أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - توفيق ختاري - ما بعد الأنفال - اللجوء إلى سوريا ومعاناه الغربة















المزيد.....

ما بعد الأنفال - اللجوء إلى سوريا ومعاناه الغربة


توفيق ختاري

الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 22:20
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


ما بعد الانفال - اللجوء الى سوريا ومعاناة الغربة
مذكرات أنصارية
النصير توفيق ختاري


ما بعد الانفال ، لم تكن الحياة كما قبلها . الانفال لم تكن مجرد حملة عسكرية ، بل زلزالا اقتلع الناس من جذورهم ، من قراهم وذكرياتهم وأسمائهم المخبأة في تراب الجبال . من نجا لم ينج كاملا ، خرج وهو يحمل في داخله مقبرة صغيرة لأهله، لقريته ، لصور لن تعود .
كان الاتجاه الى سوريا بالنسبة لكثيرين طريق نجاة أكثر منه اختيارا . لم تكن سوريا وطنا بديلا ، بل محطة هروب من الموت مباشرة الى الحياة معلقة. الرفاق عبروا الحدود وهم لايحملون الا ما تبقى من أجسادهم وذاكرتهم. في المخيمات أو المدن ، عاشوا بين لهجتين ، وبين عالمين شعوريين ؛ شعور الامتنان لأنهم أحياء ، وشعور الخجل لأن غيرهم لم ينج . سوريا لم تكن غريبة تماما ، لكنها لم تكن بيتا . كانت مساحة انتظار العودة، أو المعجزة ، أو النسيان. الغربة ليست ان تكون بعيدا عن وطنك فقط ، الغربة أن تكون بعيدا عن نفسك كما كنت. الغربة بعد الأنفال لها طعم مختلف ؛ غربة عن المكان . وغربة عن الزمن . وغربة عن الناس الذين صاروا أسماء في الذاكرة . تبتسم كثيرا ، لكنك تعرف أن في داخلك منطقة لا تضحك. ما بعد الأنفال هو أن تتعلم كيف تعيش وأنت تعرف أن جزءأ منك دفن قبل أن يكبر. والتوجه الى سوريا، أو أي مكان آخر، لم يكن خيانة للأرض بل كان استمرار للنجاة.. والنجاة أحيانا هي آخر أشكال المقاومة . فخرجنا في يوم 22-10- 1988 إلى سوريا ، أنا توفيق ختاري "خيري درمان "، وأبو داود " خديدة حسين " ، وسعيد دوغاتي ، وهيثم من تللسقف، كنا آخر الأنصار الذين بقوا بعد أن تم إرسال مجموعة ، قوامها نحو (38) نصيرا ، من المحاصرين في جبل ألقوش إلى سوريا عبر طريق موصل – سنجار" سنونى" ، مرورا بالسيطرات الحكومية .
تمت هذه العملية بجهود كبيرة من الرفاق الأنصار الأبطال، أمثال الرفيق ناظم ختاري الذي لعب دورا كبيرا في تأمين وعبور وإيصال الرفاق الى الوكر المطلوب، والرفيق أبو خدر المعروف باسم " خليل أبو شوارب " الذي جعل من بيته وكرا لتجمع الرفاق في تجمع " دوو كرى" وحلقة وصل لعبورهم إلى سوريا، والنصير جمال مراني " علي باكو "، والرفيق كسر " الياس مراد " وبالتعاون مع الرفاق في التنظيم الداخلي للحزب، مثل عائد سفو شيخاني الذي سخر كل إمكانياته وسيارته لإيصال الرفاق من كند دوغات الى شمال سنجار ، حيث الوكر ، وذلك عبر السيطرات الحكومية، والفقيد شمو حجي الختاري وغيرهم من الرفاق. وقد أستخدمت في هذه العملية هويات مزورة ، كان بطلها الرفيق كفاح كنجي الذي لعب دورا مهما في مجال تزوير الوثائق العراقية للرفاق بمختلف أنواعها. كانت العملية معقدة وخطرة للغاية، إذ أن كل خطوة من خطواتها كانت قد تنتهي بالاعتقال والاعدام . و في ظل خطورة الوضع الذي كنا نعيشه آنذاك ، وتعقيدات الوضع العسكري لقواتنا المنقسمة والمتواجدة في سلسلتي جبل القوش وجبل كارة، انهزم المسؤول العسكري والسياسي الأول، وعضو اللجنة المركزية للحزب، المدعو لبيد عباوي " أبو رنا " ، بعدما ترك مايقارب ثمانين رفيقا نصيرا في ظروف معقدة وغير معروفة النتائج. فذهب الى الشام دون التوقف حتى في قامشلي ليحتفل بعيد ميلاد أولاده، بينما كنا نحن الأنصار نتصارع مع الموت والجوع والبرد القارص في الأنفاق تحت الأرض.
