أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد عثمان محمد - لماذا يحكم الحمقى العالم؟ (تفسير علمي)















المزيد.....



لماذا يحكم الحمقى العالم؟ (تفسير علمي)


أحمد عثمان محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 07:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


وهم الثقة
يميل معظم الناس إلى أن يتخيلوا أن الأذكياء يرتقون بطبيعتهم إلى القمة، ونميل أيضًا إلى الاعتقاد بأن الأذكياء هم من يقودون المجتمعات، وأن المعرفة تنتصر على الجهل في النهاية، وأن التفكير العقلاني يوجه مسار التاريخ.
لكن عندما نتفحص الماضي، والحاضر، بدقة، نصطدم بمفارقة غريبة.
فالكثير من ذوى المعرفة عميقة نادرًا ما يتولون مقاليد قيادة المجتمعات، بينما يحظى من يملكون معرفة و فهمًاً أقل بمناصب قيادية وتأثير هائل. إن هذا النمط ليس إخفاقًا إجتماعيًا، بل طبيعة متجذر في بنيان العقل البشري.

وتُعد "أوهام الثقة" من أعتى القوى التي تشكل السلوك البشري؛ فالثقة ليست أكثر من إشارة يفسّرها الدماغ سريعاً على أنها قوة ويقين وقدرة على القيادة.
فعندما يتحدث شخص ما بيقين مطلق، يفترض عقلك غريزيًا أن هذا الشخص لا بد أن يكون على دراية بشيء مهم.

لم يظهر هذا الميل الفطري صدفةً، بل تطور عبر آلاف الأجيال. عاش أجدادنا معظم التاريخ البشري في مجموعات صغيرة يتهددها الخطر باستمرار. وحين كانت القبيلة تواجه خطراً مفاجئاً— حيوان مفترس أو عدو متربص—لم يكن ثمة وقت للمناظرات الفكرية الطويلة، بل كان اللازم هو التحرك الفوري.

كان صوت واثق ينادي: "اتبعوني!" كفيلاً بإنقاذ الأرواح؛ لأن القبيلة قليلقة العدد في ذلك الزمن السحيق كانت القبيلة بحاجة إلى حسم أمورها أكثر من حاجتها إلى التأمل الفلسفي. ونتيجة لذلك، طور الدماغ البشري انحيازاً قوياً نحو الارتياح للافراد للواثقين.
لكن العالم الحديث يختلف تماماً عن حياة قبائل السافانا في عصور ما قبل التاريخ؛ فتحديات اليوم ليست أسوداً مهاجمة ولا عواصف مفاجئة، بل هي أنظمة معقدة كالاقتصاد، والذكاء الاصطناعي، وعلوم المناخ، والسياسة الدولية.
تتطلب هذه المشكلات تحليلاً دقيقاً ومعرفة عميقة وصبراً، غير أن أدمغتنا لا تزال تستجيب لإشارات الثقة وكأننا نعيش قبل آلاف السنين. وهذا ما يخلق فجوة خطيرة بين الانطباع والواقع؛ إذ قد يبدو المتحدث الواثق ذكياً حتى إن كلماته خالية من أي عمق، بينما قد يظهر الخبير المتريث الذي يفسر الشك بعناية بمظهر الضعيف أو المتردد.


الاستدلالات المعرفية: طريق مختصر للثقة
المشكلة ليست في أن الناس يختارون الجهل عمدًا، بل لأن العقل البشري يسلك طرقاً مختصرة عند تقييم المصداقية.
تُعرف هذه الطرق المختصرة في علم النفس باسم "الاستدلالات المعرفية"، وهي قواعد ذهنية تساعد الناس على اتخاذ قرارات سريعة دون تحليل كل التفاصيل.

في حياتنا اليومية، قد تكون هذه الأساليب المختصرة مفيدة؛ لأنها تُمكّن الدماغ من معالجة كميات هائلة من المعلومات في وقت قصير نسبيًا، غير أنها قد تؤدي إلى سوء فهم جسيم في المجتمعات المعقدة.

ومن أقوى هذه الأساليب المختصرة "الربط بين الثقة والكفاءة."
فعندما يرى الناس شخصاً يتحدث بشجاعة ويطلق ادعاءات بسيطة دون تردد، يفسر الدماغ هذا السلوك كدليل على السلطة والمعرفة، وقليلاً ما يتوقف الجمهور ليسأل عما إذا كانت تلك الثقة مدعومة بالفعل بالمعرفة أم لا.

في المقابل، يتحدث أصحاب الفهم العميق للموضوعات المعقدة بأسلوب مختلف؛ فهم يدركون حدود معرفتهم، ويعترفون بالشك، ويوضحون أن كثيراً من القضايا ينطوي على متغيرات متعددة ونتائج غير محسومة.
مثل هذا الصدق مسؤول فكرياً، لكنه من الناحية النفسية قد يبدو أقل إقناعاً. تخيل شخصين يناقشان قضية عالمية معقدة؛ يقول الأول: "هذه المسألة متعددة الأبعاد، ولا يزال الخبراء يدرسون عواقبها العميقة في المستقبل القريب والبعيد"، بينما يقول الثاني: "الحل بسيط، والجميع على خطأ؛ اتبعوني وسأصلح كل شيء". من منظور علمي، تعكس العبارة الأولى نزاهة فكرية، أما من منظور نفسي، فالعبارة الثانية تبدو أكثر جاذبية بكثير، فالعقل البشري يعشق اليقين.

هذا الانجذاب نحو اليقين يخلق وهماً قوياً؛ إذ يخلط الناس غالباً بين مظهر اليقين والمعرفة الحقيقية، دون أن يدركوا أن اللنبرة الواثقة قد تخفي جهلاً عميقاً.

ومع مرور الوقت، قد ترفع المجتمعات من شأن من يظهرون الثقة بدلاً من رفع شأن الخبراء المتمكنين.

