أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم عبد القيوم عباس - المؤتمر التداولي للحزب الشيوعي السوداني في أغسطس 1970م حدث غطّت عليه مايو ويوليو ومنعطف في تطور الفكر السياسي للحزب















المزيد.....



المؤتمر التداولي للحزب الشيوعي السوداني في أغسطس 1970م حدث غطّت عليه مايو ويوليو ومنعطف في تطور الفكر السياسي للحزب


اكرم عبد القيوم عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 16:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


جاء المؤتمر التداولي للحزب الشيوعي السوداني في أغسطس 1970 في واحدة من أكثر مراحل تاريخ الحزب كثافةً وتعقيداً. فقد انعقد بعد أكثر من عام بقليل من انقلاب 25 مايو 1969، وقبل أقل من عام من أحداث 19 يوليو 1971 وما أعقبها من إعدامات وضرب واسع لقيادة الحزب وتنظيمه. وبين هذين الحدثين الكبيرين تراجعت أهمية المؤتمر في كثير من السرديات التاريخية، حتى بدا أحياناً وكأنه مجرد محطة تنظيمية سبقت انقسام الحزب، مع أنه كان في جوهره واحداً من أهم المنعطفات الفكرية والسياسية في تطور الحزب الشيوعي السوداني.
فما جرى في أغسطس 1970 لم يكن مجرد حسم لخلاف داخلي حول الموقف من نظام مايو، وإنما كان نقاشاً أوسع حول طبيعة الثورة نفسها، ودور الجماهير في صنع التغيير، وحدود التحالف مع العسكريين والقوى اليسارية داخل القوات المسلحة، والعلاقة بين التغيير الاجتماعي والديمقراطية، واستقلال الحزب إزاء سلطة ترفع شعارات تتقاطع في جوانب عديدة مع برنامجه السياسي. ولهذا رأى محمد سعيد القدال أن المؤتمر كان من أهم مؤتمرات الحركة الشيوعية السودانية، إن لم يكن أهمها، بالنظر إلى عمق القضايا النظرية والعملية التي طُرحت فيه وأثرها في تطور الحزب لاحقاً (محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 245–246).
وتنبع أهمية إعادة قراءة هذا المؤتمر اليوم من أنه يتيح النظر إلى الحزب الشيوعي السوداني لا من خلال أحداث مايو ويوليو وحدها، بل من خلال عملية تطوره الفكري ومحاولته التعامل مع تعقيدات الواقع السوداني نفسه. ففي هذا المؤتمر أعيد فحص مفاهيم ظلت مركزية في الفكر اليساري، مثل الثورة والقيادة والتحالف والديمقراطية، كما تبلور موقف أكثر تحديداً من دور القوات المسلحة ومن فكرة أن تستطيع نخبة عسكرية تقدمية أن تحل محل الحركة الجماهيرية في صنع التحول السياسي. ومن هذه الزاوية تحديداً ينبغي استعادة المؤتمر: لا بوصفه المساحة الواقعة زمنياً بين مايو ويوليو فحسب، وإنما بوصفه حلقة فكرية تساعد على فهم الحدثين نفسيهما، وعلى فهم طبيعة الحزب الشيوعي السوداني في واحدة من أكثر مراحل تاريخه تعقيداً.
الأزمة لم تبدأ في 25 مايو
أولى النقاط التي ينبغي تثبيتها أن المؤتمر التداولي لم يكن رداً مباشراً ومفاجئاً على انقلاب مايو. فقد سبق الانقلاب صراع فكري داخل الحزب امتد لسنوات. وتشير وثائق الحزب إلى أن الخلافات التي ظهرت بحدة بعد مايو تعود في جانب منها إلى مرحلة ما بعد ثورة أكتوبر 1964، عندما توسعت القاعدة الجماهيرية للحزب، ودخل نوابه البرلمان، ووجد نفسه أمام مسؤولية تقديم حلول عملية لقضايا الحكم والتحالفات والتنمية، في الوقت الذي واجه فيه الحظر السياسي ومحاولة إخراجه من الحياة البرلمانية. وتبلور الخلاف تدريجياً حول قضيتين أساسيتين: الموقف من البرجوازية الوطنية، والموقف من التكتيكات والعقلية الانقلابية (الحزب الشيوعي السوداني، انقسام سبتمبر 1970، 1976، ص 2–3).
وقد كشف المؤتمر الرابع للحزب في أكتوبر 1967 بعض هذه التوترات من دون أن يحسمها بصورة نهائية. ففي وثيقته البرنامجية الماركسية وقضايا الثورة السودانية ظهر ميل واضح إلى اعتبار الديمقراطية البرلمانية، رغم حدودها، مجالاً تستطيع القوى الثورية أن تستخدمه لتطوير نشاطها وتنظيم الجماهير، كما ظهر رفض للاتجاهات التي رأت أن النضال الجماهيري قد استنفد أغراضه وأن العمل المسلح أو الانقلابي أصبح البديل الممكن (محمد سيد رصاص، الحزب الشيوعي السوداني 1946–1971، ص 18–19).
وتطور هذا الخلاف خلال عام 1968 وبدايات 1969. ففي يناير 1969 كتب عبد الخالق محجوب محذراً من التعامل مع القوات المسلحة باعتبارها (الأمل الوحيد للإنقاذ)، ومن النظر إليها كجهاز مستقل عن التكوين الطبقي والاجتماعي للمجتمع. ثم جاء الاختبار العملي قبل الانقلاب بأسابيع، عندما عرضت مجموعة من الضباط على الحزب المشاركة في عمل عسكري، فناقش المكتب السياسي الأمر في 9 مايو 1969 ورفض المشاركة فيه (محمد سيد رصاص، الحزب الشيوعي السوداني 1946–1971، ص 19–20؛ محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 212).
