أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عزالدين عناية - الإسلام كدين أقلّية (الحالة الإيطاليّة)















المزيد.....



الإسلام كدين أقلّية (الحالة الإيطاليّة)


عزالدين عناية

الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 00:35
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الإسلام كدين أقلّية
(الحالة الإيطاليّة)
عزالدّين عناية
"الإسلام الإيطالي" أو "الإسلام في إيطاليا" في الحقبة المعاصرة، ومع ما بين الصيغتين من فروقات، هو جزء من الإسلام الأوروبي الذي أفرزته أوضاع ما بعد الاستعمار. إذ لم تنشأ الظاهرة الإسلامية في أوروبا الحديثة والغرب عموما نشأة طبيعية، بل جاءت في معظم تشكّلاتها مثخَنةً بالجراح الاستعمارية، الأمر الذي أبقاها مرتهِنة إلى مخيال حضاري مضطرب. فقد ظلّت سياسات الدول الاستعمارية، وشبه الاستعمارية سابقا، محتكِمة في التعامل مع الوافدين إلى بنى نظر استعلائية، إلى أن فَرَضت تحوّلات من الداخل تحويرات أدّت إلى تغييرات مُهمّة لا تزال في طور الاشتغال.
في جذور المسألة
يقتضي فهم علاقة الإسلام بإيطاليا تنزيل المسألة ضمن إطار أشمل، وهو كيف تنظر التوجّهات الغربية بخلفيتها الدينية والحضارية إلى المسلم القادم إلى ديارها والمستوطِن بأرضها؟ في البدء نشير إلى وجود نظرة تَمايزٍ تُعبِّر عن التغاير شائعة بين الناس، وهي نظرة لا تستبطن خَلفية عدائية أو عنصرية، وإنّما يطبعها حسّ المغايرة، وهو سلوك عفويّ يأتيه المرء كلّما تواصل مع أُناس من غير دائرته الثقافية المألوفة. في مقابل ذلك ثمة نظرة تناصب الآخر العداء مسبَقا، وهي رؤية سقيمة تضع الوجود الإسلامي برمّته ضمن منظور الغزو والتهديد. يؤجّج تلك الرؤية جزع واهمٌ، ويتقاسم تلك النظرة المتوجّسة والبالغة حَدّ العداء العلني علمانيون ومتديّنون على حدّ سواء. وما كان لتلك النظرة أن تتطوّر وتلقى رواجا، لو لم تَجِدْ دعمًا ممّن يؤثرون الصِّدام بدل الحوار والتصلّب بدل التسامح.
وعلى العموم يحضر في التاريخ الغربي الراهن شكلان من النظر إلى ظاهرة الهجرة والمهاجرين، غالبا ما يُعبَّر عنهما بمفهوم مزدوج الدلالة ومخاتل ألا وهو الاندماج: أحدهما ذو طابع صَهري مقصود، والآخر ذو طابع تشاركي (كومونيتاري) محمود، يراعي الخصوصيات المميزة للجاليات والجماعات. حيث يبدو الصنف الأوّل من الاندماج الصّهري (المذوِّب) مدفوعًا بنموذج مثالي مهيمِن، يتطلّع إلى جعل مختلف الأنماط الوافدة مجرّد عناصر إضافية تثري النموذج القائم. ويخفي منظور الاندماج هذا دونية مضمَرة للأغيار، وهو غالبا ما يفضي إلى أشكال من الصدام تتطوّر بتطوّر الوعي بالهويات الفرعية وبأبعادها الحضارية. في مقابل ذلك يبدو الاندماج التشاركي (الكومونيتاري) الأكثر اعتدالا، فهو حريص على مراعاة خصوصيات الجاليات والجماعات، وهو أكثر الخيارات قبولا بين التلوّنات الثقافية. فلا يهدف الاندماج إلى مجرّد الاعتراف بالمغايَرة، ولكن المقصد الرئيس ينشد خَلْق ثقافة احترام وتثمين للخصوصيات الحضارية، تكون فيها المراعاة ليست منّة من الطرف المهيمِن المتحكِّم بالفضاء الاجتماعي، وإنما بوصفها حقّا طبيعيا ينبغي أن تحظى به سائر المكونات.
وتبعا لمفهوم الدمج الاستعلائي، نرى حركة الدمج القسري في فرنسا، تعاني أزمات متلاحقة أو لعلّه موتا سريريّا، مع ذلك تصرّ على التغاضي عن ذلك لكون العملية في جوهرها تمثّل تشكيكا في قدرات النموذج العلماني، وهو ما تأبى الذات الجماعية الإقرار به. فقد اتّخذت سائر العلمانيات الأوروبية تقريبا مسافةً من سياسة الهجرة الفرنسية، في تعاملها مع التنوّعات الأخرى، ولا سيّما في ما يخصّ المسألة الروحية وتوابعها الرمزية، من حيث تبنّي سياسات إكراه. إيطاليا التي تعدّ حديثة التعامل مع المهاجرين، مقارنة بدول أوروبية أخرى، تراها أقرب إلى النموذجين الإسباني والبلجيكي منه إلى النموذج الفرنسي، وإن كان في ظلّ الافتقاد إلى حاضنة مؤسساتية قانونية .
والبيّن أنّ بروز فلسفة الاختلاف، في العقود الأخيرة، مع بعض المفكرين المعاصرين، مثل جاك دريدا، وجيل دولوز، وميشيل فوكو، قد جاءت بمثابة ردّ فعل على سياسات المونوبول السائدة في المجتمعات الغربية. وهي فلسفة تنخرط ضمن مسعى ترسيخ حقوق الجاليات والأقليات والجماعات والمهمَّشين. تحوّلَ النظر معها للتعدّد والتنوّع والاختلاف من عناصر فولكلورية إلى مقتضيات حقوقية، وبالعموم من عناصر سلبية إلى عناصر إيجابية، تهدف إلى الحدّ من احتكار الفضاء الاجتماعي من جانب قوى محافِظة تزعم الوصاية على الذاكرة الجماعية. فالعرْضُ المنصف لأنماط العيش، والتعبير عنها في وسائل الإعلام، وفي الفضاء العمومي، وفي المدرسة، حقٌّ يُفترَض أن تضمنه الدولة الراعية للجميع، بقصد فسح المجال لسائر الأطراف في الحضور داخل النسيج الاجتماعي. لكن الحقيقة أنّ التعدّدية في الغرب بقدر ما تغري البعض، فهي تبعث على الريبة لدى آخرين لتبعاتها وآثارها المتباينة. ليس لأنّ حمولة التعدّدية ضارة، بل لآثارها الجانبية أيضا في الحدّ من احتكار الرأسمال الرمزي من جانب أطراف نافذة، كَنَسية ويمينية وشعبوية، تتحكّم بالسوق الثقافية.
لكن رغم الاحتفاء بالتعدّد والاختلاف والتنوّع، لم يسلم الأمر من اختزال قضايا جادة في مظاهر فولكلورية مبتذَلة. فمع الطرف المسلم المستوطِن في الغرب نلحظ اختزالا شكلانيا لقضايا جموع واسعة في مسائل لحم الحلال، والفولار، والصومعة، وما يتخفّى وراء ذلك من حيف اجتماعي في بعض الأحيان، قوامه العزل المقصود من الشغل، والاستبعاد على وجه العمد من مواقع النفوذ، لا سيّما لشبيبة وليدة في الغرب . وتأكيدا على ضرورة الخروج من الإطار الديني الذي غالبا ما تحشر فيه مطالب الجاليات المسلمة يقول سيلفيو فرّاري: "هناك حاجة لنزع الطابع الإسلامي عن المشاكل التي عادة ما تلحق بالإسلام، فهي في الحقيقة مشاكل معيشية تتعلّق بالأقلّيات المغايرةكافة، كما الشأن في أوروبا وفي إيطاليا أيضا" .