وتزداد قوة " وهم الثقة" عندما تقترن بالسرد القصصي. البشر كائناتٌ تجيد سرد القصص. فنحن ننظم فهمنا للعالم من خلال روايات تُبسّط الحقائق المعقدة.

يستطيع الراوي الواثق تحويل موقفٍ معقد إلى معركةٍ بسيطة بين أبطالٍ وأعداء. ومثل هذه السرديات مريحة لنا عاطفياً وتمنح وضوحاً في عالم مرتبك. لكن الوضوح ليس هو الحقيقة، والأنظمة المعقّدة نادراً ما تنصاع لقصص بسيطة.
فالاقتصاد - على سبيل المثال- يتأثر بآلاف المتغيرات. وغالبًا ما تنشأ الصراعات السياسية المعاصرة عن قرونٍ من الأحداث التاريخية. والاكتشافات العلمية تتطلب دائمًا سنواتٍ من التجارب الدقيقة.

الحقيقة في غالب الأمر مشوشة وغير واضحة ومليئة بالتناقضات. والدماغ لا يستمتع دوماً بالتعقيد، و يفضل القصص المتماسكة والمؤثرة عاطفيًا.
فعندما يقدم متحدث واثق سردًا واضحًا، قد يتقبله الناس حتى لو تجاهل حقائق جوهرية. ولهذا السبب، قد تصبح الثقة بالنفس أكثر تأثيرًا من المعرفة. لكن وهم الثقة ليس هو القصة كاملة.


مفارقة الجهل
ثمة تفسير علمي قوي آخر ينبع من علم النفس المعرفي، وتحديدًا من ظاهرة تُعرف بتأثير دانينغ-كروجرDunning-Kruger effect. يصف هذا المفهوم مفارقة رائعة في الذكاء البشري. فلأشخاص الذين يفتقرون إلى المعرفة في مجال معين غالبًا ما يبالغون في تقدير قدراتهم فيه. وفي الوقت نفسه، غالبًا ما يقلل الأفراد ذوو الخبرة الحقيقية من شأن معرفتهم مقارنةً بالآخرين.

ولفهم سبب حدوث ذلك، علينا أن ندرس كيفية عمل المعرفة في الدماغ. تخيل شخصاً تعلم للتو قدراً يسيراً عن موضوع معقد كالاقتصاد أو علم النفس أو الذكاء الاصطناعي؛ بمعلوماته البسيطة هذه، قد يبدو له الموضوع بسيطاً، ويظن أنه استوعب الفكرة الجوهرية، ويبدو النظام في عينيه واضحاً وسهل الإدارة. لكن مع تعمقه في الدراسة، يحدث تحول مدهش؛ فكلما اكتسب معرفة أكبر، اكتشف مزيداً من التعقيد. كل إجابة تكشف عن أسئلة جديدة، وكل مفهوم يتصل بطبقات إضافية من المعلومات، حتى يدرك في النهاية أن الموضوع أكثر تعقيداً مما بدا له أول الأمر.

هنا، وفي هذه اللحظة يولد التواضع المعرفي. يبدأ المرء بقول عبارات مثل: "ما زال هناك الكثير مما لا أفهمه". ومن المفارقات أن هذه العبارة تعكس معرفة أعمق لا جهلاً، غير أن المراقبين الذين يفتقرون إلى نفس العمق من المعرفة قد يفسرون هذا التواضع على أنه ضعف، ويظنون أن الخبير الحذر متشكك أو مرتبك، بينما يبدو الهاوي المفرط في الثقة حاسمًا وأكثر وضوحاً.
يحدث تأثير دانينغ-كروجر لأن المهارات اللازمة للأداء الجيد في مجال ما هي نفسها المهارات اللازمة لتقييم الأداء في ذلك المجال،و إذا افتقر شخص ما إلى هذه المهارات، فلن يتمكن من إدراك أخطائه.

من يملك فهماً محدوداً قد يشعر بيقينٍ كامل، لأنه لا يرى الثغرات في معرفته. أما الخبراء فيرون تلك الثغرات بوضوح لأنهم يدركون تعقيد الموضوع. يخلق هذا الوضع خللاً في الحوارات العامة.

قد يهيمن الأفراد المفرطون في الثقة على النقاشات العامة لأنهم لا يترددون في التعبير عن آراء جريئة.

أما الخبراء، المدركون للتعقيد، فقد يتكلمون بحذر أكبر في بيئة إعلامية تُكافئ الرسائل البسيطة والتصريحات المثيرة.

غالبًا ما ينتشر الصوت الواثق أسرع من الشرح الدقيق. وتُضخّم التكنولوجيا الرقمية هذا التأثير بشكلٍ كبير، فمنصات التواصل الاجتماعي مصممة أساسًا لزيادة التفاعل إلى أقصى حد ممكن.

ينتشر المحتوى الذي يُثير ردود فعل عاطفية قوية - كالغضب والحماس والسخط - بسرعة عبر شبكات تضم بلايين الأشخاص، وفي المقابل نادرًا ما تُثير الشروحات الدقيقة، المتأنية والحذرة نفس القدر من الشدة العاطفية.
ونتيجةً لذلك، فإن الأصوات الأكثر انتشارًا ليست دائمًا الأكثر دقة؛ بل غالبًا ما تكون الأكثر إثارةً للمشاعر.

لا يعني هذا أن الذكاء قد اختفى من المجتمع. فالعلماء والباحثون والمفكرون ما زالوا يُنتجون معارف استثنائية.
لقد حققت الحضارة الإنسانية تقدماً مذهلاً في مجالات عديدة مثل التكنولوجيا والطب، لكن آليات توزيع الانتباه في تلافيف المخ البشرى لا تُعلي دوماً، ولا تعطي الأولوية للتفكير الرصين المتأني القائم على الشك، لأن أنتباه الفرد بطيبعته يتدفق نحو الوضوح واليقين والأثر العاطفي. وهكذا تزدهر الثقة المفرطة.

