أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علاء عبد الواحد الحسيني - ندوب تسير على الطريق














المزيد.....

ندوب تسير على الطريق


علاء عبد الواحد الحسيني

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 15:44
المحور: الادب والفن
    


منذ عشر سنوات خلت، كانت هناك عجوزٌ طاعنة في السن، تجلس على قارعة الطريق في أحد أزقة الحي القديم، تبيع بعض الحلويات في بسطتها الصغيرة.

لطالما كانت تتمتم بكلمات غريبة كلما رأت أحدًا يمر من جانبها، لكنها كانت، على نحوٍ عجيب، تطيل الحديث مع أولئك الذين يشترون منها، وكأنها كانت تجد في وجوههم شيئًا لا تجده في المارة.

وفي مرة من المرات، كنت في طريقي إلى المدرسة. دنوت منها، واشتريت بعض الحلوى، فإذا بها تقول لي هامسة:

— أراك متعب الوجه، والحزن يكتنف أنفاسك.

تعجبت من قولها، وحاولت أن أخفي مشاعري بعقلية ذلك الشاب المتمرد، العاشق، الثائر، وقلت لها:

— ومن أين لكِ أن تعرفي شيئًا عن حزني وحالي؟ أنا مجهد ومتعب؛ أعمل نهارًا، وأذهب مساءً إلى مدرستي، وها أنا ذا اشتريت منك وسأذهب.

نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت:

— تمهّل، تمهّل يا ولدي. أتَرى وجهي؟ أتَرى هذه الندوب والشقوق التي تملؤه؟ لكل ندبةٍ منها قصة، ولكل شقٍّ محنة؛ بعضها مرّ بي شخصيًا، وبعضها سمعته من أفواه أصحابها، وبعضها شاهدته بعيني. وقد منحتني تلك التجارب قدرةً غريبة على قراءة الوجوه، واستقراء ما تخفيه الأنفاس.

ثم سكتت قليلًا، وأضافت:

— ولن أخفي عليك... أنا أرى ما يجول في قلبك من حزن وبؤس.

ارتبكت، وقلت لها:

— ومن أنتِ؟ أراكِ أكبر عمرًا مما تبدين. عباءتك السوداء، والعصابة التي تضعينها، والوشوم القديمة التي تملأ يديك ووجهك ورجليك، كلها تنبئ بأن وراء هذا الجسد عمرًا طويلًا.

ابتسمت وقالت:

— لا عليك. لا تشغل بالك بعمري الطويل. هل تريد مني نصحًا؟

قلت:

— إن كانت الحكمة عند أهلها، فالنصح بضاعتي التي أبحث عنها، والحكمة ضالتي، وإن أتعبني البحث عنها.

تأملتني لحظات، ثم قالت:

— اسمع يا ولدي... إياك أن تمنح قلبك لقلبٍ مبتور، مهجور، عنيفٌ على نفسه، يعيش الماضي ويستحضر الحاضر؛ قلبٍ لا ينسى الكلمات ولا الأماكن ولا الوجوه.

ثم اقتربت مني وقالت بصوتٍ أكثر هدوءًا:

— يا بني، إن الحب كالحياة والموت؛ جميلٌ في بداياته، موجعٌ في نهاياته، ويذوب كالجليد عندما تشرق شمس الحقيقة. فلا تكن من ضحاياه.

سكتت قليلًا، ثم تابعت:

— وإياك أن تكون ثانويَّ العنوان في حياة أحد، أو محطةً مؤقتةً للنسيان، أو ذلك الشخص الذي يوزّع مشاعره بلا مقابل، ويمنح أكثر مما يُمنح، ويقدّر العطاء أكثر مما يقدّر صاحبه.

نظرت إليّ طويلًا وقالت:

— اترك من استخفّ بمشاعرك، وامضِ في طريقك.

ثم أشارت بعصاها إلى الطريق أمامي، وقالت:

— أترى كم يبدو طويلًا؟

نظرت إلى الطريق، ثم إليها.

فقالت:

— أم أن الحب الذي أعشى بصيرتك، شوّه ملامح الطبيعة من حولك، حتى لم تعد ترى إلا وجهًا واحدًا؟

صمتُّ.

فقالت:

— تذكّر يا بني... الحياة لن تقف على أحد، والقلب الذي كُسر اليوم قد يجد غدًا من يجبره. وستجد، ذات يوم، من يحتويك بكل عيوبك، ويحبك بكل محاسنك، ولا يجعلك تشعر أنك زائدٌ في حياته.

ثم دفعت إليّ قطعة حلوى أخرى، وقالت:

— خذها يا ولدي... بعض المرارة لا تُحتمل إلا بشيءٍ من الحلو.

أخذتها منها، ومضيت إلى المدرسة.

لكنني، منذ ذلك اليوم، لم أنسَ وجه تلك العجوز، ولا ندوبها، ولا كلماتها.

وبعد عشر سنوات، كلما مررت بوجهٍ حزين، أتساءل:

ترى... كم قصةً تختبئ خلف وجهٍ لا نعرف حكايته؟



#علاء_عبد_الواحد_الحسيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدار دارنا المقدس
- ايران انتصار ام خضوع
- امرأة لا تعرف الانكسار ( قصة من وحي الواقع
- القرار السياسي المفقود في العراق من يتحمله ؟؟؟
- (تنمية الدراسات الدينية المستدامة )
- (المشروع الكوني الامريكي بين الحقيقة والخيال )
- الفضائل وتعددها في المجتمع
- الامبريالية الاستعمارية الاعلامية الحديثة
- جدل الاصلاح في المجتمع من اين يبدأ؟؟
- خيارات الذات في ظل القفزات العلمية والموقف الاخلاقي
- السياسة الامريكية في الشرق الاوسط بعد عام 2030رؤيا مستقبلية
- العراق وخطر التقسيم


المزيد.....




- الفنان قيس الشيخ نجيب يوجه رسالة أمل إلى شباب سوريا في اليوم ...
- أحذية بوانت موقعة من أساطير الباليه الروسي تتصدر مزادا استثن ...
- بوتين يطلع على الاستعدادات لافتتاح مدرسة موسيقية جديدة في شر ...
- -لأول مرة في حلب-.. سيف نبيل في ليلة غنائية منتظرة
- منتدى الثقافات المتحدة في بطرسبورغ يبحث تأثير الذكاء الاصطن ...
- من الهيمالايا إلى موسكو.. 700 قطعة تروي رحلة البوذية في روسي ...
- سجال الهوية واللغة في الجزائر: مواجهة مفتوحة بين مقري ومعزوز ...
- شهدت أفول إمبراطورية المطر.. -آيانيس- قلعة تكشف أسرار العرش ...
- مصر.. فيلم -محمود التاني- يصل إلى دور السينما في هذا الموعد ...
- على خطى -مايكل-.. فرقة -غرين داي- تروي سيرتها الذاتية في فيل ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علاء عبد الواحد الحسيني - ندوب تسير على الطريق