|
|
حين تصبح الحقيقة هوية أركيولوجيا الأنا المعرفية
عامر عبد زيد الوائلي
الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 20:36
المحور:
قضايا ثقافية
ليست أخطر لحظات المعرفة تلك التي نكتشف فيها أننا أخطأنا، بل تلك التي يصبح فيها اكتشاف الخطأ أمرًا لا تستطيع ذواتنا احتماله؛ ففي اللحظة التي تتحول فيها الفكرة من كونها اعتقادًا قابلًا للفحص إلى كونها جزءًا من الصورة التي نرى بها أنفسنا، لا يعود النقاش حولها نقاشًا في الدليل وحده، ولا يعود الاعتراض عليها اعتراضًا على قضية يمكن تعديلها أو استبدالها، وإنما يتسلل النقاش، من حيث لا نشعر، إلى منطقة أكثر حساسية: إلى سؤال من نكون إذا لم تعد الفكرة التي ندافع عنها صحيحة؟ وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فنحن نتعلم، منذ اللحظة الأولى التي ندخل فيها عالم المعرفة، أن نميز بين الحقيقة والخطأ، وبين الحجة والشبهة، وبين الدليل والادعاء، وبين الاعتقاد المبرر والاعتقاد الذي لا يملك ما يكفي من أسباب التبرير، لكننا نادرًا ما نتوقف بالقدر نفسه أمام السؤال الآخر: من هو الإنسان الذي ينتج الاعتقاد؟ وما الذي يمكن أن تفعله رغباته ومخاوفه ومكانته الاجتماعية وحاجته إلى الاعتراف وصورته عن نفسه في الطريقة التي يستقبل بها الحقيقة أو يرفضها؟ قد يبدو هذا السؤال في ظاهره انتقالًا من الإبستمولوجيا إلى الأخلاق، لكنه في العمق أكثر من ذلك؛ إنه محاولة لإعادة النظر في الذات التي تقف خلف المعرفة، لأن الاعتقاد لا يولد في فراغ، والحجة لا تأتي من عقل منزوع التاريخ، والباحث ليس آلة استدلال محايدة تتحرك من المقدمة إلى النتيجة دون أن يصحبها شيء من رغباتها وذاكرتها ومخاوفها وصورتها عن ذاتها. ومن هنا يمكن أن نعيد صياغة المشكلة كلها: ربما لا يكون العائق أمام المعرفة دائمًا نقصًا في الأدلة، بل تعلق العارف بصورة نفسه التي بناها من خلال تلك المعرفة. وهذه النقلة تبدو بسيطة، لكنها تغير موقع السؤال كله. حين يصبح العارف جزءًا من المسألة لقد اعتادت نظرية المعرفة أن تسأل: ما الذي يجعل الاعتقاد معرفة؟ هل تكفي الحقيقة؟ أم نحتاج إلى التبرير؟ وما طبيعة الدليل؟ وكيف نميز الاعتقاد المعقول من الاعتقاد الزائف؟ وكل هذه الأسئلة مشروعة، بل لا غنى عنها، غير أن ثمة سؤالًا ظل غالبًا في الخلفية: ماذا يحدث عندما يدخل العارف نفسه في بنية الاعتقاد، لا بوصفه حاملًا محايدًا له، بل بوصفه كائنًا يريد من المعرفة شيئًا يتجاوز الحقيقة؟ قد يريد الاعتراف. وقد يريد التفوق. وقد يريد إثبات انتمائه. وقد يريد المحافظة على صورة صنعها عن نفسه عبر سنوات. وقد يريد أن يبقى ذلك الشخص الذي كان دائمًا على حق. عند هذه النقطة لا تعود المعرفة مجرد علاقة بين الذات والموضوع، وإنما تصبح علاقة بين الذات وصورتها عن ذاتها من خلال الموضوع. وهنا يظهر ما يمكن تسميته الأنا المعرفية تلك المنطقة التي لا تعود الذات فيها تملك اعتقادًا فحسب، بل تصبح هي نفسها متماهية معه، بحيث يبدو التخلي عن الاعتقاد وكأنه تخلي عن شيء من هويتها. ولذلك قد يحدث أمر غريب في الحياة الفكرية يستطيع الإنسان أن يغير رأيه في تفاصيل كثيرة، لكنه يعجز عن تغيير فكرة واحدة ؛ لأنها أصبحت تحمل أكثر مما تحتمل الفكرة نفسها؛ أصبحت تحمل تاريخه، ومكانته، وصورته أمام الآخرين، وربما معنى وجوده الفكري. عندها لا يعود السؤال: هل هذه الفكرة صحيحة؟ بل يصبح، من حيث لا ننتبه: ماذا سيبقى مني إذا ثبت أنها خاطئة؟ وهنا تبدأ أركيولوجيا الأنا المعرفية. من البحث عن الحقيقة إلى حراسة الذات ربما كان الفرق الأكثر أهمية بين الباحث عن الحقيقة والحارس على الحقيقة هو أن الأول يقبل أن تكون الحقيقة أكبر من صورته عنها، في حين يميل الثاني إلى جعل الحقيقة متطابقة مع الصورة التي استقر عليها. وساعتها نجد الباحث يقول ضمنًا: أنا أمتلك اعتقادًا، ولذلك يمكنني مراجعته. أما الذات التي تحولت معرفتها إلى هوية فتقول: هذا الاعتقاد جزء مني، ولذلك فإن مهاجمته تعني مهاجمتي. وبين الجملتين مسافة فلسفية وأخلاقية هائلة. في الحالة الأولى تكون المعرفة حركة. في حين نجدها في الثانية تصبح المعرفة حصنًا. في الأولى يستطيع الإنسان أن يدخل الفكرة ويخرج منها وقد تغيرت ملامحه قليلًا. وفي الثانية يدخل الفكرة لكي يعود منها كما كان، لأن الغاية لم تعد اكتشاف ما لم يكن يعرفه، وإنما حماية ما يعرفه مسبقًا. وهنا يصبح التواضع الفكري أكثر من فضيلة شخصية. إنه شرط إبستمولوجي لإبقاء المعرفة قابلة للحياة. فالتواضع لا يعني أن يقول الباحث: «أنا لا أعرف»، ثم يتوقف؛ وإنما يعني أن يدرك أن ما يعرفه لا يستنفد ما يمكن معرفته، وأن الاعتقاد، مهما بلغت قوته، يظل قابلًا لأن يعاد اختباره حين تظهر أسباب جديدة، وأن الاعتراف بإمكان الخطأ ليس هزيمة للذات، بل تحرير للمعرفة من حاجتها إلى أن تكون مرآة للذات. ولذلك يمكن القول إن: التواضع الفكري ليس تقليلًا من قيمة الذات، وإنما منع الذات من احتكار الحقيقة. لكن هل كل خطأ رذيلة؟ هنا ينبغي أن نتوقف؛ لأننا إذا اندفعنا بعيدًا في هذا الاتجاه فقد نقع في خطأ معاكس. ليس كل خطأ معرفي دليلًا على غرور، وليس كل اعتقاد خاطئ ثمرة لرذيلة فكرية، كما أن كل يقين ليس بالضرورة دوغمائية. قد يخطئ الباحث لأنه لم تصل إليه معلومة مهمة، أو لأن الأدلة المتاحة ناقصة، أو لأن الظاهرة أعقد من أدواته، أو لأن المنهج الذي استخدمه لم يكن كافيًا، أو ببساطة لأن الإنسان كائن محدود المعرفة. ولهذا ينبغي الفصل بين ثلاثة أشياء كثيرًا ما تختلط: 1. الخطأ المعرفي، وهو أن تكون النتيجة غير صحيحة لأسباب تتصل بالأدلة أو المنهج أو حدود المعرفة. 