عندما نستمع تفسيراً مبسّطاً يُلقى بنبرة واثقة، مرة تلو الاخرى، يتسلّل هذا التفسير إلى وعينا كأنه حقيقة مألوفة. وأثبتت الدراسات النفسية أن الألفة وحدها كافية لتمنح الفكرة مظهر الصدق.

فإذا صادف المرء العبارة ذاتها مرات عديدة، ينزلق شيئاً فشيئاً نحو تصديقها دون تمحيص. وهكذا يصير التكرار أداةً تُكسب الأفكار الهشّة ثوب القناعات الراسخة.

لا تتطلب هذه العملية نية خبيثة، بل تحدث غالباً لمجرد أن الواثقين يعبرون عن أرائهم الغير مسنودة بالمنطق او العلم عبر منصات التواصل الاجتماعى بكثافة وبصوت أعلى مقارنة بالخبراء الحذرين، وعليه يتم تداول أفكارهم على نطاق واسع وتكتسب رؤية وتعزيزاً اجتماعياً.


علم النفس التطوري: البقاء على حساب الحقيقة
لكن الدرس الأعمق من هذه الملاحظات العلمية لا يتعلق فقط بقادة أغبياء أو أتباع مضللين، بل يكشف شيئاً أساسياً عن كل من الادراك والمعرفة البشرية.

لم يُصمم الدماغ البشري - في المقام الأول- ليطارد الحقيقة؛ بل صُمم لمساعدة الفرد على البقاء ضمن الجماعة او القبيلة، وعلى مر التاريخ التطوري، كان الحفاظ على الانتماء الاجتماعي غالبًا أهم من امتلاك معلومات دقيقة.

فالشخص الذي يتحدى معتقدات المجموعة بقسوة قد يُستبعد من القبيلة، والاستبعاد يعني الجوع، التعرض للمخاطر أو الموت. لذلك طوّر الدماغ آليات تفضل التوافق والثقة على الشك الدائم.
وحتى اليوم، يشعر الكثيرون براحة أكبر في دعم سرديات واثقة تتوافق مع مجتمعاتهم بدلاً من استكشاف حقائق معقدة تتحدى معتقداتهم المألوفة.

إن فهم هذه الأنماط النفسية لا يعني أن البشرية محكومة عليها بالخضوع للجهل، فالوعي بحد ذاته أداة قوية. وبمجرد أن يدرك الناس "وهم الثقة وديناميكيات الانحياز المعرفي،" يمكنهم بدء التشكيك في الإشارات التي يثق بها دماغهم تلقائياً.
وبدلاً من السؤال عن الشخص الذي يبدو أكثر يقيناً، قد يبدأون بالسؤال عن الشخص الذي فحص الأدلة بأكبر قدر من العناية، وبدلاً من افتراض صحة الإجابات البسيطة، قد يتعلمون تقدير قيمة الشك المدروس.

لا يزيل هذا الوعي الانحيازات البشرية، فالبنية التطورية للدماغ لا تُمحى بين عشية وضحاها، لكن الوعي يخلق مساحة للتأمل، والتأمل هو بداية الحكمة.

إذا أردنا فهم سبب تركز السلطة غالبًا في أيدي غير الحكماء، فعلينا أن نبدأ بحقيقة غريبة عن "نوعنا Our species." البشر ليسوا أقوى الحيوانات، ولا أسرعها، ولا حتى أذكاها فرديًا مقارنةً ببعض الأنواع الأخرى.

ما جعل البشر أقوياء حقًا هو قدرتهم على ابتكار قصص مشتركة والإيمان بها. يستطيع الشمبانزي التعاون مع خمسين شمبانزيًا آخر يعرفهم شخصيًا، بينما يستطيع البشر التعاون مع ملايين الغرباء. هذا التعاون لا ينبع من الغريزة وحدها، بل من الخيال الجماعي.

تؤدي المجتمعات الكبيرة وظائفها الأساسية والضرورية لأن الناس يؤمنون ببنى غير مرئية. الدول، والقوانين، والشركات، والعملات، وحتى العديد من القيم الاجتماعية، موجودة أساسًا في عقول البشر. إنها قصص يتفق عليها عدد كبير من الناس.

لنأخذ شيئًا بسيطًا كالعملة الورقية. قطعة الورق ليس لها قيمة جوهرية. لا يمكنك أكلها، أو شربها، أو بناء منزل منها. ومع ذلك، يقضي مليارات البشر حياتهم في العمل للحصول على قطع من الورق أو أرقام في حساباتهم المصرفية. لماذا؟ لأن الغالبية العظمى من البشر يؤمنون بأن هذه الرموز تمثل قيمة.

ينطبق المبدأ نفسه على الأمم. فالأمة ليست جبلاً ولا نهراً، وليست شيئاً ملمسًا أو محسوسًا. إنها فكرة يتشاركها ملايين البشر الذين قد لا يلتقون أبداً، ومع ذلك فهم على استعداد للقتال والموت، من أجل هذا المجتمع المتخيّل.
القصص هي الرابط الخفي الذي يوحد المجتمعات البشرية الكبيرة. هذه القدرة الاستثنائية مكّنت البشر من السيطرة على كوكب الأرض، لكنها خلقت أيضاً نقطة ضعف. فعندما تعتمد المجتمعات على القصص، يكتسب من يسيطر على القصة قوة هائلة.

غالبًا ما ينجح القادة السياسيون والسلطات الدينية والمؤسسات المؤثرة ليس لإنهم يعرفون الواقع أعمق، بل لأنهم يحسنون حبك روايات تمسّ مشاعر جماعات واسعة.
ولا يشترط أن تكون هذه الروايات دقيقة دائمًا، بل إنها غالبًا ما تكون مؤثرة لأنها تُبسّط الواقع.