إذن، لم يخلق انقلاب مايو السؤال، لكنه وضعه بصورة لا يمكن الهروب منها. فالجيش الذي كان موضوعاً للنقاش النظري أصبح في صباح 25 مايو هو السلطة نفسها.

حين أصبحت كلمة «الثورة» محل خلاف
كانت خصوصية انقلاب مايو أنه لم يأت تحت راية محافظة. حمل الانقلاب خطاباً قومياً وتقدمياً، واتخذ في فترة مبكرة إجراءات التقت مع بعض ما كان الحزب الشيوعي يطالب به، كما دخل عدد من الشيوعيين الحكومة بصفات شخصية، ودخل ضباط ذوو صلة بالحزب في مجلس قيادة الثورة. وبذلك نشأ مأزق غير بسيط: كيف يتعامل حزب ثوري مع سلطة عسكرية تنفذ جزءاً من برنامجه؟ (محمد سيد رصاص، الحزب الشيوعي السوداني 1946–1971، ص 20–21).
هنا انقسمت الإجابات. رأى التيار المناوئ لعبد الخالق داخل الحزب أن ما وقع في 25 مايو ليس مجرد انقلاب عسكري وإنما ثورة، وأن البلاد كانت قد وصلت إلى أزمة ثورية لم تكن هناك قوة منظمة مستعدة لحسمها سوى مجموعة الضباط التي قامت بالانقلاب. واعتبر هذا الاتجاه أن هؤلاء الضباط «ديمقراطيون ثوريون» يمكنهم قيادة المرحلة الوطنية الديمقراطية والتحرك نحو الاشتراكية، وأن المطلوب من الحزب هو التحالف الوثيق معهم، لا التشديد على التمايز بينهم وبين الطبقة العاملة وحزبها (الحزب الشيوعي السوداني، انقسام سبتمبر 1970، 1976، ص 4).
أما الاتجاه الذي قاده عبد الخالق محجوب، والذي حاز الأغلبية في المؤتمر التداولي، فلم ينكر أن مايو غيّر ميزان القوى أو أن السلطة الجديدة يمكن أن تتخذ إجراءات تقدمية. لكنه اعترض على القفزة المنطقية التي تحول نجاح الانقلاب في الاستيلاء على الدولة إلى برهان على وقوع ثورة.
وقد أصبحت هذه المسألة واحدة من أكثر إضافات المؤتمر أهمية. ففي قراراته جرى التمييز بين السخط الشعبي والأزمة الثورية: فالأزمة الثورية ليست مجرد وجود استياء واسع أو سقوط سريع لحكومة، بل حالة تفقد فيها السلطة القديمة قدرتها على مواصلة الحكم، بينما تدخل الجماهير نفسها في حركة واسعة ترفض استمرار النظام. ومن ثم أكد المؤتمر أن نجاح عملية عسكرية في قلب السلطة لا ينهض دليلاً على نضج الأزمة الثورية، وأن العملية العسكرية، في التصور الذي دافع عنه الحزب، ينبغي أن تكون تتويجاً لنهوض ثوري جماهيري لا بديلاً عنه (محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 269–272).
هذه ليست مسألة لغوية حول تسمية مايو انقلاباً أم ثورة. إنها إعادة تحديد لمصدر الفعل الثوري نفسه. فإذا كان وصول مجموعة تحمل برنامجاً تقدمياً إلى جهاز الدولة كافياً لتعريف الثورة، تصبح الجماهير في أفضل الأحوال قوة تُستدعى بعد حسم السلطة. أما إذا كان الفعل الجماهيري جزءاً بنيوياً من مفهوم الثورة، فلا تستطيع نخبة مسلحة ـ مهما كانت نياتها أو برنامجها ـ أن تحل محله.
ولهذا جاءت إحدى أكثر العبارات دلالة في تقرير عبد الخالق أمام المؤتمر حين رفض ما سماه (نظرية القلة التي تقبض على السلطة ثم بعد ذلك ترجع إلى الجماهير)، معتبراً ذلك تصوراً يتناقض مع فهمه للثورة (محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 269–270). هنا يمكن العثور على أحد المفاتيح الرئيسية لفهم المؤتمر: الثورة ليست مجرد استيلاء على الدولة؛ الثورة تغير في قدرة المجتمع نفسه على الفعل.
الجيش: حليف محتمل لا بديلاً عن السياسة
كان موقف المؤتمر من القوات المسلحة أكثر تركيباً مما تختزله العبارة الشائعة «رفض الانقلابات العسكرية». فهو لم ينظر إلى الجيش ككتلة واحدة، ولم يقل إن العسكريين، بحكم مهنتهم، خارج الحركة الوطنية أو غير قادرين على حمل أفكار تقدمية.
في تقرير المؤتمر، ميز عبد الخالق بين مواقع اجتماعية مختلفة داخل القوات المسلحة. فالجيش ليس طبقة اجتماعية مستقلة، وكبار الضباط لا يشغلون الموقع الاجتماعي نفسه الذي يشغله الجنود وصغار الضباط. ويمكن لعناصر وطنية وديمقراطية أن تنمو داخله وأن تصبح حليفاً للحركة الشعبية. لكن امتلاك هذه العناصر للسلاح لا يمنحها، في نظره، حق احتلال المركز القيادي في الثورة. فإذا أصبحت قدرتها على (حسم قضية السلطة بسرعة) هي أساس أفضليتها السياسية، فإن ذلك التصور ينتهي إلى نظرية انقلابية كاملة (محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 269–270).
ولهذا لم تكن الصيغة التي خرج بها المؤتمر هي القطيعة مع العناصر التقدمية في الجيش، بل ربطها بالحركة الشعبية وإشاعة الوعي الديمقراطي داخل القوات المسلحة، بحيث يكون التحالف معها جزءاً من حركة المجتمع لا بديلاً عنها (محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 272–273).