2. والرذيلة المعرفية، وهي نمط من السلوك الفكري يجعل الإنسان أقل استعدادًا للإنصاف والمراجعة، كالتعصب والغرور والتسرع والتحيز المتعمد. 3. ثم الدجل المعرفي، حين يعرف الإنسان، أو ينبغي له أن يعرف، أنه لا يملك ما يكفي من الأدلة، ومع ذلك يستخدم اللغة أو المكانة أو التعقيد أو السلطة لإنتاج انطباع بامتلاك المعرفة. وهذا التصنيف يكشف الواقع المعاش في المؤسسات المعرفية ؛ لكن هذا يدفعنا الى التمييز بينها ليس مسألة لغوية، بل ضرورة أخلاقية؛ لأن الخلط بينها قد يحول نقد المعرفة إلى محاكمة للأشخاص، وقد يجعل من «الأخلاق المعرفية» سلطة جديدة تصنف البشر إلى صالحين معرفيًا وفاسدين معرفيًا، وهو ما يعيد إنتاج المشكلة التي نحاول تفكيكها. فليس المطلوب أن نستبدل سلطة الحقيقة بسلطة أخلاقية جديدة تقول للآخر: أنت مخطئ لأنك لست متواضعًا بما يكفي. المطلوب أن نعود دائمًا إلى السؤال الأصعب: ما الذي يجعل الاعتقاد قابلًا للفحص؟ المجد الباطل: عندما تصبح المعرفة مرآة من هنا يمكن فهم ما تسميه بعض المقاربات الأخلاقية للمعرفة بـ«المجد الباطل» بصورة تتجاوز معنى الغرور الشخصي. فالمشكلة ليست أن الباحث يحب أن يكون معروفًا، وإنما أن يتحول الاعتراف الاجتماعي أو الرمزي إلى معيار خفي للحقيقة؛ أي أن تصبح قيمة الفكرة مرتبطة بمكانة صاحبها، وأن تصبح مكانة صاحبها مرتبطة بقدرته على الدفاع عن الفكرة مهما كانت الأدلة. عندها تنقلب العلاقة ، بدل أن تكون الذات في خدمة المعرفة، تصبح المعرفة في خدمة الذات. وهذا الانقلاب خطير ؛ لأنه لا يحدث دائمًا في صورة واضحة. قد يظهر في الإصرار على استعمال مفهوم لأنه صار علامة على التميز. وقد يظهر في رفض الاعتراف بخطأ صغير ؛ لأن الاعتراف به قد يفتح بابًا لسلسلة من المراجعات. وقد يظهر في استعمال اللغة المعقدة لإخفاء هشاشة الحجة. وقد يظهر في تحويل الاختلاف العلمي إلى مسألة شخصية. وقد يظهر في الحاجة الدائمة إلى أن يكون صاحب الرأي هو الشخص الذي قال الكلمة الأخيرة. وفي كل هذه الحالات لا تعود المشكلة في مضمون المعرفة وحده، وإنما في علاقة الذات بما تعرفه. وهنا يصبح المجد الباطل شكلًا من أشكال التملك المعرفي: لا يريد الإنسان أن تكون لديه الحقيقة فحسب، بل يريد أن تكون الحقيقة دليلاً على قيمته. من سوكال إلى سؤال أوسع تكشف بعض الوقائع التي شهدها الفكر المعاصر، ومنها الجدل المرتبط بآلان سوكال وجان بريكمونت حول استعمال بعض المفاهيم العلمية في الخطاب النقدي: 1. آلان سوكال (Alan Sokal) فيزيائي أمريكي وأستاذ جامعي، اشتهر خصوصًا بـقضية سوكال عام 1996، حين نشر مقالًا متعمدًا في مجلة Social Text ليختبر، بسخرية، مدى الصرامة العلمية في بعض الكتابات المرتبطة بما سُمّي آنذاك بـ«ما بعد الحداثة». أثارت القضية نقاشًا واسعًا حول حدود استخدام مفاهيم العلوم الطبيعية في الفلسفة والعلوم الإنسانية. 