|
|
في نقد الحاضر وتجاوزه: نحو يسار لم يوجد بعد... أو في أزمة اليسار وآفاق تجديده _ النموذج المغربي _
مراد مسعف
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 23:40
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
أولاً: وقبل كل شيء...
فبدون نظرية ثورية لا يمكن أن تكون هناك حركة ثورية. والنضال والممارسة الثورية لا يمكن أن يقوم بهما إلا حزب طليعي منضبط عضوياً ومنظم حديدياً، فهو البوصلة التي تهتدي بها الجماهير في عتمة الاستغلال، والمنارة التي تشع في ليالي القمع الطويلة. إنه الأداة الوحيدة القادرة على نقل الوعي الاشتراكي للطبقة العاملة، وحماية النضال من العفوية والشعبوية والخبط عشواء. إن بناء الأداة الثورية ضرورة ومسألة تنظيمية بالغة الأهمية، بل هي أساس الأساس لتحقيق تغيير جذري يقلب موازين التاريخ. وإلا سوف نسقط في تلك العفوية التي تشبه السفينة بلا ربان، وفي التخبط الذي يذكرنا بالركض بلا جدوى خلف السراب في صحراء السياسة، حيث الديكتاتورية والاستبداد والخصم والعدو الطبقي الذي لا يرحم.
يسار اليوم: فضعف يسار اليوم وتعثره ليس مجرد وهن تنظيمي عابر، كما لا يمكن إرجاعه فقط إلى تلك الانقسامات التاريخية التي مزقت نسيجه كالسيوف، والصراعات الأيديولوجية الحادة التي كانت كالنار في الهشيم، والتشظي التنظيمي بين مختلف فصائل اليسار الجديد والحزب الشيوعي التاريخي سابقاً. بل إن سبب هذا الضعف الأساسي هو الانفصال عن حركة الواقع المادي والصراع الطبقي، نتيجة الردة والتنازلات التي كانت كالخيانة الكبرى، والتدجين الذي حول زعماءه إلى حملان ودِيعة، مما أدى إلى سقوط أجزاء واسعة من الزعامات القيادية في مسار التسوية مع السلطة، والانكفاء البيروقراطي والشلل السياسي الذي جعلها مجرد أجساد هامدة فاقدة للوعي الطبقي وإرادة النضال الحقيقي. وقد أفقدها هذا مصداقيتها الثورية، وجعلها لا ترقى إلى مستوى ما تنظر إليه الجماهير الشعبية الكادحة، تلك الجماهير التي تتطلع إلى الأفق كمن يبحث عن نجمة في ليل حالك.
أضف إلى ذلك طغيان البرجوازية الصغرى، وهيمنة فئاتها المتوسطة والمثقفين المستلبين على قيادة وهياكل اليسار، مما حوّل خطابه إلى طابع نخبوي بعيد عن الهموم المادية المباشرة للجماهير الواسعة. وكأنهم يغنون في قصورهم بينما الجياع يموتون عند بواباتهم، بعيدون بعد السماء عن الأرض عن الصيرورة والتناقضات الاجتماعية والصراع الطبقي الذي لا يتوقف، والذي لا يمكن إيجاد حل له عن طريق نقاش لنصوص وأدبيات ماركسية نظرية دون ممارسة فعلية وبراكسيس عملي. بل إنه لا يتوقف حله كذلك عند الاعتماد على النماذج الجاهزة الكلاسيكية المستوحاة من التجارب السوفيتية أو الماوية دون إبداع في تحليل الوضع الاجتماعي والسياسي القائم، ودون تكييفها مع طبيعة النظام السياسي الحاكم.
وهذا ما جعل من اليسار مجرد ملحق تكميلي منكفئ متراجع، لا فاعل قيادي، بل أضحى مجرد أدوات سياسية جامدة جعلت من نفسها غاية (الحزب من أجل نفسه) بدل أن تكون وسيلة للنضال التحرري. فقد أصبح اليسار يتغذى على ذكرى الانتصارات البائدة كما يتغذى العجوز على ذكريات شبابه، فاقداً لبوصلة المستقبل. إنها أزمة أفق، أزمة ذوات انحرفت عن خط النضال الحقيقي... خط النضال الثوري... وأزمة إنتاج نظري قادر على تفكيك أنساق الاستغلال المعاصرة.