بعد تركه مواقع الأنصار ومخابئهم استلمت المسؤولية العسكرية باعتباري المسؤول الثاني، وبالتعاون مع مجموعة من الرفاق الشجعان الذين تحدوا الموت وواجهوا التحديات بشجاعة وبطولة نادرة في الميدان. كان هدفنا الأساسي هوإخراج جميع الرفاق المحصورين في جبل القوش وإيصالهم إلى سوريا، كما ذكرنا سابقا، أما المجموعة الثانية، التي كانت تتواجد في جبل كارة، وكان عددهم يقارب الأربعين نصيرا ، فقد تم توجيههم للتوجه إلى الحدود التركية والإيرانية. هكذا استطعنا تجاوز تلك الظروف الصعبة والوصول إلى بر الامان دون خسائر تذكر، وذلك بجهود وتكاتف الرفاق الأنصار وتعاون منظمات الحزب في الداخل ، خصوصا في سهل نينوى.
بعد وصولنا إلى سوريا، وتحديدا إلى مدينة قامشلي حيث كان يتواجد هناك مكتبا للحزب، تم توزيعنا على البيوت الحزبية المستأجرة والمخصصة لسكن الرفاق في هذا الظرف الطارئ.
هناك بدأت حياة جديدة. حياة بلا جبل ، بلا سلاح ، وبلا مطاردة مباشرة .. لكن أيضا بلا يقين . كانت حياتنا الآن تتطلب أن نتعلم كيف نعيش كمدنيين، بعد ان قضينا وقتا طويلا في تعلم كيفية العيش كمناضلين. كنا نستيقظ بلا انذار، وننام بلا حراسات .
مر أكثر من شهر في قامشليى دون أن يزورنا المسؤول الاول، الذي ترك ترك قوات الانصار المحاصرة التي كان يقودها ،بدون إرادتنا ، مما اضطرينا نحن مجموعة من الرفاق في الهيئة القيادية للفوج الأول، وهم أنا توفيق ختاري ، أبو داود، أبو سربست، أبو أمجد القوشي، أبو جواد عضو منطقية الجنوب، إلى عقد اجتماع دون حضور المسؤول الأول. كان من المفترض أن يحضر هذا الاجتماع في الاسبوع الأول من وصولنا الى قامشلي لعقد اجتماع تقيمي للوضع ، إلا انه لم يحضر، وبسبب ذلك ، اضطررنا الى عقد الاجتماع من دونه لتقييم ما جرى في عملية الانفال وما رافقها من أخطاء كبيرة ، بما في ذلك هروب المسؤول الاول لقوات الأنصار في الفوج الأول في بهدينان. تم ارسال محضر التقييم الى اللجنة المركزية للحزب ، ولكن لم يجر اتخاذ اي إجراء بحق المسؤول الأول حيال موقفه الضعيف وهروبه من ساحة القتال ن وبعد تسليم تقرير التقييم إلى قيادة بدورة أطلع لبيد العباوي عليه ، ولما إن تقييم سلبي لدوره وتحميلة مسؤولية الكثير من الأخطار ، توجه بشكل سريع إلى قامشلي وهناك دعا إلى عقد اجتماع تقييم ، لأنه اعتبر تقييمنا قبل حضوره هو تجني لشخصه ودوره، ما شكل عامل ضغط على كل من الرفيقين أبو سربست وأبو أمجد اللذان غيرا للأسف الشديد موقفمها اتجاهه، وأعتمدا في ذلك على لهجة مرنة ودبلوماسية.
بقيت في قامشلي حتى الشهر الثامن من عام 1989 وخلال هذه الفترة استطعت زيارة بعض المحافظات السورية، ومن ضمنها العاصمة دمشق الجميلة الهادئة، التي قضيت فيها أحلى الأيام . وفي الشهر السابع من نفس العام، كلفت من قبل الحزب بالعودة الى العراق بمهمة حزبية تستغرق عشرة أيام ، وتم تكليف الرفيق قاسم شنكالي بمرافقتي إلى جبل سنجار، على أن ينتظرني وينهي مهامه هناك الى حين عودتي من منطقة سهل "ده شت" الموصل. عبرنا الحدود باتجاه جبل سنجار، فوصلنا الى هناك قبل شروق الشمس، بتنا تلك الليلة في بيت أحد رفاق التنظيم، وفي اليوم التالي تركت قاسم في الجبل، وتوجهت برفقة صاحب البيت الى مجمع خانه صور، وعند وصولنا الى منزله في المجمع، طلبت منه أن يستاجر لنا سيارة يكون سائقها شخصا نظيفا من الناحية الامنية. بعد نصف ساعة جاء بسيارة بيك آب تيوتا. سالته ؛ هل هذا السائق أمين ، أجاب لا هو مختار القرية ،عاتبته على ذلك ، فقال لم أتمكن من الحصول على سيارة أخرى ، فاضطررت الى استئجار سيارته. كنت قد غيرت ملابسي وأرتديت زي منطقة سنجار، فركبنا السيارة أنا وصاحبي وانطلقت بنا السيارة نحو مدينة الموصل. وما أن تحركنا حتى سألني السائق أنت من أين؟ قلت في داخلي يجب أن أكون صريحا مع هذا الشخص السيء حتى أستطيع التخلص من أسئلته . فقلت له ؛ أنا من قرية ختارة . رد علي وماذا تفعل هنا، قلت لدي أقارب هنا يخدمون المزار الموجود عندكم ، فجئت لزيارة هذا المزار ، وأقاربي. صدق كلامي ، لكنه أراد أن يختبرني أكثر ، فقال ، أنا جئت قبل فترة الى قرية ختارة ، وهي قرية صغرة .
قلت له ؛ لا أعتقد أنك زرت القرية، لأن قرية ختارة هي أكبر قرية على مستوى العراق .
رد قائلا : يجوز إنني دخلت القرية من الجانب الغربي، ولهذا لم أراها بشكل كامل .
سألته : هل لديك معارف في القرية ، قال نعم أعرف واحد اسمه بير خدر ، زرته قبل فترة .
فقلت له : بير خدر له أبناء، منهم بير تعلو وبير ناصر، فأجابني ؛ نعم صحيح . وبقى صامتا حتى وصلنا إلى الموصل.
هناك تركت صاحبي بعد الاتفاق على أن يعود بعد اسبوع إلى نفس المكان ، لكي نلتقي مجددا ولكن بدون هذا السائق المزعج .
تجولت في الموصل إلى وقت متأخر من النهار، خلالها صادفت عددا من الاشخاص من أبناء قريتي ، ولكنهم لم يتعرفوا عليً بسبب الملابس التي كنت أرتديها. ثم استاجرت سيارة تكسي متوجها إلى قرية ختارة، التي تبعد عن الموصل بحدود 40 كيلو مترا. قبل الوصول الى القرية، طلبت من السائق تركي في مكان معزول، غير مرئي للقرية ، بحجة أن الوادي الذي أمامنا عميق يصعب تجاوزه بالسيارة ، كان الوقت على وشك الغروب حينها .
وصلت القرية بعد غروب الشمس أثناء حلول الظلام ، وتوجهت مباشرة الى بيت الرفيق والصديق الوفي ملحم معجون، الذي ساعدنا كثيرا، وزودنا بالعديد من المستلزمات التي كنا نحتاجها خلال فترة وجودنا في المنطقة، أثناء عمليات الأنفال وعملية عبور الرفاق إلى سنجار. في اليوم السابع من تواجدي في المنطقة، وقبل شروق الشمس، غادرت قرية ختارة مرة أخرى مرتديا الزي العسكري في هذه المرة لكوني أحمل إجازة عسكرية، ومشيت راجلا باتجاه الشارع العام الرابط بين مدينتي دهوك والموصل ، تجنبا لسيارات أهل القرية الذين كانوا يعرفونني. وعند وصولي إلى الشارع العام وبالقرب من المراباة العسكرية ، استقليت مصادفة سيارة لأحد المواطنين من قرية بيبان كنت أعرفه ، لكنه لم يتعرف علي بسبب ارتدائي الملابس العسكرية والظلام الذي كان لايزال يخيم على أجواء المنطقة. كانت السيارة متجهة إلى الموصل، إلا انني لم أكمل المشوار معه خوفا من أن ينبلج الصباح ويتعرف عليً ، فقررت النزول في قرية فلفين التي تقع على الشارع العام. ومن هناك استقليت سيارة أخرى إلى مدينة الموصل، هناك التقيت بصاحبي الذي كان ينتظرني في كراج السيارات المتجهة إلى سنجار، قمنا بعد ذلك باستئجار سيارة أوصلتنا الى مجمع خانه صور ، ومن هناك توجهنا إلى الجبل للقاء الرفيق قاسم. وبعد غروب الشمس، تحركنا نحو الحدود لاختراقها الى داخل سوريا ..
في الشهر التاسع من عام 1989 ، تم ترشيحي مع مجموعة من الرفاق ومن ضمنهم الرفيق ناظم ختاري من قبل الحزب لمنحة دراسية لمدة سنتين ذلك في معهد العلوم الاجتماعية في الاتحاد السوفيتي ( موسكو ) . كانت فرحتي لا توصف ، شعرت كأن التعب الطويل وجد أخيرا معنى جديدا. سافرنا ونحن نحمل في حقائبنا القليل من الملابس، لكننا كنا نحمل الكثير من الذكريات .
