|
|
الفلسفة في عصر الالات الذكية
عدي عدنان البلداوي
الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 17:54
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
في العصر الذي تمضي فيه مشاريع الذكاء الاصطناعي في انتاج آلة تفوق قابلية الإنسان من حيث قدرات حفظ البيانات والمعلومات وسرعة وسهولة استحضارها ، والقدرة على حل المعادلات الصعبة والعمليات الحسابية المعقدة ، فإن ابلغ درس في الوعي يمكن ان يقدّمه المثقف والباحث الاكاديمي هو ان يفكر باستمرار في حث الفرد والمجتمع على الإبداع من خلال إثارة ملكة الإنسانية. فبالإنسانية يدرك مستخدم التقنية الذكية ، المعنى الحقيقي لحريته وبإدراكه لهذا المعنى الحقيقي سيدرك معنى المسؤولية الاخلاقية والادبية والعلمية ، وبهذا الإدراك سيتمكن من تحرير نفسه وتحرير مجتمعه وتحرير عالمه من التفاهة التي قد تتسرب اليه من بعض التطبيقات الالكترونية ، التي تخاطب فيه المتعة والراحة واللذة ، هذه الصفات التي تطرب لها النفس البشرية ، فمثلما يشكل التكوين البيولوجي للجسم محورا للتوجهات الجاذبة للـ ( ميديا) ، فعلى الباحث الأكاديمي الذي يتحرك في بحثه من منطلق الحس الثقافي الانساني المسؤول أن يفتش عن السبل التي يمكنه من خلالها إعادة هيكلة التكوين الانساني في ضوء الاهتمام البيولوجي الطبيعي . لقد اصبح مستخدم التقنية الذكية يعلم كيف يدار العالم وكيف تسير الامور من حوله ، لكنه قد لا يعلم كيف يحافظ على انسانيته في هكذا مناخ يفرض نفسه عالمياً ، لذا بدا لنا ان البحث في ايجاد علاقة ثقافية بين الفلسفة والتكنلوجيا والانثروبولوجيا والتاريخ ، يمكنها ان تسهم في احداث توازن في جوانب شخصية الفرد النفسية والعقلية والسلوكية والاخلاقية والعاطفية ، لاعتقادنا ان حالة التوازن هذه سيرافقها حالة مصالحة مع النفس وهي غاية ما يحتاجه كثير من مستخدمي التقنية اليوم لكي لا يصبحوا مجرد مستهلكين لمنتجات شركات التقنية الرقمية ، الأمر الذي يحوّلهم بالتدريج الى مستهلكين ( بفتح اللام) . انه امر ممكن التحقيق لأن بنية الناس الطبيعية لا تزال محتفظة بالانسانية وهي مادة خام اساسية ومعدن مقاوم للتلف اذا وجد من يعتني به . الفلسفة من تعريفات الفلسفة المعاصرة التي اراها قريبة جداً من لغة العصر وروحه ، ما تناوله الدكتور حسام الدين الآلوسي في كتابه ( دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي ) حيث يقول ( تعني الفلسفة ، حسب اشمل تعريف لها واكثره قبولاً عندنا : انها نظرة الى العالم ، وشكل من اشكال معرفة الواقع ، الذي هو الإنسان والمجتمع والطبيعة ، وهي موقف يعكس الوعي الاجتماعي الى جانب الاشكال الأخرى التي يتمظهر فيها هذا الوعي الإجتماعي ، وباعتبارها موقفاً إجتماعياً فهي ذات بعد ايديولوجي يعبر عن المصالح المادية للطبقات المختلفة . وللتبسيط نقول ان الفلسفة موقف ، سواء كان ها الموقف عن إدراك ووعي او لم يكن ، فموقف الإنسان الأول الذي يقدم القرابين للآلهة ويعتقد بوجود ارواح معينة ، وحياة اخرى ، هو موقف فلسفي بها المعنى او ذاك ، وكذلك موقف المؤمن العادي الذي لم يتجاوز مرحلة "التقليي" في اعتقاداته خالية من البراهين والأدلة العقلية ، هو موقف فلسفي بها المعنى او ذاك ... على