أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زهير الراشدي - لماذا يجب على السياسي والنقابي في المغرب أن يمتلك ثقافة طاقية؟















المزيد.....

لماذا يجب على السياسي والنقابي في المغرب أن يمتلك ثقافة طاقية؟


زهير الراشدي
صانع محتوى و مهتم بالشأن الطاقي المغربي و الدولي

(Errachdy Zohayr)


الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 04:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ظلّت الطاقة تُعامل في المغرب كملف تقني بامتياز، يخص المهندسين والخبراء والمؤسسات المتخصصة. أما الفاعل السياسي والنقابي، فكان حضوره في هذا الملف موسمياً أو مرتبطاً بأزمات ظرفية : ارتفاع الأسعار، انقطاع التيار، أو نقاش حول الدعم. غير أن الواقع تغيّر. القرارات الطاقية لم تعد مجرد اختيارات تقنية، بل أصبحت تمسّ الاقتصاد والمجتمع والخيارات الاستراتيجية للدولة بشكل مباشر وعميق. فهل يمكن للفاعل السياسي والنقابي أن يمارس دوره في تقييم السياسات العمومية والتأثير فيها، دون أن يمتلك الحد الأدنى من الثقافة الطاقية؟


أولًا: لماذا يجب أن تصبح الطاقة جزءًا من الثقافة السياسية والنقابية؟


الطاقة ليست قضية تقنية. كل نشاط اقتصادي واجتماعي يحتاج إلى الطاقة : الصناعة، النقل، الفلاحة، الماء، الصحة، التعليم، السكن، والخدمات. القرار الطاقي لا يبقى حبيس قطاع الطاقة، بل تنتقل آثاره بسرعة إلى بقية الاقتصاد والمجتمع. قرار واحد يتعلق بمصدر طاقة أو باستثمار يمكن أن يؤثر في تكلفة الإنتاج، والقدرة الشرائية، والأسعار، والتشغيل، وتنافسية المقاولات، والمالية العمومية، وحتى في الأمن والسيادة الوطنية.
لذلك، فإن ضعف فهم الطاقة لا يعني فقط نقصًا في المعرفة التقنية، بل يعني ضعف القدرة على فهم جزء أساسي من الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

ثم إن الطاقة لم تعد مجرد سلعة اقتصادية. هي أيضًا عنصر من عناصر القوة في العلاقات الدولية. توزيع الموارد الطاقية، وممرات النقل، والأسواق، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، كلها يمكن أن تتحول إلى أدوات نفوذ أو ضغط أو صراع بين الدول. حرب أكتوبر 1973 أظهرت بوضوح كيف يمكن للطاقة أن تتحول إلى أداة ذات تأثير سياسي واقتصادي عالمي، وكيف أن القرار المرتبط بها قد تتجاوز نتائجه حدود الدول المنتجة والمستهلكة. كما تكشف أهمية الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز أن أمن الطاقة لا ينفصل عن الأمن الدولي وحركة التجارة العالمية.
الفاعل السياسي والنقابي الذي يمتلك ثقافة طاقية يستطيع أن يقرأ بعض الصراعات والأزمات الدولية من زاوية إضافية، وأن يفهم الخلفيات الحقيقية لبعض التوترات التي تُقدَّم أحيانًا وكأنها سياسية خالصة.

