|
|
ضد دوهرنغ: أو حين تصطدم المادية الجدلية بفلسفة الواقع والاقتصاد السياسي الماركسي بنظرية القوة .
مراد مسعف
الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 08:51
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لماذا هذا الكتاب؟ ولماذا "ضد دوهرنغ" تحديداً؟ لأنه لم يكن وليد نزوة أو اندفاع عابر من جانب فريدريك إنجلز، بل جاء استجابةً لضرورة سياسية وفكرية ملحّة، كالتي تدفع العاشق إلى لقاء من يحب، أو الثائر إلى كسر قيوده، أو كالنداء الذي لا يُكابَر. ففي مطلع سبعينيات القرن التاسع عشر، برز الفيلسوف الألماني أوجين دوهرنغ كمنافس شديد للماركسية، حيث أعلن نفسه بكل جرأة وعناد "نصيراً للاشتراكية ومصلحاً لها في نفس الوقت" (1)، وقدّم منظومة فلسفية واقتصادية زعم أنها تمثّل "الحقائق النهائية والنهائية" (2). أتدرون ما هو الأخطر بالنسبة لإنجلز؟ والأمر الذي يبعث على الدهشة والحيرة معاً، أن أفكاره وجدت صدى في أوساط الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، مما دفع أصدقاء إنجلز في ألمانيا إلى مطالبتَه بالردّ عليها في صحيفة "فولكسشتات" المركزية، لمنع أي فرصة جديدة للانقسام والبلبلة في حزبٍ كان قد حقّق وحدته حديثاً (3). أليس في هذا دليلٌ على أن الباطل إذا لبس ثوب الحقّ أوهمَ العيون؟ - لأن هذا ما يراه رفاق إنجلز الألمان - وهكذا، تحوّلت مهمّة إنجلز النقدية إلى مشروع بنّاء واسع، كالذي يهدم قصراً ليقيم مكانه مدينة فاضلة. فبينما كان الهدف المباشر هو تفنيد "هرطقة دوهرنغ " على حد قول إنجلز، كانت النتيجة غير المباشرة هي التقديم المنظّم الأول للماركسية ككلٍ متماسك: فلسفة، اقتصاداً سياسياً، واشتراكية علمية. وقد أشار إنجلز نفسه إلى أن آراءه في هذا الكتاب "لقيت منذ الطبعة السابقة انتشاراً واسعاً في الوعي الاجتماعي للدوائر العلمية والطبقة العاملة في جميع البلاد المتمدنة" (4). أليست هذه هي المفارقة العجيبة؟ أن ينطلق الكاتب من ضرورة الرد على خصم، لينتهي به المطاف إلى تأسيس موسوعة فكرية متكاملة، كما ينطلق البناء من هدم ما كان قائماً ليقيم صرحاً جديداً!؟ وكأنّ التاريخ يضحك من دوهرنغ إذ جعل منه إنجلز أداةً لخلق ما هو أعظم .
فإذا كان الكتاب قد انطلق من ضرورة سياسية عاجلة، فإن جوهر هجومه الفلسفي ينصب على كشف الطبيعة المثالية لمنهج دوهرنغ، وكشف زيف ادعاءاته الميتافيزيقية. وهنا تبرز المعركة الفكرية كمعركة نور وظلام، أو كصراع بين العقل والهوى. إنه يفضح ادعاءات الرجل، ذلك الذي يتبجح - في رأي إنجلز- بأنه "الذي يحقّق له تمثيل تلك القوة" (أي الفلسفة) "للعصر والتطور المرئي القريب" (5). فهو يبدأ فلسفته بوضع "عناصر بسيطة" مسبقة، ثم يحاول أن يركّب منها الواقعَ كلَّه، كما يركّب الطفل ألعابه من قطع صغيرة. وهو بذلك يمارس ما يسمّيه إنجلز "النظام الطبيعي"، حيث يُفترض أن "الواقع" يجب أن يطابق التصورات الذهنية، وليس العكس. وهل يصحّ أن يُطاع الفكرُ بدلاً من أن يطيع؟ هذا هو المنطق المادي للتاريخ. ألا ترون كيف يعكس هذا كل ما نعرفه عن الوجود؟ فبدلاً من أن يكون الفكر انعكاساً للواقع، يصبح الواقع هو الذي يجب أن يطيع الفكر، كالعبد الذي يطيع سيده، أو كالأمة التي تسير وفق ما يخطط له حكامها! وسخرية إنجلز اللاذعة تبلغ ذروتها في نقده لـ "بديهيات" دوهرنغ الرياضية، تلك البديهيات التي يظنها دوهرنغ أساساً لكل معرفة. فالمبدأ الذي يقول "الكل أكبر من الجزء"، يعتبره إنجلز مجرد "تحصيل حاصل"، بل ويصفه بأنه تكرار فارغ للفظ، بحيث "يتأكد فراغ المضمون بشكل أكثر حدة بفراغ التكرار" (6). أيّ قول هذا؟ وأي تهكم لاذع؟! وكأنه يضرب على وترٍ خالٍ من اللحن، فلا يخرج إلا صدا واهياً. وبالمثل، فإن "بديهية" دوهرنغ القائلة بأن "الوجود الشامل واحد" (7) ليست سوى تكرار للمقدمة التي انطلق منها، فلا تقدم أي معرفة جديدة عن الواقع، كمن يقول إن الماء ماء، أو إن النار نار، دون أن يضيف شيئاً إلى علمنا. وهكذا يكشف إنجلز أن دوهرنغ لا يستمد مفاهيمه من الواقع المادي، بل يفرضها عليه، وهو قلبٌ حقيقي للعلاقة بين الموضوع والذات، وبين المادة والفكر، كمن يضع العربة أمام الحصان. في مقابل هذه المثالية، يقدّم إنجلز المادية الجدلية، تلك الفلسفة التي تهزّ أركان كل يقين وهمي. فهي كالزوبعة التي تجتاح كل ما هو ساكن، وكالنار التي تصهر كل ما هو جامد. فهو يثبت أن الطبيعة نفسها هي البرهان الأكبر على صحة الجدل، وأن الحركة هي جوهر كل شيء. فكل شيء في الطبيعة في حركة وتغيّر مستمرين: الكائن العضوي "في كل لحظة هو نفسه وغيره، وفي كل لحظة يستوعب المواد التي تأتيه من الخارج ويخرج منها مواد أخرى" (8). وحتى الموت، ذلك المصير المحتوم الذي ينتظرنا جميعاً، ليس ظاهرة فجائية، بل "عملية طويلة جداً" (9). أليس هذا هو عين الديالكتيك؟ أليس هذا هو الوجود بعينه، ذلك التدفق المستمر، ذلك التحول الدائم الذي لا يعترف بثبات، كالنهر الجاري الذي لا يتوقف؟! وكالشمس التي تشرق وتغرب، فلا لحظة فيها تشبه الأخرى. إنه ينفي كل الحدود المطلقة والميتافيزيقية التي يدّعيها دوهرنغ، وكأنه يهدم جدراناً واهية بيد من حديد. ويصرّ إنجلز على أن التفكير الجدلي فقط هو القادر على فهم هذه العلاقات المتشابكة والمتضاربة، تلك العلاقات التي تنسج خيوطها في نسيج الكون العجيب. فالسبب والنتيجة يتداخلان ويتبادلان الأدوار باستمرار في سياق العلاقات العامة، وهذا ما يعجز التفكير الميتافيزيقي (أي الجامد) عن إدراكه، كالأعمى الذي يحاول أن يرى ألوان الطيف. وكذلك يضيع الميتافيزيقي في متاهات الثبات، بينما الجدلي يبصر الطريق بضوء الحركة. هكذا أصبحت المادية الجدلية ليست مجرد نظرية في الوجود، بل أداة لفهم الحركة الحقيقية للأشياء، سلاحاً في وجه كل من يريد تجميد التاريخ وتحويله إلى تماثيل جامدة، كمن يحاول إيقاف الزمن أو تجميد النار.
