|
|
بدايات تشكيل وعيي السياسي والانخراط في العمل الحزبي
توفيق ختاري
الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 15:33
المحور:
سيرة ذاتية
لم يكن وعيي السياسي طارئًا على حياتي، بل تشكّل منذ طفولتي الأولى بوصفه جزءًا طبيعيًا من تفاصيل البيت اليومية. كان والدي من أنصار الزعيم عبد الكريم قاسم، وقد انعكس ذلك بوضوح على أجواء المنزل. في زاوية البيت كان يقف راديو كبير الحجم، يجلس والدي قربه منصتًا إلى خطابات قاسم، متابعًا ما يعلنه من مشاريع وإجراءات تمس حياة الفقراء مباشرة، من قانون الإصلاح الزراعي إلى بناء الدور السكنية للفئات المعدمة. ومع مرور الوقت، أصبحت تلك الأحاديث جزءًا من وعيي الأول بالعالم من حولي. كنت أرافق والدي في سفراته إلى الموصل، وكان أول ما يحرص على شرائه لي هناك ميدالية تحمل صورة عبد الكريم قاسم، يعلّقها على صدري باعتزاز واضح. وفي إحدى تلك السفرات قصدنا زيارة كريف الدم، المحامي قاسم المفتي، المعروف باتجاهه القومي ومالك قرية عميري التي كان والدي مختارها ووكيلها. التقينا به في محكمة نينوى، وما إن وقعت عيناه على الميدالية المعلقة في صدري حتى التفت إلى والدي قائلاً، "يبدو أنك تحب قاسم". عندها انتبه والدي إلى الميدالية فنزعها بهدوء، ثم دخلنا معه إلى غرفة المحامين. كان قاسم المفتي يدرك ميول والدي السياسية، الأمر الذي تسبب بتوتر العلاقات بينهما، رغم اعتماده عليه في إدارة شؤون القرية بحكم موقعه مختارًا ووكيلًا لها، إضافة إلى كونه كريف الدم، الرابط الاجتماعي المعروف عند الإيزيديين. ومع تصاعد الخلاف، أقدم قاسم المفتي على جلب عدد من العوائل الكردية الرحّل (الكوجر) وأسكنهم في القرية، في محاولة للتضييق على والدي وتقليص نفوذه ودوره الاجتماعي، مما زاد من حدّة التوتر بين الطرفين. بلغت هذه التوترات ذروتها في مطلع ستينات القرن الماضي بعد قدوم ابن عمي علي خليل وانظمام والدي إلى تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي. عندها تحولت الخلافات إلى صدامات حادة شملت التحريض والابتزاز وإثارة العداء من قبل بعض الأكراد. ومع ذلك بقي والدي متمسكًا بموقفه، رافضًا أي تنازل أو مساومة، الأمر الذي دفع قاسم المفتي في نهاية المطاف إلى مطالبته بمغادرة القرية. غادرنا قرية عميري في تموز 1964 وعدنا إلى مسقط رأسنا، قرية ختارة الكبير، حيث بدأت مرحلة جديدة في حياة العائلة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. سرعان ما أصبح والدي الركيزة الأساسية للحزب في القرية، وتحول بيتنا إلى محطة دائمة للاجتماعات الحزبية وملاذ لعدد من قيادات المنظمات الحزبية في المنطقة ، من بينهم، أبو ماجد، أبو فؤاد، أبو باز، وكاك أحمد (مصلح) من منطقة سوران، وغيرهم من الرفاق المسؤولين. في تلك الأجواء المشحونة بدأ وعيي السياسي يتبلور مبكرًا. وقبل انتمائي الرسمي إلى صفوف