ان للفلسفة معنى أدق وهو انها التفكير الحر المنظم والمتناسق والواعي..) (1) وفي كتابه ( الفلسفة والانسان) يقول الدكتور الآلوسي ( ان الفلسفة موجودة في أي مجتمع في الأقل منذ بضعة آلاف من السنين ، موجودة في الفرد بأي درجة من الوعي أو عدم الوعي ، وموجودة في المجتمع بشكلين بشكل وعي منظم وبشكل شعبي اعتيادي يفصح عنه مجموع ما تواضع عليه المجتمع او فئات منه ، وفي التقاليد ومختلف اشكال الشعور والتفكير والعمل لدى الجماعة ...) (2)
ما حاجتنا الى الفلسفة في عصر التقنية الذكية ؟ من خلال التعريف السهل المبسط الذي قدّمه الدكتور حسام الدين الآلوسي للفلسفة ، وفي ضوء الواقع الحياتي الذي نعيشه اليوم في ظل التطور العلمي والتقني المتسارع ، حيث عصر التقنية الرقمية ، والشاشات الملونة ، ومشاريع الذكاء الإصطناعي ، ومستقبل التطبيقات الذكية ، التي باتت بشكل او بآخر ضرورة حياتية ملحة ، لا غنى لديمومة الحياة عن استخدامها . وحيث يذهب المشتغلون في مشاريع الذكاء الاصطناعي الى ان العمل جار على تطوير هذه التطبيقات الذكية ، كي تخاطب حاجات النفس البشرية وميولها عند مستخدميها ، بحيث يجد المستخدم اجابات سريعة ومفصلة لكل اسئلته التي سيوجهها للذكاء الاصطناعي في كل مجالات حياته وشؤونه الخاصة. نعتقد ان هذا الجانب الإيجابي من التطور العلمي التقني ، يمكنه ان ينطوي على خطر يكمن في اعتياد مستخدم التطبيقات الذكية على ادمان حضورها المتواصل في حياته الى الحد الي لا يجد معه ضرورة او حاجة الى ان يفكر فيما حوله وفي شؤون حياته ، ما دامت تطبيقات الذكاء الاصطناعي مستعدة لتقديم الحلول المقبولة . ونشير هنا الى ان الذكاء الاصطناعي يقدم حلولاً مقبولة ، وهذا لا يعني بالضرورة انها حلول منطقية ، او انها حلول لا تتقاطع مع منظومة القيم والاخلاق والدين . لذا نعتقد ان ثمة خطر يمكنه ان يهدّد سلامة استمرار واستقرار الحياة الانسانية ، وقد يشكل هذا الخطر تهديداً حقيقياً لمنظومة القيم الحضارية للانسانية ، من شأن هذا الخطر ان يطال الإبداع كميزة انسانية بحتة ، بتهديده بالتحول الى تقليد وتطبيق اجتماعي تقترحه وتقرره التقنية الرقيمة الذكية لمستخدمها ، فإذا تعطل أو أهمل الجانب الإبداعي في الانسان ، اصبح الانسان كتلة بشرية ، هو اقرب الى الآلة الذكية منه الى الإنسان الحي المبدع المفكر . واذا اصبح الانسان كتلة بشرية ، تحوّل المجتمع الى تجمعات بشرية فاقدة للانسانية او تفتقر اليها ، عندها تستحيل الحياة الى روتين لا بد منه ، والاستمرار في هذه الحياة يصبح مرهوناً بدرجة تفاعل تلك الكتلة البشرية مع منتجات شركات التقنية الرقمية ، فالتسوق سيضحى ميزة حياتية ، وستصبح كثرة الاستهلاك مؤشراً حياتياً . عندها سيمكن تعليب المشاعر وتسطيح العقول ، وفرض الفردية كحل للتخلص من الحاح الضمير على تفعيل الشعور بالمسؤولية . من كل ها نجد اننا في حاجة ماسة الى علم وضعي يمكنه ان يحول دون تفاقم الأمور الى ما تحمله الرؤى الواقعية والمستقبلية الينا، وفيما يلي جانب من بحث شاركت به في مؤتمر اقامته جامعة فردوسي في مدينة مشهد الايرانية في 2026م ، عرضت فيه فكرة تأسيس علم جديد يقوم على صياغة علاقة علمية بين الفلسفة والثقافة والانثروبولوجيا والتكنلوجيا والتاريخ.
