أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم عبد القيوم عباس - في ذكرى فريدريك إنجلز: الملكية الخاصة بوصفها مدخلاً لفهم الدولة والمجتمع















المزيد.....

في ذكرى فريدريك إنجلز: الملكية الخاصة بوصفها مدخلاً لفهم الدولة والمجتمع


اكرم عبد القيوم عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 12:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ يومين مرّت ذكرى رحيل فريدريك إنجلز، الذي وُلد في 28 نوفمبر 1820 وتوفي في 5 أغسطس 1895. وبعد أكثر من قرن على رحيله، ما يزال جانب مهم من مشروعه الفكري قادراً على إثارة الأسئلة نفسها التي شغلته، وربما بصورة أكثر تعقيداً مما كانت عليه في زمنه. ولعل كتابه «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة» يمثل واحداً من أهم منجزاته النظرية، بل ومن أهم النصوص في التراث الماركسي التي حاولت أن تنظر إلى المجتمع والدولة والعائلة والملكية باعتبارها ظواهر تاريخية مترابطة، وليست مؤسسات منفصلة نشأت كل منها في مسار مستقل عن الأخرى.
أهمية هذا الكتاب، في تقديري، لا تكمن فقط في إجاباته، وبعض تفاصيلها الأنثروبولوجية التي خضعت بطبيعة الحال للمراجعة مع تطور المعرفة، وإنما في السؤال النظري الكبير الذي وضعه إنجلز: كيف ترتبط الطريقة التي ينتج بها البشر حياتهم المادية، والطريقة التي ينظمون بها علاقاتهم الاجتماعية والعائلية، بتكوين الملكية وظهور الطبقات ثم نشوء الدولة؟ ففي مقدمة الكتاب، يضع إنجلز الإنتاج وإعادة إنتاج الحياة في قلب تفسيره للتطور الاجتماعي؛ إنتاج وسائل العيش من جهة، وإعادة إنتاج البشر والعلاقات الأسرية من جهة أخرى. ومن خلال تطور العمل والإنتاج تنشأ، تدريجياً، الملكية الخاصة والتبادل والتفاوت في الثروة وإمكانية استخدام قوة عمل الآخرين، ومنها تبدأ التناقضات الطبقية التي تعيد تشكيل المجتمع القديم.
ومن هنا فإن الملكية الخاصة عند إنجلز ليست مجرد حق قانوني يملكه فرد على شيء ما، ولا مجرد باب من أبواب القانون المدني؛ وإنما تتحول إلى علاقة اجتماعية، تنتج عنها علاقات في القوة والثروة والمكانة، ويترتب عليها بالضرورة سؤال: من يملك؟ ومن يعمل؟ ومن يسيطر على فائض الإنتاج؟ ومن يضع القواعد التي تحمي هذه العلاقات؟ ولذلك فالعائلة والملكية والدولة لا تظهر في الكتاب كمفاهيم متجاورة أُضيف بعضها إلى بعض في العنوان، وإنما كحلقات في عملية تاريخية واحدة.
هذه الإضاءة تظل مهمة حتى اليوم؛ لأن الجدل النظري الذي فتحه إنجلز لم يُحسم لمصلحة دحضه ببساطة، حتى مع تجاوز المعرفة المعاصرة لبعض الفرضيات التاريخية والأنثروبولوجية التي استند إليها. بل إن الوقائع السائرة أمامنا تجعل سؤال الملكية أكثر حضوراً: ملكية الأرض، والسكن، ورأس المال، ووسائل الإنتاج، والمعرفة والتكنولوجيا، والمنصات الرقمية والبيانات؛ ومن يمتلكها، وكيف تتركز، وكيف تنتقل عبر الميراث أو السوق، وما الذي يترتب على ذلك من تفاوت اجتماعي ومن قدرة متفاوتة على التأثير السياسي. بهذا المعنى تصبح الملكية الخاصة إطاراً مهماً لفهم كثير مما تشكّل تاريخياً، وما يتشكل الآن، من ظواهر اجتماعية تحمل في داخلها خصائص اقتصادية وسياسية في آن واحد.
ومن هذه النقطة يمكن أيضاً إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والنظام السياسي. فقد شكّل التلازم الفلسفي بين المفهومين في تطورهما النظري والتاريخي عقبة، في بعض الأحيان، أمام محاولة تفكيكهما أمبريقياً، رغم أن هنالك تمايزاً إجرائياً واضحاً بينهما عند تحويلهما إلى مصطلحات قابلة للبحث والاستكشاف. ولعل اشتغال علماء السياسة والاجتماع، على مدى التاريخ، بتفسير ظاهرة السلطة وعلاقاتها المتناهية في الدقة والتعقيد ألقى بظلاله على سياق العلاقة بين المفهومين. إلا أن قراءة إنجلز تقترح العودة خطوة إلى الوراء، بحيث لا يبدأ السؤال من شكل النظام السياسي وحده، وإنما من الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي جعلت الدولة نفسها ضرورة تاريخية.
