أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - معروفي العيد - «الهوية الجزائرية في زمن العولمة: قراءات تأويلية وتفكيكية»














المزيد.....

«الهوية الجزائرية في زمن العولمة: قراءات تأويلية وتفكيكية»


معروفي العيد

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 01:40
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


بقلم الدكتور؛ معروفي العيد.
ليست الهوية سؤالًا يُطرح عندما تكون الأمم مطمئنة إلى وجودها، وإنما تنبثق بوصفها إشكالًا فلسفيًا كلما اهتزت الحدود بين الذات والعالم، وبين الذاكرة والمستقبل، وبين ما نظنه ثابتًا وما يفرضه التاريخ من تحولات. ولذلك فإن سؤال الهوية الجزائرية اليوم لا ينهض من حنين إلى ماضٍ مكتمل، ولا من خوف عابر من مظاهر العولمة، بل من وعيٍ بأن العالم المعاصر يعيد كتابة خرائط الانتماء، ويعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وثقافته، وبين الدولة وذاكرتها، وبين المجتمع وصورته عن ذاته.
لقد تجاوزت العولمة معناها الاقتصادي الضيق لتصبح نمطًا جديدًا في إنتاج العالم. فهي لا تنقل السلع وحدها، بل تنقل القيم، والتمثلات، وأنماط العيش، وأشكال التفكير، حتى غدت الثقافة نفسها جزءًا من سوق كونية تتنافس فيها الأمم على إنتاج الرموز بقدر تنافسها على إنتاج الثروات. ولم يعد الإنسان يستهلك الأشياء فقط، بل أصبح يستهلك صورًا عن نفسه، ورؤى عن مستقبله، ومفاهيم جاهزة عن الحرية والنجاح والجمال والانتماء. وهنا يكتسب سؤال الهوية الجزائرية بعدًا فلسفيًا جديدًا، لأنه لم يعد يتعلق بحماية الماضي، بل بامتلاك القدرة على إنتاج المعنى داخل عالم يتغير باستمرار.
غير أن الخطأ الذي تقع فيه كثير من الخطابات الثقافية يتمثل في تصور الهوية باعتبارها جوهرًا مغلقًا لا يطرأ عليه التبدل، وكأن التاريخ لم يكن سوى تكرار لذات واحدة ثابتة. والحال أن الهوية، من منظور تأويلي، ليست معطى سابقًا على التاريخ، بل هي نتيجة لتفاعل مستمر بين الذاكرة والتجربة، وبين التراث والتحول، وبين الذات والآخر. إننا لا نرث الهوية كما نرث الأشياء، وإنما نعيد تأويلها مع كل جيل، ونمنحها دلالات جديدة كلما تبدلت شروط الوجود الإنساني.
ولعل ما يمنح الهوية الجزائرية خصوصيتها أنها لم تتشكل من عنصر واحد، بل من تاريخ طويل من التفاعل الحضاري. فقد استطاعت الجزائر أن تستوعب في بنيتها الثقافية أبعادًا متعددة، أمازيغية وعربية وإسلامية وإفريقية ومتوسطية، دون أن يتحول هذا التعدد إلى تناقض وجودي. لقد كانت الهوية الجزائرية، عبر تاريخها، مشروعًا للتركيب لا للإقصاء، وللتكامل لا للتنافي، وهو ما يفسر قدرتها على الصمود أمام محاولات المحو الثقافي خلال الحقبة الاستعمارية، ثم قدرتها على إعادة بناء ذاتها بعد الاستقلال.
لكن العولمة الراهنة لا تمارس الهيمنة بالطريقة التي عرفتها الإمبراطوريات التقليدية؛ فهي لا تدخل البلاد بالجيوش، وإنما تدخلها بالصور، والمنصات الرقمية، والصناعات الثقافية، والخوارزميات التي تعيد تشكيل الذوق واللغة والوعي. إنها سلطة ناعمة تجعل الإنسان يعتقد أنه يختار بحرية، بينما تتحكم في اختياراته شبكات معقدة من الإنتاج الرمزي. وهنا يصبح الدفاع عن الهوية أكثر تعقيدًا، لأن التحدي لم يعد خارجيًا فحسب، بل أصبح يتسلل إلى أنماط التفكير ذاتها.
ومن هنا، فإن القراءة التفكيكية لا تبدأ بالدفاع عن الهوية، بل تبدأ بتفكيك الخطاب الذي ينتجها. فهي تتساءل: كيف نشأ مفهوم الهوية الجزائرية؟ وما الشروط التاريخية التي جعلت منه مفهومًا مركزيًا؟ ومن الذي يحدد ما هو أصيل وما هو دخيل؟
إن هذه الأسئلة لا تهدف إلى نفي الهوية، بل إلى تحريرها من التصورات الجوهرانية التي تحولها إلى كيان مغلق، بينما هي في حقيقتها سيرورة تاريخية مفتوحة على التأويل المستمر.
إن الثقافة الجزائرية لا تُختبر اليوم في قدرتها على مقاومة العولمة بقدر ما تُختبر في قدرتها على تحويل العولمة نفسها إلى مجال للإبداع. فالثقافات التي تكتفي بحراسة الماضي سرعان ما تتحول إلى متاحف للذاكرة، أما الثقافات التي تجعل من ذاكرتها قوة لإنتاج المستقبل، فإنها تبقى قادرة على تجديد نفسها دون أن تفقد جذورها. ومن ثم فإن الهوية ليست ما نحتفظ به فقط، بل ما نبدعه انطلاقًا مما نحتفظ به.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في إقامة حدود صلبة بين المحلي والكوني، بل في بناء وعي نقدي يجعل من الانفتاح فعلًا معرفيًا لا تبعية ثقافية، ويجعل من الاختلاف مصدرًا لإثراء الذات لا سببًا لتفككها. فالهوية التي تخاف الحوار تعلن هشاشتها، أما الهوية التي تدخل في حوار مع العالم من موقع الثقة بتاريخها وقدرتها على الإبداع، فإنها تتحول إلى قوة حضارية لا إلى مجرد ذاكرة جماعية.
إن الجزائر، بما تختزنه من تجربة تاريخية وثقافية غنية، ليست مطالبة بالاختيار بين الأصالة والحداثة، لأن هذا التقابل ذاته ينتمي إلى ثنائيات فقدت قدرتها التفسيرية. إنها مطالبة بصياغة مشروع ثقافي جديد يجعل من الأصالة فعلًا للإبداع، ومن الحداثة أفقًا للنقد، ومن الفلسفة ممارسة دائمة لمساءلة المسلمات. وعندئذ فقط تغدو الهوية الجزائرية مشروعًا مفتوحًا، لا أثرًا جامدًا للماضي، ولا استجابةً انفعالية لتحولات الحاضر، بل أفقًا تاريخيًا يتجدد كلما امتلك المجتمع شجاعة إعادة قراءة نفسه، وإعادة تأويل ذاكرته، وإعادة بناء علاقته بالعالم على أساس المشاركة في إنتاج المعنى، لا الاكتفاء باستهلاكه.



