|
|
الحرب الإيرانية-الأمريكية تحت عدسة - ضد دوهرنغ -
مراد مسعف
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 09:23
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
ليس كتاب "ضد دوهرنغ" مجرد عمل أكاديمي في الفلسفة، ولا نصاً جامداً؛ بل هو سلاح. سلاح حرب مفاهيمية، وفق استراتيجية فلسفية، مصوب نحو الأفكار المثالية والمعتقدات الطوباوية. إنه تأسيس لمنظومة فكرية تحطم كل ما هو سطحي، وتضع الاقتصاد في مركز التاريخ، في صلب أي تحليل للمجتمع. لقد قالها إنجلز بوضوح وأثبت أن: "التركيب الاقتصادي للمجتمع هو الأساس الواقعي الذي يحدد البناء الفوقي بأكمله". بعد قرن ونصف، والعالم ما زال يدور في نفس الحلقة المفرغة، إذ لا يزال يعيد إنتاج ذات الجدل. فالصراع بين إيران والغرب، الذي اشتعل ثم تحول إلى رماد حار على طاولة المفاوضات، حاملاً ورقة تفاهم قد تكون حبر سلام ملغوم لاهب، يقدم مادة خصبة لتطبيق هذه العدسة الاقتصادية السياسية التي تبلورت وتأصلت بين ثنايا الكتاب. فما يبدو صراعاً أيديولوجياً بين "الإمبريالية" و"المقاومة" يكشف عن جوهره المادي المحض بمجرد تسليط ضوء التحليل الاقتصادي، كما ينكشف الوجه عند زوال البرقع، ويظهر المخبوء عند انكشاف الستار. فلا صوت يعلو فوق صوت البناء التحتي، أي الاقتصاد وقوته كمحرك للتاريخ ولمساره، أو كما صاح إنجلز: "إنه الاقتصاد يا سادة". هذا الاختزال الماركسي للتاريخ هو الذي يجب أن نضعه صوب أعيننا إذا أردنا أن يكون لنا معرفة ووعي صحيحان بالأحداث؛ فالاقتصاد هو جسد التاريخ، وماء البحر الذي بدونه لن يكون هناك بحر.
الشرق الأوسط ليس ساحة صراع أيديولوجي محض؛ بل هو، من منظور مادي جدلي، محور للتراكم الرأسمالي العالمي، وقلب العالم النابض بالذهب الأسود، عروقه ممتدة في شرايين الاقتصاد. في مرحلة ما بعد الحرب الإمبريالية الثانية (استخدم هذا المفهوم ( Concepte) بدل الحرب العالمية، لأنه في الفكر الماركسي يحمل دلالات أعمق، ترمز إلى حقبة من الصراع بين الفاشية والنازية من جهة، والديمقراطية والشيوعية من جهة أخرى، من أجل الهيمنة والتوسع)، احتاجت الرأسمالية الغربية إلى تأمين تدفق النفط الرخيص والمستقر، ليس لتسخين بيوت الفقراء، بل لتغذية المجمع الصناعي وتوليد "فائض القيمة"؛ لأن النفط ليس وقوداً للآلات فحسب، بل دماء تسري في عروق الرأسمال، تمدّه بالحياة. الإمبريالية الأمريكية عرفت هذا مبكراً، وأدركت أن السيطرة على النفط هي السيطرة على دورة رأس المال، لأن قوة الاقتصاد هي من نصيب من يمسك بزمامه. لذلك اعتبرت أي محاولة للسيطرة على الخليج اعتداءً على "المصالح الحيوية"، واستوجبت التدخل العسكري، ليس دفاعاً عن قيم أخلاقية، بل إعلاناً واضحاً بأن النفط الخليجي هو شريان الرأسمالية، ومن يمسه يهدد وجودها. فالرأسمالية إذا حُرمت من النفط أصيبت بالشلل، كالشريان إذا انقطع مات الجسد. وإذا كنا صادقين مع أنفسنا، فـ"حرية الملاحة" الأمريكية ليست سوى حرية رأس المال في التنقل دون عوائق، و"مقاومة الإمبريالية" الإيرانية ليست سوى شعارا لتأسيس شرعية سياسية والحفاظ على نمط الإنتاج وذلك تحت دولة ذات عباءة .