وخصوصاً بعد سيطرة الليبرالية الجديدة التي تمثل مرحلة متقدمة من سياسات الرأسمالية العالمية، أو المعولمة إن شئنا الدقة أكثر. فهي نموذج اقتصادي يعيد إنتاج الأرباح لصالح البرجوازية الكبرى على حساب الكادحين، ويقوم على تقليص دور الدولة، وتحويل الخدمات الاجتماعية الأساسية كالتعليم والصحة إلى سلع تجارية خاضعة للمنافسة. وهذا النموذج يؤدي، من بين ما يؤدي إليه، إلى تفكيك الطبقة الوسطى والعمالية، وتجريف البيئة التاريخية الحاضنة للوعي السياسي واليساري، كما تجرف السيول التربة الخصبة.
الحركة الطلابية: أما الأطروحات الثورية - باستثناء التنظيمات الماركسية خلال سبعينيات القرن الماضي - فإنها لا تزال حبيسة أوراش الجامعات (الحركة الطلابية) والنقابات المعزولة، وقد فشلت في اختراق الفئات الشعبية الكادحة في المدن والبوادي. إنها مثل الزهور في البيوت المحمية، لا تقوى على مواجهة عواصف واقع الشارع السياسي، إذا أردت أن أتكلم بمصطلحات رفاق البرنامج المرحلي.
الرأسمالية الجديدة أو النيوليبرالية: فرأسمالية المعاصرة - الليبرالية الجديدة - ليست تلك العلاقة الثنائية التي كانت في البداية بين صاحب مصنع (باطرونا) وأجير (عمال)، بل تحولت إلى شبكة كلية تامة الاختراق تمتد لتشمل، بل لتغزو وتتحكم في كامل الحياة الاجتماعية، من العمل المؤقت والهشاشة الاجتماعية والبروليتاريا الرثة، ومن الطبقة العاملة وعموم الشغيلة إلى المنصات الإلكترونية وأدوات العمل الرقمي - أو الهيمنة والتحكم الرقمي إذا أردنا أن نتكلم بلغة ميشال سير وجيلبيرت هوتوا في نقدهما للعقل الأداتي العلمي التقني التحكمي.
وهنا تتجلى ضرورة تجديد التحليل الطبقي للوضع الاجتماعي الجديد الذي أصبح قائماً، فذلك أن تاريخ أي مجتمع حتى الآن، وإلى حدود هذه اللحظة، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية، كما قرر ماركس وإنجلز في بيانهما الخالد. والصراع الطبقي ضروري للوصول إلى ديكتاتورية البروليتاريا كما يرى ماركس. وهذا الصراع، في جوهره، ليس صراعاً على السلطة فحسب، بل على إعادة تشكيل علاقات الإنتاج برمتها، وعلى تحرير العمل من ربقة الاستغلال الطبقي.
فالبروليتاريا لم تتبخر، كما يزعم خطاب ما بعد الحداثة - خطاب بعض فلاسفة ما بعد الحداثة أمثال جان بودريار وزيغمونت باومان - الذين يزعمون أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى في أواخر القرن العشرين قد غيرت بنية المجتمع بالكامل. فمفهوم "تبخّر البروليتاريا" يشير في أدبيات ما بعد الحداثة إلى أفول الطبقة العاملة الصناعية كفاعل تاريخي وقوة ثورية موحدة، نتيجة تحول البنيات الاقتصادية من نمط الإنتاج المادي إلى رأسمالية الاستهلاك والخدمات. وتتأسس هذه الأطروحة لما بعد الحداثة على تفكيك المفهوم الماركسي للصراع الطبقي لصالح هويات تشظت ثقافياً وجندرياً وعرقياً بفعل العولمة والأتمتة التي تعني تحويل العمليات اليدوية التي كان يؤديها البشر سابقاً، إلى عمليات تنفذها الآلات أو الحواسيب والبرمجيات تلقائياً دون تدخل بشري، أو بأقل قدر ممكن منه.