وهذا التفريق مهم للغاية عند مقارنة التجربة السودانية بتجارب أخرى في المنطقة العربية. ففي خمسينيات وستينيات القرن العشرين، أصبح صعود الضباط القوميين والأنظمة التي رفعت شعارات التحرر الوطني والاشتراكية تحدياً مركزياً للأحزاب الشيوعية. ولم تعد العلاقة بين اليسار والجيش علاقة مواجهة بسيطة؛ فالأنظمة العسكرية الجديدة أممت مؤسسات، ونفذت إصلاحات اجتماعية، واصطدمت بالمصالح الغربية، وأقامت علاقات قوية مع الاتحاد السوفيتي. وهكذا أصبحت الحدود بين «النظام التقدمي» و«الحزب الثوري» أكثر التباساً.
التحالف مع العسكر: خصوصية الموقف السوداني في سياق الشيوعية العربية
تكشف المقارنة الإقليمية لماذا كان النقاش السوداني لافتاً. فقد تحولت السياسة السوفيتية بعد وفاة ستالين، وبصورة أوضح بعد صعود جمال عبد الناصر، من الاعتماد شبه الحصري على الأحزاب الشيوعية إلى بناء العلاقات مع حركات قومية وأنظمة عسكرية لم تكن شيوعية، لكنها كانت مناهضة للاستعمار الغربي أو قريبة من موسكو. وأدى هذا التحول في بعض الحالات إلى تشجيع الأحزاب الشيوعية على الدخول في تحالفات غير متكافئة مع الأنظمة القومية الحاكمة، أو حتى التضحية باستقلالها التنظيمي (لورا فيليو، فيران إزكييردو-بريتش وفرانسيسك سيرا، الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: نظرة عامة، ص 18–19).
في مصر، انتهى الأمر بالتنظيمات الشيوعية الرئيسية إلى حل نفسها في الستينيات في سياق التقارب مع النظام الناصري. وفي العراق تقلبت علاقة الحزب الشيوعي بالسلطات بين القمع والتعاون، وصولاً إلى دخوله لاحقاً في الجبهة الوطنية التقدمية مع حزب البعث عام 1973 قبل أن تنقلب العلاقة من جديد إلى القمع. أما في سوريا، فقد ارتبطت الصراعات والانقسامات داخل الحزب، بدرجات مختلفة، بعلاقته بالسلطة وبالاتحاد السوفيتي (لورا فيليو وفيران إزكييردو-بريتش، تحرير، الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط: مئة عام من التاريخ، ص 18–19، 29–31).
والمسألة هنا ليست الادعاء بأن الحزب الشيوعي السوداني كان بمنأى عن النفوذ السوفيتي. فقد كانت له علاقاته بالحركة الشيوعية العالمية، واستفاد من تجربتها وتأثر بمناقشاتها. لكنه احتفظ، مقارنة بكثير من أحزاب المنطقة، بهامش ملحوظ من إنتاج رؤيته انطلاقاً من الواقع السوداني. وتلفت الدراسة المقارنة الحديثة إلى أن التوتر بين واقع المجتمعات المحلية وتوجيهات موسكو أضعف الكثير من الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط، بينما تمثل الحالة السودانية درجة مختلفة من محاولة بناء مسار محلي. ويصف عبد الله علي إبراهيم التجربة السودانية بأنها مثال حي على «توطين الماركسية» داخل التاريخ والأمة والثقافة والطبقة، مع محاولة صعبة للموازنة بين الوطنية والأممية (فيليو، إزكييردو-بريتش وسيرا، الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط، ص 24، 32؛ عبد الله علي إبراهيم، «الحزب الشيوعي السوداني: بلشفوه يا الله!»، ص 184–198).
ومن هذه الزاوية يصبح موقف أغسطس 1970 أكثر دلالة. فقد واجه الحزب إغراءً كان قوياً في اليسار العربي آنذاك: إذا كانت السلطة العسكرية «تقدمية» وتطبق بعض مطالب الثورة، فلماذا لا يصبح الحزب جزءاً من مشروعها السياسي؟ كان الجواب الذي صاغه المؤتمر أكثر تعقيداً من الرفض أو القبول: التحالف ممكن، والتأييد ممكن، لكن الذوبان غير مقبول.
وهذا التمييز يمنح الموقف السوداني فرادته النسبية في السياق الإقليمي. فهو لم يجعل المؤسسة العسكرية، حتى عندما تضم عناصر يسارية أو وطنية، مصدراً مستقلاً للشرعية الثورية؛ كما لم يقبل أن تحل الدولة محل الحزب أو أن يحل الحزب محل المجتمع. وبذلك حافظ على مسافة نقدية بين الاعتراف بإمكان التحالف مع ضباط تقدميين وبين منحهم حق قيادة العملية التاريخية بأكملها. وهي مسافة لم تستطع تجارب عربية شيوعية أخرى المحافظة عليها دائماً، خصوصاً عندما أصبح القرب من النظام القومي الحاكم أو من السياسة السوفيتية معياراً للحكم على «تقدمية» السلطة.
من تأييد السلطة إلى نقدها: محاولة للخروج من الثنائية
لم يقل المؤتمر إن السلطة الجديدة عدو يجب إسقاطه فوراً. بل نصت قراراته على دعمها في مواجهة الرجعية والاستعمار وعلى مساندة إجراءاتها الإيجابية. لكنه أضاف إلى ذلك ضرورة النضال ضد سلبياتها، وتنظيم الجماهير بصورة مستقلة، والعمل من أجل توسيع مشاركتها السياسية (محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 272–274).
وهذا الموقف ـ بصرف النظر عن مدى نجاح الحزب في الالتزام به لاحقاً ـ مهم من ناحية الفكر السياسي، لأنه يحاول كسر الثنائية المبسطة بين «موالاة السلطة» و«معارضتها». فالسلطة يمكن أن تقوم بإجراء يراه الحزب تقدمياً فيدعمه، ثم تتخذ قراراً يقيد المجتمع فيقاومه. ولا تصبح «ثورية» بصورة نهائية لمجرد أن بعض سياساتها تتقاطع مع برنامج الحزب.
