|
|
حول كذبة -سلاح العقيدة والمذهب-!
فارس محمود
الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 22:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
(ففي ردٍ على سؤال لجريدة "إلى الأمام")
إلى الأمام: يتصاعد الحديث اليوم عن "نزع سلاح" الفصائل الولائية في العراق أو "حصر السلاح بيد الدولة"، ويتحدث قادة هذه الفصائل والمؤيدون لهم عن أن هذا السلاح هو أمر "عقائدي"، و"سلاح الدفاع عن العقيدة والمذهب"، وأنهم "لا يسلّمون السلاح إلا إلى المهدي!!". بل إنهم يعلنون في كثير من الأحيان أنه "إذا شنت أمريكا أو إسرائيل حرباً على إيران، فسينخرطون في هذه الحرب دفاعاً عن إيران والعقيدة الشيعية"، وذلك لكونها "جارة" و"دفاعاً عن الدين والمذهب"، حتى إنهم يتحدثون عن ضرورة "تطوع الجماهير" للدفاع عن إيران أو جمع التبرعات لها للأسباب ذاتها. السؤال المطروح هو: ما تصوركم لمثل هذه المقولات والمبررات، وأقصد "الدفاع عن العقيدة والمذهب"؟!
فارس محمود: إنها أكبر كذبة؛ فليس لـ"المذهب" ولا "العقيدة" أي صلة بواقع الأمر. إنه ذرٌّ للرماد في العيون، وسعيٌ محموم لإيهام الناس بحقيقة الأهداف والغايات من السلاح. على امتداد التاريخ، كانت الهويات بشتى أشكالها قضية سياسية صرف، قضية مفتعلة و"غير مقدسة"، وعرضة للأهداف والمطامح السياسية الواقعية والحياتية. إنها ورقة لعب لا أكثر! مثلما هو الحال مع القضايا القومية مثلاً: "كركوك قدس كردستان"، فليست كركوك مقدسة، بل النفط والثروات الغزيرة هي ما جعلتها "مقدسة" لدى المتكالبين على السلطة فيها، وبالتالي على ثرواتها النفطية الهائلة.
ليست إيران طائفية أو "شيعية"، ولا تتعقب مصالح من يُسمّون بالشيعة. في الحقيقة، إن النظام الإسلامي في إيران نظامٌ قومي-فارسي النزعة، وكل ممارساته السياسية تثبت ذلك. ولأورد عدة أمثلة على ذلك: ففي النزاع والحرب الأذربيجانية-الأرمنية، اتخذ النظام موقفاً ساند فيه ودعم أرمينيا ذات الأغلبية "المسيحية" و"الأرثوذكسية" "الساحقة"، في وجه أذربيجان ذات الأغلبية "الشيعية" "الكبيرة"!! لقد إتخذ موقفه السياسي بناءاً على مصالح مادية محددة وليس على أساس "المذهب"!
وكل الشواهد تؤكد أن نظام الجمهورية الإسلامية هو من نظّم وقام بعملية تفجير مرقدي الإمامين الشيعيين في سامراء عام 2007، وكان الهدف من ذلك هو تأجيج الصراع والتقاتل الطائفي، والحرب الطائفية، والقتل على الهوية، وغير ذلك في العراق، وبالتالي إضعاف البلد والسيطرة عليه وعلى قواه السياسية. وتتحدث التقارير عن أن قاسم سليماني نفسه هو من قتل المراسلة التلفزيونية "أطوار بهجت" في وقتها لأنها فضحت الأمر، وكشفت أن نظام الجمهورية الإسلامية كان وراء هذه الخطوة التي راح ضحيتها آلاف الأبرياء.
كما ساند النظامُ حركةَ حماس "السنية" ودعمها من أجل أهدافه الإقليمية التوسعية في المنطقة؛ لأن صراع إيران مع إسرائيل لا يتعلق بالقدس ولا بالفلسطينيين ولا غير ذلك، وإنما هو صراع حول التزعم والهيمنة الإقليمية لا أكثر! أي من لديه اليد الطولى في المنطقة ويهيمن على مقدراتها، وإلا فإن إسرائيل هي نفسها من موّلت إيران بسلاح يُقدّر بمئات الملايين من الدولارات في الحرب العراقية-الإيرانية التي استمرت 8 سنوات. وإن أمريكا نفسها هي من قامت بإرسال كميات ضخمة من الأسلحة لإيران عبر إسرائيل، وذهبت عائدات هذه الصفقة لدعم قوات الكونترا النيكاراغوية الموالية لأمريكا بهدف الإطاحة بالجبهة الساندينستية للتحرر الوطني اليسارية التي أسقطت الدكتاتور سوموزا، وهي الصفقة المعروفة باسم "إيران-كونترا"!
