أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عصام البرّام - حملات التأثير السيبراني عبر السوشيال ميديا .. الإعلام بين الحقيقة والتلاعب















المزيد.....

حملات التأثير السيبراني عبر السوشيال ميديا .. الإعلام بين الحقيقة والتلاعب


عصام البرّام
أديب وأكاديمي ودبلوماسي

(Essam Albarram)


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 02:07
المحور: قضايا ثقافية
    


أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم الأدوات التي يعتمد عليها الأفراد والمؤسسات في الحصول على الأخبار وتبادل المعلومات وتكوين الآراء والمواقف. فقد غيّرت هذه المنصات طبيعة الاتصال الجماهيري، فلم يعد إنتاج الخبر ونشره حكرًا على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح بإمكان أي مستخدم يمتلك هاتفًا ذكيًا وحسابًا على إحدى المنصات الرقمية أن يشارك في صناعة المحتوى والتأثير في الرأي العام. وعلى الرغم من المزايا الكبيرة التي أتاحتها هذه البيئة الرقمية، فإنها في الوقت نفسه فتحت المجال أمام نوع جديد من الصراعات غير التقليدية، يتمثل في حملات التأثير السيبراني التي تستهدف توجيه أفكار الجمهور ومواقفه وسلوكياته من خلال المحتوى المنشور على شبكات التواصل الاجتماعي.
ويقصد بحملات التأثير السيبراني مجموعة من الأنشطة المنظمة التي تستخدم الوسائل الرقمية والمنصات الاجتماعية للتأثير في تصورات الأفراد والجماعات تجاه قضية أو جهة أو حدث معين. وقد تكون هذه الحملات ذات أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية، وقد تعتمد على المعلومات الصحيحة أو المضللة أو خليط من الاثنين. ولا يشترط أن تكون كل حملة تأثير سيبراني مرتبطة بجهة حكومية أو مؤسسة كبيرة، فقد تنفذها جماعات منظمة أو شركات أو جهات ضغط أو حتى أفراد يمتلكون القدرة على الوصول إلى جمهور واسع.
وتزداد خطورة هذه الحملات بسبب طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي نفسها، حيث تنتشر المعلومات بسرعة كبيرة، ويصعب أحيانًا التحقق من مصدرها قبل إعادة نشرها. كما تعتمد المنصات الرقمية على خوارزميات تهدف إلى عرض المحتوى الذي يتفاعل معه المستخدمون بصورة أكبر، وهو ما قد يؤدي إلى انتشار الأخبار المثيرة أو العاطفية على حساب الأخبار الدقيقة والهادئة. ومن هنا أصبحت الحقيقة الإعلامية تواجه تحديًا متزايدًا في بيئة رقمية تتحرك فيها المعلومات بسرعة تفوق قدرة المؤسسات والأفراد على التحقق منها.
الإعلام الرقمي وتحول صناعة الحقيقة
كان الإعلام التقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على وجود مؤسسات تحريرية تمتلك قواعد مهنية للتحقق من الأخبار ومراجعة مصادرها قبل النشر. أما في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبح الحد الفاصل بين الصحفي والمستخدم العادي أكثر ضبابية. يستطيع شخص غير متخصص أن ينشر معلومة خلال ثوانٍ، وقد تصل هذه المعلومة إلى ملايين الأشخاص قبل أن تتمكن وسائل الإعلام المهنية من التحقق منها. ولذلك لم تعد المشكلة الأساسية مرتبطة بوجود المعلومات أو نقصها، وإنما أصبحت مرتبطة بمدى صحتها ومصدرها والسياق الذي قدمت فيه.
ويظهر التلاعب الإعلامي في صور متعددة، منها نشر معلومات غير صحيحة، أو اقتطاع تصريحات من سياقها، أو استخدام صور قديمة باعتبارها صورًا لحدث جديد، أو إعادة نشر أخبار صحيحة ولكن بطريقة توحي بمعنى مختلف. وقد تستخدم بعض حملات التأثير حسابات وهمية أو منسقة لإعطاء انطباع بأن رأيًا معينًا يحظى بتأييد شعبي واسع، في حين أن هذا التأييد قد يكون مصطنعًا أو مبالغًا فيه.
كما يمكن استخدام الصور ومقاطع الفيديو في صناعة روايات مضللة، خصوصًا مع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد أصبح من الممكن إنتاج محتوى يبدو حقيقيًا بدرجة كبيرة، الأمر الذي يجعل المستخدم أمام تحدٍ جديد يتمثل في التمييز بين المادة الأصلية والمادة المصطنعة. ومع انتشار تقنيات التزييف العميق، لم يعد الاعتماد على الصورة أو الفيديو وحدهما كافيًا لإثبات صحة الواقعة، بل أصبح من الضروري البحث عن مصادر مستقلة تؤكد الحدث وتتحقق من سياقه.
ولا تقتصر خطورة التلاعب على الأخبار الكاذبة بصورة مباشرة، إذ يمكن أيضًا التأثير في الجمهور من خلال تكرار رسائل معينة بصورة مستمرة. فالتكرار قد يجعل المعلومة تبدو مألوفة، ومع مرور الوقت قد يخلط بعض المستخدمين بين ما تكرر أمامهم وبين ما تم إثباته بالفعل. وتزداد فعالية هذا الأسلوب عندما تتوافق الرسائل مع المعتقدات أو المخاوف أو التوجهات الموجودة مسبقًا لدى الجمهور.
خوارزميات المنصات وصناعة غرف الصدى