قبل ثورة 1979، كانت إيران تعيش تناقضاً صارخاً: اقتصاد ينمو بسرعة بفضل النفط، وسياسة تابعة بالكامل للغرب؛ كانت نموذجاً للرأسمالية التابعة، حيث نُهِبت ثرواتها النفطية لصالح الكارتلات الغربية، ( Les Cartels occidentaux / internationaux ) بينما عملت البرجوازية المحلية كوسيط يحمي مصالح رأس المال الأجنبي، كحلقة وصل بين الذئب والغنم. كان الاقتصاد الإيراني سريع النمو، لكنه مشروط بالتبعية، حيث اتجهت الفوائض إلى النخبة والشركات الغربية، بينما عانت الطبقات العاملة من التهميش. هذا التناقض خلق شروط الثورة؛ فإذا اشتد، انفجر كالبركان، لا يهدأ حتى يغير معالم الأرض. لم تكن مجرد انتفاضة ضد شاه، بل كانت "نفيًا" للتبعية الإمبريالية، كالغضب الذي يكسر القيود. أممت طهران مواردها، وخرجت من عباءة الدولار. لكن، كما يعلّمنا إنجلز، نفي النفي لا يعني تجاوزاً كاملاً، بل قد يعيد إنتاج التناقض في مستوى أعلى.
كالصبح الذي يقطع ظلام الليل، جاءت ثورة 1979 كنقطة تحول تاريخية لإنهاء التبعية. غير أن مقاليد السلطة آلت إلى نخبة دينية وعسكرية، أسست لنظام رأسمالية الدولة الاحتكارية. هذه الثورة، التي جاءت كنفي للتبعية، أنتجت نظاماً أعاد إنتاج استغلال جديد تحت عباءة الدين؛ والدين هنا ليس قداسة، بل ستار يخفي الوجه الحقيقي. وهنا نكتشف المفارقة الكبرى: النظام الإيراني لم يقلب العلاقات الإنتاجية بقدر ما أعاد توزيعها، فبدلاً من أن تكون ثورة للطبقات الكادحة، تحولت إلى ثورة نخبوية، أسست لنمط جديد من الاستغلال، يختلف عن النمط السابق في المستفيدين فقط، لا في جوهر العملية الاستغلالية ذاتها. وفي خطوة تحدٍّ للمنظومة الغربية، أمّمت طهران مواردها السيادية وتخلت عن هيمنة الدولار، مما حوّلها في نظر الغرب إلى كيان متمرد يستوجب الحصار، وكأنها تمرّدت على أسياد التاريخ، فاستحقّت العقاب. وفي مواجهة هذه العزلة، استثمرت إيران الروابط الطائفية لتأسيس شبكة دفاعية إقليمية تُعرف بـ "محور المقاومة"؛ وقد تمدد هذا المحور كبديل للمؤسسات الوطنية التي أنهكتها سياسات الليبرالية الجديدة ( néolibéralisme occidental ) منذ إجماع واشنطن، ( Le Consensus de Washington )، والتي تعمدت إضعاف السيادات وإسقاط الأنظمة، وخلق فراغ أمني واقتصادي حاد في المنطقة؛ لأن الفراغ أحياناً يكون كالجرح المفتوح، يدعو كل طامع إلى النهب.
أما إسرائيل، أحد الخصوم الأساسيين، فهي في الفكر الماركسي أداة إمبريالية وظيفية لمنع صعود حركات تحررية قد تقطع تدفق النفط أو تؤمم وسائل الإنتاج، كالسيف المسلول في وجه كل من يهدد المصالح الغربية. فهي ليست مجرد دولة، بل "قاعدة متقدمة لرأس المال الغربي" تهدف إلى منع صعود قوة إقليمية مهيمنة؛ فوجودها كالوتد في جسد المنطقة، يمنع الحركة، ويكبل الإرادة، ويعمق التبعية. ومن ثم، فإن أي صراع إسرائيلي-إيراني هو صراع على النفوذ، أي على السيطرة على فائض القيمة النفطي.