والحال أنّ الاندماج السويّ هو خيار مجتمعي يهدف إلى تكريس ديمقراطية اجتماعية وتسوية جوانب حقوقية، وليس مجرّد احتفاء بالأكلات الإثنية، أو استعراض لأزياء شعبية، أو إقامة حفلات رقص فولكلوري نابع من شغف "إيزوتيكي"، وهو ما قد يشيع تعدّدية زائفة. ولعلّ أخطر مستويات التنكّر لمتطلّبات الاندماج السويّ، كما ترصد الباحثة جوسلين شيزاري، حين يكون طمس الهويات المغايرة مدعومًا بقرارات مؤسّساتية تتشابك فيها عناصر الأصول الثقافية والدين والفقر، وهي معادَلة في منتهى الخطورة في حالة المهاجرين المغاربيين إلى أوروبا .
الكنيسة الكاثوليكية والإسلام المهاجر
نأتي إلى السؤال المحوري ما الذي تمثّله الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا؟ تُعَدّ إيطاليا الحديثة نتاج ولادة قيصرية، لم تهدأ فيها العلاقة بين الكنيسة والدولة إلى حين تواضعت الأطراف المتنافسة على أنّ "الكنيسة حرّة في دولة حرّة"، بحسب مقولة السياسي الإيطالي الكونت كافور. وقد يذهب في ظنّ البعض أنّ دولة الفاتيكان الحالية منحصرة بحدود ما وراء نهر التيبر البالغ مساحتها أربعة وأربعين هكتارا، وباتّباع السور المحاذي يمكن الطّواف بها على مدار الساعة، ولكن نفوذها الروحي والرمزي والمادي أيضا يمتدّ على كافة التراب الإيطالي وعلى مستويات عدة تربوية وصحية وسياسية وغيرها. وجيشها الحقيقي، هو جيش فريد، يبلغ في الراهن 400 ألف كاهن، و 750 ألف راهبة. كما أن دولة الفاتيكان تربطها علاقات دبلوماسية بـ 177 دولة، وتحت إشرافها ثلاثة ملايين مدْرسة، وخمسة آلاف مشفى، ويضم "الكاريتاس" (دُور الإحسان)، المؤسّسة التي تسهر على المساعدات الاجتماعية، 165 ألف بين متطوّع وعامل يقدّمون خدمات لـ 24 مليون نفر. وأما مكتبة الفاتيكان فتضمّ أكثر من مليون كتاب، ومئة ألف بين خريطة ومخطوطة .
لقد بدأ إيلاء ظاهرة الهجرة نحو إيطاليا اهتماما منذ مطلع ثمانينيات القرن الفائت، أي إثر توالي موجات من المهاجرين المغاربة (نقصد المغرب الأقصى) تعود إلى السبعينيات، ثم تلتها موجات من التونسيين مع مطلع الثمانينيات، أي قبل موجات الآسيويين والأوروبيين الشرقيين والأفارقة والقادمين من أمريكا اللاتينية. وما إن حلّ عقد التسعينيات حتى بدأت الكنيسة الكاثوليكية تبدي انشغالا مشوبا بالتوجس من القادمين من بلاد المغرب العربي، خصوصا من المغرب الأقصى وتونس، لمّا كانت بعض الشرائح العمالية تتوافد على إيطاليا بحثا عن مورد رزق في الأشغال الفلاحية والصيد البحري وحضائر البناء. مثّلت حينها رسالة الكردينال الراحل كارلو ماريا مارتيني (ت. 2012)، رئيس أساقفة ميلانو، "نحن والإسلام" (1990) أولى محطات التوجّس في هذا الصدد. وقد تناولت الرسالة في ما تناولت الخطوط العامة للتعامل مع المسلمين في العصر الحديث ضمن منظورين: كنسيّ لاهوتي، تساءل فيه عمّا يمثّله الإسلام في تاريخ الخلاص بالنّسبة إلى المسيحية والوعود والتحدّيات المترتّبة عن ذلك؛ ومدنيّ اجتماعي من خلال القول بمعيارية القبول بالتشريعات العلمانية السائدة في إيطاليا وفي سائر البلدان الغربية، كشرط للاندماج والدمج في النسيج الاجتماعي. وعملية احتواء المسلمين الاجتماعي، ضمن سياسة الهجرة الإيطالية، سياقٌ يحضر ضمن انشغالات الكنيسة وأنشطتها واستراتيجياتها أيضا، نظرا لدورها البارز وخبرتها العريقة مع المسلمين في هذا المجال وغيره.
بدا وقعُ رسالة مارتيني منذ ذلك العهد جليا ومؤثّرا. فقد استعادت العديد من الشخصيات والهيئات المسيحية الخطوط العامة مقول الرجل، ومثّلت الرسالة حجر الأساس في بلورة منظور كنسي معاصر مثقل بالتهويمات القروسطية واليمينية غير الملائمة للتحولات الحداثية. ففي سنة 1992 استعادت اللجنة التريفينتية للمسكونية والحوار بين الأديان الخطوط المعلنة من قِبل الكردينال مارتيني، نُشرت في رسالة رعوية بعنوان "المسلمون والمسيحيون في حوار" ، وأعقب ذلك في العام 1993 نشر اللّجنة الكنسيّة المكلّفة بالهجرة التابعة للمؤتمر الأسقفي الإيطالي نصّا بعنوان: "كنتُ غريبا فأحسنتم وفادتي" . ولم يحِل العام 2000 حتى أصدر مجلس إقليم إميليا رومانيا الأسقفي بإيطاليا أيضا وثيقة "الإسلام والمسيحية" ، أكّد فيها بوضوح على شرطية الإيمان المسيحي، بما يعيد جدل قضايا الهجرة من منظور الكنيسة وفق أطر دينية مغتربة لا تتلاءم مع مجتمع باتت تحكمه أوضاع علمانية. ولكن مع المسلمين، كان التغاضي عن هذا المنظور المغترب البائس، وكأن الكنيسة لم تشهد تحولات مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) وإصدار قراراتها الجريئة مع المسلمين. واللافت أنه منذ ذلك العهد بدأت الكنيسة، ممثّلةً في المجلس الأسقفي الإيطالي، تفصح عن منظور مناوئ وأكثر حدّة وانغلاق تجاه الوافدين المسلمين أمام تزايد أعدادهم بشكل ملحوظ، وإن كانت في الخارج حينها تشهد وتحرّك استراتيجيات حوار مكثّفة مع المسلمين. لكن الجلي في خضمّ هذه التحولات مع القادمين الجدد ومع حماس احتفالات "اليوبيل" -حلول الألفية الثالثة- أصدر المؤتمر الأسقفي الإيطالي ضمن توجيهاته الرعوية الخاصة بالعام 2000 وثيقة بعنوان: "التبشير بالإنجيل في عالم متغيّر"، رسمت استراتيجيات العشرية الأولى، وتضمّنت في النقطة 58 ما يلي: "ينبغي أن نواجه محورا مستجدّا شديد الأهمية، ذلك المتعلّق بتنصير الأفراد الوافدين علينا عبر الهجرة. فنحن مطالبون بأداء رسالتنا بين غير المسيحيين على أرضنا. ومع إيلاء تقاليدهم وثقافاتهم اهتماما، ينبغي أن نكون في مستوى تقديم الشهادة بالإنجيل نحوهم، وإن وجد ذلك رغبة لديهم حريّ تبليغهم كلمة الرب" . فمنذ بدايات هجرة المسلمين نحو إيطاليا لاح هاجس توظيف عمل الإحسان (الكاريتاس)، فهو ليس عملا إنسانيا خالصا، بل يبقى اللغة الأكثر ملاءمة لإبلاغ شهادة المسيح للمسلمين . حيث تَلخّصَ الدور في تَولّي مهمة غير المسيحيين (ad gentes) على أرضنا، مع الحذر من تقاليدهم وثقافاتهم، وأن نكون قادرين على الشهادة بالإنجيل في أوساطهم . ومنذ ذلك العهد دبّت مخاوف في أوساط الكنيسة، وأصدرت رئاسة المؤتمر الأسقفي الإيطالي سنة 2005 وثيقة على صلة بالزواج بين الكاثوليكيات والمسلمين في إيطاليا أعرب فيها المؤتمر عن انشغاله البالغ بقضية الزواج المختلط . كما أكد على ثلاثة عناصر تُلخّص الاستراتيجيا الكنسية في إيطاليا: العمل الخيري المسيحي الموجه للمهاجر غير المسيحي، الحوار الديني بشكل حازم ونقدي، ومهمّة التبشير بالإنجيل في أوساط غير المسيحيين في إيطاليا. وما إن حلّ العام 2006 حتى نشر "الكاريتاس" الإيطالي مذكرة بعنوان "المسيحيون والمسلمون. تجارب الحوار والتآخي. شبكة الكاريتاس في بلدان ذات أغلبية مسلمة"، لم تقتصر على رواية تجارب التعاون في البلدان ذات الأغلبية المسلمة فحسب، بل تضمّنت تأملات في أشكال التعامل مع المهاجرين المسلمين الموجودين في إيطاليا .