الحزب ، كنت أُكلّف بمهام بسيطة كحمل الرسائل ونقل البريد الحزبي بين قرى المنطقة. وفي عام 1970 جرى ترشيحي للانتماء إلى الحزب عن طريق الرفيق أبو داود (خديده حسين)، وبعد ستة أشهر من النشاط المتواصل نلت عضوية الحزب الشيوعي العراقي، لتكون تلك اللحظة بداية مرحلة جديدة في حياتي. انتظمت بعدها في إحدى الخلايا الحزبية في القرية، وبدأت أتحمل مسؤوليات تنظيمية أوسع. وفي عام 1971، وبسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها العائلة، ولا سيما بعد وفاة والدي، اضطررت إلى التوجه إلى بغداد بحثًا عن عمل. كنت آنذاك متخلفًا عن أداء الخدمة العسكرية، الأمر الذي جعل سفري محفوفًا بالمخاطر، لكن بمساعدة الحزب حصلت على دفتر خدمة يعود للرفيق الفقيد رشو حسن عليكو من قرية سريجكا يشبهني في الصورة تقريبًا، فاعتمدته وسافرت إلى بغداد. هناك، وبمساعدة الأصدقاء، حصلت على عمل في أحد أفران الصمون. جرى ترحيلي حزبيًا إلى بغداد، وانتظمت في إحدى الخلايا الحزبية في منطقة البتاوين، واستمر ذلك حتى منتصف عام 1973، وهي فترة اتسمت بتقارب سياسي بين الحزب الشيوعي وحزب البعث، ثم أُعلن رسميًا في تموز 1973 عن تشكيل "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية". الاعتقال والسجن كنت في إجازة عائلية بعد ثلاثة أشهر من العمل في بغداد، ثم قررت العودة للالتحاق بعملي في بغداد من جديد. حملت حقيبة سفري وفيها حاجياتي من بينها كتاب "كيف سقينا الفولاذ" للروائي السوفيتي نيقولاي أوستروفسكي، إلى جانب مقطع من قصيدة «البراءة» لمظفر النواب، وعدد من أوراق الطباعة الفارغة. عند سيطرة بيجي جرى تفتيش الحقائب، وحين وقع نظر عناصر الانضباط العسكري على الكتاب سأل أحدهم، "لمن هذه الحقيبة؟". أجبته بأنها لي، فطلب مني إبراز هويتي. قدمت له هوية صادرة من نقابة العمال في بغداد، فأمرني بالنزول من الباص. عندها أدركت الخطأ الذي وقعت فيه بسبب حملي لهذا الكتاب.
كان يرافقني ابن عمي المرحوم شاكر، فقلت له قبل اعتقالي، "بلّغ أهلي والحزب باعتقالي". وُجهت إليّ تهمة تزوير الهوية فأنكرتها، لكن الشكوك تعززت عندما لم أكن أملك وثيقة أخرى تثبت شخصيتي. ثم سألني عن الكتاب، وحين قلت إنها مجرد رواية للقراءة، ابتسم ساخرًا وقال، "الشيوعيون يقرؤون مثل هذه الكتب". بعد تحقيق أولي تم اقتيادي إلى مركز شرطة بيجي، وفي اليوم التالي خضعت للتحقيق من قبل ضابط المركز بشأن الهوية والكتاب والمقطع الشعري والأوراق التي كانت بحوزتي، إضافة إلى أسئلة عن طبيعة مهمتي الحزبية في بغداد. استمر التحقيق قرابة ساعة، أنكرت خلالها كل شيء. وحين لم يحصلوا على أي اعتراف، قرروا تسفيري إلى قضاء شيخان للتحقيق في مصدر الهوية والمعلومات الواردة فيها ،حيث تأكد لديهم بأن الهوية مزورة. وبعدها سُفّرت إلى بغداد وسُلمت إلى مركز شرطة عبخانة في السنك، فبقيت في السجن أربعين يومًا.