#معروفي_العيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفلسفة بين شرعية الحضور ومفارقة الغياب
- «الفلسفة واليومي: تأويل في المعنى الذي يسكن العادي»
- « عندما يتألم الفلاسفة: في أنطولوجيا الجرح وتأويل الألم»
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة الفيلس ...
- سيرة الاعتراف، سيغموند فرويد وفضله الكبير على الفليسوف بول ر ...
- قراءة في رائعة أُم الزين بن شيخة ، قصيدة -أعراس الماء-
- كيف نقرأ نيتشه اليوم؟ قراءة في كتاب- ضيف الله فوزية كلمات ن ...


المزيد.....




- لماذا يثير تغيير ترامب طائرته سراً التساؤلات عن صحة مزاعمه ح ...
- -لم أتفاجأ-.. ترامب يكشف كواليس تبديل طائرته سراً في تركيا و ...
- زيلينسكي يعلن تقديم مقترحات لأمريكا لإنهاء الحرب وروسيا تستع ...
- ردا على التجربة الصينية.. 40 دولة تطالب بإخطار مسبق قبل اختب ...
- لخدمة الذكاء الاصطناعي.. ماسك يخطط لإنشاء أكبر مصنع في العال ...
- اليابان تقدم احتجاجا لكوريا الشمالية بعد إطلاق صاروخ
- استهداف -سفينة نقل معدات عسكرية سعودية-، والنفط يصعد بعد إعل ...
- -خدعة إسرائيلية-.. مسؤولون أتراك يشككون في صحة التحذيرات من ...
- وزير الخارجية الأمريكي: كوبا ستتجه إلى مستقبل مختلف قبل نهاي ...
- -إسرائيل ديفنس-: حروب وصراعات الشرق الأوسط زادت الطلب دوليا ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - معروفي العيد - «الهوية الجزائرية في زمن العولمة: قراءات تأويلية وتفكيكية»