العالم الذي نعيش فيه اليوم شديد التعقيد؛ فأنظمة المناخ والشبكات الاقتصادية والسياسة العالمية والابتكار التكنولوجي أنظمة تنطوي على آلاف المتغيرات المتفاعلة، يتطلب فهما الكثير من الصبر والأدلة والتواضع الفكري، لكن النفسية البشرية بطبيعيتها لا تستمتع بالتعقيد.

تفضل أدمغتنا التفسيرات البسيطة، ونحب الأبطال والأشرار الواضحين، والقصص التي تُحلّ فيها المشاكل بسرعة، ويبدو فيها المستقبل قابلاً للتنبؤ، وعليه فأيصال القصة البسيطة أسهل بكثير في إيصال الحقيقة المعقدة.

فعندما يقول أحدهم: "المشكلة معقدة وتتطلب تخطيطًا دقيقًا طويل الأمد"، يفقد معظم الناس اهتمامهم سريعًا.
لكن عندما يقول أحدهم: "كل شيء بسيط. أعرف تمامًا من المسؤول عن مشاكلكم، وأعرف تمامًا كيف أحلها"، تُصغي إليه الجماهير. وبهذا، يصبح سرد القصص أداةً للسلطة.

فعلى مر عصور التاريخ، تشكلت المجتمعات على يد من استطاعوا صياغة الروايات الأكثر إقناعًا، لا التحليلات الأكثر دقة. ولم تنتشر الأديان عبر الحجج اللاهوتية فحسب، بل عبر الأساطير والطقوس المؤثرة التي منحت معنى لحياة الناس.
ولم تُبنَ الإمبراطوريات بالجيوش فحسب، بل أيضًا بقصص قوية عن المصير والهوية والتفوق. حتى الأنظمة السياسية الحديثة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الروايات. فنادرًا ما يفوز في الحملات الانتخابية المرشح الأكثر درايةً بشرح تفاصيل السياسات المعقدة؛ بل غالبًا ما يفوز بها المرشح الذي يروي القصة الأكثر تأثيرًا عاطفيًا.

يعالج الدماغ البشري القصص بسهولة أكبر بكثير من الأدلة الإحصائية. فإذا عرضت ألف صفحة من البيانات تشرح اتجاهًا اقتصاديًا معقدًا، فلن يقرأها إلا عدد قليل من الخبراء. أما إذا عرضت قصة بسيطة عن بطل يحارب عدوًا، فسيفهمها الملايين فورًا. فالقصص تُشكّل الهوية، وتُرسّخ الانتماء، وتُنشئ روابط عاطفية. وبمجرد أن يرتبط الناس عاطفيًا بقصة ما، يصبح من الصعب للغاية دحضها بالحقائق.

الحقائق تُخاطب المنطق، بينما تُخاطب القصص الهوية. فعندما يُشكّك أحدهم في قصة تُحدّد هوية شخص ما، لا يُفسّرها الدماغ على أنها خلاف فكري، بل تهديد شخصي.

لهذا السبب، يُدافع كثير من الناس بحماس شديد عن معتقدات خاطئة بشكل واضح. إنهم لا يُدافعون عن معلومات، بل يُدافعون عن مكانتهم في السرد الاجتماعي.
والنتيجة هي أن المجتمعات تتبع أحيانًا قادةً ليس لأنهم يفهمون الواقع بشكل أفضل، بل لأنهم يُقدّمون السرد الأكثر إرضاءً عاطفيًا. في مثل هذه البيئة، لا تسود الحكمة دائمًا، بل قوة السرد.
لكن سرد القصص وحده لا يُفسّر لماذا يكتسب الحمقى أحيانًا نفوذًا على الشعوب الذكية.

العاطفة مقابل العقل
هناك قوة أخرى مهمة تعمل داخل العقل البشري تسمي "العاطفة". كثيرًا ما يميل الناس إلى اعتقاد أنهم يتخذون قراراتهم بعقلانية.

نتخيل أنفسنا نقيم الأدلة بدقة، ونقارن الخيارات، ونختار المسار الأمثل. لكن علم الأعصاب وعلم النفس الحديث يُثبتان مرارًا وتكرارًا أن للعواطف دورًا أكبر بكثير في عملية صنع القرار مما يُحب الناس الاعتراف به. فقبل أن يبدأ العقل بتحليل الموقف، تكون الأنظمة العاطفية في الدماغ قد بدأت بالفعل في توجيه السلوك.

الخوف، والغضب، والفخر، والأمل، والانتماء، كلها قوى مؤثرة تُشكل خيارات الإنسان.

في السياسة والحياة الاجتماعية، غالبًا ما تنتشر الرسائل العاطفية أسرع بكثير من الحجج المنطقية.

والخوف بصفة خاصة يشكل قوةٌ هائلة. فعندما يشعر الناس بالتهديد، يتحول الدماغ إلى وضعية الدفاع عن البقاء.

في هذه الحالة، يصبح الأفراد أكثر ميلًا لدعم القيادة القوية والحاسمة والحلول البسيطة، وتفقد النقاشات المعقدة والتفسيرات الدقيقة جاذبيتها.

فالناس يتوقون إلى الوضوح والحماية. هذه الآلية النفسية ساعدت في الماضي القبائل الصغيرة على النجاة من الحيوانات المفترسة والجماعات المنافسة، لكن في المجتمعات الحديثة، يسهل التلاعب بهذه الآلة النفسية التى حمت القبائل الصغيرة عصر ما قبل التاريخ.

فالقائد الذي يُشدد باستمرار على الخطر ويحافظ على نفوذ قوي على أتباعه من خلال تصوير العالم كساحة معركة بين الخير والشر، يُفعّل غرائز عاطفية عميقة في الدماغ البشري.

كما أن "الغضب" قد يكون آلية ذات قوة سياسية كبيرة، عندما يشعر الناس بالإحباط من الصعوبات الاقتصادية أو التغيرات الاجتماعية أو حالة عدم اليقين.
فالغضب يمنحهم إحساسًا بالاتجاه. فبدلًا من الشعور بالحيرة، يشعر الأفراد بالحيوية عندما يُحددون عدوًا مسؤولًا عن مشاكلهم.