وتظهر هذه المسألة بصورة أكثر وضوحاً عندما وصل النقاش إلى مشروع الحزب الواحد. فقد رفض المؤتمر الاتجاه الذي يقبل أن يتحول النظام إلى تنظيم سياسي واحد، ورأى أن قبول الحزب الواحد يعني عملياً حل الحزب الشيوعي وفقدان استقلاله، كما انتقد الاتجاه الذي يرفض حق الحزب والطبقة العاملة في ممارسة نشاطهما المستقل ونقد سلبيات السلطة (محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 273–274).
والجدير بالتوقف عنده أن التقييم لم يساوِ بين الإنجازات الاقتصادية والديمقراطية السياسية. فقد لاحظت مناقشات المؤتمر أن خطوات مهمة اتخذت في الاقتصاد، لكنها أقرت في المقابل بأن البلاد ما زالت في بداية الطريق في مجال ديمقراطية الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية (محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 274).
هنا تحديداً يقترب المؤتمر من إعادة تعريف معنى التقدمية. فالتقدم لم يعد قابلاً للقياس فقط بحجم التأميمات، أو درجة العداء للاستعمار، أو اللغة الاشتراكية للدولة؛ وإنما أيضاً بمقدار استقلال الجماهير وقدرتها على التنظيم والنقد والمشاركة.
الشمولية بوصفها مشكلة داخل المشروع التقدمي نفسه
من الضروري توخي الحذر عند استخدام مفهوم «الشمولية» في قراءة وثائق 1970. فالمؤتمر لم يصغ نظرية مكتملة للشمولية بالمعنى الذي تطور في العلوم السياسية والفلسفة لاحقاً. لكن مضمون بعض أسئلته اقترب بصورة واضحة من المشكلة: ماذا يحدث عندما تحتكر سلطة تصف نفسها بالتقدمية حق التعبير عن المجتمع؟
كان الخطر الذي رآه المؤتمر في الحزب الواحد يتجاوز مصير الحزب الشيوعي كتنظيم. ففقدان التنظيمات الاجتماعية والسياسية لاستقلالها يعني أن السلطة تصبح في الوقت نفسه صاحبة القرار وصاحبة الحق في تفسير «مصلحة الجماهير». وفي هذه الحالة يمكن أن يتحول المجتمع من صانع للعملية السياسية إلى جمهور تتم تعبئته من أعلى. وقد طالب المؤتمر، في المقابل، بتقنين الحرية السياسية للجماهير وحقوق التنظيم والتعبير وشرعية التنظيمات الثورية، وهو ما كان رفضاً واضحاً لفكرة التنظيم الواحد الذي كان نظام مايو يتجه إلى بنائه (محمد سيد رصاص، الحزب الشيوعي السوداني 1946–1971، ص 22–23).
ولهذا يمكن قراءة دفاع المؤتمر عن استقلال التنظيم والنشاط الجماهيري باعتباره خطوة مهمة ـ وإن ظلت داخل الإطار الماركسي اللينيني ـ نحو إدراك أن الغاية التقدمية لا تمنح الوسيلة الاستبدادية شرعية تلقائية. فالسلطة التي تقول إنها تعمل لمصلحة الشعب ليست، لمجرد ذلك، بديلاً عن قدرة الشعب على التنظيم والتعبير والمشاركة.
وهي فكرة لم تكن بديهية في بيئة يسارية عربية كانت فيها مفاهيم الحزب الواحد و«الديمقراطية الثورية» والتطور غير الرأسمالي جزءاً مهماً من قاموس المرحلة. ولهذا اكتسب رفض الحزب السوداني لفكرة الذوبان في تنظيم السلطة وزناً يتجاوز مجرد الدفاع عن بقائه المؤسسي؛ فقد أصبح الدفاع عن الاستقلال التنظيمي متصلاً، ولو بصورة غير مكتملة، بالدفاع عن استقلال المجتمع نفسه.
المؤتمر نفسه: السياسة بوصفها نقاشاً
لا تقل طريقة انعقاد المؤتمر أهمية عن القرارات التي خرج بها. فقد كان مقرراً أن يعقد قبل ذلك بنحو عام، لكن تأخيره أتاح فترة طويلة من المناقشة داخل الحزب؛ وتداول الأعضاء وثائق متعددة تمثل الاتجاهات المتصارعة. وعندما اقترب موعد المؤتمر، لم يكن من الممكن إخفاء عمق الخلاف خلف صياغة توافقية، فطرحت أمام الأعضاء وثائق ومشروعات قرارات ومساهمات متعددة (محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 243–247).
امتدت المناقشات لساعات طويلة، وشارك فيها عدد كبير من أعضاء الكادر، وانتهت إلى تصويت رجح الاتجاه الذي قاده عبد الخالق محجوب. وتشير المصادر إلى أن ورقة عبد الخالق حصلت على 69 صوتاً من أصل 98 مشاركاً في المؤتمر، وهو ما أعطى قرار المؤتمر وزنه التنظيمي والسياسي (محمد سيد رصاص، الحزب الشيوعي السوداني 1946–1971، ص 23؛ الحزب الشيوعي السوداني، التقرير السياسي العام للمؤتمر الخامس، 2009).
وليست هذه التفاصيل إدارية. فوجود خلاف معلن، ووثائق متعارضة، ومداولات طويلة، ثم الاحتكام إلى التصويت يجعل من كلمة «التداولي» أكثر من مجرد اسم للمؤتمر.
