أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري يوسف - رؤية تحليليّة لكتاب: -باقون... ولو على الخريطة فقط!- للكاتب السُّوري جميل دياربكرلي















المزيد.....


رؤية تحليليّة لكتاب: -باقون... ولو على الخريطة فقط!- للكاتب السُّوري جميل دياربكرلي


صبري يوسف

الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 04:49
المحور: الادب والفن
    


رؤية تحليليّة لكتاب: "باقون... ولو على الخريطة فقط!"
للكاتب السُّوري جميل دياربكرلي

صدر للكاتب السُّوري جميل دياربكرلي كتاب بعنوان: "باقون... ولو على الخريطة فقط!"، عن دار نشر أوميدويو للنشر – السُّويد، حول الوجودِ المسيحي في بلدان المشرق العربي، وآفاقِ بقائِهِ ومشاركتِهِ الوطنيّة وتعرُّضِهِ للاستبداد والتَّطرُّفِ الدِّيني في بعضِ المواقفِ.
يتضمّن الكتاب ثمانية عشر فصلاً ومقدّمة موسّعة، وخاتمة يتبعُها ملحقٌ بالقانونِ وفضاءٍ دستوري. وتتمحورُ أفكارُ الكتابِ حولَ تراجعِ الوجودِ المسيحي المشرقي، وتحليلِ أسبابِ هذا التَّراجع وكيفيّةِ ترسيخِ وجودِهِ وبقائِهِ واستعادةِ مكانتِهِ ودورِهِ في الشَّرقِ. ويؤكّدُ الكاتبُ عبرَ مقدِّمةِ الكِتابِ أنَّ المسيحيَّةَ المشرقيّةَ ليسَتْ مجرَّدَ طائفةٍ دينيّةٍ، وإنّما هي جزءٌ أساسيُّ في إدارة وقيادةِ الشَّرقِ، فهي راسخةٌ في هويّتها وتاريخِها العريقِ والحضاري منذُ آلافِ السّنينَ، ولا يجوزُ النَّظرُ إليها كطوائفَ مسيحيّةٍ، بل يجبُ النَّظرُ إلى المسيحي كمواطنٍ أصيلٍ وصاحبِ الأرضِ ولَهُ منجزاتٌ في العمقِ التَّاريخي والحضاري على مدى قرونٍ من الزَّمانِ.
يتطرَّقُ الكاتبُ في مدخلِ الكتابِ إلى تحليلٍ دقيقٍ للهويّةِ المسيحيّةِ في سماءِ الشّرقِ، مُنطلقاً مِنْ أنَّ المسيحيِّينَ جزءٌ أصيلٌ مِنَ الوجودِ المشرقي وليسوا مجموعةً عابرةً، فالوجودُ المسيحيُّ هو جوهريٌّ وأساسيٌّ في الشَّرقِ، وتفاعلَ وتضامنَ معَ المشرقيِّينَ بكلِّ تنوُّعاتِهم، وإثنياتِهم وقوميّاتهم، ويعرضُ التَّحدّياتِ السّائدةَ في الشّرقِ في هذهِ المرحلةِ بدءاً مِنْ ظاهرةِ الهجرةِ والحروبِ والإقصاءِ السّياسيِّ، والتَّسلُّطِ ، فأصبحَ الواقعُ المسيحيُّ في واقعٍ مُتراجعٍ ومُهدَّدٍ في بعضِ الوجوهِ. ويرى الكاتبُ أنَّ واقعَ المسيحيَّينَ في الشَّرقِ في وضعٍ يُرثى لهُ، فقد انتقلوا مِنْ شراكتِهم في بناءِ الوطنِ إلى صراعِهم ونضالِهم من أجلِ الاستمرارِ في الحياةِ، ويشيرُ إلى التَّنوُّعِ القوميِّ والكنسيِّ ودورِهِ في بناءِ الدُّولِ الَّتي عاشوا فيها على مدى أحقابٍ طويلةٍ، ويرى هذا الدَّورَ قد تراجعَ كثيراً عمّا كانَ عليهِ في أوجِ عطائِهم، أمامَ الضّغوطاتِ السِّياسيّةِ والصِّراعاتِ الَّتي تجري في دولِ الشَّرقِ، إضافةً للحربِ السُّوريّةِ المريرةِ الَّتي تفاقمَتْ إلى حدٍّ لا يُطاقُ، فلم يجدوا أمامَهم سوى الهجرة والنُّزوح بحثاً عَنِ الأمانِ والعيشِ الكريمِ، وقد تغيَّرَ وضعُهم في العراقِ مِنْ كونِهم مهدَ الحضارةِ والعطاءاتِ إلى حالةِ تشتُّتٍ وتراجعٍ وخذلانٍ بسببِ القمعِ والاستبدادِ والحروبِ الَّتي وقعَتْ، فقد اجتاحَ تنظيمُ داعش الموصلَ وسهل نينوى، فلم يجدِ المسيحيّونَ أمامَهم سوى الفرارِ والنُّزوحِ نحوَ بلادِ اللهِ الواسعةِ، بعدَ أنْ رفعوا عالياً رايةَ الأدبِ والثَّقافةِ وإدارةِ البلادِ والتَّعليمِ والطُّبِّ في عصورِهم الذَّهبيَّةِ خلالَ وجودِهم في أرضِ الحضاراتِ. ويتوقّفُ الكاتبُ مَليّاً عندَ أوضاعِ مسيحيي لبنان، فيراهم قد توزَّعوا بينَ وريثٍ رياديٍّ وانقساماتٍ سياسيَّةٍ تارةً، وطائفيّةٍ تارةً أخرى، ويحلِّلُ خصوصيَّةَ الوضعِ والحالةً اللّبنانيّةَ فقدْ أسَّسَ مسيحيُّو هذا الكيانِ، وكانَ لهم دورٌ في الحياةِ السِّياسيّة والفكريّةِ والثقافيّةِ على مدى وجودِهم على أرضِ بلادِهم، وينتقدُ الكاتبُ الصِّراعاتِ الطَّائفيَّةَ الَّتي مرَّ لبنانُ فيها، والانقسامَ المسيحيَّ الَّذي قادَهم إلى سياساتٍ مختلفةٍ ومتصارعةٍ مِنْ بعضِ الوجوهِ، ويرى أنَّ الطَّائفيّةَ السِّياسيَّةَ لم تؤمِّنْ لهم حقوقَهم الوطنيّةَ وشراكتَهم بطريقةٍ مستقرّةٍ، بل جعلتْهم في وضعٍ غيرِ مستقرِّ لعدَّةِ أسبابٍ، لأنَّها تركَّزَتْ على توازناتٍ غيرِ ثابتةٍ وأصبحَتْ على آفاقِ توجُّهاتٍ هشّةٍ للغايةِ.
يتوغَّل الكاتبُ في بلدانِ الشَّرقِ واحداً واحداً ويرى استقراراً نسبيّاً في الأردن للوجودِ المسيحي، ومشاركتِهِ وتعايشِهِ مَعَ المجتمعِ الأردني، وأيضاً هناكَ نزوعٌ لدى جيلِ الشَّبابِ إلى الهجرةِ لأنَّهم يرونَ مستقبلَهم في بلدانِ المهجرِ ويشعرونَ أنَّ حضورَهم المسيحي هو غالباً ما هو رمزيٌّ مقارنةً بغيرِهم مِنَ الأديانِ فيندفعونَ نحوَ البحارِ البعيدةِ. وهذا ينسحبُ على واقعٍ مسيحي فلسطين أيضاً، مَعَ أنَّه يرى أنَّهم أبناءُ البلدِ الأصليونَ لكن مَعَ هذا يعيشونَ وسطَ ضغوطاتٍ وصراعاتٍ والكثيرِ مِنَ الانقساماتِ في الجوانبِ السِّياسيَّةِ والتَّطرُّفِ الدِّيني مِمَّا يدفعُهم إلى الهجرةِ شأنَهُم شأنُ الكثيرِينَ في بلدانِ الشَّرقِ، ويتطرَّقُ إلى مسيحيي إسرائيل بأنّهم رغمَ توفُّرِ الحرِّيّة الدِّينيّة لكنّهم أقل تمثيلاً في الجانبِ السَّياسي، وفي تقريرِ مصيرِهم، ويرى حضوراً هامشيّاً في تركيَّا وتراجعاً كبيراً في الوجودِ المسيحي خاصّةً الآشوريين والسِّريان والكلدان، ولا تمنحُهم الدَّولةُ التُّركيّةُ الحقوقَ الممنوحةَ للأقلِّياتِ والأقوامِ الأخرى، أليسَتِ الدَّولةُ العثمانيَّةُ مَنْ قامَتْ بمجازرِ السَّيفو فكيفَ سيمنحونَهم الحرِّيَّاتِ الكاملةَ مثلَ بقيَّةِ الأقوامِ المُنتشرةِ في تركيا. ويتطرَّقُ إلى الوجودِ والحضورِ الأرمني والآشوري وغيرِهم من المسيحيين في إيران، ويشيرُ إلى أنَّ تمثيلَهم في الدَّولةِ ضعيفٌ وعليهم ضغوطٌ وقيودٌ سياسيّةٌ ولهذا فهم أيضاً في حالةِ نزوحٍ وهجرةٍ إلى الغربِ، ويذهبُ في العمقِ المصري ويرى أنَّ الوجودَ المسيحي في مصر له عمقٌ تاريخيٌّ ويمرُّ بينَ الحينِ والآخرِ في حالةِ توتُّرٍ وتجاذبٍ فيما يتعلَّقُ بالحقوقِ والواجباتِ ويستعرضُ المتغيِّراتِ السّياسيّةَ وتصاعُدَ الخطابِ الدّيني المتطرّفِ، مطالباً المشاركةَ السِّياسيّةَ وتحقيقَ المساواةِ بينَ المواطنينَ بمختلفِ أديانِهم وأجناسِهم وطوائفِهم، ولا يفوتُهُ التَّطرُّقُ إلى مسيحيي دولِ الخليجِ، فيرى فيها مستقبلاً واعداً، وهذهِ البلدانُ لها أيضاً جذورٌ مسيحيّةٌ تاريخيّةٌ، ويقيمُ فيها في الوقتِ الرَّاهنِ نسبةٌ جيدةٌ مِنَ المسيحيّينَ الوافدينَ إليها كخبراءَ ورجالاتِ أعمالٍ في شتَّى التَّخصُّصاتِ والأعمالِ، حيثُ الفرصُ مُتاحةٌ للعملِ ضمنَ التَّحوُّلاتِ الاجتماعيّة والتَّوجُّهاتِ الاقتصاديّةِ، ولكلِّ دولةٍ قوانينُها الخاصّةُ بها لكنّها تتيحُ للوافدينَ المسيحيِّينَ وغيرِ المسيحيِّينَ القيامَ بأعمالٍ ومشاريعَ فيها.
وينتقلُ الكاتبُ إلى واقعِ المسيحيِّينَ المشرقيّينَ في دولِ الاغترابِ، ويحلُّلُ تحدّياتِ الواقعِ الجديدِ والمجالاتِ المُتاحةِ لهم في بناءِ ذواتِهم والحفاظِ على هويَّتِهم، ويركّزُ على خطرِ الذَّوبانِ في المجتمعاتِ الجديدةِ، لما لها مِنْ إمكانيّةِ ذوبانِ الأجيالِ الجديدةِ فيها مِن عدّةِ جوانبَ.
ويستخلصُ الكاتبُ تساؤلاتٍ عديدةً فيطرحُ: هل المسيحيونَ في دُنيا الشَّرقِ العربي هم جماعةٌ دينيّةٌ، أم أنّهم يمتلكونَ هويَّاتٍ قوميَّةً وهم مِن أصلِ البلادِ، ولهم جذورٌ تاريخيّةٌ أصيلةٌ وعميقةٌ في هذهِ البلدانِ، مؤكّداً على أنّهم لا ينزعونَ إلى الانفصالِ عَنِ الدُّولِ الشَّرقيّةِ، بلْ يسعونَ إلى الحفاظِ على لغتِهم وتراثِهم وتاريخِهم ويعملونَ جنباً إلى جنبٍ مَعَ بقيَّةِ المواطنينَ في هذهِ البلدانِ، فهم يطالبونَ بالمساواةِ في المواطنةِ شأنُهم شأنُ جميعِ المواطنينَ العربِ وغيرِ العربِ، وذلكَ بالاعترافِ بالتَّنوُّعِ والحياةِ المشتركةِ بينَ الجميعِ. لهذا يدعو الكاتبُ إلى إصلاحِ الأطرِ القانونيّةِ وتفعيلِ نصوصِ المساواةِ وتحييدِ الدِّين عَنِ المناحي السِّياسيّةِ والقانونيّةِ، بحيثُ يتمُّ التَّعاملُ مَعَ الجميعِ تحتَ سقفِ المُواطنةِ مِنْ دونِ إقصاءِ هذا أو ذاكَ.