قد يكون هدف ذلك الغضب متجهًا نحو السبب الحقيقي للمشكلة، وقد لا يكون، لكن التنفيس العاطفي يجعل السردية جذابة.

تُضاعف منصات التواصل الاجتماعي من حدّة هذه الديناميكيات العاطفية. فالخوارزميات مصمّمة أصلاً لجذب الانتباه، والمحتوى الأقدر على فعل ذلك هو في الغالب المحتوى الذي يخاطب العاطفة لا العقل.
رسائل الغضب والخوف والحماسة تسري في الشبكات الرقمية كالنار في الهشيم، في حين يظل التحليل الرصين والتفسير المتّزن على هامش الانتشار.

وعلى هذا، باتت منظومات المعلومات المعاصرة تُكافئ الحدّة العاطفية أكثر مما تكافئ العمق الفكري.

فالخبير المتأنّي الذي يشرح حدود المعرفة ويُقرّ بالشك لا يكاد يلتفت إليه أحد، بينما يصل شخص واثق يطلق ادعاءات درامية إلى الملايين.
وهكذا تنشأ بيئة يصبح فيها الشحن العاطفي لا البرهان العقلي هو المفتاح الأنجع للوصول والتأثير.





ومن العوامل العاطفية الهامة الأخرى هي رغبة الإنسان في الانتماء. فالبشر كائناتٌ اجتماعيةٌ بطبيعتها. وعلى مدار معظم تاريخنا التطوري، كان البقاء على قيد الحياة يعتمد على البقاء جزءًا من مجموعةٍ داعمة؛ إذ كان الانعزال عن المجموعة يعني الموت في كثيرٍ من الأحيان. وحتى اليوم، يُعامل الدماغ البشري الرفض الاجتماعي كتهديدٍ خطير للبقاء على قيد الحياة.

تُظهر دراسات المخ والاعصاب الحديثة أن الإقصاء الاجتماعي يُنشّط العديد من مناطق الدماغ المرتبطة بالألم الجسدي. ولهذا السبب، غالبًا ما يُكيّف الأفراد معتقداتهم لتتوافق مع الجماعات التي ينتمون إليها.

إذا آمن مجتمع ما بسردية معينة، فقد يتردد أفراده في تحديها، حتى لو شكّكوا في صحتها سرًا. فالخوف من فقدان القبول الاجتماعي قد يكون أقوى من الرغبة في البحث عن الحقيقة.

تسمح هذه الديناميكية للأفكار المُبسطة أو المُضللة بالانتشار داخل المجتمعات دون مقاومة تُذكر.

بمجرد أن تُصبح هذه السردية جزءًا من هوية الجماعة، قد يُنظر إلى التشكيك فيها على أنه خيانة للجماعة نفسها، وهنا تبرز قوة القيادة العاطفية.

فالقائد الذي ينج في ربط رسالته بهوية الجماعة يكسب أتباعًا مُخلصين يُدافعون عن سرديته بحماس. ولا يعتمد هذا الولاء بالضرورة على الاتفاق الفكري، بل على الارتباط العاطفي.

عندما يشعر الأتباع بأن هويتهم أو كرامتهم أو مستقبلهم مرتبط بسردية قائدهم، فقد يستمرون في دعمه حتى عندما يدركون أن سرديته تُناقض الأدلة المستخلصة من الواقع المعاش.

لقد تكرر هذا النمط مرارًا عبر التاريخ. فقد اتبعت جماعات كبيرة من الأفراد الأذكياء قادةً قدموا لهم اليقين العاطفي بدلًا من الصدق الفكري.

لم يكن هؤلاء الأتباع بالضرورة حمقى، بل كانوا يستجيبون لآليات نفسية قوية شكلها التطور البيولوجي والحياة الاجتماعية.

يُعدّ فهم هذه الديناميكية أمرًا بالغ الأهمية لأي مجتمع يرغب في حماية نفسه من التلاعب.

فعندما يُدرك المواطنون كيف تؤثر القصص والعواطف في قراراتهم، فإنهم يكتسبون قدرًا من المناعة الواعية العقلية من التأثيرات اللاواعية الغير مدروسة والمؤسسة على الغريزة العاطفية العمياء.

لكن تحقيق هذا الوعي يتطلب تعليمًا وتدريبًا عقليًا يتجاوز مجرد حفظ الحقائق، بل يتطلب فهم كيفية عمل العقل البشري، والتمييز بين الجاذبية العاطفية والأدلة التجريبية، وتنمية التواضع الفكري - أي الاستعداد للاعتراف بالغموض والتعقيد، حتى عندما تكون الإجابات البسيطة أكثر راحة.

يَكمُن التحدي في أن العقل البشري بطبيعته يميل إلى اليقين والبساطة. ويتطلب مقاومة هذه الغريزة جهدًا واعيًا.
يتطلب الأمر التريث عند مواجهة روايات مؤثرة، وطرح أسئلة صعبة مثل: من المستفيد من هذه الرواية؟ ما الأدلة التي تدعمها؟ ما المعلومات التي قد تكون غائبة؟

ليست هذه الأسئلة سهلة في عالم مليء بالرسائل العاطفية والمشتتات المستمرة، لكنها ضرورية إذا أرادت المجتمعات أن تقود الحكمة لا الحماقة مستقبلها.
لا يكمن الخطر الأكبر في وجود الحمقى، بل في توقف مجتمعات بأكملها عن التساؤل حول الروايات والعواطف التي تشكل قراراتها الجماعية.

عصر المعلومات: الخوارزميات والتضخيم
يؤسس عالمنا المعاصر على المعلومات. فكل قرار حكومي، وكل معاملة مالية، وكل حركة اجتماعية، وكل حملة سياسية، تتشكل بفعل تدفق المعلومات.