ولئن كانت الفلسفة هي ساحة التفكيك الأولى، فإنّ ساحة التاريخ هي ساحة الإثبات، حيث يتجلى البرهان المادي في تفكيك "نظرية العنف" وإثبات أولوية الاقتصاد في التاريخ. ففي هذا القسم – قسم الفلسفة الذي يُعتبر الأكثر حيوية وأهمية في كتاب إنجلز، بل هو لبّ الكتاب وغايته - تتجلى قوّة البرهان المادي، وتنكشف حقيقة القوة خلف ستار العنف. يدّعي دوهرنغ – زاعماً ذلك زوراً وبهتاناً – أن العلاقات السياسية والقانونية، وتحديداً "العنف" (القوّة العسكرية والسياسية)، هي الأساس في التاريخ، وأن الظلم والاستعباد ينبعان من فرض إرادة أحد الشخصين على الآخر بالقوة، كمن يسيطر على غيره بالسوط والسيف. لكن إنجلز يكشف عن سطحية هذا الطرح وسخافته بإحالة المسألة إلى شروطها المادية، تلك الشروط التي يغفل عنها دوهرنغ كما يغفل النائم عن أحلامه. أفلا يدرك أن السوط يُصنع من الجلد، والسيف من الحديد، وأنّ كليهما لا ينبت في العدم؟ إنه – إنجلز- يسأل السؤال الذي يفضح كل شيء، السؤال الذي يزلزل أركان هذه النظرية الواهية. ففي نقده الشهير لحكاية روبنسون وجمعة، يسأل إنجلز سؤالاً حاسماً: من أين حصل روبنسون على السيف الذي استعبد به جمعة؟ "السيوف لا تنمو على الأشجار حتى في جزر روبنسون كروزي الخرافية" (10)، كما لا تنمو الأحلام دون واقع، ولا تنبت الأفكار دون أرض. فكيف يزعم دوهرنغ أن العنف أصلٌ، وهو لا يقوم إلا على ما يسبقه من إنتاج؟ فالاستعباد بالعنف يتطلب وجود أداة للعنف، وهذه الأداة لا تأتي من فراغ، ولا تسقط من السماء، بل يجب أن تُنتَج، وأن تُصنع بأيدٍ عاملة وعقول مفكّرة. وعندها، يُصبح مُنتِجُ أدوات العنف الأكثر كمالاً (أي الأسلحة) هو المُنتَصِر على مُنتِج الأدوات الرديئة (11). وهكذا يتحول السيف إلى رمزٍ للقدرة الإنتاجية، لا إلى رمزٍ للإرادة المجردة. يصل إنجلز من هنا إلى نتيجة جوهرية مدمرة لنظرية دوهرنغ، نتيجة كالقنبلة تنفجر في وجه كل مثالي واهم: إن انتصار العنف يستند إلى إنتاج السلاح، وإنتاج السلاح يستند بدوره إلى الإنتاج عموماً، أي إلى "القدرة الاقتصادية" وإلى "الوسائل المادية المتوفرة تحت تصرف العنف" (12). وهكذا يُقلب إنجلز المعادلة رأساً على عقب، ويضع الأمور في نصابها الصحيح: فالعنف ليس هو المُنشِئ للاقتصاد، بل الاقتصاد هو الذي يمدّ العنف بأدواته ويحدّد قوّته وفعاليته، كالنهر الذي يغذي البحيرة، أو كالجذر الذي يمدّ الشجرة بالحياة. وكأنّه يقول: أصل كلّ قوّة هو المادة، لا الإرادة التي تظنّ نفسها مطلقة. لا يكتفي إنجلز بإثبات أن الاقتصاد يُنتج أدوات العنف، بل يذهب أبعد من ذلك ليوضّح أن البنية الاقتصادية للمجتمع هي التي تُشكِّل كل البناء الفوقي: المؤسسات القانونية والسياسية، والأفكار الدينية والفلسفية، والعلاقات الاجتماعية برمّتها، كأنّها الأساس الذي يقوم عليه البناء الشامخ. ففي كل عصر تاريخي، يكون "التركيب الاقتصادي للمجتمع هو ذلك الأساس الواقعي الذي يعمل في نهاية المطاف على تحديد البناء الفوقي بأكمله" (13). وهذا يعني أن الحروب والصراعات السياسية، رغم أنها تبدو وكأنها حروب بين إرادات أو بين مبادئ، هي في جوهرها تعبير عن صراع المصالح الاقتصادية بين الطبقات، كمن يرى سطح البحر هادئاً بينما في الأعماق تموج التيارات. فتحت السكون