في اليوم التالي بعد إطلاق سراحي قررت العودة عدت إلى أهلي في ختارة. وفي تلك الأثناء تواصل معي أبو داود من الموصل، فاتفقنا على اللقاء صباحًا في كراج بغداد في مدينة الموصل . التقينا حسب الاتفاق، وتجولنا في منطقة البلدية وباب الطوب، وكنا نتبادل الحديث عن أوضاع المنطقة وغيرها من الأمور. وخلال تجوالنا أنا مع الرفيق أبو داود، فاجأتنا مفرزة الانضباط العسكري، حيث كانوا يدققون في هويات المارة بحثاً عن الهاربين والمتخلفين عن الخدمة العسكرية ، طلبوا منا إبراز هوياتنا، كنت أحمل ورقة إطلاق سراحي من السجن فقط، بينما لم يكن أبو داود يحمل أية وثيقة تثبت شخصيته، فاعتقلونا معًا واقتادونا إلى سجن الانضباط العسكري في الموصل. بقينا هناك يومًا واحداً، ثم سُفّرنا إلى قضاء شيخان للتأكد من موقفنا من الخدمة العسكرية. هناك أطُلق سراح أبو داود بعد التدقيق، بينما بقيت أنا أسبوعًا كاملًا في السجن باعتباري متخلفًا عن الخدمة العسكرية، ثم أطُلق سراحي بكفالة على أن أراجع دائرة التجنيد خلال أسبوع عدت إلى البيت وكانت الأجواء حينها متوترة بشدة بين الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكوردستاني. نصحني الرفاق بضرورة الاختفاء عن الأنظار تحسبًا لأي اعتقال محتمل، فتجمعنا واختفينا في عدد من بيوت القرية. لم يدم اختفائي سوى ثلاثة أيام، إذ أبلغني كفيلي بضرورة الالتحاق بالتجنيد، فاضطررت إلى ترك الرفاق والتوجه لأداء الخدمة العسكرية.
الخدمة العسكرية، الهروب، والانضمام إلى الأنصار تم تسفيري إلى مركز تدريب الحبانية وبقيت شهرًا واحداً، ثم هربت من الخدمة العسكرية. وخلال تلك الفترة كانت الأحداث تتطور بسرعة، إذ تحولت الخلافات السياسية إلى مواجهات دامية في القرية والمنطقة برمتها بين الحزبين اللذين كانا حليفين في وقت سابق، وذلك بتحريض ومباركة خبيثة من حزب البعث الفاشي. بعد هروبي عدت إلى المنطقة، وفي الموصل التقيت بعدد من أبناء قريتي فأخبروني بالأحداث المؤلمة التي وقعت في القرية، والتي على أثرها تم ترحيل عائلتي مع عوائل أخرى من الرفاق إلى قرية دوغات وقصبة تللسقف. توجهت فورًا إلى هناك للالتحاق بعائلتي. وهناك بدأت مرحلة جديدة حين انضممت إلى قوات الأنصار، وبعد فترة قصيرة أصبحت آمر حضيرة لمجموعة من الأنصار. ومن قرية دوغات انطلقنا إلى عدد من القرى في المنطقة، منها قرية سريجكا وخوشابا وبيبان وقرى خورزان وكرساف ونصيرية وغيرها. وأخيرًا، وبطلب مني، انتقلت إلى قرية بيبان واستقررت فيها. هناك جرى ترشيحي لعضوية اللجنة القاعدية، ومسؤولًا عسكريًا للفصيل، إلى حين حل تشكيلات قوات الأنصار
العودة إلى الخدمة العسكرية النظامية بعد حل تشكيلات الأنصار، أبُلغت لاحقًا من قبل الحزب بضرورة الالتحاق مجدداً بالخدمة العسكرية، مع التأكيد على أن فترة وجودي مع حركة الأنصار لم تحُتسب خدمة بديلة، غير أنني أعُفيت من عقوبة الهروب من الجيش.بعدما التحقت بوحدتي العسكرية في الحبانية وراجعت قلم الوحدة، فوجئت بوجود عدد من الرفاق الذين كانوا معي في حركة الأنصار، وهم، خالد إيسياني، وخيري أومي، وديوالي حجي، وبركات كينجو، وكانوا يعملون في قلم الوحدة. رحبوا بي، وعند فتح سجل الوحدة تبيّن أن اسمي غير مدرج ضمن سجل الهروب، وأنني ما زلت مسجلًا في الخدمة .اقترح الرفيق خالد تسريحي في الحال من الجيش، لكنني لم أتجرؤ على القبول خوفًا من انكشاف الأمر، فتم الاتفاق على احتساب ستة أشهر خدمة لي، وانتهت المسألة دون مشاكل. بعد شهر من التدريب في معسكر الحبانية نُقلنا جميعا إلى معسكر المسيب، حيث تم تنسيبنا إلى سرية حراسات الموقع وشخصيا جرى تنسيبي مع بركات كينجو للعمل في نادي نواب الضباط داخل الموقع ، كان يشرف عليه رئيس عرفاء يدُعى جبار من أهالي الناصرية، إضافة إلى نائب ضابط من العمارة، مسؤولا عن إدارة النادي ، بينما نُسب أصدقائي خالد وخيري وديوالي إلى حراسات المخازن. بقيت هناك إلى حين تسريحي من الخدمة الإلزامية .