لكن القوة الأقوى في هذا النظام ليست المعرفة بحد ذاتها، بل القدرة على التحكم في المعلومات التي يراها الناس، والمعلومات التي يتجاهلونها، والمعلومات التي يصدقونها.

على مرّ معظم تاريخ البشرية، كان التحكم في المعلومات بالغ الصعوبة. ففي العصور القديمة، كانت المعلومات تنتقل ببطء شديد.

كانت الرسالة التي يحملها حصان تستغرق عدة أسابيع للوصول الى حدود الدولة. وكانت الشائعات تنتقل من قرية إلى أخرى، لكنها تتغير باستمرار عند انتقالها من شخص لآخر.

كانت القوة تعتمد في الغالب على القوة البدنية، والمساحة، والموارد، لكن حدث أمر استثنائي خلال القرون القليلة الماضية.
قد ابتكر البشر تقنيات زادت بشكل كبير من سرعة المعلومات ونطاقها. أتاحت الصحف حوارات وطنية مشتركة. ومكّن الراديو والتلفزيون صوتًا واحدًا من الوصول إلى ملايين الأشخاص في وقت واحد. ثم جاء الإنترنت.
ولأول مرة في التاريخ، يحمل كل إنسان تقريبًا جهازًا في جيبه يربطه فورًا بشبكة عالمية من المعلومات. وتنتقل مليارات الرسائل عبر هذه الشبكة كل ثانية. تتنافس الأخبار والآراء والشائعات والاكتشافات العلمية ونظريات المؤامرة وردود الفعل العاطفية على نفس القدر المحدود من انتباه الإنسان.

للوهلة الأولى، يبدو هذا وكأنه أعظم انتصار للمعرفة في تاريخ البشرية. ففي النهاية، لم يسبق أن أتيحت الفرصة لهذا العدد الهائل من الناس للوصول إلى هذا الكم الهائل من المعلومات. يستطيع أي شخص يمتلك هاتفًا ذكيًا قراءة الأبحاث العلمية، أو مشاهدة المحاضرات التعليمية، أو تعلم أفكار معقدة من خبراء حول العالم. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فوفرة المعلومات لا تخلق الحكمة تلقائيًا. في الواقع، عندما يتعرض البشر لكميات هائلة من المعلومات، غالبًا ما يعتمدون على اختصارات لتحديد ما يصدقونه. فبدلًا من تحليل الأدلة بعناية، يثق الناس بالرسائل التي تؤكد معتقداتهم الحالية، أو التي تُنقل بثقة عالية، أو التي تثير مشاعر قوية.

هنا يصبح التلاعب ممكنًا. فالتكنولوجيا الحديثة لا تكتفي بنشر المعلومات، بل تقوم أيضًا بتصفيتها. تستخدم جميع منصات التواصل الاجتماعي خوارزميات مصممة لتحديد المنشورات التي تظهر أمامك وتلك التي تبقى مخفية عنك. هذه الخوارزميات ليست مصممة أساسًا لنشر الحقيقة أو المعرفة، بل لزيادة الانتباه إلى أقصى حد. فالانتباه هو أثمن مورد في الاقتصاد الرقمي. كلما طالت مدة تفاعل المستخدمين مع المحتوى، زادت الإعلانات التي يشاهدونها، وبالتالي زادت أرباح المنصات.

نتيجةً لذلك، غالبًا ما تُعطي الخوارزميات الأولوية للمحتوى الذي يُثير ردود فعل عاطفية قوية: الغضب، والخوف، والحماس، والسخط، ونادرًا ما ينتشر التحليل الدقيق بنفس سرعة انتشار السرد العاطفي.

قد يتطلب شرحٌ مُتأنٍّ لقضية سياسية مُعقدة عشرين دقيقة من القراءة، بينما يُمكن لشعار بسيط أن يُؤثر في ملايين الأشخاص في ثوانٍ معدودة. هذا يُؤدي إلى خلل خطير. أولئك المُستعدون لتحويل الواقع إلى روايات درامية يكتسبون نفوذًا هائلًا على الرأي العام. والعديد من هذه الروايات لا تُصاغ لتعليم او رفع وعي المجتمعات، بل للتلاعب لإستدرار عواطفهم.
عندما يكتسب الأفراد أو المنظمات القدرة على توجيه تدفق المعلومات، فإنهم يكتسبون القدرة على تشكيل الإدراك، والإدراك يُشكل الواقع.
إذا آمن ملايين الأشخاص بفكرة مُعينة، فإن هذا الاعتقاد يبدأ في التأثير على الانتخابات، والأسواق، والقوانين، والعلاقات الدولية.

بهذا المعنى، يُمكن أن يكون التحكم في المعلومات أقوى من التحكم في الجيوش. لكن التلاعب بالمعلومات ليس سوى جانب واحد من القصة.

تكمن المشكلة الأعمق في "العقل البشري" نفسه. يُحب البشر أن يتخيلوا أنهم يتخذون القرارات بناءً على المنطق والتفكير الدقيق. نميل إلى الاعتقاد بأن الناخبين يحللون البرامج السياسية، وأن المواطنين يدرسون الأدلة بعناية، وأن المجتمعات تكافئ الكفاءة والخبرة. إلا أن الأبحاث النفسية تُظهر باستمرار عكس ذلك تمامًا.
فالعديد من القرارات البشرية تحركها العواطف والهوية الاجتماعية وردود الفعل الغريزية أكثر من التحليل العقلاني.