البروليتاريا في ظل الليبرالية الجديدة: وفي مقابل خطاب ما بعد الحداثة، تؤكد المقاربات الماركسية المعاصرة أن البروليتاريا لم تندثر، بل أعادت إنتاج نفسها وجسدها الاجتماعي عبر أشكال جديدة ومعولمة في قطاعات الخدمات، وصفوف مستخدمي المنصات الرقمية (البروليتاريا الجديدة) وجيوش العمال المؤقتين الذين ينتظرون اندماجاً ضمن نظام عمل قار (العمل بالعقدة). ولم تعد بروليتاريا اليوم تقتصر على الطبقة العاملة المستأجرة في المصانع التقليدية، بل أصبحت تضم هذه الفئات الجديدة التي لا تملك وسائل الإنتاج (مثل المصانع أو الآلات) وتضطر لبيع قوة عملها (داخل قطاع الخدمات والرقمنة) مقابل أجر لتأمين عيشها.
فالعمل، بتعبير ماركس، هو مصدر كل ثروة، لكنه في ظل إكراه الرأسمالية وضغوطاتها يصبح سلعة تُحدد قيمتها بكمية العمل الضروري اجتماعياً، أو ما يمكن أن نسميه تبعاً لهذا المنطق الماركسي تعميق الاستغلال للأجراء وزيادة مجهوداتهم للرفع من وتيرة الإنتاج لمراكمة رأس المال.
البروليتاريا التقنية والمهام النضالية: غير أن التكنولوجيا، رغم كونها أصبحت ضمن أدوات الإنتاج ووسيلة لصراعات تعكس تناقضات العصر (التكنولوجيا العسكرية)، لا يمكنها بحال أن تنوب عن التنظيم الحزبي الصلب والقوي بالمفهوم الماركسي اللينيني؛ فالآلة لا تصنع ثورة، بل الإرادة الإنسانية الواعية وحدها هي من تقود عجلة التاريخ، و"الوعي الطبقي ليس مجرد معرفة مجردة، بل هو ممارسة ثورية".
لحظات من تاريخ كفاح الشعب المغربي: وإذا كان تاريخ الشعب المغربي يشهد على محطات احتجاجية كشفت عن درجة إصرار المجتمع وإرادته في الانعتاق والتحرر من الاستغلال الطبقي، فإن دروس هذه المحطات الاحتجاجية تظل حية في وعينا التاريخي، كالندوب التي لا تُمحى من جسد شعب جريح.
لقد كانت لحظة 23 مارس 1965، تلك الانتفاضة التلاميذية التي أريقت فيها دماء المواطنين الأبرياء في شوارع الدار البيضاء، إيذاناً بفصل جديد من فصول الصراع الطبقي في المغرب، حيث انكشفت حقيقة النظام السياسي المخزني القائم بالمغرب بوصفه أداة قمع في يد الإقطاع والبرجوازية الكمبرادورية. لقد شكلت هذه الانتفاضة قطيعة دموية بين نظام استبدادي دموي وشباب طموح إلى مستقبل أفضل، إلى مجتمع تسوده الحرية والعدالة والكرامة الاجتماعية، كما كشفت عجز القوى اليسارية التقليدية عن قيادة النضال الجماهيري وتوجيه طريقه صوب الخصم والعدو الطبقي الحقيقي.
ومن رحم هذه الانتفاضة ولدت نواة منظمة "23 مارس" سراً عام 1970، ثم منظمة "إلى الأمام" في غشت 1970، حاملتين راية بناء حزب البروليتاريا في أوج سنوات الرصاص وخضمها. وقد أكدت اعتقالات نونبر 1974 التي طالت 26 قيادياً ينتمون إلى فصائل الحركة الماركسية اللينينية المغربية السرية، تحديداً منظمتي "إلى الأمام" و"23 مارس" (مجموعة إبراهيم السرفاتي ومن معه، وخصوصاً عبد اللطيف زروال، محمد البكراوي، عبد الله المنصوري، عمر الزيدي، سعيد بنعد الله وعبد العزيز مريد)، وقد جاءت هذه الاعتقالات كضربة قوية في وقت كان فيه التنسيق بين المنظمتين على أهبة التطور.
