أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - أيمن محسين - الحرب الروسية الأوكرانية: صراع على النظام الدولي أم مواجهة بين نموذجين حضاريين؟














المزيد.....

الحرب الروسية الأوكرانية: صراع على النظام الدولي أم مواجهة بين نموذجين حضاريين؟


أيمن محسين
(Ayman Mouhcine)


الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 22:11
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


لا تُختزل الحرب الروسية الأوكرانية في كونها صراعا جيوسياسيا فحسب، بل تقف وراءها أيضا مواجهة أيديولوجية عميقة تجعل من الحدود الروسية الأوكرانية خط تماس بين نموذجين حضاريين، ونمطين من التفكير، ورؤيتين متناقضتين لمستقبل البشرية وطبيعة العلاقات الدولية.

يقوم هذا الصراع، من جهة، بين الدول الغربية التي تعلن أن حقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية جزء أصيل من سياستها الخارجية، وإن كان تطبيق هذه المبادئ يخضع أحيانا لاعتبارات المصلحة. ومن جهة أخرى، تقف روسيا والصين، ومن يدور في فلكهما، لتؤكد أولوية مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وترفض توظيف مفاهيم حقوق الإنسان لتبرير التدخل الخارجي. وانطلاقا من هذا الموقف، تدعو هذه الدول إلى إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب يحقق توازنا في القوة بين الغرب من جهة، وروسيا والصين وحلفائهما من جهة أخرى.

غير أن فكرة التعددية القطبية تُقدَّم في الخطاب الروسي وكأنها الحل الأمثل للنزاعات الدولية، متجاهلة أن النظام الدولي كان بالفعل متعدد الأقطاب قبل عام 1945. بل إن تلك المرحلة بالذات بلغت فيها التنافسات بين القوى الكبرى ذروتها، وانتهت باندلاع الحربين العالميتين الأولى (1914–1918) والثانية (1939–1945). ثم انتقل العالم، بعد عام 1945، إلى مرحلة الثنائية القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وهي مرحلة اتسمت بدورها بصراعات النفوذ والحروب بالوكالة. ومن ثم فإن تجربة التاريخ لا تدعم الافتراض القائل إن تعدد الأقطاب يعني بالضرورة استقرارا أكبر.

يركز الخطاب الروسي على الانتهاكات الأمريكية للقانون الدولي، مثل الحرب على العراق وأفغانستان، لتبرير سرديته، لكنه في المقابل يتجاهل الاتهامات التي وجهتها السلطات في مولدوفا ورومانيا، والمدعومة بتقارير استخباراتية ورسمية، بشأن تدخل روسيا في عملياتهما الانتخابية عبر حملات تضليل وهجمات سيبرانية ووسائل تأثير أخرى، فضلا عن احتلالها شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم شنها الحرب على أوكرانيا عام 2022، وتهديدها المتكرر باستخدام السلاح النووي. وقد قوبلت هذه السلوكيات بإدانات واسعة من المجتمع الدولي، ولم تحظ بأي شرعية قانونية دولية.

تشير إحصاءات «عالمنا في بيانات – الحرب والسلام» إلى أن العالم، بعد هزيمة ألمانيا النازية عام 1945، ثم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، شهد انخفاضا طويل المدى في الخسائر البشرية الناتجة عن الحروب مقارنة بما عرفه خلال القرن العشرين.

صحيح أن السنوات الأخيرة سجلت ارتفاعًا جزئيا في هذه الخسائر، ارتبط بصراعات من بينها الحرب في أوكرانيا نفسها، إلا أن هذا الارتفاع لا يلغي الاتجاه العام، بل يمثل، في تقديري، مؤشرا إضافيا على كلفة تفكك النظام الدولي الذي ساد بعد الحرب الباردة، لا دليلا على جدوى بديله. كما اتجهت أعداد متزايدة من الدول، في العقود التي أعقبت عامي 1945 و1991 على وجه الخصوص، نحو تبني الديمقراطية الليبرالية، نتيجة نجاح هذا النموذج في تحقيق مستويات مرتفعة من الاستقرار والرفاه.