الإسلام العمّالي
كما أسلفنا القول، تظلّ الصبغة العمّالية غالبة على المهاجرين المسلمين في إيطاليا، فكلّما احتاج المصلَّى -وليس المصلّي- إلى سمكري أو كهربائي أو بنّاء، فهو حاضر بين المصلّين، حتى باعة السمك وصنّاع البيزا وغيرهم يأتون بتبرّعاتهم من بضاعتهم إلى المسجد وخصوصا في شهر الصيام. هذه العوامل وغيرها جعلت مفهوم الدين بالنسبة إلى هذه الأقلية هو مجرّد بحث عن إشباع حاجات روحية، ولملمة هوية مبعثرة يتهدّدها التفسّخ داخل أغلبية منتظمة ومُمَأسسة على مستوى ثقافي ودينيى وتربوي. الأمر الذي جعل النشاط الهوياتي في أوساط الجالية المسلمة يتركز داخل البيت، ويستعين بمصليات بسيطة، لا يمكن أن يطلق عليها اسم مساجد بالمعنى الوظيفي .
ولئن كانت أعداد المصلَّيات إلى حدود العام 1993 لا تتجاوز الخمسين مصلى فالأعداد اليوم باتت بالميئات، ولكن السؤال ما هوية هذه المساجد؟ يتحدّث عالم الاجتماع الإيطالي ستيفانو أَلِيافي عن أن كلمة مسجد أو جامع ضمن السياق الإيطالي تشير إلى مخازن، مستودعات، أو محلّات أعيد تهيئتها بحسب الحاجة . مع العام 2005 شهدت الساحة الإيطالية تطورا ملحوظا مع الجمعيات الإسلامية لاقتناء المحلات المخصصة للنشاط الثقافي الديني وإقامة المصليات. وينقسم نشاط الجمعيات الإسلامية إلى ثلاثة أنواع رئيسة: جمعيات على ارتباط بالدول الإسلامية وبسياساتها الثقافية والدينية؛ جمعيات ذات طابع شعائري؛ جمعيات ذات طابع حركي تمزج السياسي بالديني. يورد أندريا باشيني في دراسة بعنوان: "المسلمون في إيطاليا: الحضور المتعدد" أن التردد على المساجد بين المسلمين يتراوح بين 6 و 7 بالمئة من مجموع المسلمين، على اعتبار التردد على المسجد مرة شهريا .
لم تخل تلك التطورات من ردود أفعال، وترافق ذلك مع اعتداءات على مراكز إسلامية في منطقة لومبارديا، وجراء العداء السافر لحزب "عصبة الشمال" للإسلام، عبّر بعض ناشطيه في منطقة لودي في السادس من أكتوبر 2000 عن معارضتهم إقامة مركز لأداء الشعائر الإسلامية بإلقاء كميات من البول وخراء الخنازير في المكان المزمع إقامة المسجد فيه بقصد تدنيسه. تكرر الحدث مع اقتراح نائب رئيس مجلس الشيوخ روبارتو كلديرولي "يوم الخنزير" “Maiale day” سنة 2007 . إذ لدى مجموعات المتطرفين تتمازج مفخرة معركة ليبانتو التي أوقفت زحف العثمانيين بضرورة القيام بالصد ذاته في الراهن.
ومع تحولات الهجرة خلال العقدين الأخيرين ما عاد اللون المغاربي الغالب على مسلمي إيطاليا، بل انضمّت مكوّنات جديدة، خصوصا من شبه القارة الهندية، ومن دول إفريقية، ومن الشرق الأوسط، من الأكراد والإيرانيين والعرب، وبات التنوّع العرقي واللغوي ميزة المهاجرين المسلمين في إيطاليا. وإن كان المخيال الشعبي الإيطالي يجمعهم تحت مسمى "الماروكيني" أو "الملوَّنين"، كما يتردّد على ألسنة العامة. تجدهم يحضرون بكثافة في المهن الشاقة والوضيعة والهامشية، وهي مهن غالبا ما ينفر منها الإيطاليون، مثل حضائر البناء، والأشغال الفلاحية اليدوية، وأسواق بيع الخضار والسمك، وفي محطات تعبئة البنزين، ومحلات بيع الورود، وفي مختلف المهن الظرفية وكباعة متجولين على شواطئ البحر، أو مسّاحي واجهات السيارات على قارعة الطرقات، أو في بيع الممطريات والورود بالتفصيل بالتردد على الساحات والمطاعم والمقاهي ليلا. إذ يدرك المهاجر المسلم في إيطاليا معنى أن يجد إعلانا للكراء يشترط فيه صاحب المحل عدم الكراء للأجانب، ويدرك جيدا معنى بحث نادل مسلم أسود البشرة عن شغل فلا يظفر بذلك البتّة، وتدرك جيدا مرأة محجبة معنى التفتيش عن شغل في الخدمة المنزلية أو في أعمال التنظيف فتتقلّص حظوظها كثيرا.
أملت أوضاع الجالية المهترئة أن يظلّ النشاط في تلك المصليات متمحورًا حول الأداء الشعائري، وقائما على استهلاك مفاهيم دينية مغرقة في السطحية تستند إلى الوعظ والتذكير والإرشاد. فالمصلى هو ملجأ ضد الخارج، وسياج رؤيوي وديني يحول دون اختراق المنافس القِيَمي الخارجي. وبالتالي لا يشكل الدين لدى معظم أفراد الجالية منظورا منفتحا أو متحاورا مع المغاير يقوم على طروحات ثقافية أو فلسفية، بل هو مجرّد حصن يأوي إليه المهاجر، وإن ظلّ في الغالب بشكل غير منتظم. الأمر الذي يجعل مجمل ما يستجلبه المهاجر، من مخزون تراثي وشعائري وعقدي وفولكلوري أيضا، عنصرا من عناصر الهوية الدينية وحائلا دون اختراقات المغاير في مجتمع يشتدّ فيه التنافس على مستوى رمزي وقيَمي.