وهي الاعتقالات التي كشفت بالملموس أن "الدولة ليست سوى آلة قمع تستخدمها طبقة لقمع طبقة أخرى"، كما كتب إنجلز، لأن الدولة في ظل النظام المخزني ليست سوى آلة للعنف الطبقي يستخدمها النظام الطبقي السائد لقمع طبقة أخرى مغلوبة على أمرها، وهي عموم الشعب المغربي بكل قواه المنتجة، وعلى رأسها الطبقة العاملة. وهذا ما عبر عنه إنجلز بالقول: "الدولة هي نتاج تناقضات المجتمع الطبقي".
لقد مثلت هذه المحطات لحظات انكشاف تاريخية، كشفت في عز القمع عن إرادة الطبقات المضطهدة في التنظيم والمقاومة، ورسخت درساً لا يُمحى، وهو أنه لا يمكن مواجهة آلة القمع والاستغلال الرأسمالي المتوحش بأدوات سياسية بالية، بل بحزب ثوري من نوع جديد. وهنا تتجلى الحقيقة التي صاغها لينين في تحليله للدولة ولطبيعتها الدموية داخل المجتمعات الطبقية، فتنكشف بوضوح حقيقة الدولة المخزنية من خلال قوله: "الدولة ليست حيادية، بل أداة لقمع طبقة لصالح أخرى"، فالدولة المخزنية، في جوهرها، ليست دولة القانون ولا دولة المؤسسات المحايدة، بل هي أداة في يد التحالف الطبقي الحاكم، مما يستوجب إسقاط النظام الاجتماعي السائد كضرورة تاريخية.
حركة 20 فبراير: وجاءت حركة 20 فبراير، والتي لا يمكن اعتبارها تنظيماً مهيكلاً أو حزباً سياسياً كلاسيكياً، بل هي حركة احتجاجية شعبية مغربية أفقية التكوين، كانت مطالبها تتركز حول شعارات كبرى مثل "إسقاط الفساد والاستبداد"، والمطالبة بـ "ملكية برلمانية" (الملك يسود ولا يحكم)، وفصل السلط، والعدالة الاجتماعية، والكرامة. وقد أثبتت هذه الحركة قدرة المجتمع على الفعل والعمل والنضال خارج التنظيمات السياسية الإصلاحية والإدارية والرجعية، أي خارج من يلبس جلباب المخزن، لكنها اصطدمت بغياب كل من الأداة التنظيمية والطليعة الثورية، خصوصاً وأن الماركسية اللينينية تؤكد أن أي حراك جماهيري لا يمكن أن ينجح في إحداث تغيير جذري دون حزب طليعي منظم يمتلك نظرية ثورية واضحة.
وبما أن حركة 20 فبراير اعتمدت على "الأفقية" ورفضت مبدأ القيادة والتمثيل التنظيمي خوفاً من الاختراق أو الركوب السياسي، فإن هذه "العفوية"، من منظور ماركسي، حالت دون تحويل الطاقة الاحتجاجية في الشارع إلى استراتيجية سياسية قادرة على إسقاط النظام الطبقي السائد أو انتزاع السلطة، مما جعل الحركة عاجزة عن تدبير خلافاتها. فغياب الوعي الطبقي الثوري جعل الحركة تطرح شعارات ديمقراطية عامة وفضفاضة مثل "إسقاط الفساد والاستبداد" و"الملكية البرلمانية"، وهي مطالب، إذا أردنا أن نضعها أمام تحليل ماركسي، لا تتعدى حدود "الأوهام البرجوازية الصغيرة" التي تظن أن الأزمة الاجتماعية تكمن في الدستور أو الأشخاص الفاسدين فقط، وليس في بنية النظام الرأسمالي التبعي الحاكم بالمغرب.
فالحركة لم تتبنَّ في عمقها مطالب العمال والفلاحين الكادحين بشكل جذري (مثل تأميم القطاعات الاستراتيجية، وإلغاء الخوصصة، وإعادة توزيع الأراضي)، مما جعل التفاف الطبقة العاملة حولها ضعيفاً، لأنه، ومن منظور ماركسي، انخراط الطبقة العاملة بـ"ثقلها الإنتاجي" هو القوة الحقيقية للتغيير، عبر سلاح الإضراب العام الذي يشل حركة الاقتصاد والرأسمال. لقد فشلت حركة 20 فبراير لأنها، بكل بساطة، كانت "انتفاضة سياسية شعبية بدون وعي طبقي وبدون قيادة ثورية طليعية".