عند وصولنا الى موسكو استقبلتنا الجهات الرسمية ، ومباشرة تم حجزنا لمدة ثلاثة أيام في مصح يقع في أطراف موسكو ، وذلك لغرض إجراء فحوصات طبية. بعد الانتهاء من هذه الفحوصات، نقلنا الى معهد بوشكين في ضواحي موسكو، وهو فرع تابع للمعهد الرئيسي في العاصمة. جاء هذا النقل لان المعهد الرئيسي كان يضم مجموعة أخرى من الرفاق العراقيين الذين كانوا في سنتهم الاخيرة .
تم توزيعنا على غرف مزدوجة أو منفردة داخل بناية المدرسة، حيث كانت كل غرفة مجهزة بكل المتطلبات، بقينا في معهد بوشكين لمدة أربعة أو خمسة أشهر ، وانتقلنا بع ذلك الى المعهد الرئيسي في موسكو، بعد تخرج المجموعة التي سبقتنا ، كان القسم الداخلي لسكن طلبة المعهد عبارة عن شقق متكونة في الغالب من غرفتين وبقية مستلزماتها من حمامات وما إلى ذلك ، فاشتركت مع الرفيق ناظم في أحدى تلك الشقق.
عشنا هناك أجمل أيام العمر، فموسكو مدينة تجمع بين عراقة التاريخ وروح الحداثة، وعالم متطور تتوفر كل المقومات التي يحتاجها الانسان . موسكو ليست مجرد مدينة ، بل تجربة نابضة بالحياة، حيث تتعانق الطبيعة مع العمران، وتلتقي الاصالة مع الحداثة في مشهد يأسر القلب قبل العين. في شوارعها تشعر بالامان، وفي تفاصيلها تلمس الجمال، وكأنها تحتضن زائرها بدفء لاينسى ، لتبقى ذكراها كاجمل فصول العمر .
أنهينا العام الدراسي الاول ، ودخلنا العام الدراسي لعام 1991 . وفي الاشهر الاولى من الدراسة ، بدأت الانتفاضة الآذارية في العراق، فسقطت أغلب المحافظات بيد المنتفضين. عندها أصدر الحزب نداءا الى جميع كوادره الحزبية بضرورة الدخول الى المدن لدعم الانتفاضة والمساهمة فيها، واستلمنا نحن طلبة المعهد ، قرارا يقضي بترك الدراسة، والعودة الى العراق. واستجابة لهذا القرار، قطعنا دراستنا، كنا خمسة رفاق من بين 32 رفيقا، وهم توفيق ختاري، ناظم ختاري، ملازم هشام، نوزاد عينكاوي، وأبو عثمان. بعد استكمال وثائق العودة، غادرنا موسكو وتوجهنا الى سوريا "دمشق " على وجبتين كان في الوجبة الأولى الرفاق ناظم ختاري وملازم هشام ونوزاد عينكاوي وأبو عثمان، وفي الوجبة الثانية بعد فترة قصيرة وصلت أنا أيضا الى دمشق.
خلال تلك الفترة كانت الانتفاضة قد انتهت بانتكاسة مأساوية، عقب توقيع اتفاق وقف اطلاق النار الذي جرى في بداية أذار من عام 1991 بين النظام العراقي وقيادة قوات التحالف الدولي، تحت خيمة صفوان. اذ دفع النظام الفاشي بجيشه وطائراته السمتية الى المحافظات التي كان المنتفضون قد سيطروا عليها، لقمع الانتفاضة بوحشية قل نظيرها. وذلك رغم علم الولايات المتحدة بما كان يجري من قتل واعدامات في الشوارع ، من دون أن تتدخل لايقاف تلك الجرائم ..
بقيت في دمشق ثلاثة أيام، ثم توجهت الى قامشلي تمهيدا للعبور إلى كوردستان العراق. وعندما أخبرنا بيوم العبور ذهبنا إلى إلى ديرك وهناك التحقت بالرفيق ناظم مرة أخرى، الذي كان قد كلف بمسؤولية مقر الحزب في تلك المدينة السورية الحدودية ، ومن هناك عبرنا الى مدينة زاخو، مكثنا هناك ليلة واحدة ، ثم توجهنا الى المقر المؤقت للحزب في بامرني، حيث بقينا هناك فترة قصيرة ، بعد أن تم تشكيل لجنة محلية لنينوى ودهوك من رفاق تم تشخيصهم بالتزكية من قبل الرفيق أبو جوزيف، فكنت من بين أعضاءها ، بعد ذلك انتقلنا الى مدينة مانكيشك، حيث استحداث مقر قيادي أصبح يتواجد فيه الرفيق الفقيد توما توماس .
وبعد فترة من وجودنا في هذا المقر، صدر قرار من قيادة القاطع بفتح مقر في ناحية زاويته القريبة من دهوك التي كانت لا تزال تحت سيطرة النظام الفاشي آنذاك. وعلى أثر ذلك، تم تكليفنا أنا والرفيق ناظم، مع مجموعة من الرفاق الآخرين، بالتوجه الى هناك، على أن نكون قريبين إلى المنطقة للعمل في التنظيمات، وفي نفس الوقت قريبين إلى دهوك للدخول اليها في حال استلامنا أمرا بذلك .