ثم اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، كنتيجة حتمية لتناقضات اقتصادية بلغت ذروتها، كالقنبلة التي لا بد أن تنفجر حين يشتعل فتيلها. فتهديد إيران للممرات المائية الحيوية كان ضرباً لسلاسل الإمداد العالمية، إذ تشكل هذه الممرات شرايين دورة رأس المال، وتعطيلها يمنع رأس المال من إكمال دورته، مما جعل الحرب تتحول إلى كسر لهذا الحصار، كمن يقطع الشرايين عن القلب. فهي لم تكن دفاعاً عن "حرية الملاحة" كقيمة مجردة، بل دفاعاً عن قدرة رأس المال على إعادة إنتاج نفسه؛ وكانت أداة لإعادة ترسيم ميزان القوى، لتأمين تدفق رأس المال النفطي، الذي هو السبب الأساسي لهذه الحرب.
وباحتكامنا لمنطق إنجلز في "ضد دوهرنغ" وهو يدحض أطروحة دوهرنغ حول اقتصاد القوة بقوله: "السيف لا ينبت على الأشجار، بل هو نتاج نمط إنتاج". فكما لا تخرج النار من الحجر إلا بقدرة، كذلك لا يخرج السيف إلا من معمل. ومعنى هذا أن الصواريخ الإيرانية لم تنشأ في فراغ، بل هي نتاج قدرة اقتصادية على تحويل النفط إلى صناعة عسكرية رغم الحصار؛ فالنفط هنا مادة أولية للقوة، وكما يتحول الطين إلى آجر، يتحول النفط إلى صواريخ. والأسطول الأمريكي ليس مجرد أداة عسكرية، بل امتداد لسلاسل توريد رأس المال العالمي.
وكما قال ماركس في "رأس المال": "العنف هو قابلية كل مجتمع قديم يلد مجتمعاً جديداً". لكن العنف هنا لم يلد مجتمعاً جديداً، بل أعاد إنتاج المجتمع القديم بآليات أكثر تعقيداً؛ فلم يلد إلا ما يشبهه، عنفاً جديداً.
لم تقتصر أضرار الحرب عند الخسائر المادية، بل طالت عصب الاقتصاد العالمي: الأسواق وحركة التجارة، كالنار التي تأكل الأخضر واليابس. امتدت إلى سلاسل الإمداد، فارتفعت أسعار الطاقة، واضطربت قطاعات حيوية. وفي الداخل الأمريكي، أوقعت الحرب أضراراً اقتصادية، ووجدت الإدارة نفسها تحت ضغوط، حيث أصبح تطور الحرب يؤذي جيوب المواطنين، مما قد يكون له تأثير في المستقبل السياسي. فكما أن السفينة إذا اهتزت، ارتجّ كل من فيها، كذلك الاقتصاد إذا تألم، تألم معه السياسي. وهذا هو المنطق المادي الجدلي في أبسط صوره: كلما طالت الحرب، زادت كلفتها؛ وكلما زادت الكلفة، تناقص الدعم الشعبي؛ وكلما تناقص الدعم، أصبحت الحرب عبئاً على النظام السياسي نفسه. وهكذا تتحول الحرب من أداة لحل التناقضات إلى مصدر لتوليد تناقضات جديدة.
والأكثر إثارة للشفقة هو زيف الخطابات الأيديولوجية المصاحبة للحرب؛ في قنوات الإعلام، يتنافس خطابان، وكأنهما يمثلان قطبي الخير والشر، وكأن التاريخ يصنع في غرف التصوير لا في حقول النفط. لكننا، بعدسة "ضد دوهرنغ"، نرى أن "التحرير" الأمريكي هو قناع للهيمنة، و"المقاومة" الإيرانية هي قناع لاستمرار النخبة. فالقناعان مختلفان في الشكل، متحدان في الوظيفة: إخفاء الوجه الحقيقي للصراع. هذا ما ينكشف بشكل مفضوح أمام التحليل المادي؛ فالامبريالية الأمريكية على مر تاريخها لم تحرّر شعباً، بل فقط تعيد إنتاج هيمنة رأس المال، وتكرس تبعية السياسة لقوانين الاقتصاد.