حراك الريف: أما حراك الريف فهو مثال ساطع وعلامة واضحة على حدة الصراع الطبقي وتوغله، فقد كشف عن زيف شعارات دستور 2011، فحين تواجه مطالب اجتماعية بسيطة بالعنف الدموي والاعتقال التعسفي، فهذا يوضح أن دستور 2011 لم يكن إلا قناعاً جميلاً يخفي وجه الاستبداد القبيح، أو نافذة مزخرفة على سجن لا مخرج منه، أو لوحة تمويهية رسمتها الطبقة الحاكمة لتضليل الجماهير. فقد منح الدستور الحقوق شكلاً دون مضمون، كما يُعطى الطفل لعبة ليُلهى عن جوعه، بينما يستمر النظام السياسي يرقص على جثة حقوقه.
فحراك الريف رغم تكالب الأحزاب المخزنية، وما بلاغ ماي 2017، الذي اتهمت فيه _الأحزاب المخزنية_ قادة الحراك الشعبي بالحسيمة بـ"نزعات انفصالية" و"تمويل خارجي" إلا تأكيداً لمقولة ماركس "إذا أردت أن تكون تافهاً، فما عليك إلا أن تدير ظهرك لآلام وهموم الآخرين". فهذا الحراك قد نجح في تجاوز حدوده الجغرافية نحو تضامن أممي يعكس قول ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي أن "العمال ليس لديهم وطن"، لأن الطبقة العاملة والجماهير الشعبية الكادحة مسلوبة الحقوق سياسياً واقتصادياً في أوطانها، وأن الانتماء الطبقي للعمال يتجاوز الحدود الوطنية والقومية، ويتجاوز فكرة " الوطن". إنه انتماء للتضامن الأممي العالمي، أما النعرات القومية ما هي إلا أدوات تصنعها الطبقة البرجوازية الرأسمالية لخداع عموم الشعب، وإخضاع الطبقة الكادحة لمصالحها. فقد كشف حراك الريف عن هذا التضامن الأممي، لأن الشعوب التي تعاني من الاستغلال الرأسمالي هي نفسها في كل مكان، فالعدو الحقيقي هو النظام الرأسمالي العالمي. فـ"تحرير الطبقة العاملة يجب أن ينتزع بواسطة الطبقة العاملة ذاتها، والعمال المتحدون سيصنعون مستقبلهم بأيديهم".
الحزب الثوري من منظور ماركسي: إن المهمة التاريخية، الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، لا تتحقق عفوياً، بل تحتاج إلى أداة تنظيمية واعية. وكما قال لينين: "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية"، والنظرية الثورية ليست رفاهية فكرية، بل شرط أساسي لبناء حزب قادر على قيادة الجماهير. والحزب الثوري، في مفهوم لينين، هو طليعة واعية، "منبر للمظلومين" على حد قوله، ومهمته الأساسية هي أن "يجعل العامل يفهم البنية السياسية والاقتصادية للنظام الذي اضطهده". وقد أكد لينين أن "كل صراع طبقي هو صراع سياسي"، عندما قال: "أعطونا منظمة من الثوريين، نقلب روسيا رأساً على عقب".
حرية النقاش والانضباط داخل الحزب الثوري: ولكن هذه الممارسة الثورية لا تخلو من النقاش والنقد، بل ونقد النقد، إنه النقد الذي تبرزه وتوضحه مقولة لينين عن المركزية الديمقراطية: "حرية المناقشة ووحدة الفعل (العمل)"، فهي - المقولة - ليست تناقضاً، وإنما جدلية سياسية وتنظيمية، بل هي من أخلاقيات العمل التنظيمي الديمقراطي، إذ تجمع بين الديمقراطية الداخلية والانضباط في المواجهة والمعركة النضالية ضد العدو الطبقي. فـ"بدون حزب ثوري، تظل الجماهير مجرد قوة عفوية"، الكلام هنا للينين، الذي أضاف قائلاً: "إن دور الحزب هو أن يكون طليعة البروليتاريا".