الفلسفة والانثروبولوجيا الانثروبولوجيا – علم الانسان – علم يعنى بدراسة كل ما له علاقة بطبيعة المجتمعات البشرية ، ويتناول تأثير اللغة في الانسان ، وتأثير الدين ، ويأخ في نظر الاعتبار العادات والثقافات والتقاليد ، فضلاً عن اشتغاله على الجانب البيولوجي لجسم الانسان ، فهو علم يدرس الإنسان ويدرس ثقافة عصره . وهو اصطلاح يوناني من مقطعين ( انثروبو) وتعني انسان ، و( لوجك) وتعني علم ، ظهر منذ قرنين تقريباً ، اخذ شكله كعلم مختص في الجامعات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وتطور ليشمل مجالات اجتماعية وثقافية وفيزيائية ، وما يهمنا في هذا البحث هو الانثروبولوجيا الثقافية الاجتماعية التي تعنى بدراسة سلوك الناس وعاداتهم وتفاعلاتهم مع ثقافة العصر الذي يعيشونه . يقوم البحث الانثروبولوجي على معايشة واقع الحال وتدوين الاحداث كما هي بتفاصيلها ، ثم تليها مرحلة عرض تلك التفاصيل على التأمل والتفكير والتحليل بغية الخروج بنتائج تخدم تطوير طريقة او طرق الحياة وتحسين الأداء وتجنب المشاكل والمعوقات التي حصلت . هدف الانثروبولوجيا هو الانسان ، كما ان هدف الفلسفة هو الانسان ، واذا اضفنا اليهما الثقافة كمفهوم انثروبولوجي ، تهيأ لدينا مستلزمات علم وضعي جديد يجمع بين الفلسفة كنظرية والبحث العلمي الانثرولوجي كتطبيق ، هدفه انساني بالمفهوم المتوارث لمعنى الانسانية في التاريخ والكتب السماوية ، وهذا العلم الوضعي قد يساعدنا في تحقيق توازن لصالح قيمة الانسانية في عصر الآلات الرقمية الذكية ، بحيث لا تتحول علاقة الانسان بالآلة الذكية الى عبء او قلق او ضرورة الزامية ، بقدر ما نريد لها ان تصبح علاقة ثقافية واعية ، واقعية ، تواصلية ، تكاملية تطورية . تأتي العلاقة بين الفلسفة والانثروبولوجيا من حيث الهدف وطريق البحث ، فالانسان هدفهما ، تحاول ان تصل اليه الفلسفة عن طريق الاستفهام الـنظري والتأمل ، وتحاول الانثروبولوجية ان تصل اليه عن طريق الاستفهام العلمي والعملي ، فالانثروبولوجيا تثير اسئلة من قبيل : لماذا يدمن مستخدم الموبايل على استعمال التطبيقات الذكية ، ولماذا تجذبه الشاشات الملونة ومواقع التواصل الاجتماعي ، لماذا لم يعد تفاعل الفرد مع الكتاب الورقي كتفاعله مع المنشور الالكتروني ، لماذا تتفوق دول على غيرها في انتاج التقنية الرقمية ، لماذا تتراجع بعض المجتمعات مع انها تعيش في ظل عصر يتطور علمياً وصناعياً واقتصادياً وبتسارع كبير. كما ان الفلسفة تتساءل عن مصير الانسان في ظل هذا التطور العلمي التقني وتتساءل عن مكانته وقيمته امام الحاسوب الذكي .
الفلسفة والتكنلوجيا في كتابه ( الآلة قوة وسلطة) يقول المختص بتاريخ التكنلوجيا آر إيه بوكانان ( التكنلوجيا حديث عن الماكينات والعمليات مثلما هو حديث عن الناس ، وهي معنية بشكل خاص بالنتائج المباشرة وطويلة المدى المترتبة على العلاقات بين الماكينات والعمليات من ناحية والناس في المجتمع من ناحية اخرى) (3) مع استخدام التقنية البدائية حيث الاعتماد على طاقة المياه والخشب في تسيير شؤون الحياة اليومية ، بدأت التكنلوجيا بدراسة تاريخ التقنية . بقيت هذه التقنية سائدة حتى القرن الثامن عشر الى ان جاءت تقنية الفحم والحديد ، التي استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر . بعدها جاءت تقنية محركات الاحتراق الداخلي والكهرباء وصولا الى تقنية الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على البيانات . ميزة هذا العصر انه عصر تدفق هائل للبيانات والمعلومات ، وهو عصر التطور المتسارع قياساً بالقرون الماضية . لهذه الميزة بعدان ، بعد ايجابي يتمثل في تحفيز الانسان على تطوير مهاراته وقدراته بالاعتماد على الخدمات الوفيرة التي تتيحها تكنلوجيا المعلومات والتقنيات الذكية التي من شأنها ان توفر مساحة ابداع كبيرة كانت بالأمس مرهونة بالظروف والإمكانات والقدرات المالية والعلمية . البعد