وإستضاف النظامُ عوائلَ قادة تنظيمات القاعدة وغيرها من التنظيمات "السنية المتشددة" على أراضيه. ومن أجل أهدافه سيئة الصيت، أقنع النظامُ رئيسَ سورية (الأسد) في وقتها بإنشاء معسكرات في سورية للمتشددين الإسلاميين "السنة"، وكان هدفها القيام بـ"تفخيخ" السيارات وإرسالها إلى العراق بهدف تفجيرها، حيث راح ضحية ذلك الآلاف من الأبرياء والمدنيين العزل. وتتحدث التقارير عن "ندم" الأسد لاحقاً، بعد الإطاحة به، على رضوخه لإصرار قاسم سليماني على هذا الطلب في وقتها! وكل هذه السياسة الإيرانية كانت من أجل الهيمنة على العراق.
لدى نظام الجمهورية الإسلامية استراتيجية وعقيدة مفادها "أن كل شيء مباح من أجل صيانة بيضة الإسلام"، أي كل شيء مباح من أجل بقاء النظام واقتداره، وأنه على استعداد للتضحية بأكبر رموزه أو سلوك شتى السبل، بما فيها أكثرها تناقضاً مع ادعاءاته أو "عقيدته"، إذا ما اقتضت مصلحة النظام باسم "الإسلام". فهل تتذكرون "مفاتيح الجنة" التي كانوا يوزعونها على أطفال القرى بالدرجة الأساسية من أجل أن يمضوا للمخاطرة بأرواحهم عبر الدوس على ألغام جبهات الحرب وتفجير الألغام التي زرعها الجيش العراقي؟ وكان مسؤول هذا المشروع في وقتها هو علي خامنئي نفسه، الذي جال في القرى النائية من أجل إقناع الأهالي الفقراء بذلك!
إنه نظامٌ قتل من "الشيعة" أكثر بما لا يُقاس مما قتله من أصحاب "أديان" أو "طوائف" أخرى!! إنه جوّع وسجن واعتقل وسلب منهم الحريات والحقوق، وانتهك حقوق المرأة وحوّل النساء الفقيرات إلى مشروع لبغاء المتعة و... من "الشيعة" أكثر من الآخرين؛ فلم يجلب سوى المصائب لـ"الشيعة"!
ولأن النزعة القومية هي الأساس، فكثيراً ما كان يشتكي مواليهم من أمثال المجلس الأعلى ومنظمة بدر وغيرهم، ممن التجأوا إلى إيران والتحقوا بنظام الجمهورية الإسلامية والمنظمات الموالية له، بأن رفاقهم "في المذهب" من أتباع النظام يكنّون مشاعر ازدراء رهيبة تجاههم بوصفهم "عرباً"! عانوا من الذل والهوان والنظرة الدونية بشكل رهيب، وقبل الكثيرون بهذا جراء قلة حيلتهم!
وفي هذه الحرب، حرب أمريكا على إيران، وفي مرحلة شهدت تهافت الخطاب الإسلامي على صعيد الاجتماعي كبير، استبدلت الجمهورية الإسلامية كلمة "شهيد" الإسلامية بكلمة "مضحٍّ وطني" القومية!!
وحتى إن تشييع خامنئي في النجف وكربلاء لم يكن هدفه ذا صلة بالشيعة والشيعية، أو رغبة خامنئي بزيارة "أجداده" قبل دفنه —علماً أن تقارير ليست بالقليلة كانت تتحدث عن خلو الجثمان من أي جسد— بل كان الهدف هو القيام باستعراض سياسي واضح ليدللوا على الشعبية التي تتمتع بها الجمهورية الإسلامية في العراق والتأييد لها هناك. وكان لهذا الاستعراض ضرورته الخاصة برفع المعنويات المتردية لمواليهم في العراق في ظل التراجع الرهيب الطارئ على النظام وشعبيته، سواء في إيران أو العراق والمنطقة، جراء الحرب الأمريكية عليه، بحيث كانت موضوعة بقائه مبعث سؤال كبير.
كما لم تكن مشاركة الجمهورية الإسلامية في الحرب على داعش من أجل "حماية أعراض وشرف العراقيين" وغيرها من الدعاية المتخلفة، وإنما لترسيخ وجود إيران والمليشيات الموالية لها في تلك المناطق وعلى صعيد العراق. ولا كان التضحية بمئات العراقيين والأفغانيين الفقراء والمعوزين في سورية من أجل "الدفاع عن مرقد السيدة زينب"، وإنما دفاعاً عن أحد أهم حلفائهم، نظام الأسد المترنح، كي لا يسقط على أيدي خصومهم، وبالتالي طردهم وطرُد نفوذهم في سورية. وهناك أمثلة وشواهد أخرى كثيرة تفضح هذه الادعاءات.
وفيما يتعلق بالعراق |والمليشيات الموالية للنظام الإيراني، فإن دفاعهم المستميت عن هذا النظام وعن سلاحهم لا ربط له بكل الادعاءات المتعلقة بالمذهب والشيعة وغيرها. إن التمسك بالسلاح هو تمسك بسلطتهم، تمسك بوجودهم، تمسك بالثروات الخرافية التي جنتها بقسوة هذا السلاح. إنه سلاح الحفاظ على "المكتسبات"، مكتسبات الثروة والسلطة؛ ولهذا فإن مكانة السلاح تنبع من هذه النقطة.