وكان للحزب، منذ وقت مبكر، موقف لافت من الصراع الداخلي لخّصته إحدى وثائقه في العبارة: «نعمل ونناقش، ونناقش ونعمل»؛ أي رفض جعل المناقشة ذريعة لتعطيل النشاط، ورفض في الوقت نفسه إسكات الخلاف بحجة أن النقاش يعرقل العمل (الحزب الشيوعي السوداني، انقسام سبتمبر 1970، 1976، ص 2).
ومع ذلك لا ينبغي تجميل التجربة. فقد كانت لغة الصراع قاسية، واستعملت فيها أوصاف مثل «الانتهازية» و«التصفوية»، وانتهت العملية بعد المؤتمر إلى انقسام عميق. وتشير الوثيقة الحزبية الصادرة عام 1976 إلى أن الانقسام كان من أخطر الانقسامات في تاريخ الحزب، وشمل أعضاء من المكتب السياسي واللجنة المركزية وكوادر جماهيرية وتنظيمية عديدة (الحزب الشيوعي السوداني، انقسام سبتمبر 1970، 1976، ص 2، 5). وهنا تظهر مفارقة المؤتمر: كان واحداً من أكثر لحظات الحزب كثافة في النقاش، لكنه انتهى أيضاً إلى واحدة من أشد لحظات انقسامه.
أغسطس 1970 وأفق الماركسية النقدية: من مركزية السلطة إلى فاعلية المجتمع
من أكثر الجوانب التي تمنح المؤتمر قيمة تتجاوز ظرفه السوداني المباشر أنه يمكن وضع بعض أسئلته، بأثر رجعي، في سياق التحولات الكبرى التي أصابت الفكر الماركسي في القرن العشرين. ولا يعني ذلك ادعاء أن الحزب الشيوعي السوداني كان متأثراً بيورغن هابرماس أو بمدرسة فرانكفورت في صياغة موقفه؛ فلا يوجد في المصادر ما يثبت مثل هذا التأثير. المقصود شيء آخر: أن التجربة السياسية السودانية دفعت الحزب، من داخل الماركسية اللينينية نفسها، إلى الاقتراب من أسئلة أصبحت لاحقاً مركزية في النظرية النقدية الحديثة.
ظهرت مدرسة فرانكفورت أساساً كمحاولة لتوسيع النقد الماركسي وإخراجه من بعض الاختزالات الاقتصادية والحتمية. ومع تجارب الفاشية والنازية والستالينية واتساع قدرة الدولة الحديثة والمؤسسات البيروقراطية على التحكم في المجتمع، أصبح السؤال لا يتعلق فقط بمن يملك وسائل الإنتاج، وإنما كذلك بكيفية إنتاج الهيمنة، وبالدور الذي تلعبه الثقافة والعقلانية والتنظيم والسلطة في إخضاع الإنسان.
ويمثل يورغن هابرماس، بوصفه أحد أبرز أعلام الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت، مرحلة مهمة في هذا التطور. وتصفه دراسة جلول مقورة بأنه من أهم ممثلي المدرسة في جيلها الثاني، وتضع مشروعه ضمن نقد الوضعية والتقنية وبعض صور المادية التاريخية، ثم تربط ذلك بمحاولته تأسيس مفهوم للعقلانية التواصلية يتجاوز اختزال العقل في وظيفته الأداتية (جلول مقورة، الفعل التواصلي عند هابرماس: نظرية وتطبيق، ص 355–357).
ما سماه هابرماس لاحقاً بالعقل الأداتي هو العقل الذي يقيس الفعل من خلال كفاءة الوسيلة في تحقيق الغاية. أما العقل التواصلي فيرتبط بالتفاهم بين ذوات فاعلة قادرة على الكلام والاعتراض وإعطاء الأسباب، بحيث لا تكون شرعية الفعل نابعة فقط من نجاحه وإنما كذلك من إمكان تبريره في علاقة تواصلية بين المشاركين (جلول مقورة، الفعل التواصلي عند هابرماس: نظرية وتطبيق، ص 357–358؛ يورغن هابرماس، نظرية الفعل التواصلي، ج1، ص 35).
وإذا استُخدم هذا التمييز كأداة تحليلية ـ لا بوصفه مصدراً تاريخياً للمؤتمر ـ فإن الخلاف الذي وقع داخل الحزب السوداني يبدو أكثر وضوحاً. فقد كان هناك، بصورة ما، خلاف حول العلاقة بين الوسيلة والفاعل. إذا كانت الغاية هي الثورة، وكان الجيش يستطيع الاستيلاء على السلطة في ساعات، فلماذا لا يستخدم باعتباره الوسيلة الأكثر كفاءة؟ هذا هو المنطق الذي كان يدفع باتجاه إعطاء العناصر العسكرية التقدمية موقعاً متقدماً. لكن الاعتراض الذي ظهر في تقرير عبد الخالق كان أن امتلاك السلاح والقدرة على حسم السلطة بسرعة لا يمنحان صاحبهما موقع القيادة الثورية؛ لأن الثورة لا تقاس فقط بالنتيجة التي تحدث في القمة، بل بالعملية الاجتماعية التي تجعل الجماهير نفسها فاعلة (محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 269–270).
بعبارة أخرى، كان هناك رفض ـ وإن لم يستخدم هذه المفردات ـ لاختزال السياسة في الكفاءة الأداتية للاستيلاء على الدولة. وهذه النقطة هي التي تجعل المقارنة مع هابرماس مثمرة. فمشروع هابرماس النقدي نقل جزءاً مهماً من اهتمام النظرية الاجتماعية من سؤال السيطرة على الدولة إلى سؤال شرعية السلطة وتكوين الإرادة السياسية. وفي تصوره اللاحق للديمقراطية التداولية، لا يكفي أن تتخذ الدولة قراراً تزعم أنه يخدم المصلحة العامة، بل ينبغي أن توجد في المجتمع مؤسسات ومجالات للنقاش تسمح للمواطنين بالمشاركة في تكوين تلك الإرادة. وتقوم السياسة التشاورية عند هابرماس على وصل السلطة بالجماعة داخل فضاء عمومي يوفر شروط التعددية والمشاركة والاستقلالية، ويجعل النقاش والحجة عنصرين في إنتاج الشرعية السياسية (بن ناصر حاجة، الديمقراطية من الليبرالية إلى التشاورية عند يورغن هابرماس، ص 3–4؛ يورغن هابرماس، الاندماج الجمهوري، ص 264–265).