2. جان بريكمونت (Jean Bricmont) فيزيائي ورياضياتي بلجيكي، اهتم بالدفاع عن الدقة العلمية في استعمال المفاهيم الفيزيائية والرياضية، وشارك مع سوكال في تأليف كتاب «مفكرون غير معقولين: إساءة استخدام العلم من قبل مفكرين ما بعد الحداثة» (Impostures intellectuelles)، الذي صدر بالفرنسية سنة 1997. ينتقد الكتاب استخدام بعض المفكرين لمصطلحات ونظريات علمية خارج سياقاتها أو دون فهم دقيق لمضامينها. ويكتسب الاثنان أهمية خاصة في نقد التوظيف المجازي للعلم: فالمشكلة عندهما ليست في الحوار بين العلوم والفلسفة، بل في تحويل المفاهيم العلمية إلى استعارات فضفاضة تُستخدم لإضفاء سلطة علمية على أفكار لا يثبت العلم صحتها. ومن ثم فأن اللغة العلمية يمكن أن تتحول، في ظروف معينة، من أداة للفهم إلى أداة للإقناع، وأن المصطلح قد يمنح النص سلطة لا يستحقها بالضرورة إذا انفصل عن سياقه العلمي أو عن شروط التحقق منه. لكن أهمية هذه الوقائع لا تكمن في تحويلها إلى محكمة عامة للفكر، ولا في استخدامها لإدانة مجال معرفي كامل انطلاقًا من أمثلة محددة، وإنما في أنها تجعلنا نطرح سؤالًا أكثر عمقًا: متى تتحول المعرفة إلى أداء للمعرفة؟ فقد يعرف الإنسان المصطلح دون أن يمتلك منطقه، وقد يستعمل المفهوم دون أن يمتلك شروطه، وقد تبدو عبارته علمية دون أن يكون البناء الذي تقوم عليه علميًا بالضرورة. وهنا نكتشف أن المعرفة ليست فقط ما نقوله، بل أيضًا كيف نتصرف أمام حدود ما نعرفه. إن الاعتراف بحدود المعرفة جزء من المعرفة نفسها. الهوية المعرفية وهنا نصل إلى المفهوم الذي يبدو أكثر اتصالًا بهذا المسار: الهوية المعرفية. ليست الهوية المعرفية مجرد مجموعة الآراء التي يحملها الإنسان، بل هي الصورة التي يبنيها عن نفسه من خلال تلك الآراء. ( أنا عقلاني. أنا ديني. أنا نقدي. أنا علماني. أنا تراثي. أنا حداثي) . أنا صاحب مشروع. أنا الذي اكتشفت كذا. أنا الذي لا يخطئ في هذه المسألة. كل هذه العبارات قد تبدو مجرد تعريفات، لكنها تصبح خطرة حين تنتقل من وصف مؤقت للذات إلى ماهية ينبغي الدفاع عنها. وهنا يصبح الإنسان أسيرًا لصورة صنعها بنفسه. ولأن الهوية بطبيعتها تبحث عن الاستقرار، فإنها تقاوم ما يهدد استقرارها. وبذلك يمكن أن تنتقل المشكلة من المعرفة إلى الهوية، ومن الهوية إلى السلطة، ومن السلطة إلى استبعاد المختلف. فحين تصبح الفكرة جزءًا من هويتي، يصبح المختلف عنها مختلفًا عني. وحين يصبح المختلف عني تهديدًا لهويتي، قد تتحول المناقشة من فحص الحجة إلى الدفاع عن الجماعة. وبذلك قد تبدأ المسألة باعتقاد معرفي صغير، ثم تنتهي ببنية رمزية كاملة لحراسة الذات. إنها الرحلة الخفية التي ينبغي أن نراقبها: الاعتقاد ، التماهي ، الهوية ، الحراسة ، السلطة. العبور الحقيقي ليس من رأي إلى