أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أيمن محسين - الرواقية: من ضبط النفس إلى ضبط العامل















المزيد.....

الرواقية: من ضبط النفس إلى ضبط العامل


أيمن محسين
(Ayman Mouhcine)


الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 18:54
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يمكن فهم توظيف بعض مفاهيم الفلسفة الرواقية داخل الخطاب الرأسمالي المعاصر من خلال القيام بتحليل للعلاقة المتبادلة بين البنية التحتية والبنية الفوقية. ففي التصور الماركسي، لا تتشكل الأفكار والقيم والفلسفات والمؤسسات الثقافية بمعزل عن الشروط المادية التي ينتجها المجتمع، وإنما تتفاعل معها باستمرار. فالعلاقات الاقتصادية ووسائل الإنتاج وعلاقات القوة بين الطبقات تؤثر في تشكيل الأنماط الثقافية والأيديولوجية السائدة، في حين يمكن لهذه الأخيرة، بدورها، أن تساهم في تثبيت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية القائمة وإعادة إنتاجها.
وانطلاقا من هذا المنظور، يمكن النظر إلى حضور بعض عناصر الرواقية في بيئات العمل الحديثة بوصفه ظاهرة تستحق التحليل، لا لأن الرواقية في ذاتها فلسفة رأسمالية، وإنما لأن بعض مفاهيمها قد تُنتزع من سياقها الفلسفي الأصلي وتُعاد صياغتها بما يتلاءم مع حاجات المؤسسة الاقتصادية المعاصرة. وهنا ينبغي التمييز بين الفلسفة الرواقية بوصفها تقليدا أخلاقيا له أهدافه ومفاهيمه الخاصة، وبين الاستخدام الإداري المعاصر لبعض مفاهيمها.

من أبرز هذه المفاهيم التمييز بين ما يقع تحت سيطرة الفرد وما يقع خارجها. فهذا المبدأ يمكن أن يؤدي وظيفة أخلاقية ونفسية مهمة، إذ يدعو الإنسان إلى عدم استنزاف نفسه في محاولة السيطرة على أمور لا يملك تغييرها، وإلى التركيز على أفعاله وأحكامه واستجاباته. غير أن المعنى الذي يكتسبه هذا المبدأ يتغير عندما ينتقل من المجال الفلسفي إلى بيئة العمل. ففي سياق مؤسسي معين، يمكن أن يعاد تفسيره على النحو التالي: لا تستطيع تغيير مديرك، أو نظام الأجور، أو حجم العمل، أو هشاشة عقدك، ولذلك عليك أن تغير موقفك النفسي منها.
هنا تظهر المسافة بين الاستخدام الفلسفي للمفهوم والاستخدام الأيديولوجي له. فالمشكلة ليست في الدعوة إلى ضبط الانفعالات أو التركيز على ما يستطيع الفرد التحكم فيه، وإنما في أن تتحول هذه الدعوة إلى طريقة لإخفاء السؤال الأهم: ما الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج أصلا الوضع الذي يُطلب من الفرد التكيف معه؟
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الانتشار المعاصر لخطابات المرونة النفسية، وإدارة الضغوط، وتطوير الذات، والإنتاجية، فضلا عن رواج بعض كتب الرواقية الحديثة في أوساط المديرين والموظفين. ولا يعني ذلك أن هذه الممارسات عديمة الفائدة، أو أن كل من يستخدمها يقع في وهم أيديولوجي. فمن الممكن فعلا أن تساعد هذه الأدوات الفرد على التعامل بصورة أفضل مع القلق والإحباط والضغوط. لكن فائدتها الفردية لا تمنع من طرح سؤال آخر يتعلق بالطريقة التي يمكن أن تُستخدم بها داخل المؤسسة.
فالخطاب الإداري قد يقول للعامل: ركز على ما تستطيع التحكم فيه، طوّر مرونتك النفسية، اخرج من منطقة الراحة، تبنَّ عقلية النمو، وتحمل المسؤولية عن نجاحك. وكل هذه العبارات قد تحتوي على قدر من الحقيقة. لكن المشكلة تبدأ عندما تُستخدم هذه الحقيقة الجزئية لإعادة تعريف المشكلة الاجتماعية بأكملها باعتبارها مشكلة فردية.