الثاني لميزة هذا العصر هو البعد السلبي المتمثل بتوظيف هذه التقنية الذكية وهذا التدفق الهائل للبيانات والمعلومات في تسخير اكبر عدد ممكن من المستخدمين وتوظيفهم عبر وسائل التواصل وتطبيقات الانترنت لتحويلهم الى مستهلكين ومستخدمين دائميين حد الإدمان على الشاشة ، من شأن هذا النوع من الإدمان ان يبطء نمو القدرات البشرية على التفكير الذاتي ، وعلى الابداع ، وعلى النقد الذاتي ، فيصبح المستخدم جزءا من التقنية التي يستخدمها ، الأمر الذي يخشى منه ان يؤثر في شخصية مستخدم التقنية بحيث تتمكن شركات انتاج رقمي وحكومات عالمية من توظيف وفرة البيانات في إعادة هيكلة التكوين الثقافي للمستخدم بإتجاه يخدم مشاريع مثل أمركة العالم ثقافياً ، ومشاريع شرق اوسط جديد ، ومشاريع الديانة الابراهيمية وممر داود ، وغيرها من المشاريع التي تصب في صالح هيمنة النظام العالمي على القرار السياسي والسيادي حول العالم من خلال التطوير المستمر لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق التي تعيد انتاج التاريخ بأحداث ووقائع مزيفة ينقله اشخاص حقيقيون . من هنا جاءت فكرة هذا البحث ، من اجل تمكين مستخدم التقنية الذكية ثقافياً بحيث يصبح قادراً على معرفة ما هو مزيف مما هو حقيقي ، فقد أشارت توقعات الى ان العام 2030 سيشهد تطويراً في تقنية الذكاء الاصطناعي يمكن معه تزييف 90% من مقاطع الفديو المنشورة على شبكة الانترنت ، وهذا يعني ان الجيل القادم سيتعذر عليه التمييز بين المزيف والحقيقي مما يشاهدونه ، يشكل هذا التوقع خطراً على مستقبل الجيل القادم وعلى الحياة الانسانية ، لذا نجد ان التوصل الى صياغة حديثة للعلاقة بين الفلسفة والتكنلوجية في ضوء الانثروبولوجيا سيعطينا امكانية تشكيل ثقافة وعي كافية لتكوين قاعدة عمل جماعي بدافع الحفاظ على الانسانية والابداع والحرية الحقيقية .
الفلسفة والتاريخ . تنطلق علاقة الفلسفة بالتاريخ في عصر الذكاء الاصطناعي من الاستفهام المستقبلي : من سيكتب التاريخ في عصر الالات الذكية ؟ في جواب هذا الاستفهام تدخل ثنائية الانسان والآلة كمحور اساسي في الوصول الى نتيجة تضمن سلامة التاريخ من محاولات إعادة كتابته م قبل الآلة على وفق اجندات بشرية تخدم سوق المال والأعمال في مجال التقنية وتكنلوجيا المعلومات على حساب انسانية الانسان . بدخول الفلسفة مع تاريخ التكنلوجيا وتاريخ الثقافة ، في صياغة معاصرة سيتمكن مستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي من ان يضع نصب عينيه كل الاحتمالات الواردة بشأن الحاضر والمستقبل اذا تدخلت الآلة الذكية في إعطاء اجوبة لكل اسئلة مستخدميها الذين يتحولون الى مستفيدين تابعين معتمدين اعتماداً كلياً على شبكة المعلومات الالكترونية كمصدر لمعلوماتهم وثقافاتهم ، وتأتي الحاجة الى وجود الفلسفة في علاقة صداقة مع التاريخ في عصر الذكاء الاصطناعي من خلال الفارق الكبير الذي احدثه عصر التقنية بين البلدان المنتجة لهذه التقنية وبين البلدان المستهلكة لها . فمن المثقفين المعاصرين من وجد ضرورة الحاجة الى اعادى قراءة تاريخ بلدانهم القديم ، من اجل اعادة كتابته من جديد بادوات العصر التقني الذكية ، لإعتقادهم ان الطريقة التي عليها التاريخ الآن غير قادرة على منح حاضر المجتمع فرصة استيعاب التطور التقني المتسارع ، مما يجعل المجتمع متأخراً . لكي لا يصبح جيل المستقبل أمام مصادر الكترونية لا بديل عنها بعد هجر الكتاب والقراءة والمصادر الاصلية الرصينة وبعد الاعتماد كلياً على ما توفره التقنية الرقمية من نسخ من تلك المصادر الرصينة التي لن يكون بوسعهم معرفة مدى مطابقتها لحقيقة ما في المصادر الاصلية ، ولكي لا يسهم التدوين الرقمي للتاريخ في تغيير ، او تشويه ، او تحوير ، او اختلاق احداث والباسها جلباب الحقيقة ، فإن دور الفلسفة يأتي مهماً في كشف ذلك عن طريق التقاء استفهاماتها مع استفهامات التكنلوجيا في سياق انثروبولوجي ثقافي .