ولا يتوانى الكاتبُ عنِ انتقادِ المؤسَّساتِ والقياداتِ الكنسيّةِ عندما لا تسعى إلى تحقيقِ دورِها وتبتعدُ عَنْ قضايا المجتمعِ ولا تواجهُ الأخطاءَ السَّائدةَ في السًّلطة، ويطالبُ إدارةَ الكنائسِ ومؤسَّساتِها باستعادةِ دورِها الوطنيِّ والأخلاقيِّ للدفاعِ عَنِ الإنسانِ، لا أنْ تكونَ مجرّدَ مؤسّسةٍ تحمي حقوقَ ومصالحَ الطَّائفةِ فقط، مؤكِّداً على أنْ تقومَ بدورِها في مقاومةِ التَّسلُّطِ والاستبدادِ على كافَّةِ الأصعدةِ جنباً إلى جنبٍ مَعَ مؤسَّساتِ الدَّولةِ. ويقدّمُ المؤلِّفُ مقارنةً في نسبةِ المسيحيِّينَ سابقاً وما هم عليهِ الآنَ، حيثُ تراجعَ الوجودُ الدِّيموغرافيُّ في أغلبِ البلدانِ المشرقيَّةِ بسببِ عواملِ الهجرةِ وتفاقمِ الحروبِ والتَّمييزِ وعدمِ توفُّرِ ظروفِ الأمانِ في بلدانِهم، ولا يرى أنَّ القضيَّةَ مرتبطةٌ بالعددِ بقدرِ ما هي مرتبطةٌ بما يقدّمُهُ المواطنُ مِنْ رؤيةٍ ثقافيَّةٍ حضاريّةٍ فيمكنُ أنْ يكونَ هناكَ نسبةٌ قليلةٌ جدَّاً مِنَ المسيحيِّينَ أو من أيَّةِ أقوامٍ أخرى، ويقدِّمُونَ أرقى ما لديهم في المجتمعِ الَّذي هم فيهِ، ويغوصُ الكاتبُ عميقاً في الواقعِ المسيحي مُتسائلاً لِمَ لا يقومُ المسيحيُّون بمشاريعَ سياسيَّةٍ وطنيةٍ جنباً إلى جنبٍ مَعَ بقيَّةِ مواطني بلدانِهم؟ لا أنْ يبقوا مُنعزلينَ ويجبُ الانخراطُ في أحزابٍ سياسيّةٍ وطنيَّةٍ والمشاركةُ في بناءِ دولةِ المواطنةِ، ويتجاوزُوا الانقساماتِ والخوفِ مِمَّا هو سائدٌ في البلادِ.
لهذا يرى الكاتبُ من هذا المنظورِ أنَّ الوجودَ المسيحي لا ينبغي أنْ يُقاسَ بعددِ المسيحيِّينَ الموجودينَ في بلدٍ معيّنٍ ضمنَ جغرافيَّةٍ معيّنةٍ، لأنَّهُ يجدُ في الجالياتِ المهاجرةِ في دولِ الغربِ أنّهم يحافظونَ على لغتِهم وثقافتِهم وتراثِهم وانتمائِهم وكلُّ هذهِ العناصرِ تساهمُ في تعاضدِ الانتماءِ وهي قادرة على أن تُبقي الشَّرقَ حاضراً في نفوسِ أبنائِهِ وهم بعيدونَ عنهُ، ولهذا أطلقَ الكاتبُ على كتابِهِ عنوان: "باقون... ولو على الخريطةِ فقط"، وهذا دليلٌ قاطعٌ على التَّمسُّكِ بالهويّةِ والوجودِ حتَّى ولو كانَ المسيحيُّ خارجَ الوطنِ، فكيفَ لو كانَ داخلَ الوطنِ. وتمحور كتاب جميل ديار بكرلي على عدّةِ محاورَ وأفكارٍ متماسكةٍ معَ بعضِها بعضاً منها:
المسيحيُّون المشرقيون جزءٌ أصيلٌ مِنَ الشَّرقِ وحضارتِهِ وتاريخِهِ، وقد تراجعَ وجودُهم وحضورُهم الفاعلُ لعدّةِ أسبابٍ وعواملَ سياسيّة وأمنيّة وديموغرافيّة تراكمَتْ عاماً بعدَ عامٍ، ولا تتحقَّقُ استمراريّةُ بقائِهم عبرَ الخوفِ أو الانعزالِ والتّقوقعِ، بل مِنْ خلالِ الشَّراكةِ والمواطنةِ والوعي العميقِ بهويّتِهم والاشتغالِ على صعيدِ العملِ السِّياسيِّ والحقوقيِّ الفاعلِ، وهذا ما فنّدَهُ بعمقٍ وبيّنَ كيفَ تراجعَ الحضورُ المسيحيُّ في دولِ المشرقِ.