الحقيقة النهائية لهذه الحرب ليست في شعاراتها، بل في عقود النفط، وقيمة العملة، وتدفق فائض القيمة من الدول غير الغربية ( Les pays non occidentaux ) إلى مراكز التراكم. وفي المقابل، يظهر التحليل المادي أن النظام الإيراني ليس قطبا تقدمياً، بل نخبة تسعى لاستمرار سيطرتها على موارد البلاد في ظل تفاوت اقتصادي صارخ، واستمراريتها الطبقية فوق أي اعتبار أيديولوجي. فالصراع ليس بين الخير والشر، بل بين رأسمالية غربية ورأسمالية دولة، وكل الخطابات مجرد قناع وخطاب مثالي زائف، يخضع الواقع لتصورات أخلاقية مسبقة تخفي صراعاً مادياً بحتاً.
ثم جاء الاتفاق. في لحظة فاصلة، أعلنت إيران وأمريكا وقف الحرب وفتح الممرات ورفع الحصار، كأنه هدوء ما بعد العاصفة. تضمنت الالتزامات الأمريكية رفع الحصار وإعفاءات نفطية وأموال مجمدة، وخطة لإعادة الإعمار، والتزام إيراني بتأمين المرور التجاري وعدم السعي للأسلحة النووية، مع إصرار على أن مستقبل الممرات سيُبنى على مقترحاتها دون دور أمريكي. فإذا حاولنا النظر من منظور الاقتصاد السياسي، فهذه الهدنة ليست أكثر من تحول كمي، كمن يوقف النزيف مؤقتاً، لكن الداء ما زال في الجسد. كلفة الحرب بلغت حداً جعل استمرارها غير مربح؛ لكن التحول الكمي قد يؤدي إلى قفزة نوعية إذا تغير ميزان القوى. وهنا يعود قانون نفي النفي: الاتفاق سينفي حالة الحرب المفتوحة، لكنه سيخلق تناقضات جديدة حول الممرات وإعادة الإعمار ودور الصين، وستنفي هذه التناقضات النفي السابق في مرحلة لاحقة. فالتاريخ كالنهر، لا يجري في خط مستقيم، بل يتعرج، وكالبندول، لا يتوقف عند نقطة، بل يتحرك بين الأضداد.
إذن، هذه المذكرة ليست سلاماً، بل مجرد هدنة تسمح لكل طرف بالتقاط أنفاسه ليس إلا؛ فكل من واشنطن وطهران لا يريد حرباً مفتوحة تستنزفه، مثل ملاكمين بين جولتي مصارعة. إيران تهدف إلى الخروج من الصراع مع بقاء نظامها، وأمريكا تريد احتواء التصعيد، أما إسرائيل فتعارض الاتفاق لأنه يعزز الاقتصاد الإيراني وقدراته التنافسية، مما يهدد وظيفتها التاريخية كحارس للإمبريالية.
وتبرز الصين كلاعب رئيسي، وكقوة اقتصادية صاعدة تبحث عن تأمين أسواقها ورأس مالها، فخطة إعادة الإعمار ليست قضية إنسانية، بل فرصة للشركات الصينية لضخ فائض رأس المال، وتحويل إيران إلى نفوذ صيني. فالصين ذاك العنكبوت الذي ينسج خيوطه حول النفط، وكل خيط يزيدها قوة؛ فهي تسعى لتعزيز عملتها عبر المعاملات النفطية، متحدية هيمنة الدولار، الركيزة الأساسية للإمبريالية الأمريكية. وقد أثبتت الحرب أنها تصب في مصلحة الصين اقتصادياً وسياسياً، وهنا يكمن التناقض الأعمق: الحرب التي أطلقتها واشنطن لإعادة تأكيد هيمنتها على النفط، خلقت الظروف الموضوعية لتآكل هيمنتها على النقد. فأحياناً قد ينقلب السلاح على صاحبه؛ فكل صاروخ أطلقته إيران، وكل سفينة استهدفتها، وكل برميل نفط توقف عن التدفق، كان دفعاً نحو تعزيز موقع اليوان الصيني في معادلات الطاقة العالمية.