الفلسفة والثقافة تأتي دعوة النظر الى الفلسفة كثقافة ضرورية في عصر الذكاء الاصطناعي من حيث بدأت الآلة بالتفكير الرقمي ، واخذت تحمل صفة الذكاء الاصطناعي . هنا يصبح من الضروري على البحث العلمي الذي يتمحور حول انسانية الانسان ان يبحث عن صناعة جديدة يقابل بها صناعة الآلة الذكية . هذه الصناعة هي صناعة الوعي . الوعي بنوعيه التلقائي والموضوعي يحتاج الى استفهامات تحرك منظومة التفكير من اجل انتاج فكرة جديدة ، يتحقق ذلك في تقديرنا من خلال العلم الوضعي الجديد الذي تحاول اوراق هذا البحث ان تكون مقدمة له . العلاقة بين الفلسفة والثقافة علاقة مترابطة ، محورها الإنسان والطبيعة . فإذا كانت الثقافة بحكم اسبقيتها التاريخية على الفلسفة ، قد بدأت مع حياة الإنسان الطبيعية ، فيمكن القول ان الفلسفة بدأت مع حياة الانسان المعرفية .. واذا كان للثقافة نصيبها الكبير في التعبير عن الواقع ، فإن للفلسفة نصيب كبير في تغيير ذلك الواقع . فالثقافة تهيئ للفلسفة أدوات عملها ، والفلسفة بدورها تطور اداوت الثقافة . ولعلي استطيع القول ان الفيلسوف مثقف بالضرورة ، والمثقف فيلسوف بالصيرورة . اذن جميع الناس فلاسفة على اختلاف درجات وعيهم ، وجميع الانثروبولوجيين يبحثون في هدف هؤلاء الفلاسفة وهو الإنسان ، والتكنلوجيا تدرس تاريخ انتاج الانسان للتقنية ، وكل هذه الميادين تستخدم في معاملها ومعاملاتها ادوات الاستفهام : من ، متى ، لماذا ، كيف .. هكذا يمكننا ان نقيم صناعة وعي تتيح للمجتمعات المتقدمة وعي مصيرها في ظل التطور المتواصل لتقنية الذكاء الاصطناعي التي تنتجها بالاضافة الى ما يمكن ان يخفيه مستقبلها من مفاجآت ضارة وسارة . وتتيح صناعة الوعي للمجتمعات المتأخرة وعي مصيرها في ظل حاجتها المستمرة لمخرجات تطور الدول المتقدمة ، فقد يكون من المعقول قبول مهندس متفوق في مجال الذكاء الاصطناعي ، لكن من غير المعقول قبول مثقف واعي لا يعيش الفلسفة وهو يستخدم هذه التقنية الذكية . وقد يكون من البديهي ان نجد طبياً يجيد استخدام الروبوت الذكي في صالة العمليات ، لكن من غير البديهي ان نجد طبيباً يعطل تفكيره الفلسفي الفطري بالاعتماد على ذكاء الآلة .
نتائج وتوصيات اولاً: جعل التفكير الفلسفي جزءاً من السلوك الاجتماعي للفرد الاعتيادي . ثانياً: ادخال الفلسفة كنقاش استفهامي يرمي الى إثارة التفكير النقدي بدلاً عن الاستفزاز أو الاستفهام بهدف التفاهة ، ويمكن توظيف ذلك في وسائل الإعلام وتدريب مقدمي البرامج وصنّاع المحتوى ومعدّي برامج ( البود كاست ) والمقاطع المصورة . ثالثاً: ربط الفلسفة بمشكلات الواقع الحياتي للناس من خلال حثهم على الاستفهام والاستعلام عن معاني الحياة والسعادة والعدالة والحرية والنجاح . رابعاً: منح مستخدم التطبيقات الذكية شعوراً إيجابياً بسمو النفس وقدرتها على مجاراة تطور الآلة الذكية . خامساً : جعل الفلسفة قوة اخلاقية معيارية داخل الثقافة. سادساً: تقليل الضغط النفسي الذي يتعرض له الفرد جرّاء سعيه الحثيث المتواصل لتلبية احتياجاته الحياتية التي يرتفع سقفها ، من مأكل وملبس ومسكن ومعيشة واسرة ، بحيث تدخل الفلسفة كعامل تخفيف حدّة الاضطراب والزدواجية التي يمكن ان تصيب الفرد
سابعاً: تحويل الفلسفة الى بنية ذهنية للثقافة ، لا الى مجرد مادة دراسية .