رأي وهنا يمكن أن نعيد التفكير في معنى «عبور الباحث». فالعبور ليس أن ينتقل الباحث من موقف إلى نقيضه، لأن الانتقال بين اعتقادين قد لا يعني شيئًا إذا بقيت البنية الداخلية للذات كما هي. قد ينتقل الإنسان من المحافظة إلى الحداثة، ثم من الحداثة إلى نقد الحداثة، ثم من نقد الحداثة إلى موقف جديد، لكنه يحتفظ في كل مرة بالبنية نفسها: أنا الذي أملك الحقيقة. وهنا لم يحدث عبور حقيقي. لقد تغير المحتوى، وبقيت العلاقة بالمعرفة كما هي. أما العبور الأعمق فيبدأ حين ينتقل الباحث من السؤال: ما الذي أعتقده؟ إلى كيف أصبحت أعتقده؟ ثم إلى ما الذي يجعلني أتمسك به؟ ثم إلى ما الذي يمكن أن أخسره إذا اكتشفت أنه خاطئ؟ وأخيرًا إلى السؤال الذي يفتح الباب كله: هل أبحث عن الحقيقة، أم أبحث عن ذات أستطيع أن أرى فيها نفسي بوصفها صاحبة الحقيقة؟ عند هذه النقطة لا تعود المعرفة مجرد انتقال من جهل إلى علم، بل تصبح إعادة تشكل للذات التي تعرف. وهذا هو المعنى الأعمق للتواضع: ألا تجعل معرفتك نهاية إمكانك. المعرفة التي تقبل التحول ربما نستطيع الآن أن نعيد تعريف المعرفة لا بوصفها مخزونًا من النتائج، وإنما بوصفها قدرة على إبقاء الذات في علاقة مفتوحة مع ما لا تعرفه. المعرفة الحية ليست المعرفة التي لا تتغير، وإنما التي تستطيع أن تتغير دون أن تفقد صرامتها. وهذا لا يعني السقوط في النسبية؛ فقبول المراجعة لا يعني قبول كل شيء، والانفتاح لا يعني مساواة الأدلة، والتواضع لا يعني تعليق الحكم إلى الأبد. هناك فرق بين أن تكون المعرفة مفتوحة للمراجعة وأن تكون خالية من المعايير. الأولى قوة إبستمولوجية. والثانية فوضى معرفية. ولهذا فإن الذات المنفتحة ليست ذاتًا بلا حدود، وإنما ذات تعرف أن حدودها ليست أسوارًا نهائية. يمكن أن تكون حازمة في الحكم، دون أن تكون مغلقة أمام إمكان إعادة النظر. ويمكن أن تدافع عن فكرة بقوة، دون أن تجعل الدفاع عنها دفاعًا عن كرامتها الشخصية. ويمكن أن تقول «هذا ما أراه صحيحًا» دون أن تضيف، صراحة أو ضمنًا، «ولذلك لا يحق للواقع أن يفاجئني». من أخلاق العارف إلى نقد السلطة المعرفية لكن المسألة لا تنتهي عند الفرد. فالأنا المعرفية يمكن أن تتحول إلى مؤسسة. وحين تصبح كذلك، لا يعود الأمر متعلقًا بباحث مغرور أو مثقف متعصب، بل بنظام كامل يحدد من يملك حق الكلام، ومن يملك حق تفسير النص، ومن يملك حق تعريف العلم، ومن يملك حق تسمية الحقيقة، ومن يملك حق إسكات الاعتراض. هنا تنتقل الرذيلة المعرفية من المجال الفردي إلى المجال السياسي والثقافي. ولذلك فإن نقد أخلاق المعرفة لا ينبغي أن يتوقف عند تهذيب الباحث، بل يجب أن يسأل أيضًا عن بنية السلطة التي تمنح بعض المعارف شرعية أكبر من غيرها، وبعض المتكلمين قدرة على تعريف الحقيقة، وبعض المؤسسات حق تحديد حدود الممكن التفكير