حين اشتد حبل "حصر السلاح بيد الدولة" وتم وضع سقف زمني لتسليمه بموافقة ودعم الإطار التنسيقي للزيدي في هذا التوجه، كانت مطالب قادة "السلاح المنفلت" هي نيل ضمانات ثلاثة لتسليم السلاح: ضمان عدم تعرضهم ومحاسبتهم مسائلتهم قانونياً، ونيل مناصب حكومية في أجهزة الدولة سواء الإدارية أو الأمنية، وعدم مس مكاتبهم الاقتصادية وثرواتهم. أي إنه لا مشكلة لديهم في تسليم السلاح لغير المهدي!!! ولكن بشرط ضمان مكانتهم وقدراتهم الاقتصادية الخرافية التي تبلغ مليارات الدولارات والتي حققوها عبر قسر السلاح والغصب والنهب والاستيلاء على آلاف الأراضي والعقارات...! من جهة أخرى، الكل يعلم أن ألآغلبية الساحقة لهذه الفصائل (من بينهم قيس الخزعلي وتاسيسه لعصائب أهل الحق عام 2006 والنجباء بقادة أكرم الكعبي عام 2013 وأوس الخفادي الذي أسس مليشيا قوات "أبو الفضل العباس عام 2012 وغيرهم كثيرين) خرجت من عباءة جيش المهدي الذي تزعمه مقتدى الصدر. لماذا؟ معظم قادة هذه الفصائل تحدثوا في وقتها، وأوس الخفاجي تحدث بصريح العبارة ضاحكاً، إنهم إذا بقوا تحت سيطرة مقتدى الصدر، فلن يصلوا مكان! ذلك إن مقتدى مهيمن بحد بحيث عليهم ان يتوقفوا عن طموحاتهم في السلطة والثروة في وقت باب السلطة والثروة مشرّعة. أنفصلوا عنه حتى يلبوا نداء نزعاتهم الخاصة في الحكم والتسلط والثروة وتحقيق مصالحهم. وتم هذا (في حالة الخزعلي والكعبي) عبر مساهمة مباشرة للحرس الثوري كي يضعفوا التيار الصدري. والآن بوسعكم أن تروا المكانة الاقتصادية والسياسية التي حققوها في الثروة والسلطة. ولهذا، ليست "العقيدة" و"المذهب" سوى كذبة صرف! أواخر آب 2026
#فارس_محمود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المطالبة بمحاكمة العامري -وهم- أم ضرورة سياسية-إجتماعية؟
-
ليس الأمر ب-زلّة لسان- ولا -خَرَف-! (كلمة حول إقرار هادي الع
...
-
ليست -زلة لسان- من -أبو عزرائيل-!
-
خطاب ترامب: مكارثية بطورها -الهزلي-!
-
كلمة في المؤتمر (12) للحزب الحكمتي (الخط الرسمي)
-
الزيدي و-حملة الفساد-: الإصلاح الموعود أم هندسة سياسة جديدة!
-
تطلّع في غير محلّه!
-
مجتمع إيران ليس بحاجة لجلبي آخر (3-4)
-
كلمة بمناسبة رحيل شاكر الناصري!
-
ليس مجتمع إيران بحاجة الى جلبي آخر (2-4)
-
مجتمع إيران ليس بحاجة لجلبي آخر! (1-4)
-
أصل القضية -إن ليس عندهم يوم للمشاركة!-
-
-الدكتورة بان- بين مشرط المافيات وجحيم المنبر!
-
إنها دولة مافيات... فأي -قضاء عادل- تتحدثون عنه؟!
-
كلمات حول ما سعى الرفيق مؤيد أحمد لتمريره بحجة إغتيال رفاقنا
...
-
حول حرب اسرائيل وامريكا على ايران...ما أشبه اليومَ بالبارحة!
-
غزة: من الإبادة الجماعية الى التهجير!
-
-وقف إطلاق النار- أم وقفة في التطهير العرقي في غزة؟!
-
إلى أين تمضي هذه -الحثالة- بالمجتمع؟! الجزء الثاني
-
إلى أين تمضي هذه -الحثالة- بالمجتمع؟!
المزيد.....
-
لقاء ثلاثي قد يجمع بوتين وترامب وشي.. هذا ما كشفه الكرملين
-
جندي واحد يقود عشرات المسيّرات والروبوتات.. إسرائيل تكشف منظ
...
-
أشلاء وجثامين متفحمة.. قتلى وجرحى في انفجار مخزن ذخائر ومخلف
...
-
-مقدمات المواجهة الكبرى تتبلور-.. تحذير إيراني: العالم على أ
...
-
واشنطن تخطّط لـ-ضربات حاسمة- ضد نووي إيران.. -جبل الفأس- في
...
-
للمرة الأولى منذ 20 عاماً.. -الطاقة الذرية- تحيل إيران إلى م
...
-
نتنياهو يتوعد طهران من جنوب سوريا: -إسقاط النظام بات قريباً
...
-
إسرائيل.. إجراءات عقابية ضد أوروبا قريبا
-
غزة.. معاناة يومية للحصول على وجبة طعام
-
حكومة صنعاء تصدر عفوا رئاسيا عن -المقاتلين المغرر بهم في الس
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|