فالدولة، في التصور الذي يقدمه إنجلز، ليست مؤسسة ظهرت من خارج المجتمع ولا قوة هبطت عليه بصورة مستقلة، وإنما هي نتاج مرحلة من تطوره أصبحت فيها تناقضاته الداخلية أكبر من أن تتمكن التنظيمات الاجتماعية القديمة من احتوائها. وفي واحد من أكثر مقاطع الكتاب أهمية، يذهب إلى أن المجتمع، وقد دخل في تناقض مع نفسه وانقسم إلى طبقات متصارعة، أصبح في حاجة إلى قوة تبدو واقفة فوقه، تخفف الصراع وتحصره في حدود معينة؛ وهذه القوة التي خرجت من المجتمع ثم أخذت تضع نفسها فوقه هي الدولة.
هنا تحديداً تكمن الإضافة النظرية المهمة. فبدلاً من النظر إلى الدولة فقط من خلال مؤسساتها الرسمية؛ الحكومة، والقانون، والجيش، والجهاز الإداري، يدعونا هذا المنظور إلى البحث في البنية الاجتماعية التي تستند إليها هذه المؤسسات. من الذي يملك الثروة؟ كيف توزّع الموارد؟ كيف نشأت الطبقات؟ وكيف تترجم علاقات القوة الاقتصادية إلى أشكال قانونية وسياسية؟ ولذلك يميز إنجلز، عند حديثه عن الدولة، بين التنظيمات القرابية القديمة وبين الدولة التي تقوم على تنظيم المواطنين وفق الإقليم، وتملك قوة عامة منفصلة نسبياً عن المجتمع، بما في ذلك مؤسسات الإكراه والإدارة.
حيث أن مفهوم الدولة الحديثة، الذي يعد من أكثر المفاهيم تداولاً على المستوى الكوني، تتقاسمه حقول معرفية متعددة؛ العلوم السياسية، والفلسفة السياسية، وعلم الاجتماع السياسي، والعلوم القانونية. وقد ساهم هذا التشظي المعرفي، رغم أهميته، في إحداث قدر من التشوش لدى المتلقي، لأنه كثيراً ما يجعلنا نرى عناصر الدولة منفردة دون أن نرى الصورة الكلية لعناصرها البنائية وعلاقتها بالبنية الاجتماعية والاقتصادية. واستناداً إلى تعريف بونار للدولة باعتبارها وحدة قانونية دائمة تقوم على جماعة مستقرة في إقليم معين وتمارس سلطة قانونية وتحتكر استخدام القوة المادية، فإننا نكون أمام وصف مهم للشكل المؤسسي للدولة؛ لكن إنجلز يذهب بالسؤال إلى ما وراء هذا الوصف: ما الظروف التي جعلت وجود هذه الوحدة القانونية والقوة العامة ضرورياً أصلاً؟
وهنا تظهر مركزية الملكية مرة أخرى. ففي الفصل الأخير من الكتاب، يربط إنجلز بصورة مباشرة بين تطور إنتاج السلع، والمال، والتجارة، والملكية الخاصة للأرض، والرهون، وأشكال استغلال العمل، وبين تكوّن المجتمع الطبقي. ويخلص، في عرضه لتطور «المدنية»، إلى أن الدولة تظهر كقوة تنظيمية للمجتمع، لكنها في المجتمعات الطبقية تظل مرتبطة بعلاقات السيطرة بين الطبقات، وبحماية النظام القائم للملكية. والكتاب يضع الملكية الخاصة للأرض وتراكم المال ضمن السمات الأساسية للتحول الذي صاحب نشوء المجتمع الطبقي والدولة.
ولذلك يمكن أن نقرأ إنجلز اليوم بعيداً عن القراءة الاحتفالية المغلقة، وبعيداً أيضاً عن التعامل مع نص القرن التاسع عشر باعتباره وصفاً حرفياً لكل مجتمعات القرن الحادي والعشرين. فقيمة النص تكمن في الأداة النظرية التي يمنحنا إياها: ألا نكتفي بالنظر إلى الظاهرة السياسية في سطحها المؤسسي، وإنما نبحث عما يوجد تحتها من علاقات ملكية وإنتاج وثروة وتفاوت. فحين تتضخم ملكية قلة وتتراجع قدرة قطاعات واسعة على الوصول إلى السكن والأرض والخدمات والموارد، أو عندما تتحول المعرفة والبيانات نفسها إلى أصول مملوكة ومصادر جديدة لتراكم الثروة، فإننا لا نكون أمام مسائل اقتصادية صرفة، بل أمام عمليات ستجد، عاجلاً أم آجلاً، تعبيراتها الاجتماعية والسياسية.
ربما لهذا السبب ما يزال «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة» يستحق الاحتفاء والقراءة. ليس لأن التاريخ توقف عند الصيغة التي كتبها إنجلز، وإنما لأن السؤال الذي طرحه لم يتوقف عن إنتاج نفسه: إلى أي مدى تستطيع السياسة أن تكون مستقلة عن بنية الملكية؟ وإلى أي مدى يمكن فهم الدولة دون فهم الكيفية التي تتوزع بها الثروة والقوة داخل المجتمع؟ فالدولة الحديثة تغيرت، واتسعت وظائفها، وظهرت دولة الرفاه والدولة الديمقراطية والدولة التنموية، وتغيرت أشكال الملكية نفسها؛ لكن العلاقة بين الملكية والثروة والسلطة لم تختفِ. وربما يكون هذا هو الضوء الأهم الذي ما زال إنجلز يلقيه علينا بعد أكثر من مائة وثلاثين عاماً على رحيله: أن وراء الشكل السياسي للمجتمع بنية اجتماعية واقتصادية، وأن فهم الدولة يبدأ، في جانب أساسي منه، من فهم علاقات الناس بما ينتجونه وبما يملكونه، وبمن يملك ماذا، وكيف تتحول هذه الملكية إلى قوة.