بقينا في هذا المقر نمارس نشاطنا التنظيمي، الى أن بدأت الانتفاضة الثانية بدعم من قوات أنصار الحزب الشيوعي وبيشمه ركة الحزب الديمقراطي داخل دهوك فتمت السيطرة على جميع المؤسسات الأمنية وطرد قوات النظام من المدينة .
وعلى اثر ذلك توجهنا نحن الى مدينة دهوك، لفتح المقر الرئيسي لقاطع بهدينان للحزب الشيوعي العراقي وتم الغاء مقر زاويته، ومما يذكر فإن المقر لايزال عائدا لملبند دهوك للحزب الشيوعي الكوردستاني.
كان القاطع يضم محليتين مندمجتين هما : محلية دهوك ومحلية نينوى. بعد فترة من العمل معا وتوسيع منظمات الحزب وعودتها إلى النشاط مرة أخرى ، جرى فصل المحليتين عن بعضهما البعض لضرورات العمل وتطوراته .
كنت ضمن أول تشكيلة لمحلية نينوى، وكانت المحلية تتشكل من الرفاق التالية أسماؤهم : أبو سربست ( سكرتيرا للمحلية )
الاعضاء ، ناظم ختاري ، صباح كنجي ، توفيق ختاري ، الفقيد ابو باز ، فرهاد شيخكي .وأبو خدر .
تم توزيع العمل على أعضاء المحلية على النحو الآتي ؛ كلفنا أنا والرفيق ناظم مع الرفيق فرهاد بقيادة التنظيم الداخلي في دشت الموصل، فيما تولى الرفيق صباح كنجي قيادة تنظيم الموصل وبعشيقة وبحزاني، وتولى الرفيق أبو باز قيادة الجمعيات الفلاحية في دهوك. والرفيق أبو خدر لقيادة تنظيم سنجار.عملنا معا بروح رفاقية عالية كبيرة من أجل إعادة بناء تنظيمات الحزب في منطقة دشت الموصل، رغم المخاطر الأمنية الجسيمة، وصعوبات الطرق، ومشقات العمل في ظلمات الليالي، وتحمل البرد والجوع داخل الانفاق تحت الارض في مناطق دشت الموصل، ومع كل خطوة كانت حياتنا مهددة بالهلاك، الا اننا واصلنا أداء واجبنا دون كلل أو ملل، مضحين بالغالي والنفيس في سبيل تحقيق آمال وتطلعات شعبنا، فقدمنا الكثير ايمانا منا بقضيتنا العادلة ومن أجل مستقبل أفضل، ولكن، وللاسف الشديد، فان ما نراه اليوم يأتي على النقيض تماما مما كنا نعمل من أجله ؛ اذ جنت ثمار تلك التضحيات فئات انتهازية فاسدة، على حساب دماء ومعانات الشعب .
وبهذه الهمة والعزيمة تمكنا من بناء تنظيمات حزبية قوية، واقامة سياج جماهيري واسع مكننا من تجاوز أكبر المعوقات التي واجهتنا، في ظل النظام البعثي الفاشي وأجهزته القمعية في المنطقة. والدليل على قوة تنظيماتنا استطعنا إيصال اكثر من 38 رفيق ورفيقه عبر سيطرات العدو إلى سنجار ومنها الى سوريا في فترة الأنفال كما أسلفت. وللاسف الشديد، نرى اليوم أن تلك التنظيمات القوية ، التي كانت قادرة على مواجهة أعتى نظام دكتاتوي، قد تحولت الى تنظيمات مشلوله يعبث بها "شعيط ومعيط "، ان لم نقل أصبحت معدومة التأثيرفي محيطها وتخلفت كثيرا في مواكبة تطلعات الجماهير، وذلك نتيجة لتبوأ قيادات غير مؤهلة، وهوالركن الاساسي في حياة الحزب وعمودها الفقري وأتجهت نحو المنفعية، وغلبت مصالحها الخاصة على العمل التنظيمي في المراحل اللاحقة، وأسهمت بسلوكها وممارستها في إضعاف دور الحزب وفقدانه للمبادرة الحقيقية من أجل بناء تنظيمات رصينة ناهضة قادرة على العمل والحفاظ على سياجها الجماهير في المنطقة .
استمر عملنا ضمن محلية نينوى الى حين خروجي من كوردستان في ربيع عام 1995. وخلال فترة تواجدنا في دهوك الممتدة من عام 1991 الى عام 1995، شهدت المنطقة سلسة من الاغتيالات وتصفية الحسابات التي استهدفت بعض العناصر النشطة للاحزاب في دهوك، فقررت الخروج من كوردستان واللجوء الى ألمانيا مع العائلة ، ولازلت أعيش في ألمانيا، والجدير بالقول لست نادما على ما قدمته من تضحيات، ولا على ما تحملته من صعوبات في حياتي، من أجل وطن حر وشعب سعيد، وسأظل متمسكا بهذا المبدأ، ما بقى في العمر نبض .