ظلٌّ، وتحت الوجوه أقنعة، وتحت السياسة اقتصاد. فالصراع الطبقي بين العمال والبرجوازية (14) ليس نتاجاً لاختيار أخلاقي أو لظلم قانوني، بل هو نتيجة حتمية لعلاقة الإنتاج القائمة على استغلال العمل غير المدفوع، كالعلاقة بين السيد والعبد التي تقوم على الاستغلال. وحتى أساليب العنف ذاتها، من سيف الفارس إلى بندقية الجندي، تتطوّر تبعاً لتطوّر قوى الإنتاج المادية. وهكذا، يصبح الاقتصاد هو القوة الموجهة الحقيقية للتاريخ. نعم، إنه القدر المحتوم، ليس قدراً غيبياً، بل قدراً مادياً، كالتيار الذي لا يقاوم، كالزمن الذي لا يتوقف. فكما لا يُردّ الزمن عن جريانه، لا يُردّ الاقتصاد عن سلطانه. لأن كل ما يحدث في السياسة والمجتمع من تحولات جذرية وثورات وحروب، هو في نهاية المطاف انعكاس لحركة التناقضات الاقتصادية الأساسية. فالمجتمع لا يتغيّر لأن فلاناً من الحكماء اقتنع بظلم ما، بل لأن نمط الإنتاج والتبادل قد بلغ مرحلة تتعارض مع العلاقات القائمة، كالثمرة التي تسقط حين تنضج. وكالجنين الذي يولد حين يكتمل، لا حين يشاء الطبيب. وهذا بالضبط ما يمنح الاشتراكية قوّتها العلمية: فهي لا تقوم على أحلام في العدالة، بل على ضرورة تاريخية مادية. إنه الإيمان بالواقع، لا بالخيال، والإيمان بالمادة، لا بالأوهام.
وبعد أن تحطمت أوهام الفلسفة على صخرة الجدل، وتهاوت دعاوى العنف أمام أولوية الاقتصاد، يأتي الدور على تفكيك السرّ الأعمق، سرّ الرأسمالية، في معركة الاقتصاد السياسي. نجد أن إنجلز، بعد أن مهّد الطريق بنقده الفلسفي، يتعمّق في كشف آلية الاستغلال الرأسمالي، ليضرب بيد من حديد على جبين كل مستغل. وهنا تنكشف الستارة عن وجه القبيح، ويظهر السرّ الذي ظلّ خافياً كاللؤلؤ في أعماق البحر. فمن خلال اكتشاف ماركس لـ "القيمة الزائدة/ فائض القيمة"، ذلك السرّ الذي ظلّ خفياً عن أنظار العالمين، يثبت أن نمط الإنتاج الرأسمالي مبنيّ على تملك العمل غير المدفوع، كالسارق الذي يستلب مال غيره دون حق. إنها لحظة الحقيقة، لحظة الانكشاف، لحظة الفضيحة الكبرى. فهي كالصبح الذي يبدّد ظلام الليل، وكالصوت الذي يكسر صمت السنين. فحتى لو اشترى الرأسمالي قوة العمل بقيمتها الكاملة في السوق، فإنه لا يزال يستنزف منها قيمة أكبر مما يدفعه لقاءها (15)، كمن يشتري بذرة ويزرعها ليحصد منها أضعافاً مضاعفة. هذه القيمة الزائدة هي التي تشكّل في النهاية مجموع أرباح الرأسماليين، وهي السرّ الذي ظلّ خفياً عن كل الاقتصاديين السابقين، كاللغز الذي حيّر العقول والأذهان. وهل كان يمكن أن يبقى السرّ مكتوماً لولا عين ماركس الثاقبة؟ وهذا التحليل يُخرج انتقاد الرأسمالية من دائرة الأخلاق والوعظ إلى دائرة العلم الموضوعي، من عالم العواطف إلى عالم الحقائق. فلم يعد الأمر متعلقاً بأن الرأسمالية "غير عادلة"، بل أصبح متعلقاً بأنها قائمة على تناقض جوهري قابل للكشف بالبرهان العلمي، وهذا التناقض هو الذي سيؤدي إلى زوالها حتماً، كالسرطان الذي يأكل الجسد من الداخل، وكالنار التي تأكل نفسها إن لم تجد وقوداً. بل كالشيء الذي يحمل داءه في جوفه، ودواءه في فنائه. أليس هذا هو عين المنطق الجدلي؟ أن يحمل الشيء في داخله نقيضه، وأن يكون هذا النقيض هو بذرة فنائه، كأن تحمل البذرة في داخلها موتها وحياتها معاً .