حتى الأفراد ذوو التعليم العالي ليسوا بمنأى عن هذه التأثيرات. فالذكاء لا يحمي الناس تلقائيًا من التحيز أو التلاعب. لقد تطور الدماغ البشري في عالم يختلف تمامًا عن عالمنا اليوم. ففي معظم تاريخ البشرية، كان البقاء يعتمد على سرعة اتخاذ القرارات بشأن التهديدات والتحالفات. فإذا تحدث شخص في القبيلة بثقة وبدا قويًا، تنقاد له القبيلة بأسرها. وإذا أثار غريب الخوف أو الشك، فإن رفضه بسرعة قد يجنبنا الخطر. كانت هذه الغرائز مفيدة في القبائل الصغيرة في عصور ما قبل التاريخ. أما في المجتمعات الحديثة التي تضم ملايين المواطنين وأنظمة سياسية معقدة، فقد تؤدي هذه الغرائز نفسها إلى قرارات جماعية خاطئة. فكثيرًا ما يختار الناس قادتهم بناءً على انطباعات عاطفية بدلًا من الكفاءة المُثبتة.

قد يُوهم الصوت الواثق، أو الشعار القوي، أو الوعد المثير، بالقوة والوضوح. في المقابل، قد يبدو الخبراء المتمرسون الذين يُشددون على عدم اليقين ضعفاء أو مترددين. يُعطي هذا الخلل ميزةً للأفراد المستعدين للتحدث بيقين مطلق، حتى وإن كانت معرفتهم ضئيلة. وقد درس علماء النفس هذا النمط بتفصيل من خلال تأثير دانينغ-كروجر، الذي يصف مفارقة في الإدراك البشري.
فالأشخاص ذوو المعرفة المحدودة في مجال معين غالبًا ما يعجزون عن إدراك أخطائهم. ولأنهم لا يفهمون تعقيد الموضوع، يفترضون أن المشكلة بسيطة وأن فهمهم لها كامل. في الوقت نفسه، يزداد وعي الأفراد ذوي المعرفة الأعمق بمدى جهلهم.

غالبًا ما تُنتج الخبرة التواضع بدلًا من الغرور. فكلما تعمق المرء في دراسة نظام معقد - كالاقتصاد، أو علم الأحياء، أو الجغرافيا السياسية - كلما اكتشف المزيد من المتغيرات والشكوك. وهذا يُثير معضلة تواصل غريبة. فالخبراء يتحدثون بحذر، ويذكرون الاحتمالات والمخاطر والقيود، وتعكس لغتهم تعقيد الواقع. لكن الجمهور غالبًا ما يُفضل الإجابات البسيطة. الشخص الذي يقول: "الوضع معقد ويتطلب تحليلاً معمقاً" نادراً ما يُلهم حشوداً غفيرة. أما الشخص الذي يقول: "الحل واضح، وأنا وحدي من يستطيع إصلاحه" فيجذب الانتباه فوراً. عندما تُكافئ المجتمعات باستمرار الإجابات البسيطة على حساب التفسيرات الدقيقة، يبدأ هذه النمطٌ في الظهور. الأفراد الذين يُبسطون الواقع بشكل مفرط يكتسبون نفوذاً، بينما يُكافح الأفراد الذين يُركزون على التعقيد للمنافسة في ساحة الرأي العام. بمرور الوقت، قد تُنتج هذه الديناميكية هياكل قيادية تبدو غير منطقية من منظور خارجي.

غالباً ما يتساءل المراقبون عن سبب ترويج المجتمعات الذكية أحياناً لأفراد يفتقرون إلى الخبرة أو الفهم. لا يَكمُن الجواب في القادة أنفسهم فحسب، بل في الآليات النفسية للسكان. الجماعات البشرية شديدة الحساسية للانتماء الاجتماعي، فالناس أكثر ميلاً للثقة بمن يبدو أنهم يُشاركونهم هويتهم وقيمهم وتجاربهم العاطفية.

نادراً ما تُغير الحجج المنطقية وحدها المعتقدات الراسخة عندما يُهدد قبولها ( أي قبول الحجج المنطقية) الهوية الاجتماعية للفرد. على سبيل المثال، إذا ارتبطت فكرة سياسية بجماعة معينة، فقد يُدافع أعضاء تلك الجماعة عن الفكرة بغض النظر عن دقتها الواقعية، لأن قبول أفكار سياسية اخرى مناقضة لفكر جماعتهم السياسي قد يُشعرهم بخيانة الجماعة نفسها. ونتيجة لذلك، غالباً ما تتحول المناقشات العامة إلى منافسات بين الهويات بدلاً من كونها تحقيقات في الحقيقة.

في مثل هذه البيئة، ليس بالضرورة أن يكون أكثر المتحدثين نجاحًا هم الأكثر معرفة، بل هم من يفهمون كيفية استثارة الولاء العاطفي.

لهذا السبب تُعدّ القصص بالغة التأثير. فالبشر كائناتٌ تُحبّ سرد القصص بطبيعتها. تُقدّم القصص هياكل بسيطة تُساعد الناس على فهم الحقائق المُعقّدة. تُحدّد القصة الأبطال والأشرار والتحديات والانتصارات، وتُحوّل الغموض إلى سردٍ واضح. مع ذلك، قد تُبسّط القصص الواقع لدرجة اختفاء التفاصيل الجوهرية. قد ينطوي صراعٌ جيوسياسي مُعقّد على عشرات العوامل التاريخية والمصالح الاقتصادية والتوترات الثقافية، ومع ذلك، قد يُختزل سردٌ قويّ الموقف برمّته إلى شريرٍ واحد وحلّ بطوليّ واحد.
عندما يتبنّى ملايين الناس مثل هذه السرديات، تبدأ السياسات والقرارات في اتباع تلك النماذج المُبسّطة للواقع.

تحدي الوعي الإنساني
التحدّي الذي يواجه المجتمعات الحديثة ليس تقنيًا أو سياسيًا فحسب، بل هو تحدٍّ معرفيّ عميق. يجب على البشر أن يتعلّموا إدارة ميولهم العقلية في بيئةٍ مُشبعة بالمعلومات المُقنعة. يتطلّب هذا تطوير أشكالٍ جديدة من الوعي. لا يُمكن للتعليم في العالم الحديث أن يقتصر على حفظ الحقائق، فالحقائق تتغيّر بسرعة مع توسّع المعرفة العلمية. ما يبقى أساسياً هو القدرة على تقييم مصادر المعلومات، والتعرف على التحيزات المعرفية، والبقاء متواضعاً فكرياً في مواجهة الأنظمة المعقدة.