وبرغم أنّ الإسلام العمّالي في إيطاليا يخوض مسار حضور وعرا، في ظلّ تدنّي دعم دول المأتى التي لا تزيد مساعدتها عن التبرع ببعض المصاحف أو بشيء من التمر في شهر رمضان، فهو يلبّي بعض حاجات الجالية السائبة، السيكولوجية والروحية. تجده يكافح بأدوات بسيطة تتميز بطابع شعائري ليتوجّه خصيصا إلى شريحة عمالية مرهقة. ويقيم هذا الإسلام داخل مصليات هي أقرب إلى المحلات والدكاكين ليقدّم داخلها خطابا دينيا بسيطا بقصد الحفاظ عل هويات جريحة، مع تطور موجات الهجرة القادمة من المغرب والمشرق، ومن إفريقيا وآسيا. فهو إسلام لسدّ الحاجات الأولية في الدين، وبالأساس لتلبية حاجات شعائرية مثل أداء الصلوات الخمس، وإن كان الارتياد غير منتظم بسبب حالات عدم الاستقرار التي تميز مجمل أفراد الجالية، والإفطار الجماعي في رمضان وإقامة صلاة التراويح، والاحتفاء بالأعياد والمواسم الدينية، وقد يرتقي أحيانا إلى إقامة بعض الدروس ذات الطابع الفقهي، أو تحفيظ القرآن الكريم، أو تعليم المبادئ الأولى للغة العربية . لا يتمتّع هذا الإسلام بقدرات تسمح له بالتحاور مع الوسط الإيطالي الثقافي أو الديني، أو تداول قضايا ذات طابع عمومي. ونادرا جدّا ما يخرج القائمون على تلك المصليات للمشاركة في حوارات ندّية مع الأطراف الإيطالية.
يقابل ذلك الحضور المحدود لتجمعات المسلمين الوافدين تجمّع الإيطاليين المهتدين على حدة، في جمعيات ذات طابع صوفي ثقافي، ولا تربطهم صلات وثيقة بمشاغل الجاليات المسلمة. ولا يرتاد كل منهما مصليات الآخر سوى بشكل عابر أو خاطف، جراء اختلاف الخطاب، وتباعد مفهوم التديّن، واختلاف المشاغل. إذ غالبا ما تحضر معوقات ذات طابع نفسي ثقافي تحول دون اختلاط بعضهم ببعض. فهناك نزوع لدى الإيطاليين المهتدين في جمعياتهم ونواديهم في النظر إلى الدين كمعطى روحي متخفّف من الضوابط الشعائرية ومن الصرامة العقدية، التي تبدو محورية لدى مجمل الجاليات المسلمة. لذلك تجد المسلمين المهتدين أقرب إلى مزاج الإيطالي سواء كان مراعيا لتعاليم الكاثوليكية أم غير مبال بالضوابط الدينية. في مؤلفه "المسلمون الجدد.. المهتدون إلى الإسلام" تعرّض الباحث الإيطالي ستيفانو أَلِيافي إلى جملة من العوامل والمسارات التي تجعل الإسلامَيْن متجاورين وغير مندمجيْن .
لا يختلف مسجد روما الكبير عن دور تلك المصليات الصغرى، فهو مسجد كان في مضى تحت الإشراف السعودي ثم تحوّل إلى المغرب، الأمر الذي أدخل ارتباكا لدى مرتاديه على موعديْ بداية شهر الصيام ومنتهاه نظرا للخلافات بشأن موعد ظهور الهلال. لكن يبقى المحل المحبّذ لدى كثير من المهتدين، ممّن يختارونه لإعلان الشهادة والحصول على شهادة اهتداء قد تسمح لنفر منهم بالزواج من مسلمة أو ارتياد العربية السعودية للحجّ. لكنه يظلّ الأبرز في التوافد عليه من قِبل وفود رسمية إيطالية أو غيرها للزيارة أو الاستشارة، فهو المسجد الوحيد الذي يتمتع بترخيص قانوني من الدولة الإيطالية.
الأقلية إزاء احتكار المجال الديني
صحيح يشكّل المسلمون الأقلّية الأوسع حضورا في المجتمع الإيطالي، وهي أقيلة تضمّ ثلاثة ملايين يقيمون بشكل قانوني على التراب الإيطالي، ينضاف إليهم عدد يناهز ثلاث مئة ألف من المهاجرين غير الشرعيين، أو ممّن هم في طور تسوية أوضاعهم القانونية، مع ذلك تظلّ هذه الفئة مستبعَدة حقوقيا عن الظهور في الفضاء العام. وبحسب تقديرات المركز الأمريكي "بو" للأبحاث (Pew Research Center) المعني بالانتماءات الدينية، تتوزّع التكتلات الأكثر عددا بينهم: المغاربة (زهاء 700 ألف)، يليهم البنغال (160 ألفا)، ثم المصريون والتونسيون بحوالي (150 ألفا) لكل تكتّل، ثم الباكستانيون (145 ألفا) والسينغاليون (130 ألفا) مع تجمعات أخرى لمشارقة وأفارقة. ويفترض أن تكون الجالية الثانية التي تلي المغاربة الألبان بـ (600 ألفا)، غير أنهم يتوزّعون إلى مسلمين ومسيحيين حيث التقدير العام في البلد الأصلي 60 بالمئة مسلمين و40 بالمئة مسيحيين .
كيف تنبني علاقة الدين بالدولة في إيطاليا على مستوى عام وضمن إطار تشريعي دستوري؟ تنتظم العلاقة وفق ما يُعرف بنظام "الكونكورداتو" أي "الوفاق" الذي ينظّم الشأن الديني، وهو نظام يعود إلى الاتفاقات اللاتيرانية (I patti lateranensi) سنة 1929، انتظمت بمقتضاه علاقة الكنيسة بالدولة. ومنذ العام 1984 سوّت الدولة الإيطالية أوضاع 12 دينا وتقليدا دينيا لتغدو معترفا بها. وبما يضمن لها جملة من الحقوق، منها الحصول من الدولة الإيطالية على خصم ثمانية بالألف من الدخل على الضريبة الشخصية، إقامة معابدها الخاصة، والحق في المدافن والمحارق للموتى، وتنظيم عمليات الذبح.
لكن في ظلّ هذا الإطار العام، يُصنِّف مجموعة من علماء الاجتماع الأمريكان إيطاليا ضمن المجتمعات الأوروبية الأكثر خضوعا للمونوبول الديني، فالكنيسة الكاثوليكية من المؤسسات المحتكرة للفضاء الديني بشكل لافت . فقد بقي "المؤتمر الأسقفي الإيطالي" شديدَ الانشغال بتطوّر أعداد المسلمين وتفاعلاتهم مع الأوساط الاجتماعية، حيث حذّر منذ العام 2005 من تداعيات "زواج الكاثوليكيات بالمسلمين في إيطاليا" ، وقد ترافق ذلك بتكرار التوصية بعدم التنازل للمسلمين عن محلات رعوية بقصد الاستعمال الشعائري أو في أنشطة تهمّ المسلمين. ويُبرِز مؤلف "أوروبا والأديان" استنفار الأوساط الكنسية غير القابلة بأوروبا المتعددة إبّان مساعي سَنّ الدستور الأوروبي، والإلحاح على استعادة الماضي من خلال مقولة "الجذور اليهودية المسيحية" وهو ما لا يلائم الراهن الأوروبي التعدّدي . فقد جاء مشروع الدستور المتوقّف بما يناقض آمال البابا الراحل يوحنا بولس الثاني حينها، المتحفّز "لإعادة أنجلة أوروبا" وما يقتضيه من ترسيخ الطابع الكنسي في القارة.
