّره أمه فيندم. لا نرى فيه محاولة جادة واحدة لكسر الحلقة بغير الطريق الذي يُفرض عليه، وهو ما يجعل الرواية أقرب إلى دراسة حالة اجتماعية منها إلى بناء نفسي معقد.
عصام، الصديق، هو الشخصية الأكثر واقعية عمليًا: يقبل الاستغلال بواقعية باردة، ينصح عمر بالصبر والوضع كما هو، ثم حين يُطلب منه المساعدة في السرقة يجيب بسخرية مرة: اعتماد حتى في السرقة. هذا التذبذب بين التواطؤ الصامت والتنصل الأخلاقي يمنحه عمقًا أكبر مما يُتوقع من شخصية ثانوية.
أما رئيس الورشة، فهو الشخصية الأقرب إلى الرمز المطلق للسلطة الغاشمة: جسد ضخم، صراخ متواصل، صفعة بلا مبرر كافٍ، وطرد بلا محاكمة عادلة. الرواية لا تمنحه أي بُعد إنساني مخفف، وهذا اختيار مقصود يخدم الرسالة الاجتماعية لكنه يُفقر الشخصية دراميًا، فهو أقرب إلى أداة قمع منه إلى إنسان.
يتحرك النص بين مستويين لغويين متمايزين بوضوح: فصحى سردية إنشائية تميل أحيانًا إلى الخطابية المباشرة، وهي جمل من قبيل استجمع قواك، وقاوم، واعمل، ودارجة مغربية كثيفة في الحوار. هذا الازدواج اللغوي ليس عيبًا بقدر ما هو محاولة واقعية لالتقاط صوت الطبقة العاملة كما هي فعلًا، دون تجميل. حوارات الورشة بلهجتها الدارجة تمنح النص نبضًا حيًا يفتقده كثير من الروايات الاجتماعية التي تُفصح كل شخصياتها بفصحى موحدة.
لكن السرد يميل، في مواضع عديدة، إلى مخاطبة البطل مباشرة بصيغة المخاطَب، من قبيل ها أنت يا عمر أصبحت في نظر الرئيس خائنًا، وهي تقنية أسلوبية جريئة تُقرّب المسافة بين السارد والشخصية حد الاندماج، لكنها حين تتكرر بكثافة تتحول إلى وعظ سردي يُثقل الإيقاع ويكسر الإيهام الروائي لصالح خطاب مباشر شبه تعليمي.
الرمزية الأبرز في النص هي البرويطة، عربة نقل الرمل، التي يدفعها عمر متهربًا من العمل الشاق، فتتحول عبر الرواية إلى صورة لحياته كلها: دفع بلا وجهة، مجهود يبدو كأنه إنتاج لكنه هروب متواصل.
هذه رواية عن الطبقة العاملة المغربية في أوضح تجلياتها: نظام العمل غير المستقر بعقود نصف شهرية لتفادي الاحتجاج، تأخر الأجور عمدًا لضمان بقاء العامل رهينة، القسوة اليومية للمكلفين والرؤساء، وغياب أي شبكة أمان اجتماعي حقيقي بعد موت الوالدين. الرواية تطرح، عبر مصير عمر، سؤالًا اجتماعيًا صريحًا: ماذا يحدث لإنسان لا يملك رأس مال ولا شهادة ولا عائلة في اقتصاد لا يرحم الفقراء؟ وجوابها قاسٍ: يُدفع نحو الهامش، والهامش يقود إلى الجريمة الصغيرة.
النص لا يقدّم السرقة كاختيار أخلاقي منحط، بل كنتيجة منطقية شبه حتمية، وهنا يكمن أكبر رهان الرواية وأكبر خطرها في آن: فحين تُختزل كل الجريمة في الظرف الاجتماعي، يغيب أي مجال للمساءلة الفردية، ويتحول عمر إلى نموذج توضيحي أكثر منه إنسانًا كامل الإرادة. هذا خيار أيديولوجي واضح، ومشروع، لكنه يجعل الرواية أقرب إلى بيان اجتماعي مُلبَس بثوب سردي منها إلى رواية تستكشف تعقيد الاختيار الأخلاقي في ظل الضائقة.
تنتمي محاولة بقاء إلى تيار الرواية الاجتماعية المغربية التي تنشغل بالهامش الحضري وعمال البناء والبطالة، وهو تيار له جذور في الأدب المغاربي منذ محمد زفزاف ومحمد شكري، اللذين استلهما لغة الشارع وقسوة الحياة اليومية للفئات المسحوقة. لكن الحسين افقير، مقارنة بهذين الاسمين الكبيرين، يميل إلى مباشرة أكبر في الرسالة وتعقيد أقل في بناء الشخصية الداخلية. حيث كان شكري، مثلًا، يغوص في الجراح النفسية والجسدية لبطله دون تبرير أو وعظ، يبقى افقير أقرب إلى الراوي الحريص على أن يُفهم القارئ سبب سقوط بطله في كل صفحة تقريبًا.
هذا لا يُنقص من صدق التجربة التي يرويها النص، لكنه يضع الرواية في خانة الأدب الاجتماعي المباشر، لا في خانة الأدب الذي يترك القارئ وحيدًا أمام تعقيد الإنسان دون توجيه.
محاولة بقاء رواية صادقة في التقاطها لمأساة عامل بناء يتيم في هامش المدينة المغربية، لكنها رواية تفضّل الوضوح الأيديولوجي على الغموض الإنساني. قوتها الحقيقية في حوارها الدارج الحي وفي جرأتها على مقارنة سرقة صغيرة بجريمة استعمارية كبرى، أما ضعفها فيكمن في بطل لا يتحرك إلا مدفوعًا، وفي خاتمة تنسحب من ساحة الحساب الأخلاقي بسرعة تكاد تُفوّت اللحظة التي بنت لها الرواية كل فصولها. إنها أقرب إلى مرافعة اجتماعية موثقة بعناية منها إلى تراجيديا فردية مكتملة الأبعاد، وهذا بالضبط ما يجعلها نصًا مهمًا في توثيق واقع طبقي، ومحدودًا في عمقه الروائي الخالص.
#عمر_عزيم (هاشتاغ)
Omar_Azime#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