فيه. فقد يكون الباحث متواضعًا، لكنه يعمل داخل مؤسسة مغلقة. وقد يكون شديد النزاهة، لكن نظام إنتاج المعرفة من حوله يعاقب الاختلاف. وقد تكون الأدلة متاحة، لكن بنية السلطة تحدد مسبقًا أي الأدلة يسمح لها بالدخول إلى المجال العام. وهنا تصبح أركيولوجيا الأنا المعرفية جزءًا من أركيولوجيا السلطة نفسها. السؤال الذي يبقى مفتوحًا ربما لا نحتاج في النهاية إلى أن نسأل: كيف نصنع إنسانًا لا يخطئ؟ فهذا السؤال يفترض معرفة لا تخطئ، وإنسانًا يستطيع الوصول إليها. السؤال الأكثر واقعية وعمقًا هو: كيف نصنع ذاتًا تستطيع أن تخطئ دون أن تتحطم، وأن تراجع نفسها دون أن تشعر أنها خانت وجودها، وأن تكتشف قصورها دون أن تحوّل الاعتراف به إلى هزيمة؟ هنا يصبح التواضع أكثر من فضيلة. ويصبح النقد أكثر من تقنية. وتصبح المعرفة أكثر من مجموعة من النتائج. تصبح المعرفة قدرة على إعادة تشكيل العارف نفسه. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للعقل ليس أن يجهل الحقيقة، وإنما أن يجد حقيقة يطمئن إليها إلى درجة أنه يتوقف عن السؤال. فحين تصبح الحقيقة هوية، تتحول المراجعة إلى تهديد. وحين تصبح المراجعة تهديدًا، يتحول العقل إلى حارس. وحين يتحول العقل إلى حارس، لا يعود يحرس الحقيقة وحدها؛ بل يبدأ بحراسة الصورة التي صنعها عن نفسه بوصفه صاحب الحقيقة. عندها يصبح السؤال الفلسفي الحقيقي ليس: هل نملك الحقيقة؟ بل هل نملك الشجاعة التي تسمح للحقيقة بأن تغيّرنا؟ فربما لا يكون العبور المعرفي انتقالًا من فكرة إلى فكرة، وإنما اللحظة التي تصبح فيها الذات مستعدة لأن تخسر شيئًا من صورتها عن نفسها لكي تربح شيئًا من الحقيقة. وهنا، فقط، لا تعود المعرفة حصنًا تسكنه الذات، بل طريقًا يمكن للذات أن تتغير وهي تمشي فيه.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هوبزباوم وفلسفة العبور: الثقافة في زمن الانتقال
-
التربية بوصفها مصنعاً للطاعة
-
الاستبداد وصناعة الوعي
المزيد.....
-
مصر.. رفع الفائدة الأمريكية يختبر تدفقات الاستثمار وخبراء يك
...
-
إيران تعيد بناء منشأة -طالقان 2- النووية في مجمع بارتشين الع
...
-
ترامب يعلن عن قرار كبير وحاسم بشأن إيران ينوي مناقشته مع قاد
...
-
الجيش السوداني يعلن عن تقدم جديد لقواته في شمال كردفان
-
هل تحضر واشنطن لعمل عسكري ضد العراق؟
-
مسؤول أممي: الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية يجب أن تت
...
-
تقرير عبري: الشرع يحوّل موارد سوريا إلى سباق تسلح ويراهن على
...
-
وفد عسكري مصري رفيع يزور الصومال
-
إيران تبدي امتنانها لروسيا والصين لموقفهما في مجلس الأمن ضد
...
-
عبدالعليم داود يتقدم بسؤال بشأن أزمة حجز الوحدات السكنية للم
...
المزيد.....
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
المزيد.....
|