ثانيًا: لماذا يحتاج الفاعل السياسي والنقابي في المغرب تحديدًا إلى ثقافة طاقية؟

المغرب يعيش وضعًا طاقيًا خاصًا ومعقدًا. فهو يعاني من محدودية موارده الأحفورية المحلية، ويعتمد بشكل كبير على الخارج لتلبية حاجياته من الطاقة. وفق المعطيات الرسمية، بلغت التبعية الطاقية للمغرب حوالي 87.5% سنة 2024. هذا الرقم يعني ببساطة أن ما يقارب تسعة أعشار الطاقة التي يستهلكها المغاربة تأتي من خارج البلاد.
وقد بلغت الفاتورة الطاقية حوالي 114 مليار درهم في السنة نفسها. هذه الفاتورة لا تُدفع بالدرهم، بل بالعملة الصعبة، مما يضاعف الضغط على الاحتياطي الوطني من العملات الأجنبية، ويؤثر مباشرة في قدرة البلاد على تمويل باقي وارداتها الأساسية.
خطورة هذه التبعية لا تقتصر على الجانب الطاقي فقط. فهي تمس الأمن الطاقي في الصميم، وتمتد آثارها إلى الأمن الغذائي، لأن جزءًا مهمًا من الإنتاج الفلاحي والري يعتمد على الطاقة، وإلى الأمن الصحي، حيث تحتاج المستشفيات والمراكز الصحية وسلاسل التبريد إلى تزويد مستقر بالكهرباء والوقود. وكل اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع حاد في الأسعار ينعكس بسرعة على القدرة الشرائية وعلى استقرار مجموعة من القطاعات الحيوية.
في المقابل، يتوفر المغرب على إمكانات مهمة في الطاقات المتجددة، ويتمتع بموقع جغرافي وعلاقات مع الأسواق الأوروبية والإفريقية تمنحه فرصًا حقيقية. هذا الوضع المزدوج، بين اعتماد كبير وإمكانات واعدة، يجعل القرارات الطاقية أكثر حساسية، ويفرض على الفاعل السياسي والنقابي أن يتعامل معها بوعي أعمق.
لهذا يحتاج السياسي إلى فهم هذه المعطيات حتى يتمكن من تقييم الاختيارات العمومية وتأثيرها على الاقتصاد والسيادة والمالية العامة. أما النقابي، فإن الطاقة ترتبط بالنسبة إليه بالتشغيل والقدرة الشرائية وتنافسية المؤسسات وتحولات المهن وظروف العمل، وهو ما يبرز أهمية مفهوم الانتقال العادل.


ثالثًا: ماذا يجب أن يعرفه الفاعل السياسي والنقابي عن الطاقة؟


أول ما ينبغي تجاوزه هو اختزال الطاقة في الكهرباء فقط. الثقافة الطاقية الحقيقية تشمل المنظومة برمتها: النفط، الغاز، الفحم، الطاقة النووية، الطاقات المتجددة، الهيدروجين، التخزين، الشبكات، والبنية التحتية، مرورًا بسلسلة الإنتاج والتحويل والنقل والتوزيع والاستهلاك.
كما يحتاج الفاعل إلى بناء خريطة ذهنية للنظام الطاقي العالمي: كبار المنتجين، أسواق النفط والغاز، ممرات النقل، سلاسل التوريد، التكنولوجيا، وعلاقة الطاقة بالمناخ. وفي الوقت نفسه، يحتاج إلى صورة متكاملة عن الواقع الطاقي الوطني، حتى ينتقل من مجرد متابعة الأحداث إلى القدرة على تقييم السياسات واقتراح البدائل.


رابعًا: من فهم الطاقة إلى القدرة على تقييم السياسات العمومية


امتلاك المعلومات وحده لا يكفي. المطلوب هو القدرة على تقييم السياسات الطاقية بمنهجية. التقييم الجيد لا يكتفي بالسؤال عن حجم الإنجاز أو عدد المشاريع، بل يطرح أسئلة جوهرية: ما طبيعة المشكلة التي صُممت هذه المشاريع لحلها؟ هل كانت الأهداف محددة بوضوح؟ هل تمت مقارنة الجدوى مع البدائل المتاحة؟ ما كلفة التمويل وآثاره الاقتصادية والاجتماعية؟

التقييم الموضوعي يحتاج إلى رؤية تحليلية تربط بين نقاط القوة والضعف من جهة، والفرص والتهديدات من جهة أخرى. فيشمل نقاط الضعف الذاتية الناتجة عن أخطاء التقدير، ونقاط الضعف الموضوعية المرتبطة بالقيود الخارجية، كما يبرز نقاط القوة الذاتية المبنية على الاستثمارات الوطنية، والقوة الموضوعية المستمدة من الموقع الجغرافي. ويمتد التحليل لرصد الفرص التي تتيحها البيئة الدولية والتكنولوجية، واستشراف التهديدات والمخاطر الخارجية التي قد تمس الأمن الطاقي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.