وليس يكفي كشف السرّ واستنفاد النقد، بل كان لا بد من إعادة البناء على أساس جديد، وهو ما يفعله إنجلز في خاتمة المنظومة الفكرية، حيث ينتقل بالاشتراكية من المدينة الفاضلة إلى الحتمية التاريخية، واضعاً التاج على هذه المنظومة. فهو يوضح كيف يجعل الجمع بين المادية الجدلية وفائض القيمة الاشتراكية علماً وليس حلماً، حقائق لا أوهاماً. وهنا تتحول الأحلام إلى براهين، وتصير الأماني قوانين. فالاشتراكية الطوباوية السابقة (كأفكار سان سيمون وفورييه) كانت تكتفي بإدانة الرأسمالية والندب على آلامها، كالذي يبكي على الميت ولا يدفنه، لكنها كانت عاجزة عن تفسير وجودها أو إثبات ضرورة زوالها، كالعاجز الذي يحاول أن يمسك الهواء. فكيف تبني صرحاً دون أساس، أو ترسم طريقاً دون خارطة؟ أما الاشتراكية العلمية، فتنطلق من حقيقة أن كل التاريخ القديم هو تاريخ صراع الطبقات، وأن "تلك الطبقات الاجتماعية المتصارعة تعتبر في كل لحظة محددة نتاجاً لعلاقات الإنتاج والتبادل وباختصار نتاجاً للعلاقات الاقتصادية في عصرها" (16). وعندما يصبح الإنتاج اجتماعياً (بمصانعه الضخمة وآلاته) بينما يبقى التملك فردياً (على يد الرأسمالي)، ينشأ التناقض الأساسي، ذلك التناقض الذي لا يمكن تجاهله أو التغاضي عنه. وهو كالشرخ في الجدار، يزداد اتساعاً حتى يهدم البناء. وهذا التناقض لا يُحلّ بالوصايا الأخلاقية، ولا بالوعظ والإرشاد، بل بالثورة التي تنقل وسائل الإنتاج إلى الملكية المشتركة، وتُحرّر العمل من نير الاستغلال، كالثائر الذي يخلع طاغيته. وكالنهر الذي يكسر السد فينطلق حراً. ويُشير إنجلز إلى أن "إيمان الاشتراكية المعاصرة بالنصر" لا يرتكز على "تصورات هذا الحكيم القابع في داره أو ذاك بشأن الحق والظلم"، بل يرتكز على "الواقع المادي الملموس الذي يتغلغل بشكل واضح لهذه الدرجة أو تلك وبضرورة لا مردّ لها في أذهان البروليتاريين المستغلين" (17). فالبروليتاريا ليست ضحية تستحق الشفقة، بل هي قوة ثورية تولدها الرأسمالية نفسها، وهي التي ستحمل راية التحرير، كالنار التي تولد من الاحتكاك، وكالغضب الذي يولد من الظلم. بل كالسيل الجارف الذي يجمّع قوّة من كل قطرة، حتى لا يستطيع سدّ أن يردّه. إنها ليست مسألة عطف أو إحسان، بل مسألة قانون تاريخي، قانون لا يرحم، قانون يدفع بالأشياء إلى حيث يجب أن تكون، كما يدفع النهر حجارته إلى البحر.
وأخيراً، في الخاتمة التي تتناول موسوعة الماركسية وسلاح النضال الفكري، ندرك أن أهمية "ضد دوهرنغ" لا تكمن في كونه مجرد سجال سياسي عابر، بل في كونه العمل الذي وحّد الماركسية نظرياً وعملياً، كالخيط الذي يضمّ الدرر، أو كالجسر الذي يربط بين ضفتين. فهو كالمنارة في بحر الفوضى، وكالميزان في زمن الاضطراب. فبينما كان دوهرنغ يريد تقويض أركان الفكر الماركسي، جاء إنجلز ليضع حجر الأساس المتين لهذا الفكر، مقدماً للحركة العمالية سلاحاً فكرياً لا يُقهر و"كنزاً لا ينضب" (18). إن النقاط الثلاث التي حصرناها في هذا المقال – تفنيد البداهات المثالية، وإثبات سيادة الاقتصاد على العنف، وتأسيس الاشتراكية على قوانين التاريخ المادية – تُشكّل معاً قلب المشروع الفلسفي لإنجلز، كالقلب الذي يضخ الحياة في الجسد. وكالأعمدة التي تحمل السقف، فلا ينهار البناء بغياب أحدها. فلقد أثبت إنجلز، متبعاً خطى ماركس، أن القوة الحقيقية في التاريخ ليست في السيف أو في الخطابة، بل في حركة قوى الإنتاج التي تحرّكها رغبة الإنسان في العيش، والتي لا يمكن لأي "فلسفة واقعية" أن تُنكرها دون أن تنقلب إلى فلسفة وهمية، كمن ينكر وجود الشمس في وضح النهار. فكما أن الشمس تشرق وتضيء، كذلك الإنتاج يحرّك التاريخ ويضيء دروبه. وهكذا يظل هذا الكتاب العبقري، بعد أكثر من قرن من نشره، صارخاً في وجه كل أشكال التحريف والادعاء، ليُذكّرنا بأن طريق التحرر الحقيقي يمرّ عبر الفهم العميق للقوانين الاقتصادية التي تحكم المجتمع، وبأن "عمال العالم، اتحدوا!" ليست مجرد شعار، بل هي خلاصة علم التاريخ، كلمة حقّ يريد بها باطل، وكلمة صدق تزلزل عروش الظلم والاستغلال. وتبقى تلك الكلمة كالرعد يزلزل الأرض، وكالبرق يخترق الظلمات، لا يخفت صوتها، ولا يبلى عهدها.
1- فريدريك إنجلز: "ضد دوهرنج ثورة السيد أوجين دوهرنج في العلوم"، ترجمة محمد الجندي (المقدمات والفصول 1-9 من القسم الأول) وخيري الضامن، الترجمة إلى اللغة العربية، دار التقدم موسكو، 1945. طبع في الاتحاد السوفييتي . ص: 10 2- ضد دوهرنغ ص: 35 3- .. .. ص: 10 4- .. .. ص: 22 5- .. .. ص: 35 6- .. .. ص: 47 7- .. .. ص: 49 8- .. .. ص: 29 9- .. .. ص: 9 10- .. .. ص: 194 11- .. .. ص: 194 12- .. .. ص: 194 13- .. .. ص: 33 14- .. .. ص: 33 15- .. .. ص: 33 16- .. .. ص: 33 17- .. .. ص: 185 18- .. .. ص: 9
#مراد_مسعف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حول استشهاد المناضل عبد الله موناصير
-
هيراقليط و بارمنيدس هذان اللذان تكلما .. عبارة لنيتشه
-
انفعالات عاطفية
-
سارتر بين الانطولوجيا و النزعة الوجودية
المزيد.....
-
الذكاء الاصطناعي -ليس ذكياً-، فما القصة؟
-
بعد 250 عاماً... ماذا بقي من الحلم الأمريكي؟
-
البيرو.. السلطات الانتخابية تعلن فوز المحافظة كيكو فوجيموري
...
-
الهند.. ابتكار نظام للدراجات الكهربائية يتيح شحن البطارية ذا
...
-
حقائق علمية مثيرة عن عالمنا المذهل
-
بيلاروس تستعد لحرب ضروس
-
التشيكيون أيضًا يريدون سحب وسام الأسد الأبيض من زيلينسكي
-
كيف أجاب عمدة نيويورك على إمكانية ترشحه للرئاسة؟
-
بعد 250 عاما.. البابا يذكر أميركا بالمبادئ التي صنعت وحدتها
...
-
لماذا كان المغرب أول دولة تعترف بأميركا؟.. القصة الكاملة
المزيد.....
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
-
تراجيديا العقل
/ عمار التميمي
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
المزيد.....
|