تزامنت عودة روسيا والصين إلى الواجهة بوصفهما قوتين دوليتين خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين مع موجة تراجع ديمقراطي عالمي. وقد أسهم دعمهما السياسي والاقتصادي لبعض الأنظمة السلطوية في الحد من فعالية الضغوط الدولية الرامية إلى تعزيز التحول الديمقراطي. ومن الأمثلة على ذلك تنظيم روسيا فعاليات ثقافية وفنية ورياضية موازية تستضيف دولا واقعة تحت العقوبات الدولية، مثل إيران وكوريا الشمالية وكوبا، بما يعكس سعيها إلى بناء فضاء سياسي وثقافي مواز للفضاء الغربي.

لا تمثل الدعوة إلى قيام قطب دولي جديد حاجة حقيقية للنظام الدولي، فهذا القطب المرتقب يقوم على دعم أنظمة سلطوية في بيلاروسيا وكوريا الشمالية وفنزويلا ودول في آسيا الوسطى، إضافة إلى توظيف مجموعة «فاغنر»، ثم لاحقا «الفيلق الأفريقي»، في دول مثل مالي وبوركينا فاسو لدعم الأنظمة العسكرية فيها. وهو بذلك ينطوي على تناقض جوهري مع النموذج الديمقراطي الليبرالي الذي يطرح نفسه بديلا عنه، وهو تناقض يذكّر بما شهده القرن العشرون حين قدمت نماذج أخرى نفسها بديلا عالميا عن الليبرالية، قبل أن تكشف التجربة التاريخية محدودية قدرتها على تحقيق نتائج أفضل.

وانطلاقا من ذلك، فإن الخطاب الذي تروج له وسائل الإعلام الروسية بشأن التعددية القطبية، وما يصاحبه من تحركات عملية، مثل تعزيز دور مجموعة «بريكس» بوصفها بديلا اقتصاديا جزئيا لمجموعة السبع بهدف تخفيف أثر العقوبات الدولية، قد يؤدي، إذا ترسخ، إلى عودة نمط من المنافسة الدولية يشبه الحرب الباردة، يقوم على توازنات الفيتو، والتكتلات الاقتصادية، وتغليب مبدأ عدم التدخل حتى في مواجهة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

إن العالم اليوم يحتاج إلى إصلاح أوجه القصور في الديمقراطيات الليبرالية، ولا سيما في علاقتها بالدول الأخرى، بما يجعلها أكثر عدلا واتساقا مع المبادئ التي تعلنها. ورغم ما تعانيه الديمقراطيات الليبرالية من تناقضات وسياسات خارجية مثيرة للانتقاد، فإنها ما تزال، في تقديري، أكثر النظم قدرة على حماية الحقوق والحريات مقارنة بالبدائل السلطوية المطروحة. فنحن لا نزعم أن هذه الديمقراطيات مثالية، لكنها تظل أفضل نموذج سياسي توصلت إليه البشرية حتى الآن، ولذلك فإن إصلاحها أجدى من استبدالها بنماذج أثبتت التجربة التاريخية فشلها.



#أيمن_محسين (هاشتاغ)       Ayman_Mouhcine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليمين الشعبوي الجديد في المغرب: امتداد لظاهرة عالمية أم خصو ...


المزيد.....




- بعد -اتفاقية مكة-.. لواء مصري سابق يحذر من إغراق المنطقة في ...
- قتلى ومصابون في هجوم جديد للحوثيين على معقل الحكومة اليمنية ...
- سكان قرية بلغارية قلقون من -عواقب- تورط محتمل لقريتهم في حرب ...
- الخارجية الأمريكية: واشنطن تتحرك لقطع شريان التمويل غير المش ...
- تعنت إسرائيلي يهدد مسار التفاوض مع لبنان
- اليمن.. الحوثيون يعلنون قصف -صحن الجنّ- بعدد كبير من الصواري ...
- فيديو -قاس- يثير غضب العراقيين والشرطة تصدر بيانا بالتفاصيل ...
- نواب ليبيون يستنكرون أحداث صرمان ويهاجمون صمت الرئاسي وحكومة ...
- منظمة رقابية في تونس: الرئيس قيس سعيد فشل في تحقيق أكثر من 8 ...
- التعليم العالي: إعداد كوادر أكاديمية تمتلك المهارات الرقمية ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - أيمن محسين - الحرب الروسية الأوكرانية: صراع على النظام الدولي أم مواجهة بين نموذجين حضاريين؟