وبخصوص المهاجرين المسلمين فغالبا ما تتناغم الكنيسة مع الرؤى اليمينية في النظر إليهم، ولا تتعامل معهم كمقيمين لهم حقوق اجتماعية وثقافية تضاهي نظرائهم من مواطني البلد، وتتبنى بشأنهم موقفا حضاريا مسبقا. الأمر الذي يدفع كثيرا من أفراد الجالية المسلمة أثناء الانتخابات إلى التصويت للأحزاب اليسارية والتكتلات المعارضة لليمين التي يجدون لديها تفهّما لقضاياهم، وينأون في عمومهم عن الأحزاب اليمينية ذات الخلفية الدينية، التي عادة ما تكون مدعومة من الكنيسة. فالاعتراف بخصوصيات الهوية الإسلامية في إيطاليا يجد سندا من اللادينيين أكثر مما يجده من المتديّنين، ومن المفارقات في إيطاليا أن المسلم أقرب إلى اللامتدين منه إلى المتديّن، لما يجد لديه من تفهّم لقضاياه، في وقت يُفترض فيه أن يكون المسلم بين إخوانه من أهل الكتاب، على اعتبار انتماء المسلم والمسيحي إلى تراث إبراهيمي جامع.
تتحكّم الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا، ممثّلة بالمجلس الأسقفي، بالفضاء الديني، سواء ما تعلّق منه بصياغة السياسة الدينية ذات الصلة بالمجتمع، عبر ما يعرف بـ "تعليم الكنيسة الاجتماعي" (Dottrina sociale della chiesa) أو من ناحية إقرار البرامج التربوية والتعليمية الدينية، في كافة مراحل التعليم قبل الجامعي، هذا بالإضافة إلى تتبّع النشاط الديني لأيّ تجمّع غير كاثوليكي يحضر في إيطاليا ، حيث يلعب "المجلس الأسقفي الإيطالي" دورا أساسيا في صياغة السياسة الدينية في الداخل الإيطالي بوصفه الوصي أو الرقيب على الضمير الجمعي. صحيح لا توجد في إيطاليا وزارة تعنى بالشؤون الدينية، ولكن توجد دولة دينية داخل دولة علمانية تتجاوز انشغالات الوزارة المحصورة بقطاع معين، وهي تتحكم بجملة من الملفات والملف الإسلامي إحداها.
ففي أوضاع التوتر بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، تُصوَّر الجالية المسلمة كجالية مقلقة، وتغدو مادة دسمة للإعلام المخاتل، لتتحول فجأة من جالية عمالية تكافح من أجل لقمة العيش إلى خزّان للتوترات الأمنية. يعلو الحديث عن استراتيجية المسجد، وعن مخطّطات اجتياح الغرب وأسلمة أوروبا . ويجري تسييس الجالية ومصلياتها، ولا يخلو الأمر من بعض الاعتداءات هنا وهناك خصوصا على نسوة محجبات. هي حملات موسمية ودورية يشنّها اليمين الشعبوي ويؤججها كتّاب . تتحول فيها حتى مطاعم "الشاورمة" و"الكباب" إلى نقاط غزو ثقافي وقلب لهوية المجتمع. ثمة هاجس شعبوي يصرّ على اختلاق المغايرة والتصارع، ولا يقرّ بالتنوع والإثراء ومراعاة الخصوصيات، لتصبّ عملية الشحن في زيادة عزل المهاجر والتضييق عليه في الشغل والسكنى والشارع.
فلا يفوتنا دائما أن "الإسلام في الغرب" أو "الإسلام الغربي" -كما هو بصدد التحوّل والتشكّل- هو مكوَّن حضاري من مكوَّنات الغرب ما بعد الكولونيالي، لا يزال يشقّ طريقه بتؤدة، ويصوغ تفاعلاته مع حاضنة حضارية يطغى عليها الطابع العلماني وتستند إلى مرجعية دينية مسيحية. وأنّ الملايين المسلمة التي أضحت مستوطِنة في الغرب لا تشكّل مكوَّنا نقيضا للغالبية السائدة، كما يجري الحديث أحيانا، في أوقات التوتر أو عند اندلاع الأحداث الأمنية، وإنما هو مكوَّن أفرزه سياق التحولات لا يزال يشقّ طريقه ويبحث عن هويته داخل تجاذب مزدوج: الارتباط بالأصول الحضارية السّالفة والتماهي مع قضاياها وإشكالياتها؛ والقبول بسياسات مجتمعية تختلف أبعادها ومقاصدها من بلد غربي إلى آخر.
وحريّ أن ندرك أنّ التوتر المتفجر في إيطاليا وفي الغرب عموما -من حين إلى آخر- بين المهاجرين المسلمين وبعض الأطراف المحلية، ذات التوجه الديني المحافظ أو اليميني المتطرّف الذي يُصبَغ بصبغة التهديد لنمط الحياة الغربية، ليس قائما على جلب الشريعة أو أسلمة أوروبا أو ما شابه ذلك. فالسوادُ الأعظم من المسلمين صاروا جزءا من تلك الديار، ويتماهون مع فلسفتها الاجتماعية وأعرافها المعيشية. وأنّ المطالبة ببعض الحقوق لا تعني تغيير النموذج الغربي أو تهديده، كما يُصوِّر المغالون، بل تنشد خوض إصلاحات ذات طابع اجتماعي حقوقي. كون المسألة تتلخّص في حيف اجتماعي، قوامه العزل المقصود في الشغل، والاستبعاد على وجه العمد من مواقع النفوذ، والتضييق المتعمَّد على سُبُل الرزق .
لكن عملية النفي تعود أيضا إلى وهن داخل الجاليات المسلمة وإلى لامبالاة مقصودة أحيانا من المجتمع الحاضن. يظلّ فيها كدح المهاجرين والإسهام في بناء المجتمع مرحبا به، ولكن تطلّعات أرواحهم بمناجاة خالقهم، وعيش شعائرهم، واستلهام مخزونهم الروحي في حياتهم ومماتهم يبقى شأنا مصادَرا. والحال أن الكاثوليكية تقرّ بقول المسيح "لا يعيش الإنسان بالخبز وحده، بل بكلمة من فم الربّ".
ظلّ المسلمون في إيطاليا، رجالا ونساء، على مدى عقود، ولا يزالون مبعَدين قسرا من الإسهام في الدورة الاقتصادية في المجتمع المضيف إلا بما اقتضته الضرورة. ولذلك تجد جلّهم يشتغلون في الأشغال الهامشية والظرفية التي عادة ما ينفر منها الإيطالي. تلك العطالة المفروضة تمسّ جنسيْ الذكور والإناث من المهاجرين، ولربما العنصر الأنثوي الأكثر تضررا بشكل أوضح، مع أننا نسمع صباح مساء في الإعلام الإيطالي عن انتهاك حقوق المرأة المسلمة في البلدان التي تدين بدين الإسلام.