غير أن الهدنة هشة، إذ فشلت الحرب في أهدافها، وما إن بدأت المفاوضات حتى تبادل الطرفان الضربات، وتصارعا على تفسير البنود في ظل غموضها، كمن يوقع اتفاقاً على ورق تخطفه الريح، أو كمن يبني على رمال ينهار. وبرزت السيطرة على الممرات كأكثر القضايا خلافاً، وإيران تصر على فرض رسوم، وحذّرت من رد قوي على المخالفين. وأعادت بناء قدراتها الصاروخية، مما يجعل مرافقة البحرية الأمريكية للسفن مهمة خطيرة؛ فالمواجهة لم تنته، بل دخلت مرحلة جديدة. فالهدنة كالغمامة التي تخفي الشمس، لكنها لا تمنعها من العودة. والاتفاق، وفق المنطق الجدلي، يحمل بذور فنائه؛ فالتناقضات البنيوية بين رغبة النخب التيوقراطية في الأرباح واستمرار استغلال الموارد، وحتمية توسع رأسمالية الدولة، ووظيفة إسرائيل كامتداد للإمبريالية، والصراع على نظام النقد الدولي، كلها تضمن تجدد الصراع عند أول أزمة ركود أو اختلال في ميزان القوى. فكما أن النار تبقى كامنة تحت الرماد، كذلك الصراع يبقى كامناً تحت الهدنة؛ فالاتفاق ليس سلاماً، بل هدنة لإدارة الصراع، وإدارة الصراع ليست حلاً، بل تأجيلاً.
ونتيجة لهذا الوضع، تؤكد عدسة إنجلز أن الشعوب هي الخاسر الأكبر دائماً؛ ففي إيران، تفاقمت معاناة الفقراء بالحصار والحرب، بينما احتكرت النخبة عوائد الاتفاق والإعمار. أما ما يسمى بدول الطوق، فتكبلها التبعية؛ بنيتها الاقتصادية خاضعة لعلاقات الارتهان مع القوى الإمبريالية الكبرى، ولهذا عانى اقتصادها من تراجع عوائد ممراتها الحيوية، بينما تخدم التهدئة رأسماليتها باستعادة الملاحة البحرية.
ويبدو أن مرحلة ما بعد الاتفاق ستشهد حرب استثمارات وعقود إعادة إعمار، تتصادم فيها مصالح النخبة الحاكمة في إيران، وهي المستفيدة طبقيًا من أموال الإعمار، مع دول محددة على الموارد المتبقية. بينما يضر استمرار الحرب بشعبية الرئاسة الأمريكية ويكشف انقسامات التحالف الغربي، أما إسرائيل، لاعب أساسي وطرف في الحرب، فترفض تعافي الاقتصاد الإيراني وتسعى لتقويضه عسكرياً.
السؤال الجدلي الأهم: من المستفيد ومن الخاسر؟ أي تحليل لا يضع الطبقة العاملة والشعوب المستضعفة في المركز هو تحليل أيديولوجي معيب؛ فالميزان الحقيقي ليس ميزان القوى، بل ميزان العدالة الاجتماعية، وأي خلل فيه يفضح زيف كل خطاب. الشعب الإيراني والأمريكي وشعوب الجوار يدفعون الثمن، والنخب تتواطأ، ورأس المال يربح دائماً.
تطبيق عدسة "ضد دوهرنغ" يقودنا إلى موقف نقدي من الأفكار المثالية والمعتقدات الطوباوية حول الحرب، وحصرها ضمن التناقض المذهبي، وكل الخطابات الأخلاقوية التي رافقتها، إلى درجة اعتبارها حرب تحرر وطني لدى بعض الخطابات الحماسية؛ لأن هذا النوع من الحروب تخوضه الشعوب لإنهاء الاستعمار. فالحرب الإيرانية-الأمريكية لم تحرر شعباً، بل أعادت إنتاج هيمنة رأس المال، وقوّت آلة الرأسمال وغذّتها بمنابع جديدة للنفط، مقابل بقاء النخبة الإيرانية التي تضع استمراريتها الطبقية فوق أي اعتبار أيديولوجي.