خامسًا: من المعرفة إلى قوة اقتراحية ورقابية


عندما تكون الأحزاب والنقابات خارج موقع القرار، يصبح امتلاك قدرة مؤسساتية مستقلة على الرصد والتحليل والتقييم والاقتراح والتأثير أمرًا حاسمًا. بهذا تتحول المعارضة من شعارات عامة إلى قوة اقتراحية قائمة على الأدلة والمعطيات.
ويمتد التأثير إلى مختلف مراحل دورة السياسة العمومية:
- قبل اختيار المشروع: الدراسات والتحليل والنقاش العمومي.
- أثناء الاختيار: مقارنة البدائل وتقييم التكلفة والمخاطر.
- أثناء التنفيذ: المتابعة والرقابة.
- بعد التنفيذ: قياس النتائج واستخلاص الدروس.


خلاصة


الغاية الكبرى من الثقافة الطاقية ليست تحويل السياسي أو النقابي إلى خبير في الطاقة، بل تمكينه من امتلاك الحد الأدنى الذي يسمح له بفهم الخيارات، وقراءة المعطيات، وتقييم النتائج، واقتراح البدائل، والدفاع عن المصلحة الوطنية.
ولكي تتحقق هذه القدرة بشكل مؤسسي وفعّال، يُستحسن أن يشكل كل حزب أو نقابة لجنة صغيرة من المتخصصين أو الكفاءات المهتمة، تُعنى بتكوين كوادرها في الحد الأدنى من الثقافة الطاقية. هذه اللجنة يمكن أن تتولى متابعة المعطيات، وتنظيم دورات داخلية مبسطة، ومساعدة القيادات على قراءة الملفات الطاقية بعمق أكبر، بعيدًا عن الموسمية وردود الفعل الظرفية.
ويبقى السؤال هل تجد هذه الصرخة داخل الأحزاب والنقابات آذانًا صاغية؟



#زهير_الراشدي (هاشتاغ)       Errachdy_Zohayr#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الديمقراطية الفتاكة: الوجه الناعم للاستبداد
- مدرسة أبي عبيدة لفنون الصدق والإعلام
- الاعلام بين المأسسة والإبداع
- مبادرة نور غزة
- الإنتقال الطاقي بالمغرب ... فكر خارج الصندوق !!
- الهيدروجين الأخضر
- مقترح المكتبة النقابية
- قطاع الكهرباء بالدول النامية و توافق واشنطن
- القدرة التنظيمية للنقابات


المزيد.....




- فرق الإنقاذ تبحث عن ناجين من الزلزال القوي الذي ضرب إندونيسي ...
- براد كوبر يختتم جولة شرق أوسطية استمرت 10 أيام
- معتد جنسي متهم بإرهاب حي راق في كاليفورنيا بطريقة مرعبة
- الولايات المتحدة.. مقتل 6 في ولاية إنديانا بسبب العواصف والف ...
- لقطات صادمة توثق لحظاته الأخيرة.. شرطة كاليفورنيا تقتل شابا ...
- إيران وسلطنة عمان تتفقان على خريطة الملاحة عبر مضيق هرمز
- انفجارات قوية تهز العاصمة الأوكرانية كييف
- مراسل -فيلت- في كييف: المسيرات الروسية تحولت إلى كابوس حقيقي ...
- القيادة المركزية الأمريكية تتراجع عن نشر خريطة تظهر الضفة ال ...
- اكتشاف سر مشترك بين مرض نادر يصيب الأطفال وألزهايمر


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زهير الراشدي - لماذا يجب على السياسي والنقابي في المغرب أن يمتلك ثقافة طاقية؟