الإبعاد العمد من نسيج الشركات والمؤسسات الكبرى وحتى الصغرى منها التي تكوّن الاقتصاد الإيطالي، ومن الأشغال التابعة للبلديات بأنواعها هي مظلمة خفية في حقّ الجالية المسلمة، إذ يندر أن تشغّل شركات محلية أو عالمية منتصبة في إيطاليا المهاجر المسلم مثل "كارفور"، و"إيكيا"، و"هاش آم"، و"أوفياس"، و"ماكدونالدس". ولسائل أن يسأل كيف تدبّر الأقلية المنبوذة عيشها في ظلّ وضع طارد تتقلص فيه استراتيجيات الاستيعاب. الوضع أجبر شقّ واسع من هؤلاء "المنبوذين" إلى الاشتغال في الأعمال الحرة، في الأسواق والمتاجر والمحلات الخاصة، وثمة عدد لا بأس من بين هؤلاء من يختار الهجرة ثانية إلى مجتمعات أوروبية أخرى بمجرد الحصول على الجنسية.
عملية الدحر والصدّ لا تقف عند الشغل، بل يصل مداها المدرسة. نجد نصف مليون من اليافعين والناشئة من أبناء الجالية المسلمة، ممّن هم في سنّ التمدرس الإلزامي، معفون اضطرارا من "ساعة الدين" التي تُقدّم في المدارس والمعاهد الإيطالية. ففي نظام تعليمي يقرّ بتدريس مادة "التربية الدينية" ضمن البرامج التعليمية، التي هي في الأصل مادة للتربية الكاثوليكية يتولى تدريسها مدرسون ينتقيهم "المؤتمر الأسقفي الإيطالي" وتدفع رواتبهم الدولة الإيطالية بموجب اتفافيات تعود إلى "الكونكورداتو"، تحضر لامبالاة بحقوق أبناء الديانة الثانية غير المعترف بها . وأحيانا يثار جدل بشأن "ساعة الدين"، يجري فيه الحوار مع أقليات ميكروسكوبية ولكنها نافذة، مثل اليهود والفالديين، في حين يجري التغاضي عن المسلمين. كان نص الدستور الإيطالي السابق في "الكونكورداتو"، قبل عملية التنقيح، ينصّ على صيغة دين الدولة وقد جرى التخلي عنها، ولكن الواقع لم يشهد تحولات ملموسة.
مخبر التعدّدية المفتوح
تستمدّ التعددية، بوجهيها الديني والثقافي، قوّتها وصلابتها من الحاضنة الاجتماعية. وضمن السياق الإيطالي تعيش التعددية حالة اختبار وتجريب لم ترسُ فيها بعد على أسس ثابتة. صحيح في العموم ثمة إطار عام مدني وعلماني تستند إليه الدولة، غير أن التعاطي مع ظواهر التنوع في المجتمع، المتأتية جراء الهجرة، لا تزال عنصرا ضبابيا. لذلك تجد تعامل السياسات الثقافية العامة مع الوافد الجديد تعاملا فولكلوريا لا يرتقي إلى مستوى مراعاة الخصوصيات، وهو أمر عائد إلى النظر إلى موضوع الهجرة كمحاولة إغاثة ظرفية تأتيها الدولة وليس كظاهرة واقعية وعالمية. ومن ثَمّ فالتنوع الآتي مع الهجرة هو مختبر مفتوح على مقاربات عدّة، لم يصل فيه التحاور بين مختلف المكوّنات الأصيلة والوافدة إلى مستويات متقدّمة حول طبيعة المجتمع المنشود.
فما من شك أنّ التسامح هو قدرة على قبول المغاير، وهو ينبني بالأساس على إيمان بحقّ الآخر في الحضور والوجود، وهو في حال وضع المسلم في إيطاليا مطلبٌ على صلة كبيرة بالأهليين، أكثر مما ينبغي على الوافدين والناشئين إتيانه والعمل على ترسيخه، حتى وإن بات جانب مهمّ من العملية عائدا إليهم بالنظر. ولكن بمنأى عن ميزان القوى المتحكّم بالعلاقة بين المتسامِح والمتسامَح معه، فالتسامح وقبل أن يكون خُلقا مدنيا على المرء أن يتحلّى به، هو حاجة لازمة داخل التنوّع بغرض الحفاظ على توازن المجتمعات المتعددة. وهو وعيٌ وإدراكٌ قبل أن يكون مِنّة أو تنازلا أو تساهلا، وكما أشرنا آنفا أن الاستثمار في التوعية والتثقيف هو مجال فاتر في أوساط المسلمين في الغرب، فغالبا ما لا تعي الجموع المسلمة هذا العنصر الحاسم، لكون الثقافة قائمة على عناصر رمزية، وعلى رصيد معنوي، وعلى مفاهيم. والتسامح الفاعل يتطلّب خلفية ثقافية تدعمه، وهذا ما لا يتوفّر في غالب الأحوال لجموع واسعة من المسلمين في إيطاليا، إذ يبقى النظر للآخر وفق قوالب ضيّقة متأتية من ثقافة الآباء، أو مما هو مستهلَك في أوساط الجالية أو في حدود الأسرة. صحيح أنّ المسلمين في الغرب معنيون بمراجعة رؤاهم، الدينية والثقافية، وهم يحتكون بواقع مسيحي دبّت في أوصاله آثار الحداثة والعلْمنة، بَيْد أن العملية ليست بالسهولة التي قد نتخيّلها. فليست الجاليات المسلمة كتلة متماسكة موحدة، بل هي كغيرها من الجماعات المهاجرة شظايا من العناصر داخل حاضنة اجتماعية أوسع، بما يجعل حظوظ تشكّل خارطة وعي جامعة بينهم محدودة.
وبالتالي تملي التعددية في المجتمعات المعاصرة تطوير خُلقية جديدة في التعايش، وهي خُلقية غير ناجزة، أي بخلاف ما يذهب في ظنّ البعض أن المجتمعات الغربية مهيّأَة بطبعها ومتسامحة وقابلة للآخر. والمجتمع الإيطالي تحديدا، وجد نفسه بعد موجات الهجرة أمام اختبارات اجتماعية طارئة، أَمْلت عليه إعادة النظر في رؤاه الدينية والقانونية.
ولا شكّ أنّ هناك أوضاعًا طاردةً في إيطاليا، كما هو الشأن في الغرب، ولكن ينبغي ألاّ تدفع إلى مزيد التصلّب الهوياتي في أوساط الجاليات المسلمة، بل يُستوجَب تفحّص أوضاع النفور والتعاطي معها برويّة. كما أن الأوضاع الصعبة لعدد وافر من المسلمين في الغرب، والناتجة بالأساس عن تدنّي القدرات والإمكانات والفرص ومحدودية التكوين الدراسي، ينبغي ألا تدفع إلى الانعزال وضيق الرؤية في الدين والدنيا، لا سيما وأن البؤس الاجتماعي غالبا ما ينتج بؤسا دينيا في النظر والممارسة.
وحريّ أن نشير ضمن السياق الذي يعيشه الإسلام المهاجر إلى مخاطر تحويل الدين إلى خاصية عرقية أو إلى "دين عرقي" (ethnic religion)، وقد تناوَلَ أبعاد هذه المسألة بعض علماء الاجتماع مثل غريلي وهاموند وفارنر . حيث يؤازِر الدينُ المؤمنَ في عملية الاندماج لمَّا يكون تمثُّله بطريقة ديناميكية غير جامدة، بما يسمح للمرء بناء علاقة سويّة قوامها مثلّث الذات والإيمان والمجتمع؛ ولكن كلّما اِعترى تلك العلاقة خللٌ وغدا الدين فيها حكرًا على جماعة المأتى وعنوانا لهوية مغايرة تنافي الانفتاح، يصبح الدين عائقا للاندماج، ضمن تمثّله بمثابة نظام دفاع عن الجماعة الإثنية. وبذلك التميّز القائم على المزج بين البُعد الديني والخاصيات العائدة لجماعة بشرية (اللغة، ولون البشرة، والأصل التاريخي، وما شابه ذلك) ترى الجماعات الدينية المهاجرة، في الحفاظ على ذلك الرأسمال الرمزي، المعْقَل الأخير للذّود عن كيانها المهدَّد بالاندثار.