ومن هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة موقف مؤتمر 1970 من استقلال الجماهير والتنظيمات السياسية. فرفض الحزب الواحد ليس مهماً فقط لأنه يحافظ على الحزب الشيوعي ككيان تنظيمي. الأهم أنه يحتفظ بوجود مجال مستقل بين المجتمع والدولة؛ مجال تستطيع فيه جماعات وتنظيمات مختلفة أن تعمل وتعارض وتقترح وتنتقد.
وهذا قريب، في مستوى الإشكالية لا في مستوى المرجعية، من مركزية المجال العام عند هابرماس. ففي نموذجه الديمقراطي لا تأتي الشرعية من إدارة عليا تعرف المصلحة الحقيقية للمجتمع ثم تنفذها، وإنما من علاقة أكثر تعقيداً بين المجتمع المدني والرأي العام ومؤسسات الدولة. ولذلك توصف الديمقراطية التداولية بأنها عملية «من أسفل إلى أعلى»: من تشكيلات المجتمع المدني إلى الدولة، ومن السلطة التواصلية إلى السلطة الإدارية (بن ناصر حاجة، الديمقراطية من الليبرالية إلى التشاورية عند يورغن هابرماس، ص 5؛ يورغن هابرماس، الحق والديمقراطية: بين الوقائع والمعايير، ص 321).
ويمكن هنا رؤية التقاء لافت مع رفض مؤتمر أغسطس «نظرية القلة التي تقبض على السلطة ثم بعد ذلك ترجع إلى الجماهير». فالمشكلة في تلك النظرية ليست فقط أنها انقلابية، وإنما أنها تعكس اتجاه العلاقة بين المجتمع والسلطة: تبدأ من الدولة ثم تنزل إلى المجتمع، بينما يرى البديل أن قوة التحول يجب أن تنشأ أصلاً في التنظيم والوعي والنشاط الاجتماعي.
ومع ذلك، فإن المقارنة لها حدود ينبغي أن تبقى واضحة. فالحزب الشيوعي السوداني عام 1970 لم يكن حزباً «هابرماسياً» ولم يخرج من النظرية اللينينية للحزب الطليعي. بل ظلت قرارات المؤتمر تتحرك داخل مفاهيم الثورة الوطنية الديمقراطية والطبقة العاملة والحزب المسترشد بالماركسية اللينينية (محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 273). لذلك فإن الأصح ليس القول إن المؤتمر سبق هابرماس، بل إن الحزب وصل، من داخل تجربته السودانية والماركسية، إلى الحدود التي تبدأ عندها بعض أسئلة النظرية النقدية الحديثة: ما الفرق بين تحرير المجتمع والاستيلاء على الدولة؟ هل يمكن للنخبة أن تمتلك الحقيقة السياسية نيابة عن الآخرين؟ هل يكفي أن تكون غاية السلطة تقدمية حتى تصبح وسائلها مشروعة؟ وكيف يمكن منع أداة التحرير من أن تتحول هي نفسها إلى أداة هيمنة؟
لقد انطلقت مدرسة فرانكفورت من سؤال قريب: كيف استطاعت الحداثة التي وعدت بتحرير الإنسان أن تنتج في الوقت نفسه أشكالاً غير مسبوقة من السيطرة؟ ثم أعاد هابرماس صياغة الإشكالية باقتراح عقلانية لا تقوم فقط على السيطرة والكفاءة، بل على التواصل والنقاش والاعتراف بالفاعل الآخر. ويجعل هابرماس من المشاركة في النقاش العام، ومن قوة الحجة، ومن إمكان تكوين رأي وإرادة جماعيين، شروطاً مركزية للمشروعية الديمقراطية (بن ناصر حاجة، الديمقراطية من الليبرالية إلى التشاورية عند يورغن هابرماس، ص 4–5).
وفي هذا المعنى يصبح السؤال الذي طرحه الحزب الشيوعي السوداني في أغسطس 1970 أكبر من موقفه من نميري: هل يمكن أن تتحقق الثورة إذا صار المجتمع موضوعاً للثورة بدلاً من أن يكون صانعها؟
لماذا غاب أغسطس 1970 خلف مايو ويوليو؟
يمكن تفسير تراجع المؤتمر في الذاكرة السياسية ببساطة نسبية. فالانقلابات والإعدامات تنتج صوراً أكثر قوة من المؤتمرات الفكرية. مايو 1969 غيّر الدولة في ساعات. ويوليو 1971 انتهى بمواجهة دموية تركت جرحاً عميقاً في تاريخ السودان والحزب الشيوعي على السواء. أما أغسطس 1970 فكان حدثاً بلا دبابات: وثائق، ومداخلات، وتصويت، وخلافات حول الثورة والديمقراطية والتحالفات.
ثم جاءت أحداث يوليو 1971 لتفرض على كل ما سبقها قراءة استعادية. وأصبح من السهل النظر إلى كل صراع 1969–1970 باعتباره مجرد مقدمة لما وقع في 19 يوليو. لكن هذه القراءة تخلق مشكلة تاريخية حقيقية: إنها تجعل النهاية تفسر البداية.