إن الموقف المتسق هو الذي يكشف زيف الخطابات الأيديولوجية، ويظهرها على حقيقتها؛ فهي ليست سوى غطاء إعلامي لصراع مادي اقتصادي بحت، كالقناع الذي يخفي الوجه الحقيقي، وكالسراب الذي يظنه الظمآن ماء فلا يجد إلا الرمال. كما أن الموقف المتسق هو الذي يرفض كل تبعية قسرية واستغلال طبقي، مهما يكن نوع الأيديولوجيا التي تُخاطب بها الشعوب. والموقف المتسق كذلك هو الذي يقف إلى جانب الشعوب، بل يعتبر نضالها هو الضمان الوحيد لتحريرها من كونها وقوداً لصراعات لا تملك قرارها، ورهينة لمصالح رأس المال؛ فالتحرر الحقيقي يبدأ بوعي الطبقة، وينتهي بكسر أغلال الاستغلال، لا بتغيير راية المستغل.
هكذا يظل كتاب إنجلز بمنهجه الجدلي هو العين التي يُنظَر بها إلى التاريخ وإدراك تناقضاته، انطلاقاً من محرك أساسي هو الاقتصاد السياسي. فهو من جهة كالمصباح في الظلام، وكالبوصلة في الضباب، يهدي العقل إلى جواهر الأمور، ومن جهة كالسيف في يد المحارب، أو كالمطرقة التي تهشم الأصنام، أصنام الفكر المثالي والأحلام الوردية عن المجتمع.
وكأن الزمن يدور في فلك واحد، الاقتصاد السياسي في مواجهة اقتصاد القوة، والتحليل المادي في مواجهة المثالية؛ هذا الكتاب سيظل صارخاً بشدة، ليذكرنا دائماً أن طريق التحرر يمر بفهم قوانين الاقتصاد، فكما لا يبحر المرء دون معرفة التيارات، كذلك لا يتحرر دون فهم تلك القوانين، وأن وعي الطبقة العاملة بطبيعة استغلالها هو الشرط الأول لتغيير عالم قائم على استغلال الإنسان لأخيه.
الحرب تدور، والاتفاقات تُبرم، والنخب تتنازع على الغنائم، بينما تظل الشعوب ترزح تحت وطأة الصراعات التي لا مصلحة لها فيها؛ كالغابة التي تحترق، والحيوانات تتقاتل على جذع شجرة، بينما النيران تلتهم كل شيء. والماركسية، كما علمنا إنجلز، ليست مجرد نظرية لفهم العالم، بل سلاح لتغييره، من خلال وعي الشعوب بجوهر استغلالها، وقدرتها على كسر سلاسل التبعية بوعي طبقي.
#مراد_مسعف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ضد دوهرنغ: أو حين تصطدم المادية الجدلية بفلسفة الواقع والاقت
...
-
حول استشهاد المناضل عبد الله موناصير
-
هيراقليط و بارمنيدس هذان اللذان تكلما .. عبارة لنيتشه
-
انفعالات عاطفية
-
سارتر بين الانطولوجيا و النزعة الوجودية
المزيد.....
-
قطر.. الشيخ جوعان بن حمد ينشر صورا أرشيفية مع الأمير الوالد
...
-
إعلام إيراني يؤكد وقوع ضربات جوية في وسط وشمال البلاد صباح ا
...
-
إيران تبين ما استهدفته في الأردن بـ-عمليات الصاعقة 9-.. والج
...
-
خيارات بسيطة على مائدة الفطور تدعم الصحة وتقلل خطر الأمراض
-
بالفيديو.. ضربات أمريكية على جزيرة طنب الكبرى
-
طبيب يحذر من نقص فيتامين D ويكشف الفئات الأكثر عرضة له
-
النشاط الثقافي ودوره في تباطؤ الشيخوخة
-
شارون.. قمر بلوتو الأكبر يكشف عن ماض مثير منذ فجر المجموعة ا
...
-
نصف النواب الأمريكيين عن الحزب الديمقراطي يؤيدون وقف المساعد
...
-
ترامب يحاول السيطرة على الانتخابات أمام أعيننا
المزيد.....
-
اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات
/ رشيد غويلب
-
قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند
/ زهير الخويلدي
-
مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م
...
/ دلير زنكنة
-
عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب
...
/ اسحق قومي
-
الديمقراطية الغربية من الداخل
/ دلير زنكنة
-
يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال
...
/ رشيد غويلب
-
من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية
/ دلير زنكنة
-
تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت
...
/ دلير زنكنة
-
تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت
...
/ دلير زنكنة
-
عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها
...
/ الحزب الشيوعي اليوناني
المزيد.....
|