أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - من الإخفاق إلى المؤسسة: نحو ولادة ثانية للشخصية السياسية الكوردستانية قراءة نقدية في دروس الانقسام، والاعتماد على الخارج، وسلطة الفرد، وغياب التوثيق الذاتي















المزيد.....

من الإخفاق إلى المؤسسة: نحو ولادة ثانية للشخصية السياسية الكوردستانية قراءة نقدية في دروس الانقسام، والاعتماد على الخارج، وسلطة الفرد، وغياب التوثيق الذاتي


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 14:54
المحور: القضية الكردية
    


مقدمة: التاريخ كأداة نقد لا كسجل مظلومية
إذا كانت دراسة التاريخ الكوردستاني تكشف عن منظومة من قيم الصمود والارتباط بالأرض والقدرة على البقاء، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن إخفاقات متكررة حالت دون تحويل هذه القدرة على البقاء إلى قوة سياسية ومؤسساتية مستدامة. ومن الخطأ المنهجي أن يُقرأ هذا التاريخ بوصفه سجلاً للاضطهاد الخارجي فحسب؛ فجزء من المسؤولية التاريخية يقع أيضاً على الانقسامات الداخلية، وضعف المؤسسات، وسوء تقدير موازين القوى، والاعتماد المفرط على القوى الخارجية. والاعتراف بهذه الإخفاقات ليس انتقاصاً من الشخصية الكوردستانية، بل شرط لإعادة بنائها على أسس أكثر نضجاً.

أولاً: التشتت الداخلي والانقسام السياسي
يُعد الانقسام الداخلي من أكثر العوامل تكراراً في التاريخ السياسي لشعوب المنطقة. صحيح أن سقوط الدول القديمة لا يمكن رده إلى عامل واحد، لكن تجربة الدولة الميدية تقدّم درساً دالاً: فبعد أن كانت الدولة الميدية إحدى أربع قوى كبرى في الشرق الأدنى القديم إلى جانب بابل وليديا ومصر، انقلب عليها الملك الفارسي قورش الكبير عام 550 ق.م وأسقطها لتصبح نواة الإمبراطورية الأخمينية الأولى، في تحول جيوسياسي سريع كشف هشاشة التماسك السياسي الميدي أمام قوة أكثر تنظيماً وطموحاً.
هذا الدرس التاريخي يجد صدى معاصراً واضحاً. فالمجتمع الكوردستاني يعيش اليوم في أربع بيئات سياسية رئيسية موزعة بين العراق وسوريا وتركيا وإيران، لكل منها ظروفها القانونية والجغرافية المختلفة، دون أن تمتلك القوى والأحزاب الكوردية رؤية سياسية موحدة تجاه مستقبل القضية. وتعدد المشاريع السياسية أمر طبيعي في ظل اختلاف البيئات، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى صراع داخلي يستنزف الموارد ويمنح القوى الإقليمية فرصة استثمار الانقسام.
الوحدة المطلوبة هنا لا تعني بالضرورة سلطة سياسية واحدة، بل حداً أدنى من المصالح الاستراتيجية المشتركة: حماية الهوية والحقوق، واحترام التنوع السياسي، ومنع الاقتتال الداخلي، وتنسيق المواقف في القضايا المصيرية.
الدرس الاستراتيجي: الاختلاف السياسي يمكن أن يكون مصدر قوة حين يجري داخل إطار مؤسسي، أما الانقسام الذي يتحول إلى صراع وجودي داخلي فيغدو نقطة ضعف استراتيجية.

ثانياً: الاعتماد المفرط على الآخر وانتظار المنقذ الخارجي
من أكثر الدروس قسوة في التاريخ السياسي الكوردي أن القوى الدولية غالباً ما تعاملت مع القضية الكوردية وفق مصالحها المتغيرة لا وفق التزام ثابت بالحقوق. ويقدّم مسار معاهدتي سيفر ولوزان مثالاً توثيقياً بالغ الدلالة: فمعاهدة سيفر الموقعة عام 1920 تضمنت في موادها 62 و63 و64 ما مثّل أول اعتراف دولي رسمي بمصطلح "كوردستان" وبإمكانية قيام حكم ذاتي كوردي قد يفضي إلى الاستقلال. غير أن معارضة الحركة الوطنية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، إلى جانب تحولات موازين القوى الدولية، أفضت إلى استبدال هذه المعاهدة بمعاهدة لوزان عام 1923، التي أسقطت هذه البنود كلياً ورسّخت تقسيم كوردستان الكبرى بين أربع دول، وهو الواقع الجيوسياسي الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.
هذا المسار لا يعني أن الاستفادة من الدعم الدولي خطأ في ذاتها، بل أن بناء المشروع السياسي بأكمله على هذا الدعم هو الخطأ. فالدول لا تتحالف بصورة دائمة على أساس العاطفة أو المبدأ، بل وفق المصالح وموازين القوى المتغيرة، والحليف الذي يدعم قضية اليوم قد يغير موقفه غداً.
الدرس الاستراتيجي: الدعم الخارجي يمكن أن يكون مضاعفاً للقوة، لا بديلاً عنها. ومن لا يمتلك عناصر القوة الذاتية لا يستطيع أن يضمن استمرار دعم الآخرين له.