فأياً كان الموقف من حركة يوليو 1971، ومن طبيعة العلاقة بين الحزب والضباط الذين نفذوها ـ وهي قضية تحتاج إلى معالجة مستقلة ـ فإنها لا تلغي حقيقة أن وثائق أغسطس 1970 تحتوي موقفاً صريحاً من التفكير الانقلابي، ومن إحلال المؤسسة العسكرية محل الحركة الشعبية، ومن الحزب الواحد. ولا ينبغي حل هذا التناقض بإلغاء أحد طرفيه. الأجدى تاريخياً هو الاعتراف بأن تاريخ الأحزاب ليس مساراً مستقيماً، وأن الحزب يمكن أن ينتج موقفاً فكرياً في لحظة ثم يدخل بعد ذلك في واقع سياسي أكثر تناقضاً. وهذه المسافة بين النظرية والممارسة ليست سبباً لإهمال النظرية؛ بل ربما تكون سبباً إضافياً لدراستها.
وبالفعل، أدت نتائج المؤتمر سريعاً إلى تفاقم الصراع الداخلي. وتشير وثيقة الحزب حول انقسام 1970 إلى أن المؤتمر حسم موقف الأغلبية، لكن التيار المهزوم رفض النتيجة، وتطور النزاع إلى انقسام تنظيمي واسع خلال الأسابيع التالية (الحزب الشيوعي السوداني، انقسام سبتمبر 1970، 1976، ص 5). ويخلص القدال بدوره إلى أن المؤتمر حسم الصراع حول استراتيجية الحزب وتكتيكاته، وأن ذلك الحسم نقل الأزمة إلى مرحلة جديدة من المواجهة (محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 276 وما بعدها).
مؤتمر لفهم الحزب أكثر مما هو مؤتمر لفهم الانقسام
قد يكون الخطأ الأكبر في قراءة المؤتمر التداولي هو اعتباره مجرد مقدمة لانقسام سبتمبر. فالانقسام نتيجة مباشرة مهمة، لكنه ليس المعنى التاريخي الوحيد للمؤتمر.
الأهم أن المؤتمر يكشف طريقة تطور الفكر السياسي داخل الحزب الشيوعي السوداني. فمنظمة تأسست في الأربعينيات متأثرة بماركسية عالمية شديدة المركزية، وجدت نفسها بعد أقل من ربع قرن أمام مجتمع أكثر تعقيداً من النماذج النظرية الجاهزة: مجتمع متعدد البنى الاجتماعية والثقافية، وحركة جماهيرية ذات تجربة ثورية مهمة منذ أكتوبر 1964، ونظام برلماني هش، وقوات مسلحة أصبحت لاعباً متكرراً في السياسة.
كانت هذه التعقيدات تدفع الحزب إلى مراجعة الأدوات التي يقرأ بها الواقع. ولذلك يصعب فهم المؤتمر إذا اختزلناه في خلاف بين «جناح عبد الخالق» و«جناح أحمد سليمان ومعاوية إبراهيم». خلف الأشخاص كانت هناك أسئلة عن كيفية ترجمة الماركسية إلى واقع سوداني، وعن حدود استيراد التصنيفات العامة من التجربة السوفيتية أو العربية وإسقاطها على بنية سياسية واجتماعية مختلفة.
وهذا يتصل بما تسميه الأدبيات الحديثة حول الأحزاب الشيوعية في المنطقة البحث عن «طريق خاص» يوازن بين المرجعية الماركسية العالمية والخصوصيات الوطنية. والكتاب المقارن «الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط: مئة عام من التاريخ» يجعل من هذه المسألة أحد أسئلته الرئيسية: هل طورت الأحزاب الشيوعية في المنطقة تحليلاً ذاتياً لواقعها، أم ظلت استراتيجياتها محكومة بدرجة كبيرة بالخط السوفيتي؟ (فيليو وإزكييردو-بريتش، تحرير، الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط: مئة عام من التاريخ، ص 29).
والحالة السودانية ذات أهمية هنا لأنها لم تنفصل عن التقليد السوفيتي، لكنها لم تنطبق عليه بصورة كاملة أيضاً. كان الحزب يحاول أن يقرأ الثورة من خلال التاريخ السياسي السوداني، بما في ذلك خبرة الإضراب السياسي وثورة أكتوبر والعمل النقابي والجماهيري. ومن هنا لم يكن غريباً أن يصبح مفهوم الفعل الجماهيري نقطة مركزية في خلافه حول مايو.
ما الذي بقي من أغسطس 1970؟
إذا نظرنا إلى المؤتمر بعد أكثر من نصف قرن، فلعل قيمته الأساسية أنه وضع جملة من الحدود داخل الفكر السياسي للحزب. فهو ميز بين الثورة والانقلاب، ولم يعتبر نجاح الاستيلاء على الدولة دليلاً كافياً على وجود ثورة. وميز بين التحالف والذوبان، فأجاز دعم سلطة في إجراءات محددة مع الاحتفاظ بالاستقلال السياسي والتنظيمي والنقدي. وميز بين وجود عناصر تقدمية في القوات المسلحة ومنح الجيش حق قيادة المجتمع.
كما بدأ يميز، بصورة غير مكتملة لكنها مهمة، بين التغيير الاقتصادي وديمقراطية الحياة السياسية. فالتأميم وحده لا يكفي، والتحرر من السيطرة الأجنبية لا يعوض غياب حرية التنظيم، والتقدمية لا تمنح الدولة حق احتكار المجال العام.
وهو، أخيراً، أعاد وضع الجماهير في مركز تعريف الثورة. وهذه ربما هي أهم فكرة خرج بها: لا تصبح الجماهير ثورية لأنها تصفق لنظام ثوري بعد وصوله إلى السلطة؛ بل تصبح الثورة ثورة عندما تتحول الجماهير نفسها إلى قوة منظمة وواعية وقادرة على صناعة القرار.