نخلص إلى أنّ التعددية هي مشروع تشاركي، حتى وإن كان هناك غيابٌ ملحوظ للتنوعات الدينية والثقافية غير الكاثوليكية، وحضورٌ طاغ لخطاب الهوية التقليدية، وكأنّ التحولات التي تشهدها إيطاليا منذ أربعة عقود غير موجودة. ففي المخيال الجمعي، الأجنبي هو عابر وغير قارّ، وإن كان من مواليد إيطاليا. ولا يعني الحديث أنّ الدولة غائبة عن ترشيد التنوع، ولكن محاولاتها في الغالب تأتي طارئة وظرفية. في مطلع التسعينيات من القرن الفائت قدّمت بعض الهيئات الإسلامية -اتحاد الجمعيات الإسلامية في إيطاليا، المركز الإسلامي بروما، جمعية "قريش" الناطقة باسم المهتدين الإيطاليين- مشروع "إنتيزا" (مشروع اعتراف) مع الدولة بقي معلقا إلى اليوم. تلته في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 مبادرة من الحكومة اليمينية حينها بقيادة سيلفيو برلسكوني ارتأت أن السبيل لإبعاد المسلمين المقيمين على الأراضي الإيطالية عن الانخراط في المسارات المتشدّدة يقتضي دمجهم في أطر تشريعية وتشجيعهم على خلق هيئة تسهر على الشأن الديني الإسلامي وتكون الناطق الموحد باسم المسلمين، وهو ما حاولت جل البلدان الغربية فعله حينها. كانت المساعي حثيثة لمأسسة الإسلام وخلق هيئة تمثيلية تتحاور مع أجهزة الدولة. تولت ملف إنشاء "المستشارية الإسلامية" (نوفمبر 2005) وزارة الداخلية حينها، جاءت المبادرة من فوق بإشراف الوزير جيوسيبي بيزانو ولم تُستشر فيها الجالية. لم يمض وقت طويل حتى تلاشى المشروع وذهب بذهاب الحكومة.
الإسلام واقتحام المجال العمومي
طيلة الحقبة المعاصرة ظلّت إيطاليا تعيش أوضاعا دينية مفعمة بالرتابة، ألِفت فيها الساحة التعاطي مع تقليد دينيّ مهيمِن تمثّله الكنيسة الكاثوليكية، ومجموعة من التنوّعات الأقلّوية، المسيحية واليهودية، تقنع فيها الأطراف الحاضرة بأدوار محدّدة في النسيج الاجتماعي. حتى أطلّ الإسلام مع مطلع تسعينيات القرن الفائت، لتشهد الساحة ارتباكا مع قدوم الوافد الجديد الذي سرعان ما طفت قضاياه في المجال العام. وقد أملت عوامل متنوّعة تداول الإسلام ضمن النقاش العمومي، لعلّ أبرزها حضور أتباع هذا الدين كأمر واقع في الساحة الاجتماعية وكضيف مزعج داخل توزّع الأدوار المعهود في ساحة الاجتماع الديني، ناهيك عن تشابك ذلك الحضور مع أوضاع دولية متوتّرة.
لهذا يبحث الإسلام اليوم عن موضع قدم داخل المجال العام، ويستظلّ بما تتيحه علمانية الدولة من حرية المعتقد، وبما يضمنه الدستور الإيطالي من مراعاة للتعدّدية ومستحقّاتها الحقوقية. حتى وإن افتقد دين الإسلام إلى اعتراف من الدولة، في ظلّ انتظام العلاقة بين التقاليد الدينية الناشئة والسلطات الرسمية ضمن "وفاق" مبرَم (إنتيزا)، يغدو التقليد الجديد بمقتضاه حائزا على صكّ الاعتراف.
وفي ظلّ المستجدّات الدينية التي شهدتها إيطاليا في العقود الأخيرة، قد يبدو الحضور في المجال العام متاحا أمام سائر الجماعات والتلوّنات الثقافية، وتتساوى فيه الحظوظ بين مختلف الأطراف، ولكن الحضور الفاعل يظلّ على صلة وطيدة بمدى انفتاح السوق الدينية ورفع أشكال الاحتكار المستشرية فيها . ما يجعل المجال العام -في أوضاعه الحالية- فضاء تراتبيا أيضا، لا تتساوى فيه الحظوظ والإسهامات. وبالتالي فإنّ مغانم الاستفادة من هوامش الحرية متفاوتة من جماعة إلى أخرى، فالمجال العام كغيره من المجالات قد يخضع للهيمنة والاحتكار والرقابة أيضا. وعلى هذا الأساس يُصنِّف مجموعة من علماء الاجتماع الأمريكان، يُعرَفون بمنظّري السوق الدينية، إيطاليا ضمن المجتمعات الأوروبية الأكثر خضوعا للمونوبول الديني والاحتكار، وهو احتكار تهيمن فيه الكنيسة الكاثوليكية على المشهد الديني بشكل بارز .
وإذا ما قلنا إنّ الإسلام هو الدين الثاني في إيطاليا بعد الكاثوليكية، فإنّ ذلك لا يضعه في مستوى التقاليد الدينية المبرِمة لوفاقات رسمية مع الدولة، من حيث حضورها وتأثيرها في المجال العام. والإسلام في ظلّ أوضاعه الحالية في إيطاليا مدعاة لإثارة توتّرات في المخيال العام، تتداخل فيها عوامل تاريخية قديمة بأخرى سياسية راهنة يسهم جميعها في خلق حالة من العصابية تجاه المهاجرين المسلمين. يورد المؤرخ برنار لويس في كتاب "اكتشاف المسلمين لأوروبا" قصة البندقي المنزعج إزاء إنشاء "فندق الأتراك" -حوالي 1602م-، الذي يرتاده التجار والرحالة المسلمون، خشية أن يتحوّل إلى مسجد لعبادة محمّد!!! . تلك التهويمات القروسطية لا تزال حاضرة في الأوساط الكَنَسية واليمينية، وهي تهويمات نابعة عن عجز في التعاطي مع التحوّلات الجديدة بمنظور تعدّدي، والإصرار على الاستئثار بالشأن الديني في ظرف تاريخي شهد تحولات عميقة.
وعود التعدّدية
كما تبيّن لنا تستمدّ التعدّدية صلابتها من الحاضنة الاجتماعية، وهي ضمن السياق الإيطالي تشهد حالة اختبار لم ترسُ بعد على أسس جليّة. صحيح ثمّة إطار مدني عام تستند إليه الدولة، غير أنّ التعاطي مع ظواهر التنوّع في المجتمع، بفعل حضور تقاليد دينية جديدة، لا يزال غائما. لذلك تجد تعامل السياسات الثقافية العامة مع الوافد الجديد تعاملا فولكلوريا في الغالب، ولا يرتقي إلى مستوى مراعاة الخصوصيات، وهو أمر عائد إلى النظر إلى موضوع الهجرة عامة كإشكال ظرفي تتعامل معه السياسات وليس كظاهرة واقعية وعالمية. ومن ثَمّ فإنّ التنوّع الناشئ في المجتمع هو مختبَر مفتوح على مقارَبات عدّة، لم يصل فيه التحاور بين مختلف المكوّنات الأصيلة والوافدة إلى مستويات متقدّمة حول طبيعة المجتمع المنشود.