ثالثاً: تغليب الزعيم على المؤسسة
من الأخطاء المتكررة في التاريخ السياسي للمنطقة ربط استقرار الحركة السياسية بشخص القائد أكثر من ارتباطها بالمؤسسات. وينبغي الحذر من إسقاط النموذج الحديث للدولة على التجارب القديمة بصورة مباشرة، فطبيعة الدولة في العصور القديمة تختلف جذرياً عن الدولة الوطنية الحديثة، غير أن التاريخ يقدّم درساً عاماً: كل نظام يعتمد بإفراط على شخصية واحدة يصبح أكثر هشاشة عند غياب هذا الشخص أو ضعف نفوذه. وقد ظهرت هذه الظاهرة أيضاً في التاريخ الكوردي الحديث، حين تحولت بعض الحركات إلى مشاريع مرتبطة بشخصية الزعيم أكثر من ارتباطها بمؤسسات مستقرة.
المشكلة ليست في وجود القائد؛ فكل حركة سياسية تحتاج إلى قيادة. المشكلة تبدأ حين تصبح القيادة بديلاً عن المؤسسة، ويغدو الولاء للشخص أقوى من الولاء للمشروع، ويتحول نقد القائد إلى ما يشبه الخيانة.
الدرس الاستراتيجي: المطلوب بناء مؤسسات تستمر بعد رحيل القائد، وتتيح تداول السلطة وإنتاج قيادات جديدة وتصحيح الأخطاء دون انهيار المشروع بأكمله. فالدولة القوية ليست التي تملك زعيماً قوياً فقط، بل التي تستمر في العمل حتى في غيابه.

رابعاً: إهمال كتابة التاريخ والتوثيق الذاتي
من أخطر نقاط الضعف ضعف التدوين التاريخي الكوردي مقارنة بحجم التاريخ المرتبط بالمنطقة. ويُعد كتاب "شرفنامة" لشرف خان البدليسي، الذي أُلّف عام 1597 باللغة الفارسية، من أهم الأعمال الكلاسيكية التي تناولت تاريخ الإمارات والأسر الحاكمة الكوردية، إذ يُعتبر أقدم مصدر منهجي شامل في هذا المجال. غير أن وجود هذا العمل في تلك المرحلة المتأخرة نسبياً لا يعني غياب الذاكرة التاريخية أو الروايات الشفهية قبله؛ فالذاكرة الجماعية كانت موجودة بقوة، لكنها لم تكن دائماً محفوظة في مؤلفات مكتوبة ومنهجية كافية.
وهنا تظهر مشكلة استراتيجية تتجاوز حدود التاريخ الأكاديمي: فالمجتمع الذي لا ينتج مصادره ووثائقه ودراساته يصبح معتمداً على الآخرين في تفسير ماضيه. وحين يكون تاريخ شعب موضوعاً لصراعات سياسية، فإن غياب الأرشيف والتوثيق العلمي يفتح الباب أمام التشويه والانتقائية والأسطرة.
الدرس الاستراتيجي: الشعب الذي يوثق تاريخه يمتلك جزءاً من السيادة على ذاكرته، والشعب الذي يهمل أرشيفه يترك للآخرين مساحة واسعة لتفسير تاريخه نيابة عنه. لذلك يجب أن يصبح إنشاء الأرشيفات والمراكز البحثية وترجمة المصادر وجمع الوثائق الشفوية جزءاً من الأمن الثقافي والاستراتيجي.

خامساً: من ثقافة المظلومية إلى ثقافة المسؤولية
تعالج الركائز السابقة علاقة الإنسان الكوردي بالهوية والتاريخ والمستقبل، بينما تعالج هذه الركيزة علاقته بذاته ومسؤوليته الفردية. والسؤال الجوهري هنا: هل يستطيع شعب أن يبني مستقبله إذا ظل يفسر إخفاقاته بصورة شبه كاملة عبر المؤامرة الخارجية والاحتلال، دون أن يضع أمام نفسه مساءلة نقدية؟
الاعتراف بالمسؤولية الذاتية لا يعني تبرئة القوى التي مارست القمع والتمييز، ولا إنكار البعد الدولي والإقليمي للقضية، بل يعني الانتقال من تفسير التاريخ إلى محاولة تغييره. فالمظلومية التاريخية حقيقة واقعة في جانب كبير من التجربة الكوردية، لكنها تصبح خطرة حين تتحول من توصيف للواقع إلى هوية نفسية دائمة تُنتج العجز بدل الإرادة. والمطلوب ليس محو الذاكرة التاريخية للاضطهاد، بل إعادة توظيفها: الانتقال من ذاكرة الألم إلى إرادة البناء.

خلاصة استراتيجية: من الإخفاق إلى القوة
لا تصبح قراءة التاريخ مفيدة إلا حين تتحول التجربة إلى قاعدة للسلوك المستقبلي:
الصمود التاريخي ينبغي أن يتحول إلى مثابرة في التعليم والعمل والإنتاج، لا مجرد احتفاء بقدرة الأجداد على البقاء.
الريادة الحضارية القديمة يجب أن تتحول إلى استثمار في العلم والابتكار والاقتصاد المنتج.
التحالفات التاريخية يجب أن تتحول إلى دبلوماسية أكثر نضجاً وواقعية، تبني الشراكات دون أن تتحول إلى تبعية.
الرموز الثقافية المشتركة كنوروز يجب أن تتحول إلى مساحات جامعة تستوعب التعدد السياسي لا أن تكون رهينة له.
تمكين المرأة يجب أن يُطرح كضرورة تنموية لا شعاراً موسمياً.
والأهم: يجب أن تتقدم المؤسسات على الأشخاص، لأن المستقبل لن يُبنى بالبطولات الفردية ولا بانتظار التحولات الدولية، بل بمؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية قادرة على الاستمرار.
ويمكن صياغة المعادلة الاستراتيجية للشخصية الكوردستانية المستقبلية في عبارة موجزة: الصمود من الماضي، والبناء من الحاضر، والمؤسسة للمستقبل. فالشخصية التي يحتاجها القرن الحادي والعشرون ليست أسيرة ذاكرة المآسي ولا أمجاد الماضي، بل شخصية تستوعب التاريخ، وتتعلم من الإخفاق، وتحافظ على الهوية، وتبني المؤسسة، وتتعامل مع العالم من موقع المصلحة لا الانتظار. وهنا تتحول دراسة الشخصية الكوردستانية من سؤال "من نحن؟" إلى سؤال أكثر أهمية: أي شخصية نريد أن نصنعها للأجيال القادمة؟



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية الجبلية لميزوبوتاميا: من الذاكرة التاريخية إلى مشروع ...
- هل تكره الشعوب بعضها بالفطرة؟ العداء الأهلي بين البنية السيا ...
- الانتماء الحي نحو تأسيس دينامي لشرعية الجماعة السياسية بين ح ...
- بنية الردع الإقليمية وترسيخ مركزية الدولة: إعادة قراءة في ال ...
- قراءة في التوازن الإقليمي والاستراتيجية المستقلة: رد على أطر ...
- أسطورة التجانس القومي: التعددية الفلسفية والدستورية في بنية ...
- تشكُّل القومية الآشورية المعاصرة: بين الهندسة الاستعمارية وا ...
- دراسة أكاديمية موسعة: كورد خراسان (التاريخ، الديموغرافيا، ال ...
- الإطار المنهجي لاختبار نظرية الشراكة الدستورية في التجارب ال ...
- ما بعد -الدولة القومية والإيديولوجيا: زيارة بارزاني لدمشق وه ...
- من احتواء التنوع إلى إعادة صياغة الشرعية: نظرية الشراكة الدس ...
- حتمية الجغرافيا ووهم التحالف التكتيكي: قراءة أكاديمية في الق ...
- إدارة التنوع وإعادة بناء الدولة: مبدأ التوازن الديناميكي بين ...
- الولاء الدستوري بوصفه حصيلة للشراكة الوطنية: دراسة تحليليّة ...
- عمر آغا شمدين وحي الأكراد في دمشق شبكة العلاقات، النضال الوط ...
- ديناميكيات الأفول الجيوسياسي: حتمية -تاريخ الصلاحية- وتفكيك ...
- المسألة الكوردية وبناء الدولة المركبة: الشراكة الدستورية كمد ...
- سوريا بين الدولة الواحدة والدولة متعددة القوميات مقاربة مقار ...
- تفكيك صدام الهويات: نظرية -الولاء المركب- وإدارة الانتماءات ...
- بين فكوك أربعة وسراب الحلفاء: المعضلة الكوردية من حطام -سايك ...


المزيد.....




- الأمن الروسي.. مقتل عسكري بتفجير استهدفه في القرم واعتقال من ...
- تعذيب فلسطيني وربطه بسرير.. كيف حاسب الجيش الإسرائيلي جنوده؟ ...
- تصعيد خطير في الضفة: مستوطنون يحاصرون منازل بـ -قصرة- وحملة ...
- مستوطنون يقتحمون الأقصى واعتقال 33 فلسطينيا وإغلاق قُصرة بال ...
- الأونروا هي المدرسة وإثبات الوجود الوحيد للاجئ الفلسطيني
- غروسي: الأمم المتحدة تموت ببطء
- روسيا.. اعتقال عميل لاستخبارات كييف في القرم
- اعتقال رؤساء الإدارات المدنية بدارفور.. صراع نفوذ داخل -الدع ...
- تحذير مغربي من عبور جماعي للمهاجرين نحو سبتة ومليلية (صور)
- كيف استقبلت المنصات الرقمية قرار إلغاء عقوبة الإعدام في لبنا ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - من الإخفاق إلى المؤسسة: نحو ولادة ثانية للشخصية السياسية الكوردستانية قراءة نقدية في دروس الانقسام، والاعتماد على الخارج، وسلطة الفرد، وغياب التوثيق الذاتي