تلعب خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في تحديد نوع المحتوى الذي يظهر أمام المستخدم. فهذه الخوارزميات تعتمد على بيانات متعددة، مثل عمليات البحث والإعجاب والمشاركة ومدة مشاهدة المحتوى، بهدف تقديم منشورات يُتوقع أن تجذب اهتمام المستخدم. وقد يكون لهذا النظام فوائد عديدة، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تكوين ما يعرف بـ"غرف الصدى"، حيث يجد المستخدم نفسه محاطًا بمحتوى يشبه آراءه السابقة ويؤكد قناعاته بدلًا من تعريضه بصورة متوازنة لوجهات نظر مختلفة.
وتستطيع حملات التأثير السيبراني استغلال هذه البيئة من خلال إنتاج محتوى مصمم خصيصًا لجذب فئات محددة من الجمهور. فقد تختلف الرسالة المستخدمة لاستهداف فئة عمرية معينة عن الرسالة الموجهة إلى فئة أخرى، كما يمكن استغلال القضايا التي تثير مشاعر الخوف أو الغضب أو التعاطف لتحقيق انتشار سريع. وفي هذه الحالة لا يعتمد نجاح الحملة بالضرورة على قوة الأدلة التي تقدمها، وإنما على قدرتها على إثارة المشاعر ودفع المستخدم إلى المشاركة وإعادة النشر.
وتكمن المشكلة في أن المستخدم قد لا يدرك أن ما يظهر أمامه ليس انعكاسًا كاملًا لما يحدث في المجتمع، بل نتيجة لخوارزمية اختارت له محتوى معينًا بناءً على سلوكه الرقمي. وعندما يتكرر المحتوى ذاته من مصادر متعددة، قد يشعر الفرد بأن رأيًا معينًا يمثل إجماعًا عامًا، بينما قد يكون الواقع أكثر تنوعًا وتعقيدًا.
كما يمكن أن تؤثر هذه الحملات في القضايا السياسية والانتخابات والأزمات الدولية، حيث تصبح وسائل التواصل الاجتماعي ساحة للصراع على تشكيل الرواية العامة. وقد تسعى بعض الجهات إلى تشويه صورة طرف معين، أو تضخيم قضية محددة، أو إثارة الانقسام بين فئات المجتمع، أو تحويل النقاش العام بعيدًا عن موضوع أساسي إلى قضايا جانبية. وفي مثل هذه الحالات يصبح الإعلام أمام مسؤولية كبيرة تتمثل في الفصل بين نقل ما يتداول على المنصات وبين التعامل معه باعتباره حقيقة مؤكدة.
مواجهة التلاعب وتعزيز الوعي الإعلامي
تبدأ مواجهة حملات التأثير السيبراني من المستخدم نفسه، لأن الوعي الرقمي أصبح جزءًا أساسيًا من القدرة على التعامل مع الأخبار والمعلومات. ولا يكفي أن يكون الشخص قادرًا على استخدام التطبيقات والمنصات، بل يجب أن يمتلك مهارات تساعده على تقييم المحتوى قبل تصديقه أو مشاركته. ومن أهم هذه المهارات التحقق من مصدر الخبر، ومقارنة المعلومات مع مصادر مستقلة وموثوقة، والانتباه إلى تاريخ الصور ومقاطع الفيديو، وعدم التعامل مع العناوين المثيرة باعتبارها دليلًا على صحة المحتوى.
وتتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية لا تقل أهمية، إذ ينبغي عليها تعزيز المعايير المهنية المتعلقة بالتحقق من الأخبار، وتقديم السياق الكامل للأحداث، والتمييز بوضوح بين الخبر والرأي والتحليل. كما أن سرعة النشر لا ينبغي أن تأتي على حساب الدقة، لأن تصحيح معلومة خاطئة بعد انتشارها لا يضمن بالضرورة وصول التصحيح إلى جميع الأشخاص الذين شاهدوا المعلومة الأصلية.
ومن الضروري كذلك أن تعمل المؤسسات التعليمية على نشر ثقافة التربية الإعلامية والرقمية بين الطلاب والشباب، بحيث يتعلمون كيفية تحليل الأخبار والصور والمقاطع المنتشرة عبر الإنترنت، وفهم طبيعة الخوارزميات وتأثيرها في المحتوى الذي يشاهدونه. فالمجتمع الذي يمتلك وعيًا إعلاميًا مرتفعًا يكون أكثر قدرة على مقاومة التضليل والتلاعب.
وعليه، لا ينبغي أن يؤدي الخوف من التضليل إلى فقدان الثقة في الإعلام أو اعتبار كل معلومة منشورة على الإنترنت كاذبة. فوسائل التواصل الاجتماعي توفر فرصًا مهمة للوصول إلى مصادر متعددة وسماع أصوات كانت بعيدة عن الإعلام التقليدي. ولذلك فإن الهدف ليس رفض البيئة الرقمية، وإنما تطوير طرق أكثر وعيًا للتعامل معها.
لذا، أصبحت حملات التأثير السيبراني جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي الحديث، وأصبح الصراع على المعلومات لا يقل أهمية عن الصراعات التقليدية في تأثيره على المجتمعات. وبينما توفر وسائل التواصل الاجتماعي فرصة غير مسبوقة للتواصل والوصول إلى المعلومات، فإنها في الوقت نفسه تمنح الجهات الراغبة في التلاعب أدوات فعالة للوصول إلى الجمهور والتأثير في مواقفه. ومن هنا فإن حماية الحقيقة لا تعتمد على المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تتطلب تعاونًا بين الصحفيين والمؤسسات التعليمية والمنصات الرقمية والمستخدمين أنفسهم. فالمواطن الواعي الذي يتحقق قبل أن يصدق أو يشارك يمثل خط الدفاع الأول أمام التضليل، والإعلام المهني الذي يلتزم بالدقة والسياق يمثل خط الدفاع الثاني. وبين هذين الدورين يمكن بناء بيئة إعلامية أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والتلاعب، وأكثر استعدادًا لمواجهة تحديات العصر الرقمي.