#اكرم_عبد_القيوم_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فِي حَضْرَةِ اَلْغِيَابِ – ذِكْرَى اِسْتِشْهَادِ اَلْأُسْتَا ...
- أبَاطِيلُ الْإِسْلَامِيِّينَ تَسْقُطُ فِي إختبار التَّغْيِير ...
- لِكَيْ لَا نَنْسَى : الثَّوْرَاتُ مُحَصَّنَةَ ضِدِّ السَّرِق ...
- بناء الخيار الوطني في ظل المأزق الحالي (عطفاً على ذكرى 19يول ...
- السَّلِفِيَّةُ وَتَرْسِيخُ الْعُقُلِ السردي


المزيد.....




- تحليل: كيف تستغل الصواريخ الباليستية الروسية ثغرات الدفاعات ...
- فساتين زفاف -شخصيّة-.. مصمّمة مصريّة تحوّل حكاية كل عروس إلى ...
- في السعودية.. نقوش تروي تفاصيل الحياة اليومية للإنسان القديم ...
- في سابقة نادرة.. إسرائيل توجه اتهامًا لمستوطن بقتل الناشط ال ...
- طهران تهدّد بـ-إغراق الخليج في الظلام- إذا استهدف ترامب محطا ...
- المغرب -مستعد- للتعاون في إعادة القصر غير المصحوبين بذويهم م ...
- الشرطة التايلاندية: مطلق النار في مدرسة بانكوك قتل أجداده قب ...
- -تاس-: قراصنة روس يعثرون على وثائق تتعلق بالغارات الجوية الأ ...
- القناة 14 الإسرائيلية: التقييم في إسرائيل أن ترامب في طريقه ...
- أطفال في مداخن مظلمة!


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم عبد القيوم عباس - في ذكرى فريدريك إنجلز: الملكية الخاصة بوصفها مدخلاً لفهم الدولة والمجتمع