#توفيق_ختاري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النشاط العسكري للسرية الخامسة
- أنصار الحزب الشيوعي في قلب قلعة العمادية
- قتحام ربية سيكير اول عملية عسكرية للسرية الخامسة توفيق ختاري ...


المزيد.....




- حزب النهج الديمقراطي العمالي يدعو إلى المشاركة المكثفة في تظ ...
- كلمة الميدان: نحو الحسم
- صدور أسبوعية المناضل-ة عدد 26مارس 2026 : على خط الدفاع الأخي ...
- عاجل | ترمب: علقت فترة تدمير محطات الطاقة لمدة 10 أيام حتى ي ...
- التقدم والاشتراكية يستقبل فداً عن “التنسيقية الإقليمية لمتضر ...
- على خط الدفاع الأخير: حالة النبض العمالي راهنا
- How the US Became an International Serial Killer
- Less Analysis, More Organizing
- واشنطن تُصعّد حربها على كوبا وتدفع شعبها إلى حافة الاختناق
- الرهانات الاقتصادية للحرب على إيران


المزيد.....

- [كراسات شيوعية]اغتيال أندريه نين: أسبابه، ومن الجناة :تأليف ... / عبدالرؤوف بطيخ
- سلام عادل- سيرة مناضل - الجزء الاول / ثمينة ناجي يوسف & نزار خالد
- سلام عادل -سیرة مناضل- / ثمینة یوسف
- سلام عادل- سيرة مناضل / ثمينة ناجي يوسف
- قناديل مندائية / فائز الحيدر
- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - توفيق ختاري - ما بعد الأنفال - اللجوء إلى سوريا ومعاناه الغربة