فإذا كان العامل يعاني من ساعات عمل مفرطة، أو أجور منخفضة، أو غياب الأمان الوظيفي، أو محدودية فرص الترقية، فإن التركيز الحصري على قدرته النفسية على التكيف يمكن أن ينقل مركز المشكلة من شروط العمل إلى شخصية العامل. بدل أن يكون السؤال: لماذا صُمم العمل بهذه الطريقة؟ يصبح السؤال: لماذا لا يستطيع العامل التعامل معه بصورة أفضل؟ وبدل أن يُنظر إلى الإرهاق باعتباره نتيجة محتملة لتنظيم معين للعمل، يمكن أن يُفسر باعتباره نقصا في المرونة أو ضعفا في إدارة الوقت أو قصورا في القدرة على ضبط المشاعر.
وهنا تظهر إحدى أهم آليات الفردنة الأيديولوجية للمشكلات الاجتماعية: تحويل تناقض جماعي إلى مسؤولية شخصية. فالمشكلة التي تنشأ من علاقة اجتماعية بين العامل والمؤسسة يمكن أن يعاد تقديمها باعتبارها خللا في العامل نفسه. وبذلك يصبح الحل المقترح هو إصلاح الفرد بدل إصلاح العلاقة التي أنتجت المشكلة.
ويمكن ربط هذه العملية بالنقد الماركسي للأيديولوجيا، عبر مفهوم "الوعي الزائف ، مع الإشارة إلى أن ليس كل اعتقاد يساعد النظام القائم وعيا زائفا، فالعامل قد يتبنى ممارسة معينة لأنها مفيدة له فعلا. لكن يمكن لأفكار صحيحة جزئيا وممارسات نافعة في ذاتها أن تؤدي وظيفة أيديولوجية عندما تحجب الشروط الاجتماعية التي تجعل تلك الممارسات ضرورية أصلا.
فقد يكون تعلم كيفية التعامل مع الضغط أمرا مفيدا، لكن ذلك لا يجيب عن سؤال سبب وجود ضغط مفرط ومستمر. وقد يكون تطوير الانضباط الشخصي أمرا إيجابيا، لكنه لا يفسر لماذا تُنظم بيئة العمل بطريقة تجعل العامل مطالبا باستمرار بتعويض اختلالات المؤسسة بجهد شخصي إضافي. ومن هنا تكمن المشكلة في تحويل تغيير الذات إلى بديل عن تغيير شروط العمل وظروفه.
ويمكن توضيح ذلك من خلال مفهوم الاغتراب عند ماركس. فالاغتراب لا يقتصر على انفصال العامل عن المنتج الذي يصنعه، وإنما يرتبط أيضا بوضعه داخل علاقات إنتاج تحد من سيطرته على نشاطه العملي وشروط حياته. وعندما يُختزل العامل داخل الخطاب الإداري إلى فرد ينبغي عليه باستمرار تحسين نفسه، وإدارة مشاعره، وزيادة إنتاجيته، والتكيف مع متطلبات المؤسسة، يمكن أن يتراجع إدراكه للعمل باعتباره علاقة اجتماعية تتضمن مصالح متعارضة ومواقع مختلفة من القوة.
وهذا لا يعني أن كل ممارسة للتطوير الذاتي تؤدي بالضرورة إلى إضعاف الوعي الجماعي، وإنما يعني أن هناك احتمالا لأن يتحول التركيز المفرط على الفرد إلى حجب البعد الاجتماعي والاقتصادي للمشكلة. فالعامل الذي يتعامل مع الإرهاق باعتباره فشلا شخصيا قد يبحث عن طريقة لتحسين قدرته على التحمل، بينما قد يكون السؤال الأهم متعلقا بتنظيم العمل نفسه. والعامل الذي يفسر عدم تقدمه المهني باعتباره نقصا في الكفاءة الشخصية قد يغفل عن وجود بنية مؤسسية محدودة للترقي. بهذا المعنى يمكن لخطاب المسؤولية الفردية أن يتحول، في ظروف معينة، إلى آلية لإعادة تفسير التناقضات البنيوية باعتبارها أوجه قصور شخصية.