ثامناً : دعم الترجمة والنشر الفلسفي الميسر مع شروحات توضح علاقة واقع المجتمع بالفكر العالمي .
تاسعاً : تحفيز البحث العلمي على انتاج نصوص موجهة لعموم الناس ، لا للنخب فقط كما هو الحال .
عاشراً : توسيع مساحة عمل المثقف العضوي في المجتمع من اجل تمكين المجتمع ثقافياً وتأهيل ارضية متينة للعمل الجماعي .
أحد عشر : تعزيز ثقة مستخدم التقنية الذكية بنفسه بمنحه شعوراً متواصلاً بالاستقلالية الفكرية والحرية المسؤولة والهوية الشخصية.
ثاني عشر : بهذا لن تكون الفلسفة بديلاً ، لكنها ستكون اداة مؤثرة وفاعلة في تنظيم علاقة العقل العضوي بانسانية الانسان ، لكي لا تتأثر الحاجة الضرورية لعلاقة الفرد بالحاسوب الذكي بالاتجاه الذي يضفي صفة الرقمنة البعيدة عن الانسنة .
ثالث عشر : تحويل الفلسفة من معرفة نظرية الى ممارسة ثقافية من حق الجميع التمتع بها .
رابع عشر : تنمية مهارات التفكير الطبيعي في الوسط الجامعي والتعليمي عموماً عبر التحفيز على الابداع بصفته حاجة اجتماعية ضرورية .
خامس عشر : اعداد برامج تعليمية اعلامية ومناهج دراسية ثقافية مكملة للمناهج التعليمية المقررة في المدارس ، على سبيل المثال منهج ( التربية الإنسانية ) لطلبة المدارس ، ومنهج ( الثقافة الانسانية) لطلبة الجامعات .
سادس عشر : انشاء مراكز ابحاث فكرية وفلسفية تعنى بتوظيف الدراسات الانثروبولوجية في الثقافة الاجتماعية .
سابع عشر : ارتفاع معدل الوعي الثقافي في لغة الحوار مما ينتج عنه ظهور بارز لسلوك الاحترام المتبادل في النقاشات الاجتماعية والثقافية والعلمية .
ثامن عشر : تدخل الفلسفة كقوة باعثة ومحركة للوعي الذاتي عند مستخدمي التقنية الذكية .
--------------------------------------------------------------- 1- الآلوسي – د. حسام الدين - دراسات في الفكر الفلسفي الاسلامي – ص47 – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1992م 2- الألوسي – د. حسام الدين – الفلسفة والانسان – دار الحكمة – بغداد 1990م – ص185 3- آر إيه بوكانان – الآلة قوة وسلطة – ترجمة شوقي جلال – مؤسسة هنداوي – 2023م – ص
#عدي_عدنان_البلداوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
النهضة العالمية
-
دور الشباب في صناعة الوعي
-
الطائفية بين الحقد والنقد
المزيد.....
-
ترامب يلوّح بضرب موقع -جبل الفأس- في إيران.. وتقرير يكشف خطة
...
-
حرّ وجفاف وحروب.. أسعار الغذاء العالمية تسجل أكبر قفزة منذ 2
...
-
إمدادات كييف تدفع برلين لرفض التنازل عن حصتها من -باتريوت- ل
...
-
العليمي يحذر من -مغامرة- حوثية تستهدف باب المندب ويتوعد الجم
...
-
التقرير الأممي عن السودان.. دعوات أمريكية لحظر السلاح والإما
...
-
عاجل | الجيش اليمني: طيراننا الحربي استهدف بـ15 غارة مواقع م
...
-
أوجاع اليمن بعد ربع قرن على 11 سبتمبر
-
أكسيوس: إدارة ترمب تضع مسودة خطة للشرق الأوسط بعد الحرب
-
تحليل.. لماذا لن تتراجع إيران عن موقفها في الصراع مع أمريكا؟
...
-
روسيا: سنقصف بنى تصنيع السلاح بأوكرانيا
المزيد.....
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
المزيد.....
|