إن الانتقال من هذا التشخيص للوضع الاجتماعي والسياسي القائم إلى أفق تجاوزه نحو واقع جديد مغاير له تماماً، تنتصر داخله الحرية والعدالة وكل القيم الأخلاقية للجماهير الشعبية الكادحة، يستلزم بناء القطب الاجتماعي للأغلبية، لتركيب النضالات المتشظية في كتلة تاريخية موحدة تدرك وتعي جيداً مصيرها المشترك. وهنا تبرز مهمة المثقف العضوي في ترجمة الغضب الاجتماعي إلى وعي سياسي، والوعي السياسي إلى تنظيم سياسي، والتنظيم السياسي إلى برنامج سياسي يستهدف جوهر السلطة: نقل ملكية وسائل الإنتاج والبنية الاقتصادية إلى المنتجين.
ديمقراطية الحزب الثوري: فالديمقراطية الحقيقية، كما أشار ماركس، ليست مجرد شكل سياسي (ديمقراطية صناديق اقتراع أو شكليات سياسية)، بل "هي الطريق إلى الاشتراكية". إنها الوسيلة العملية لتحرير المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق الاشتراكية. وهذا يستلزم حزباً من نوع جديد: لامركزي، بحيث لا يكون القرار بيد قيادة مركزية واحدة ومسيطرة، بل تنظيماً قائماً على خلايا موضوعاتية، يعتمد على مجموعات تشتغل على قضايا محددة في كل القطاعات ومجالات العمل والإنتاج والخدمات، مع تناوب إجباري على المسؤوليات بمنع استمرار نفس الأشخاص في المناصب القيادية لتفادي البيروقراطية، واستبدال المحاضرات بمختبرات تفاعلية، فيكون النقاش والتفكير جماعياً وتشاركياً بدل الاستماع الفوقي للمحاضرات الجاهزة.
التحالفات الميدانية: كما أن التحالفات الميدانية تتطلب مجالس شعبية محلية، لأن الفعل والعمل والتغيير الحقيقي لا يتمان بالاتفاقات الفوقية بين الأحزاب، بل بتأسيس مجالس ميدانية يشارك فيها الناس مباشرة في أحيائهم ومناطقهم، وهو ما يسميه لينين بالديمقراطية العمالية من الأسفل، وتوسيع الرقابة الشعبية على جهاز الحزب والدولة، بدل تبعية القرار للمركز التي لا يمكن أن ينتج عنها سوى الانفصال عن الجماهير، وتحول قيادة الحزب إلى فئة معزولة تفرض الأوامر والفوقية كنوع من الغطرسة الشيوعية بدلاً من إقناع الجماهير وتعبئتها. وهذا، حسب تعبير لينين، ليس إلا "ورماً طفيلياً رأسمالياً" يهدد بقاء الدولة العمالية من الداخل، إنه ورم البيروقراطية التي تسعى للمناصب والامتيازات وليس لخدمة الثورة. وفي هذا السياق، تظل حقيقة لينين حاضرة: "الديمقراطية الحقيقية هي الطريق إلى الاشتراكية"، وهي تتطلب إسقاط النظام الاجتماعي السائد، لا مجرد إصلاحه.
تم، ماذا عن النقابة؟ هاته التي ظهرت خلال القرن الثامن عشر تقريباً عام 1720 بالتزامن مع الثورة الصناعية. الجواب لا يكون إلا وفق الرؤية الماركسية اللينينية في اعتبار العلاقة بين الحزب والنقابة علاقة تكاملية، تقود فيها الطليعة السياسية النضال المطلبي نحو أفق ثوري؛ فالنقابة هي المنظمة الجماهيرية العريضة التي تخوض المعارك الاقتصادية اليومية، وتعمل كـ"مدرسة أولية لوعي العمال"، بينما يتدخل الحزب الشيوعي كطليعة واعية لرفع هذا الوعي العفوي إلى أفق سياسي يستهدف إسقاط الرأسمالية، محققاً قيادته الفكرية عبر التواجد الديناميكي لمناضليه داخل النقابة دون إلغاء استقلاليتها التنظيمية.