ومن هذا المنطلقِ فإنَّ كتابَ: "باقون... ولو على الخريطة فقط!"، ليسَ عرضاً لواقعِ أوضاعِ المسيحيِّينَ في المشرقِ، بل هو كتابٌ يركِّزُ على رؤيةٍ فكريّةٍ حقوقيّةٍ موضوعيّةٍ، مُنطلقاً مِن موقفٍ رصينٍ وتحليلٍ متينٍ، حيثُ يعتبرُ الوجودَ المسيحيَّ عنصراً مساهماً في العيشِ المشتركِ، وشريكٌ أساسيٌّ في الهويّةِ والتّاريخِ.
ويستخلصُ دياربكرلي أنَّ مشكلةَ المسيحيِّينَ لا تكمنُ في تناقصِ أو قلّةِ عددِهم، بل تنحصرُ في تراجعِ شروطِ وجودِهم كمواطنينَ مُتساوينَ معَ غيرِهم مِنَ المواطنينَ غيرِ المسيحيِّينِ، لهذا يطالبُ الكاتبُ بتحقيقِ العدالةِ والمساواةِ بينَ المواطنينَ عبرَ دستورٍ يضمنُ حقوقَهم في المواطنةِ مِنْ جميعِ النَّواحي. ولا يعتبرُ المؤلّفُ سببَ تراجعِ وجودِهم ناجمٌ عَنِ الهجرةِ بل لأسبابٍ عديدةٍ أخرى منها تزايدُ الحروبِ والصِّراعاتِ والعنفِ، وصعودُ حالاتِ التَّطرُّفِ الدِّينيِّ، وتزايدُ الاستبدادِ ونقصُ التَّمثيلِ السِّياسيِّ وعدمُ توفُّرِ شروطِ المواطنةِ ووجِودُ التَّمييزِ في القوانينِ والمؤسّساتِ، وأيضاً ازدادَتْ حالاتُ الانقسامِ في المجتمعاتِ المسيحيّةِ نفسِها، إضافةً إلى كلِّ هذهِ الأسبابِ تزايُدُ الهجرةِ إلى الغربِ وفقدانُ الأجيالِ المهاجرة أوطانَهم الأصليّة.
يتبيّنُ مِنْ خلالِ ما جاءَ في متونِ الكتابِ أنَّ المؤلِّفَ لديهِ باعٌ عميقٌ وكبيرٌ في العملِ الحقوقي المتعلّقِ بالمسيحيِّينَ المشرقيِّينَ، لهذا فقد تبوّأَ رئاسةَ المرصد الآشوري لحقوقِ الإنسانِ بغضِّ النَّظرِ عن كونه آشوريَّاً كان أو سريانيَّاً أراميّاً كلدانيّاً أو أرمنيَّاً، وهو بنفس الوقتِ مدافعٌ عن حقوقِ الإنسانِ في الشّرقِ وفي أيّةِ رقعةٍ جغرافيّةٍ، فهو لا يميِّزُ ولا يفضِّلُ قوماً على آخرين، بل يركّزُ جلَّ تفكيرِهِ على إحقاقِ حقوقِ المواطنِ كائناً مَنْ كانَ. وقد شملَ الكتابُ مساحةً جغرافيَّةً كبيرةً، انطلقَ من سوريا والعراق ولبنان والأردن ومصر وفلسطين وإسرائيل والخليج وتركيا وإيران ودولِ الاغترابِ. ووضعَ الكاتبُ يدَهُ على الجرحِ عبرَ فضاءِ التَّمييزِ بينَ النَّصِّ القانونيِّ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ، فلا يرى المساواةَ في التَّطبيقِ الواقعي، فهي ناقصةٌ عندما يتعلَّقُ الأمرُ بالمسيحيِّينَ المشرقيِّينَ، ويرفضُ رفضاً قاطعاً حصْرَ المسيحيّينَ في خانةِ الأقلِّيةِ الَّتي تحتاجُ إلى حمايةٍ، مُركِّزاً على أنَّ المسيحيَّينَ مواطنونَ أصليونَ ولهم الحقوقُ كاملةٌ بغضِّ النَّظرِ عن نسبةِ وجودِهم في البلادِ، فيجبُ التَّعاملُ معهم ضمنَ حقوقِ المواطنةِ، بحيثُ يحميهم الدُّستورُ حمايةً كاملةً. ويعودُ مؤكّداً بأنَّ المسؤوليّةَ لا تقعُ على القياداتِ السِّياسيَّةِ والمؤسّساتِ المتطرّفةِ، بلْ تقعُ على المؤسَّساتِ والقياداتِ المسيحيّةِ أيضاً، خاصّةً عندما تصبحُ مؤسّساتٍ شكليَّةً وصامتةً صمْتَ الموتى، ومرتبطةً بالسٌّلطةِ ولا تناقشُ ولا تعارضُ ما يتعرَّضُ لها بنوها مِنْ ظلمٍ وفقدانٍ لحقوقِهم مقارنةً بغيرِهم مِنَ الأقوامِ. ويغوصُ عميقاً في تساؤلاتِهِ، هل تراجُعُ المسيحيُّينَ في دولِ المشرقِ عائدٌ إلى التَّمييزِ أو الاستهدافِ، أم أنّهُ هناك أسبابٌ وعواملُ أخرى أدَّتْ إلى تراجعِهِ وتقهقرِهِ عاماً بعدَ عامٍ، ومن هذهِ الأسبابِ التّحولاتُ الاقتصاديّة والاجتماعيّة الّتي انعكسَتْ على واقعِ المسيحيَّينَ وانخفاضِ مُعدَّلاتِ الإنجابِ، والحروبُ الَّتي انعكسَتْ على الجميعِ بما فيهم المسيحيَّونَ، والهجراتُ المتتاليةُ الّتي ضربَتِ المسيحيَّينَ في الصَّميمِ، ويفنّدُ الكاتبُ وضعَ المسيحيّين في كلِّ دولةٍ مِنَ الدُّولِ الَّتي أشارَ إليها عبرَ كتابِهِ، مؤكّداً أنّهُ مِنَ الخطأ أنْ نعمِّمَ أسبابَ تناقُصِ الوجود المسيحي في بلدانِ الشَّرقِ، لأنَّ لكلّ دولةٍ خصوصيَّتُها ووضعُها المتفرّدُ ممّا يميّزُ حالةَ المسيحيّينَ مِنْ دولةٍ إلى أخرى، ففي لبنان على سبيلِ المثالِ وضْعُ المسيحيِّينَ قائمٌ على المحاصصةِ الطّائفيّةِ، بينما الوضعُ في إيرانَ فإنَّ الاعترافَ بحقوقِهم محدودٌ في دستورِ البلادِ، وفي تركيا المشكلةُ عميقةٌ فيما يتعلَّقُ بالاعترافِ بحقوقِ الأقلّياتِ وخاصّةً المسيحيّينَ، فهم أي الأتراك العثمانيون مَن قاموا بمجازرِ السَّيفو بحقِّ المسيحيَّينَ الآشوريِّينَ والسِّريان والكلدان والأرمن واليونانيين، والواقعُ في الخليجِ العربيِّ مختلفٌ تماماً حيثُ الوجودُ المسيحي أغلبُهُ مِنَ المسيحيِّينَ الوافدينَ كخبراءَ ورجالِ أعمالٍ في مجالاتٍ متعدِّدةٍ، لهذا وضْعهم مختلفٌ عن باقي مسيحييِّ المشرقِ، وكيفما كانَتْ نسبةُ المسيحيِّينَ في بلدانِ الشَّرقِ، فإنَّ أهمّيةَ وجودِ المسيحيّينَ تكمنُ في القيمةِ الثّقافيّة والتَّاريخيّةِ والسّياسيّةِ، ولا يغفلُ الكاتبُ أنّ الهويّةَ المسيحيّةَ ليسَتْ واحدةً فهو يتحدّثُ عَنِ المسيحيِّينَ المشرقيِّينَ وهذا مقبولٌ مِنَ الجانبِ الحضاريِّ والثَّقافيِّ ولكن بنفسِ الوقتِ يرى أنَّ هناكَ المسيحيّينَ الآشوريّينَ والسِّريانَ والكلدانَ والأرمنَ والموارنة والرّوم الكاثوليك والأقباط وغيرهم، ويتخلّل فيما بينَ هذهِ الأجناسِ، كما يرى الكاتب، اختلافاتٍ في اللّغةِ والقوميّةِ والبُعدِ التَّاريخيِّ والمواقف السِّياسيّةِ المُتنوّعةِ، ويركّزُ الكاتبُ على تجاوزِ هذهِ الانقساماتِ، مركّزاً على وحدةِ المصيرِ والأهدافِ المشتركةِ وهذا المَنحى عميقٌ جدّاً ويصبُّ في الدّفاعِ عَنِ المسيحيِّينَ مِنْ جهةٍ والدِّفاعِ عَنِ المواطنةِ لكلِّ مشرقيٍّ حتَّى وإنْ كانَ مِنْ غيرِ المسيحيّينَ، ومِنْ هذا المنظورِ نراهُ يركّزُ على أنَّ الوحدةَ المسيحيَّةَ المشرقيّةَ حقيقةٌ اجتماعيّةٌ وثقافيّةٌ متعانقةٌ ومتآلفةٌ لتحقيقِ مبتغاها وتوجُّهاتِها وأهدافِها في المشرقِ جنباً إلى جنبٍ معَ تحقيقِ أهدافِ وتطلُّعاتِ كلِّ المشرقيّينَ مِنْ سائرِ الأديانِ والقوميّاتِ والإثنياتِ، ولا يميلُ المؤلّفُ إلى فكرةِ المُحاصصةِ الطّائفيّةِ، بلْ ينتقدُ الأنظمةَ الَّتي تجعلُ المسيحيِّينَ بحاجةٍ للدفاعِ عنهم أو حمايتِهم لأنّهُ يطالبُ بأنْ يتساوى جميعُ المواطنينَ أمامَ القانونِ والدّستورِ وتُعطى للجميعِ الحقوقُ بالتَّساوي، ولا يدعو الكاتبُ نهائيّاً إلى إنتاجِ مشروعٍ سياسيٍّ مسيحيٍّ مُنغلقٍ على ذاتِهِ وانعزاليٍّ، بل يرّكزُ على إعدادِ مشروعٍ وطنيٍّ يتضمَّنُ بُعداً حضاريَّاً منبثقاً مِنَ المشاركةِ الوطنيّةِ.
يحملُ كتابُ "باقون ... ولو على الخريطة فقط" للكاتب جميل دياربكرلي بُعداً عميقاً في تأسيسِ دولةِ المواطنةِ بكلِّ ما تعني كلمةُ دولةٍ مِنْ آفاقٍ حضاريّةٍ وديمقراطيّةٍ وإنسانيّةٍ، فهو يتضمّنُ نظرةً تحليليّةً عميقةً في حلِّ المشاكلِ العالقةِ بما يتعلَّقُ بالأديانِ والقوميَّاتِ والإثنياتِ لأنَّهُ ينطلقُ مِنْ أهمِّيَّةِ الإنسانِ الفردِ المواطنِ بعيداً عن توجّهاتٍ دينيّةٍ وقوميّةٍ متعصّبةٍ، بلْ نراهُ يشدّدُ على بناءِ الدَّولةِ بناءً ديمقراطيَّاً تنويريّاً بحيثُ يشعرُ جميعُ المواطنينَ أنّهم سواسيةٌ أمامَ القانونِ والدُّستورِ ويحصلُ كلُّ ذي حقٍّ حقَّهُ، مِنْ دونِ أيِّ إكراهٍ وتسلّطٍ وإقصاءٍ، وهذا ما يجبُ الاشتغالُ عليهِ في دُنيا الشَّرقِ تحقيقاً للعدالةِ الاجتماعيّةِ في أوسعِ مضامينِها، وبهذهِ الحالةِ تنتفي مقولةُ الأغلبيةِ والأقلِّيةِ والمكوّناتِ والأفكارِ الّتي توحي أو تدعو إلى الانقساماتِ والتّصارعاتِ كما نرى ما يحصلُ الآنَ في الكثيرِ مِنْ بلدانِ الشَّرقِ، فنرى الصِّراعاتِ في المذاهبِ والقوميّاتِ والطّوائفِ، ولهذا بحسبِ ما يطرحُ الكاتبُ مِنْ رؤيةٍ عميقةٍ في كلِّ ما ذهبَ إليهِ فهو يريدُ تحقيقَ إنسانيّةِ الإنسانِ ضمنَ دساتيرَ تضمنُ الدُّولُ حقوقَ مواطنيها على أكملِ وجهٍ، بعيداً عَنْ أيِّ صراعٍ أو احترابٍ. ولا يمكنُ أنْ تتحقّقَ هذهِ التّطلُّعاتُ والأهدافُ ما لم يتمْ فصلُ الدِّينِ عَنِ الدَّولةِ وتأسيسُ دُولٍ علمانيّةٍ، تعطي لكلِّ مواطنٍ حقَّهُ في العيشِ الكريمِ بغضِّ النّظرِ عَنْ دينِهِ ومذهبِهِ وطائفتِهِ، عندها سيصلُ الجميعُ إلى أهدافِهم المنشودةِ!