فما من شكّ أنّ التسامح قبل أن يكون منّة هو قدرة على قبول المغاير، وهو يَنبني أساسا على إيمان بحقّ الآخر في الحضور والوجود، وهو في حال وضع المسلم في إيطاليا مطلبٌ على صلة وثيقة بالأهليين، أكثر مما ينبغي على الوافدين والناشئين إتيانه والعمل على ترسيخه، حتى وإن بات جانب هامّ من العملية عائدا إليهم بالنظر. ولكن بصرف النظر عن ميزان القوى المتحكّم بالعلاقة بين المتسامِح والمتسامَح معه، فالتسامح وقبل أن يكون خُلقا مدنيا على المرء أن يتحلّى به، هو حاجة لازمة داخل التنوّع بغرض الحفاظ على توازن المجتمعات المتعدّدة. وهو وعيٌ وإدراكٌ قبل أن يكون مِنّة أو تنازلا أو تساهلا. والتسامح الفاعل يتطلّب خلفيّة ثقافية تدعمه، وهذا ما لا يتوفّر في غالب الأحوال لجموع واسعة من المسلمين في إيطاليا، إذ يبقى النظر للآخر وفق قوالب ضيّقة متأتية من ثقافة الآباء، أو ممّا يروج في أوساط الجالية، أو في حدود الأسرة. صحيح إنّ المسلمين في الغرب معنيون بمراجعة رؤاهم، الدينية والثقافية، وهم يحتكون بواقع مسيحي دبّت في أوصاله آثار الحداثة والعلْمنة، بَيْد أن العملية ليست بالسهولة التي نتخيّلها. فليست الجاليات المسلمة كتلة منسجمة موحّدة، بل هي كغيرها من الجماعات المهاجرة شظايا من العناصر داخل حاضنة اجتماعية أوسع، بما يجعل حظوظ تشكّل خارطة وعي جامعة بينهم محدودة.
الحوار الاجتماعي
في ظلّ أوضاع الجالية المسلمة في إيطاليا في الوقت الحالي، يتعذّر الحديث عن حوار حضاري أو حوار ديني بين الطرفين المسلم والكاثوليكي، وبالمثل عن تثاقف معرفي، بل عن تفاعل معيشي واختبار عملي للسلوكات والقيم والأخلاق. ولذلك لا تسمع صدى لمشاركات ممثّلي الجاليات أو لأطر قياديّة في موائد الحوار التي تُعقَد على مستوى أكاديمي أو جامعي، وكأنّ الأمر من جانب الجاليات المسلمة لا يعنيها. فتلك الجموع الهائلة لم تنتج بعد نخبة مثقّفة تحمل همومها وتعبّر بلسانها في أوساط الإعلام وبين المشتغلين بالثقافة. فهي جالية منشغلة بما هو ضروري، وبما هو مباشر، وذو مردود براغماتي، وهو ما يمكن تصنيفه في خانة الحوار الاجتماعي.
وفي ظرف تاريخي تعيشه الجاليات المسلمة في إيطاليا، يندر فيه المثقفون والباحثون والدارسون بينها، تبقى حقلا في عهدة آخرين، وتظلّ مرتَهنة داخل قراءات مجحفة يصوغها خطّ يميني منغلق، إذ لا يزال الجيل الثاني من أبناء المهاجرين، جيلا يافعا في سنّ التمدرس الإلزامي في الغالب الأعمّ، وهو الجيل المعوَّل عليه في تقليص الضغوطات في المستقبل المنظور.
أحيانا تُلقى مهمّة ثقيلة على الجاليات المسلمة في صياغة وعيها بأحوالها وتدوين تغريبتها. حين أتملّى أوضاع الجالية في إيطاليا التي أنتمي إليها، يبدو هذا التعويل منافيا للصواب، لما يفتقده من دراية بواقع تلك الجاليات، في ظلّ غياب التقديرات المضبوطة لِقدرات تلك الجموع المليونية ولِما تحوزه من إمكانيات متواضعة. فنحن بعد عقود من الهجرة لم نصل بعدُ إلى مستوى تشكُّل ما يشبه الشريحة المثقّفة المستوطِنة بإيطاليا، ذات الأصول العربية والإسلامية، وما لدينا هم أنفارٌ متناثرون عاملون في حقل الثقافة والمعارف. في ظلّ اختلال الموازين هذا، يُفترض أن يكون علم الاجتماع أو بشكل أدقّ "سوسيولوجيا الهجرة" الأكثر إحاطة بالتعامل مع الظواهر الاجتماعية المستجدة في المجتمع الإيطالي، والأكثر حرصا على معالجة القضايا ذات الصلة، ولا نقول تطويع سوسيولوجيا الهجرة لتكون المدافع عن المستضعَفين والغرباء والمهمَّشين، ولكن الأكثر شفافية في عرض الوقائع وانتقاد الخيارات الخاطئة، والتعاطي مع الوقائع بدون تأويلات مجحفة أو قراءات مضلّلة أو أحكام جاهزة.



#عزالدين_عناية (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جامعةٌ شريدةٌ وخرّيجٌ كسيحٌ
- المسيحيّون العرب في فلسطين
- استراتيجيات الترجمة
- العربية والمستعربون الإيطاليون
- تحوّلات الاستشراق الإيطالي
- من الاستِشْراق إلى الاستِعْراب -الحالة الإيطالية-
- الثقافة العربية في إيطاليا
- التسامح وبلوى التفسّخ
- من هو اليهودي؟
- الطّالبي وبورمانس من الوفاق إلى الفراق
- قراءة سوسيولوجية في تطوّر العلوم لدى المسلمين
- التراث والوعي التاريخيّ
- نحن والفكر النقديّ
- الغرب كسرابٍ بِقِيعةٍ
- الفكر المستقيل
- عرب أوروبا وبؤس الثقافة
- العقل الدّيني الغربي كتاب جديد لـ عزالدّين عناية
- المثقّف الهشّ والاستشراق البشع
- أوروبا تعيد النظر في علاقة الدّين بالسياسة
- القوانين والحضارات.. القانون الدولي تاريخه وفلسفته


المزيد.....




- اكتشافات أثرية تعيد الجدل حول موقع قبر المسيح
- لماذا اختارت كييف كاتدرائية القديسة صوفيا لاستقبال مبعوثي تر ...
- بعد وصفه بـ-كاره اليهود-.. مرشح ديمقراطي من أصول مصرية يوجه ...
- زاخاروفا: زيلينسكي تخطى بن لادن في الإجرام الإرهابي
- الاحتلال يمهد لأعياده بحملة إبعادات للمصلين عن المسجد الأقصى ...
- دول عربية وإسلامية تدين التصريحات الإسرائيلية حول إبعاد الفل ...
- -تحدٍ مباشر- لخطة ترامب.. دول عربية وإسلامية تندد بالتصريحات ...
- تردد قناة طيور الجنة وناسة الجديد 2026 على نايل سات وعرب سات ...
- لمن الطاعة اليوم؟ الصهيونية الدينية تعيد تشكيل المؤسسة العسك ...
- ردا على بن غفير وكاتس.. 8 دول عربية وإسلامية تدين مخطط التهج ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عزالدين عناية - الإسلام كدين أقلّية (الحالة الإيطاليّة)