المراقبة والاستجواب داخل المعسكر خلال فترة عملي في النادي كان يتردد علينا ضابط في التوجيه السياسي يُدعى الملازم الثاني صبحي، من أهالي الطويريج. وكان أثناء إجازاته يزور ناديًا في الطويريج كان مستأجره شخصٌ من دوغات يُدعى حجي عبدال، وهو بعثي بسلوكه السيئ وتعاملِه القمعي مع المواطنين. قام هذا الشخص بتزويد الضابط بمعلومات تفصيلية عن ارتباطي بالحزب الشيوعي، في فترة كان فيها نحو ثلاثين رفيقًا عسكريًا معتقلين في سجون البعث بتهم باطلة، ثم أُعدموا جميعًا لاحقًا رغم تدخل الحزب لإنقاذهم، فأصبحتُ تحت المراقبة دون علمي. كُلّف بهذه المهمة رئيس العرفاء المشرف على النادي. وبعد فترة من المراقبة دون الحصول على أي دليل بخصوص علاقاتي، صارحني رئيس العرفاء بحقيقة تكليفه من قبل ضابط التوجيه السياسي بمراقبتي، ونبّهني إلى ضرورة الحذر في تصرفاتي وتجنب النقاشات السياسية مع الجنود، مشيرًا إلى احتمال وجود أشخاص آخرين يراقبونني. ولولا إنسانية هذا الرجل لربما كنت ضمن أعداد المفقودين. كما أخبرني عن مصدر معلومات الضابط، وحينها عرفت أن ذلك الشخص هو حجي عبدال. لاحقًا التقيت بالضابط صدفة أثناء خفارته في الموقع، فطلب مني اللقاء في الخفارة القادمة. أدركت أن اللقاء مرتبط بالموضوع، وكنت على دراية، من خلال رئيس العرفاء، بأن مصدر معلوماته هو حجي عبدال فقط، لذلك هيأت نفسي للإجابات، مدركًا حساسية المرحلة وخطورة الاتهامات في تلك الظروف. كان لقاؤنا في بهو نادي نواب الضباط، حيث بادرني الضابط بالقول إن عليّ أن أكون صريحًا لأنه يمتلك، على حد تعبيره، "معلومات كاملة" عني. كنت أعلم أن هذا الادعاء لا يستند إلى وقائع صحيحة، إذ لم تكن هناك أي أدلة أو مستمسكات تربطني بالحزب الشيوعي. فأجبته بهدوء، "سيدي، سأكون صريحًا معك"، ثم أوضحت له أن معلوماته، إن كانت واردة من شخص يدعى حجي عبدال، مؤجر نادٍ في الطويريج، فهي كاذبة وغير صحيحة بسبب عداوات عشائرية قديمة بيننا وصلت في مراحل سابقة إلى حد القتل. لم ينكر الضابط ذلك، بل واصل الاستجواب. سألني إن كنت شيوعيًا منظمًا، فنفيت الأمر قطعًا، وذكّرته بأنني موجود في المعسكر منذ أكثر من سنة، وسألته إن كانوا قد لاحظوا أي نشاط سياسي خلال تلك الفترة، مؤكدًا أن أي نشاط من هذا النوع كان سيظهر حتمًا لو وجد. ادعى بعد ذلك أن جميع أقاربي شيوعيون ويحملون السلاح، فنفيت هذا الادعاء أيضًا، وبيّنت له أن قرى المنطقة تعرضت لاعتداءات من قبل مفارز الحزب الديمقراطي، الأمر الذي دفع حزب البعث آنذاك إلى تسليح الأهالي للدفاع عن قراهم. كما سألني إن كنت قد حملت السلاح، فأجبته بأنني لم أحمله بصورة رسمية، لكنني شاركت في الحراسات الليلية مع أهالي القرية أثناء الإجازات شأننا شأن باقي الشباب، وأشرت في المقابل إلى أن والد حجي عبدال وإخوته وأقاربه جميعهم مسلحون في القرية، وقلت له، "سيدي، هل أخبرك حجي بذلك"؟. انتهى التحقيق دون أي إدانة. وفي ختام اللقاء صارحني الضابط بأنه راقبني طوال الفترة السابقة دون أن يحصل على