يبدأ الوعي بإدراك بسيط: الدماغ البشري ليس آلة عقلانية تمامًا، بل هو أداة تطورية تشكلت بفعل ضغوط البقاء القديمة. إنه ( أي الدماغ) قادر على إبداع وتعاون استثنائيين، ولكنه أيضًا عرضة للوهم والتلاعب والثقة المفرطة. إن فهم نقاط ض عيفة هذه ليس علامة وهن، بل هو الخطوة الأولى نحو الاستقلال الفكري.

يمكن للمجتمع الذي يشجع الفضول،الشك، التفكير النقدي والنقاش المفتوح أن يقلل تدريجيًا من تأثير الروايات المبسطة. يصبح الأفراد الذين يتعلمون التشكيك في افتراضاتهم أقل عرضة للتلاعب، لكن هذه العملية تتطلب جهدًا وصبرًا واستعدادًا لتقبّل عدم اليقين.

الخطر الأكبر ليس الجهل بحد ذاته، إذ يمكن تصحيح الجهل بالتعليم. الخطر الأكبر هو "وهم المعرفة"، أي الاعتقاد بأن المرء يفهم كل شيء مهم.

عندما يعتقد الأفراد أنهم يمتلكون يقينًا مطلقًا، يتوقفون عن طرح الأسئلة. وعندما تكافئ المجتمعات اليقين المطلق، فإنها تثبط التفكير النقدي.

وفي مثل هذه البيئات، غالبًا ما تهيمن الأصوات الأعلى على الحوار، بغض النظر عن صلتها بالواقع.

يبدأ كسر هذه الحلقة المفرغة بفهم كيفية عمل العقل البشري، وكيف تُشكّل أنظمة المعلومات الإدراك، وكيف يُمكن الخلط بسهولة بين الثقة والكفاءة.

في النهاية، لا يقتصر السؤال على سبب وصول الحمقى أحيانًا إلى السلطة، بل يتعداه إلى كيفية اختيار المجتمعات البشرية للأصوات التي تتبعها.
يُظهر التاريخ، أن الذكاء وحده لا يُوجّه الحضارات، بل غالبًا ما تُوجّهها العواطف، والقصص، والثقة، والتيارات القوية للمعلومات التي تتدفق في المجتمع.

لكن فهم هذه الحقيقة يمنحنا ميزة هامة. فبمجرد أن يدرك الناس كيف يعمل التأثير، وكيف تشكل الروايات المعتقدات، وكيف يمكن للثقة أن تخفي الجهل، وكيف توجه أنظمة المعلومات الانتباه، يكتسبون القدرة على التفكير بوضوح أكبر والتصرف بمسؤولية أكبر. لن يُحسم مستقبل البشرية بالتكنولوجيا أو الاقتصاد أو الأنظمة السياسية فحسب، بل سيُحسم أيضًا بجودة الوعي الإنساني.
فالمجتمع الذي يُعلي قيمة الفضول على اليقين، والتفكير النقدي على الولاء الأعمى، والمعرفة على الضجيج، يصبح أكثر مقاومة للتلاعب. لكل فرد دور في هذه العملية. ففي كل مرة يشكك فيها شخص ما في رواية بسيطة، أو يفحص الأدلة بعناية، أو يبقى منفتحًا على التعلم، فإنه يُعزز الأساس الفكري للمجتمع. لا يتحقق التقدم فقط من خلال الاختراعات العظيمة أو القادة الأقوياء، بل يتحقق أيضًا من خلال ملايين الأفعال الصغيرة من الوعي المدروس. لذا، فإن التحدي الحقيقي للعالم الحديث ليس مجرد أن نصبح آلات أكثر ذكاءً أو حضارات أكثر تقدمًا، بل التحدي الحقيقي هو أن نصبح بشرًا أكثر وعيًا. أنتهى المقال.

أصل المقال بودكاست يوتيوب
تقديم يوفال نوح هراري
https://www.youtube.com/watch?v=K76h9bG9AgY&t=11s
تجميع وترجمة



#أحمد_عثمان_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف نصلي لإله ميت؟ ...
- عقوبات الحدود في الصدارة تطبيق حركة الشباب الم ...
- رحلتى مع العلم
- وهج العلمانية(2): لا تَكفُر، وَإلا تُقتَل !قل: الأرض ليست كر ...
- (1) إسلام الصومال العلمانى وإسلام البترول ألسعودى
- وهج العلمانية: قرآن مكة أم قرأن أسلو


المزيد.....




- كنائس فلسطين: اعتداءات إسرائيل على المسيحيين يهدد وجودهم
- رفات يهود مقابل أسرى لبنانيين؟ طرح إسرائيلي جديد يدخل المفاو ...
- اللجنة الرئاسية لشؤون الكنائس توجّه رسالة إلى كنائس العالم ب ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى وسط قيود مشددة على ال ...
- عاجل | الرئيس الإيراني: أجريت لقاء جيدا جدا مع المرشد الأعلى ...
- استُغل ضد عبدول السيد.. هل تظاهر مسلمون في ميشيغان للمطالبة ...
- رفات اليهود مقابل الأسرى.. صفقة إسرائيلية تثير الجدل في لبنا ...
- الشابندر يكشف رسائل -الشرع- ويحذر من -السلاح المنفلت- والفتن ...
- إسرائيل تعرض على بيروت صفقة لنقل رفات اليهود المدفونين في لب ...
- -صندوق البريد الرئاسي-.. ترامب يعين محاميا يهوديا مساعدا له ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد عثمان محمد - لماذا يحكم الحمقى العالم؟ (تفسير علمي)