وهي الرؤية التي دافع عنها لينين، خلال دحضه لأطروحة تروتسكي حول "عسكرة النقابات"، وكذا في سياق نقاشاته حول "المسألة النقابية" عامي 1920-1921 ضد تروتسكي وبوخارين، وهو يشرح العلاقة الجدلية بين الوعي السياسي للمناضل وطبيعة سلوكه التنظيمي داخل النقابة العمالية، التي اختزلها في عبارته المشهورة: "كل من هو ديمقراطي سياسياً.. بيروقراطي نقابياً"، والتي يقصد لينين ممارسات الديمقراطيين البرجوازيين أو الإصلاحيين داخل التنظيمات السياسية والنقابية. لأنه عندما يتولى الانتهازيون من صغار البرجوازية مهمة قيادة النقابات، يتحولون إلى بيروقراطيين محترفين؛ يعزلون الأجهزة القيادية عن القواعد العمالية، ويحولون النقابة إلى أداة لـ"المساومة" الإدارية والمهادنة مع أرباب العمل والدولة، مما يقتل الروح الكفاحية والديمقراطية للطبقة العاملة ولعموم الشغيلة الكادحة.
فالمناضل الشيوعي الثوري الحقيقي هو وحده من يحمل وعياً ثورياً يستهدف إسقاط النظام الرأسمالي وإقامة سلطة العمال، وبالتالي لا يرى النقابة مجرد وسيلة لتحسين شروط العبودية بالمطالب المادية فقط، على غرار نقابات القرن الثامن عشر، بل يرى في النقابة تحقيقاً للهدف والمهمة الثورية، لأنه يدرك جيداً أن الثورة لا تصنع بالأوامر الفوقية، بل بتعبئة الجماهير وإقناعها. لذلك، يدافع الثوري داخل النقابة عن ديمقراطية الجموع العامة، وحرية النقاش، والرقابة العمالية من الأسفل، لأن هذه الديمقراطية هي وحدها الكفيلة بفرز طاقات العمال ورفع وعيهم الطبقي العفوي إلى وعي سياسي ثوري منظم.
وفي عصرنا هذا، بل أضحى من اللازم ربط النضال النقابي بالوسائل التقنية والتعبئة الرقمية، من أجل حشد الطاقات وتوسيع قواعد التعبئة، مما يضمن الوصول إلى فئات عمالية أوسع، وتنظيم الاحتجاجات برؤية أكثر ذكاءً وسرعة واستجابة للمستجدات.
تم، ماذا عن الجبهة الموحدة؟ إن الحزب الثوري الذي يرفض هذا التكتيك يسقط في فخ "الانعزالية" و"الطفولية اليسارية" التي انتقدها لينين بشدة، لأن الجبهة الموحدة أداة استراتيجية لقيادة التغيير الثوري. فالطليعة لا تصنع ثورة بمفردها، لأنها، وفقاً للأدبيات اللينينية، لا يمكنها حسم الصراع إذا لم تكن وراءها عموم الجماهير الشعبية، والجبهة الموحدة هي الآلية التنظيمية والسياسية التي تربط الحزب الطليعي بالجماهير الشعبية العريضة، فالجبهة الموحدة توفر الفضاء المشترك الذي يناضل فيه الثوار جنباً إلى جنب مع كل الفئات الشعبية. وتكمن ضرورة الجبهة الموحدة في تجميع كل فئات البروليتاريا والفقراء لصد الهجوم الرأسمالي الشرس على المشترك المجتمعي من صحة وتعليم، محولةً النضالات الفئوية المشتتة إلى قوة طبقية متراصة.
المهمة التاريخية للحزب الثوري: وفي خضم هذا المسار النضالي، لا بد من العودة إلى ضرورة إسقاط النظام الاجتماعي السائد، لأن الدولة، كما حللها لينين، "ليست حيادية، بل أداة لقمع طبقة لصالح أخرى". وهذه هي المهمة التاريخية والأساسية والاستراتيجية والغاية التي وجد من أجلها الحزب الثوري، الذي تدرك قيادته الثورية أن "البروليتاريا وحدها هي القادرة على قيادة الجماهير"، وأن "ديكتاتورية البروليتاريا ضرورية لسحق مقاومة البرجوازية". فالدولة المخزنية، في جوهرها، ليست دولة القانون ولا دولة المؤسسات المحايدة، بل هي أداة في يد التحالف الطبقي الحاكم، لذا يجب إسقاطها، لا إصلاحها.