*. جميل دياربكرلي:
كاتب سوري مقيم في السُّويد، المدير التَّنفيذي للمرصد الآشوري لحقوق الإنسان

ستوكهولم: آب 2026
أديب وتشكيلي سوري مقيم في ستوكهولم



#صبري_يوسف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إصدار العدد الثَّالث عشر من مجلّة السَّلام الدَّوليّة
- مقدِّمة العدد الثاّلث عشر لمجلّة السَّلام الدَّوليّة
- المخرج السينمائي السُّويدي كميل عيسى يخوضُ تجربة سينمائية جد ...
- إصدار العدد الثَّاني عشر من مجلّة السَّلام الدَّوليّة
- إصدار العدد العاشر من مجلّة السَّلام الدَّوليّة بعددها الموس ...
- المجموعة القصصيّة الأولى: -من عبق الماضي- للقاص السُّوري جور ...
- وفاة الشَّاعر والرِّوائي السُّوري الكردي الصَّديق محمّد عفيف ...
- إقامة المعرض الفوتوغراقي العربي الأوَّل في أوروبا بعنوان: -ا ...
- جموحاتٌ في آفاقِ الحنينِ، إهداء إلى الصَّديق نعيم إيليّا
- تنبعث من دنياكِ الابتهالات الجامحة نحو غمائم الرُّوح
- إصدار العدد التّاسع من مجلّة السَّلام الدَّوليّة
- نوال السَّعداوي فكرٌ مستنير كضياءِ الصَّباحِ
- إصدار ديوان -باب موارب للصدى- للشاعرة السُّوريّة الكرديّة مي ...
- حوار رونيدا أحمد مع الأديب والتَّشكيلي السُّوري صبري يوسف
- حوار صبري يوسف مع الكاتبة والرّوائيّة السُّوريّة سهام يوسف ح ...
- مقارنة تحليليّة في قصيدتي الشّاعرين محمود درويش والقس جوزيف ...
- إصدار العدد السَّابع من مجلّة السَّلام الدَّوليّة [1] 2019
- إصدار العدد السَّابع من مجلّة السَّلام الدَّوليّة [2] 2019
- الشّاعر المبدع والقس الفاضل جوزيف إيليّا
- 5. أنشودة الحياة، [الجزء الأوَّل] نص مفتوح


المزيد.....




- 200 فنان عالمي يطالبون مهرجان فينيسيا بوقفات جادة دعما لفلسط ...
- نجم أمريكي يتعرض لموقف محرج على المسرح (فيديو)
- فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة
- مركز دراسة الرأي العام يؤكد النزعة نحو ارتفاع عدد الراغبين ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة فرعونية في البوباسطيون
- تشاركها المخرجة اللبنانية مونيا عقل.. بطلة -تايتانيك- تعود ل ...
- أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب ...
- مروان خوري يصل إلى دمشق استعدادا لحفله في معرض دمشق الدولي ( ...
- التعليم العالي: اليوم .. بدء تسجيل اختبارات القدرات المؤهلة ...
- معتصم النهار يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى في -موريكس دور- ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري يوسف - رؤية تحليليّة لكتاب: -باقون... ولو على الخريطة فقط!- للكاتب السُّوري جميل دياربكرلي