أي دليل يربطني بالحزب الشيوعي، بل عبّر عن استيائه من مصدره بسبب المعلومات الكاذبة التي زوده بها، رغم بقائه متشككًا بحكم طبيعة عمله. وأنا كذلك لا أعلم كيف أفلتّ من تلك المصيدة التي بدت حتمية، وربما يعود الفضل في نجاتي إلى رئيس العرفاء أولًا، ثم إلى هذا الضابط الذي لم يندفع خلف الوشاية دون دليل. استمرت بعض المواقف المتوترة، ومنها حادثة ناداني فيها أمام نادي الضباط ثم تراجع عندما تعرف عليّ. ولم يتخذ أي إجراء ضدي حتى تسريحي من الخدمة العسكرية الإلزامية. وعند استلامي كتاب التسريح من الوحدة في بداية الشهر السادس من عام 1976، ذهبت لوداع ذلك الضابط وشكره على موقفه، فقال لي بلهجة صريحة: «ولك والله خلصت»، ثم ودعني بضحكة.
فترة من الاستقرار والعمل بعد الخدمة العسكرية بعد تسريحي من الخدمة العسكرية وعودتي إلى الحياة المدنية، كان لزامًا عليّ أن آخذ أوضاع العائلة بنظر الاعتبار، إذ كانوا بحاجة إلى الإعالة لعدم وجود معيل لهم سواي. لذلك قررت التوجه إلى بغداد بحثًا عن العمل. في تلك الفترة كنت مقطوعًا عن التنظيم الحزبي بسبب الخدمة العسكرية، إذ كان العمل الحزبي محظورًا داخل الجيش، لذلك جرى تجميد عضويتي إلى حين تسريحي. وبعد انتهاء خدمتي أُعيدت عضويتي الحزبية وتم تنسيبي إلى إحدى الخلايا. وكان أبو حربي (درمان سلو) مسؤولا عن منظمة قرية ختارة. وبعد فترة من العمل في المنظمة تم تشخيصي لقيادة منظمة الحزب في القرية، وذلك بعد ذهاب أبو حربي إلى بغداد للعمل أيضًا. وخلال فترة قيادتي للمنظمة واجهتنا العديد من المشاكل والمضايقات والاعتداءات من قبل حزب البعث وأجهزته الأمنية القمعية في المنطقة. وفي التعداد السكاني لعام 1977 صدر قرار من حزب البعث يقضي بتسجيل الإيزيديين كقومية عربية بدل تسجيلهم كقومية كوردية. وعلى أثر هذا القرار عُقدت ندوة لأهالي القرية من قبل مدير مدرسة ختارة (المقبور فرنسيس). حضرنا الندوة، وكان يتحدث بلهجة تهديدية عن ضرورة تسجيل القومية "عربي" وفق توجيهات "الأب القائد» كان أحمد حسن البكر رئيسا للجمهورية وقتذاك، مع تهديدات صريحة لكل من لا يلتزم بهذه التعليمات. كان الحاضرون أغلبهم من أولياء الطلبة. وبعد انتهاء حديثه طلب ممن لديه مداخلة أن يتحدث. كنا ثلاثة أشخاص رفعنا أيدينا، الفقيد مام سلو جندي، والفقيد شيخ ميرزا، وأنا توفيق ختاري. طلب المدير أولًا من المرحوم سلو جندي أن يتحدث. وكان مام سلو شيوعيا وقد بُلّغ مسبقًا من قبل الحزب بتسجيل القومية "كوردي" وحث الأهالي بهذا الاتجاه ، فقال، "نحن إيزيديون وأكراد، فما علاقتنا بالقومية العربية لكي نسجل القومية عربي"؟. فقاطعه المدير قائلاً، "أنت كبير القرية وتتحمل المسؤولية إذا خالفت توجيهات الرئيس"، وطلب منه السكوت. بعد ذلك طلب من المرحوم شيخ ميرزا الحديث، فقام شيخ ميرزا وأدار ظهره للمدير ووجه حديثه إلى الحاضرين قائلاً، "نحن الإيزيديون أكراد، وقوميتنا كوردية. على ماذا نخاف ؟ على قطرة دم نخاف ونسجل القومية عربي؟ اليوم يقولون أنتم عرب، وغدًا سيقولون أنتم مسلمون". عندها فقد المدير أعصابه وصرخ بهستيريا، "اسكت! أنت شيخ وليس لك أي علاقة بهذه الأمور، وستحاسب حتما ". ثم طلب مني الحديث، فقلت، "ما هي مقومات القومية حتى تأتي وتجبر الناس على تسجيلنا كقومية عربية؟ إن مقومات الهوية القومية هي اللغة، والأرض، والعادات والتقاليد المشتركة، فما علاقتنا بالقومية العربية"؟. فأجابني قائلاً، "هذا قرار، وإذا كنت ترفض الالتزام به فستعرف مصيرك". وانتهت الندوة على وقع هذه التهديدات. من المعروف كان موقف الحزب الشيوعي معارضًا لهذا القرار، فأصدر توجيهات إلى كافة المنظمات الحزبية الإيزيدية بضرورة تسجيل القومية "كوردي" والعمل على توعية الجماهير بهذا الشأن. وعلى هذا الأساس عقدنا عددًا من الاجتماعات، وحثثنا أصدقاءنا وجماهيرنا على كتابة القومية "كوردي" وليس "عربي". لكن وللأسف فإن جميع أهالي القرية، بما فيهم رفاقنا، سجلوا القومية "عربي"، ذلك تحت التهديدات الأمنية التي كانت ترافق فرق التعداد. أما أنا وشقيقي فلم نسجل القومية عربية. حاولت الأجهزة الأمنية التي كانت ترافق عملية التعداد الاعتداء علينا، وكنا متهيئين لذلك، إلا أن وجهاء القرية رفضوا هذا التصرف، وأبلغوهم أن أي اعتداء علينا ستكون له نتائج سلبية على القرية. وعلى أثر ذلك تمت دعوتنا إلى مركز التعداد في القرية، حيث سجلنا في حقل القومية: "كوردي". واصلت ممارسة العمل الحزبي إلى أن تم استدعائي لخدمة الاحتياط في شهر أيار من عام 1978، وهي مرحلة سبق وأن كتبت عنها موضوعًا خاصًا.
#توفيق_ختاري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ما بعد الأنفال - اللجوء إلى سوريا ومعاناه الغربة
-
النشاط العسكري للسرية الخامسة
-
أنصار الحزب الشيوعي في قلب قلعة العمادية
-
قتحام ربية سيكير اول عملية عسكرية للسرية الخامسة توفيق ختاري
...
المزيد.....
-
صاعقة تضرب رجلًا لكنه يتمكن من السير مباشرة للاحتماء في منزل
...
-
مع تعثر الدبلوماسية.. ترامب يعيد طرح فكرة تغيير النظام في إي
...
-
العيش البطيء، حياة أبسط أم ترند جديد؟
-
لا يمكن لبريطانيا أن تشيح بنظرها عن المستوطنات الإسرائيلية -
...
-
جسر أوروبا… من رمز بلا حدود إلى معبر تحت المراقبة
-
إسبانيا: لا دليل قطعي على تدبير المغرب عبور مهاجرين إلى سبتة
...
-
بعثة أممية تتهم كيانات في الإمارات وتشاد وليبيا والصومال بإذ
...
-
محمد رمضان يعلن مشاركته في أحد أعرق المهرجانات على مستوى أم
...
-
إسرائيل تسلم الجيش اللبناني أسيرا عبر الصليب الأحمر (صورة)
-
4 بلدات أخرى في خاركوف ودونيتسك تحت سيطرة الجيش الروسي (فيدي
...
المزيد.....
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ المهندس صباح يوسف ابراهيم
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ مذكرات وذكريات مهندس في العراق
-
الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده
/ حكمة اقبال
-
رسالة الى اخي المعدوم
/ صادق العلي
-
كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|