أزمة اليسار المغربي وسؤال ما العمل؟ لبناء الحزب الثوري: فالمطلوب اليوم ليس إنقاذ يسار الماضي، بل بناء يسار لم يوجد بعد، يسار يقرأ دروس الماضي ويتجاوزها، يصوغ أدوات لعصر الرقمنة والاستغلال الاجتماعي. يسار يدرك، مع لينين، أن "الحزب الثوري يجب أن يكون منبر المظلومين"، وأن مهمته ليست قيادة الجماهير من فوق، بل الانخراط في نضالاتها اليومية والمساهمة في رفع وعيها. يسار يعي أن "تحرير الطبقة العاملة يجب أن ينتزع بواسطة الطبقة العاملة ذاتها".
إذن، ما العمل للقيام بهذه المهمة؟ فالمطلوب بناء أداة ثورية تكون امتداداً للحركة الماركسية-اللينينية المغربية خلال سبعينيات القرن العشرين (منظمة "23 مارس" ومنظمة "إلى الأمام")، بناء يسار جديد، يسار يدرك أن الأيديولوجيا والخطابات المخزنية ما هي إلا شعارات وهمية وعي زائف يخفف من حدة التناقضات الطبقية والاحتقان الاجتماعي، وأن العلاقات الاجتماعية للإنتاج ونظام العمل وشروطه وقوانينه ومخططات الباطرونا لا تتوافق مع مرحلة تطور القوى المنتجة ومصالح الطبقة العاملة وعموم الشغيلة وباقي الفئات الشعبية الكادحة، وأن رأس المال ميت لا قيمة له، فقط يحيى بامتصاص العمل الحي، وأن المضاربة وجني الأرباح وفائض القيمة هي مصدر تراكم رأس المال وتوغله.
البرنامج السياسي: إن تحولات العصر باتت تتطلب برنامجاً سياسياً مرحلياً، إنه برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية لتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية ضمن نظام اجتماعي جديد يكون بديلاً للوضع القائم، نظام يتصالح فيه الإنسان مع إنسانيته ويختفي فيه الظلم والصراع الطبقي. وهذا البرنامج لا يحمله سوى حزب ثوري جديد يعبر عن كل هموم الجماهير الشعبية الكادحة. فالتاريخ لا يمكن أن يجود بهذا الحزب بشكل عفوي، والمجتمع لا يمكنه أن يفرز هذا الحزب تلقائياً ثم يبدأ في الحركة، فقط حين تلتقي تناقضات المجتمع وحدة الصراع الطبقي مع الإرادة السياسية الواعية والتنظيم والاستراتيجية، تتحول التناقضات إلى قوة، والقوة إلى مشروع، والمشروع إلى تغيير جذري.
وعندها فقط تتحقق دعوة ماركس وإنجلز الخالدة: "البروليتاريون ليس لديهم ما يخسرونه سوى قيودهم. لديهم عالم يكسبونه. يا عمال العالم، اتحدوا!"
#مراد_مسعف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحرب الإيرانية-الأمريكية تحت عدسة - ضد دوهرنغ -
-
ضد دوهرنغ: أو حين تصطدم المادية الجدلية بفلسفة الواقع والاقت
...
-
حول استشهاد المناضل عبد الله موناصير
-
هيراقليط و بارمنيدس هذان اللذان تكلما .. عبارة لنيتشه
-
انفعالات عاطفية
-
سارتر بين الانطولوجيا و النزعة الوجودية
المزيد.....
-
أوروبا.. المهاجرون يدفعون الثمن واليمين المتطرف يستثمر الأزم
...
-
Brussels Festival Gathers Voices of Resistance to US-NATO Im
...
-
Thieving Matters: the Trump-Venezuela Oil Steal
-
The Target is Larger Than Somalia
-
Liberating Theory, Community
-
A Tale of Two Indias at Madison Square Garden: the Structura
...
-
The Yen, US Treasury and the Financial Crisis of Empire
-
It’s Possible to Salvage Canadian-American Friendship?and Mu
...
-
Review of Alfred W. McCoy’s Cold War on Five Continents
-
Plaguing the Americas With Misery in the Name of Liberty
المزيد.....
-
بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال
...
/ الأممية الرابعة
-
التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم
...
/ شادي الشماوي
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
المزيد.....
|