ومن هنا يمكن فهم خصوصية قابلية بعض المفاهيم الرواقية لإعادة التوظيف داخل هذا الخطاب. فالرواقية تمنح الفرد لغة قوية للسيطرة على أحكامه وانفعالاته، وللتعامل مع الأحداث التي لا يستطيع التحكم فيها. وهذه اللغة يمكن أن تكون ذات قيمة أخلاقية كبيرة، لكنها تصبح قابلة لإعادة التوظيف الإداري عندما تُختزل الحياة المهنية إلى مسألة تتعلق بكيفية استجابة الفرد للظروف، دون مساءلة الظروف نفسها.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: المبدأ نفسه يمكن أن يحمل وظيفتين مختلفتين. يمكن أن يعني لا تهدر طاقتك على ما لا تستطيع تغييره، ووجهها نحو ما يمكنك تغييره ، ويمكن أن يتحول إلى لا تحاول تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي، لأن ما يهم هو طريقة استجابتك له . الفرق بين العبارتين ليس بسيطا؛ ففي الأولى يظل السؤال عن حدود القدرة الفردية مفتوحا، أما الثانية فتجعل التكيف بديلا عن النقد.
وهذا يفسر أيضا تقاطع بعض أشكال الخطاب الرواقي المعاصر مع خطابات أخرى شائعة في عالم العمل، مثل عقلية النمو ، و الخروج من منطقة الراحة ، و تحمل المسؤولية الكاملة عن النجاح ، وخطابات المرونة والإنتاجية. وعلى الرغم من اختلاف مصادر هذه الخطابات، فإنها قد تلتقي في نقل مركز الاهتمام إلى الفرد وقدرته على تطوير نفسه باستمرار. وفي السياق المناسب، يمكن أن يصبح هذا التركيز وسيلة لتحميل العامل مسؤولية نتائج تتجاوز قدرته الفردية على التحكم.
لذلك لا ينبغي أن يكون النقد موجها إلى الرواقية باعتبارها فلسفة في حد ذاتها، ولا إلى كل ممارسة من ممارسات التطوير الذاتي أو المرونة النفسية. النقد الأكثر دقة يتعلق بالشروط الاجتماعية التي يُستخدم فيها الخطاب وبالوظيفة التي يؤديها داخلها. فالفكرة نفسها قد تكون مناسبة في سياق ما، وأيديولوجية في سياق آخر، بحسب الطريقة التي تُستخدم بها والأسئلة التي تسمح بطرحها أو تمنعها من الظهور.
ومن منظور ماركسي، لا تكمن المشكلة إذن في أن العامل يتعلم السيطرة على نفسه، بل في أن يُطلب منه السيطرة على نفسه بدل أن يُمنح إمكانية المشاركة في تغيير الشروط التي تحدد نمط حياته. ولا تكمن المشكلة في أن يتعلم الإنسان قبول ما لا يستطيع تغييره، بل في أن يُعاد تعريف أشياء قابلة للتغيير اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا باعتبارها أشياء خارجة عن سيطرته.
وهكذا، يمكن صياغة النقد الأساسي على النحو التالي: حين يتحول مبدأ التكيف مع ما لا يمكن تغييره إلى تبرير لعدم محاولة تغيير ما يمكن تغييره جماعيا، فإن الفلسفة التي كانت تهدف إلى تحرير الفرد من الخضوع للانفعالات قد تتحول، تحت ظروف معينة، إلى خطاب يساعد الفرد على الخضوع لشروط اجتماعية كان يمكن مساءلتها وتغييرها.



#أيمن_محسين (هاشتاغ)       Ayman_Mouhcine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب الروسية الأوكرانية: صراع على النظام الدولي أم مواجهة ب ...
- اليمين الشعبوي الجديد في المغرب: امتداد لظاهرة عالمية أم خصو ...


المزيد.....




- بعد تسلّمه من الإمارات.. زعيم عصابة أيرلندي مزعوم يمثل أمام ...
- مسيرة من التوتر.. كيف تعامل رؤساء أمريكا السابقون مع إيران؟ ...
- بيانات ملاحية: تراجع حركة عبور السفن في هرمز واستقرارها في ب ...
- السعودية على جبهتين في اليمن.. فما الذي تغيّر؟
- سلطنة عمان تعلن عن تسرب نفطي في مياهها الإقليمية
- ثلوج كثيفة تغطي أجزاء من جنوب إفريقيا (صور+فيديو)
- سوريا تستعيد 23 قطعة أثرية من فرنسا بعد عودة العلاقات الدبلو ...
- في جولة تفقدية له.. بوتين يؤكد على ضرورة تنمية مناطق الشرق ا ...
- -مش هجيبه واللا عايز يجيب على حسابه-.. وزير الصحة المصري يسد ...
- حزب الإصلاح البريطاني يثير جدلا بخطة ترحيل السجناء الأجانب إ ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أيمن محسين - الرواقية: من ضبط النفس إلى ضبط العامل