لهذا فإن استعادة المؤتمر التداولي ليست محاولة لمنح حدث حزبي قديم أهمية مصطنعة. بل هي محاولة لإعادة حلقة مفقودة إلى تاريخ الفكر السياسي السوداني. لقد عرف الجميع تقريباً ما حدث في مايو 1969، وعرفوا النهاية المأساوية في يوليو 1971. لكن بينهما، في أغسطس 1970، وقف الحزب الشيوعي أمام تجربة السلطة والتغيير والانقلاب، وحاول أن يجيب عن سؤال سيظل يلاحق السياسة السودانية طويلاً: هل يستطيع السلاح أن يختصر الطريق إلى التغيير من دون أن يختصر في الوقت نفسه دور المجتمع؟
وفي مستوى أكثر اتساعاً، فإن هذا السؤال يفسر أيضاً لماذا يمكن وضع المؤتمر في حوار فكري مع الماركسية النقدية الحديثة. فمن مدرسة فرانكفورت إلى هابرماس، أصبح أحد الأسئلة المركزية للنظرية النقدية هو البحث عن تحرر لا يعيد إنتاج الهيمنة باسم التحرر نفسه. وعندما أصر هابرماس لاحقاً على أن الشرعية السياسية لا تنشأ فقط من القرار الصحيح، بل من قدرة المواطنين على المشاركة في تكوين الإرادة العامة، كان يعالج فلسفياً مشكلة واجهها الشيوعيون السودانيون، في شكل سياسي وعملي، قبل ذلك بسنوات قليلة: لا يمكن أن تصبح الجماهير صاحبة التاريخ إذا ظل الآخرون يصنعون التاريخ نيابة عنها.
وربما لهذا السبب تحديداً يستحق أغسطس 1970 أن يخرج من الظل الذي ألقاه عليه مايو ويوليو. فهو لم يكن الأكثر صخباً بين أحداث تلك السنوات، ولكنه كان، من حيث الأسئلة التي طرحها، واحداً من أكثرها عمقاً.
المراجع
1) القدال، محمد سعيد. معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني. دار الفارابي، الطبعة الأولى، 1999. ولا سيما الفصل الخاص بالمؤتمر التداولي، ص 243 وما بعدها.
2) الحزب الشيوعي السوداني. انقسام سبتمبر 1970. وثيقة حزبية صادرة عام 1976.
3) الحزب الشيوعي السوداني. التقرير السياسي العام المجاز من المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي السوداني، يناير 2009.
4) رصاص، محمد سيد. «الحزب الشيوعي السوداني (1946–1971)»، ضمن الأحزاب والحركات اليسارية في الوطن العربي، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق، 2003.
5) خلف، حسان ريكان، وعبد الستار جعيجر عبد. «الحزب الشيوعي السوداني ونشاطه السياسي في السودان حتى عام 1971»، مجلة مداد الآداب، العدد الخامس عشر.
6) Feliu, Laura & Ferran Izquierdo-Brichs (eds.). Communist Parties in the Middle East: 100 Years of History. Routledge, 2019.
7) Ibrahim, Abdullahi A. “The Sudan Communist Party: Bolshevize it, O God!” in Communist Parties in the Middle East: 100 Years of History. Routledge, 2019.
8) Ismael, Tareq Y. The Sudanese Communist: Ideology and Party Politics. Routledge, 2013.
9) مقورة، جلول. «الفعل التواصلي عند هابرماس: نظرية وتطبيق»، مجلة المعيار، مجلد 16، العدد 32، 2013، ص 355–381.
10) حاجة، بن ناصر. «الديمقراطية من الليبرالية إلى التشاورية عند يورغن هابرماس».
11) Habermas, Jürgen. Théorie de l’agir communicationnel, vol. 1. Paris: Fayard, 1987.
12) Habermas, Jürgen. L’intégration Républicaine: Essais de théorie politique. Paris: Fayard, 1998.
.13) Habermas, Jürgen. Droit et Démocratie: entre faits et normes. Paris: Gallimard, 1997.
14) مطر، فؤاد. الحزب الشيوعي السوداني: نحروه أم انتحر؟ بيروت: دار النهار، 1971.



#اكرم_عبد_القيوم_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في ذكرى فريدريك إنجلز: الملكية الخاصة بوصفها مدخلاً لفهم الد ...
- فِي حَضْرَةِ اَلْغِيَابِ – ذِكْرَى اِسْتِشْهَادِ اَلْأُسْتَا ...
- أبَاطِيلُ الْإِسْلَامِيِّينَ تَسْقُطُ فِي إختبار التَّغْيِير ...
- لِكَيْ لَا نَنْسَى : الثَّوْرَاتُ مُحَصَّنَةَ ضِدِّ السَّرِق ...
- بناء الخيار الوطني في ظل المأزق الحالي (عطفاً على ذكرى 19يول ...
- السَّلِفِيَّةُ وَتَرْسِيخُ الْعُقُلِ السردي


المزيد.....




- الولايات المتحدة تعيد إلى مصر 48 قطعة أثرية عمرها آلاف السني ...
- بوتين: روسيا لن تتسامح مع تبني كييف للنازية الجديدة كأساس لأ ...
- كاتس يهاجم المعارضة الإسرائيلية على خلفية ضرب قاعدة -أبو الظ ...
- الدفاع الروسية: تدمير 1120 مسيرة معادية خلال يوم وإصابة رادا ...
- سفير تركيا في دمشق: رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب ينهض الاس ...
- تقرير: قائد الجيش الباكستاني يحمل رسائل أمريكية لطهران
- الولايات المتحدة.. حريق غابات ضخم في ولاية نيفادا
- إيران تعلن طرد دبلوماسيين فرنسيين وتتهمهما بالتدخل في شؤونها ...
- مقاطعة زابوروجيه.. مدفع هاوتزر الروسي -D-30- يدمر مواقع أوكر ...
- مقاتلة -سو-35- الروسية تنفذ مهمات قتالية في محيط منطقة العمل ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم عبد القيوم عباس - المؤتمر التداولي للحزب الشيوعي السوداني في أغسطس 1970م حدث غطّت عليه مايو ويوليو ومنعطف في تطور الفكر السياسي للحزب