#عصام_البرّام (هاشتاغ)       Essam_Albarram#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الاصطناعي وتأثيره في الثقافة والوظائف
- الفساد في العراق .. تحديات الدولة وانعكاساته على التنمية وال ...
- الترجمة بوابة الحضارات وجسر التواصل بين الشعوب
- لأدب النسوي في العالم العربي .. تحرّر أم تحدٍّ للأنساق؟
- الذكاء الاصطناعي وتعليم العربية: من التحدي إلى الثورة التعلي ...
- مستقبل اللغة العربية في ظل التحولات الحديثة
- التربية بين نقل المعرفة وبناء الوعي الثقافي
- خطر يهدد الإنسانية ويقوض استقرار المجتمعات .. زحف الإرهاب
- كيف كُتب الأدبُ السعودي تحولات الوعي من الذاكرة الشعبية إلى ...
- قوة الفكر في بناء الإنسان والمجتمع
- السينما المقتبسة من الرواية... عندما تتحول الكلمات إلى صورة
- الكتابة الروائية بين الحقيقة والتخييل في العصر الحديث
- سؤال القيم في الحضارة المعاصرة
- الإنسان بين الحرية والمسؤولية في عصر التحولات الكبرى
- التربية والثقافة والقيم: مثلث بناء الإنسان
- الأدب العربي بين أصالة التراث وتحديات العصر
- دور الإعلام في فضح أو تغطية الهجمات السيبرانية الدولية
- أهمية التكنولوجيا في تطوير المجتمعات الحديثة
- الأدب والنجاة الثقافية في أوقات التحولات الكبرى
- حين يدافع الأدب عن الإنسان


المزيد.....




- انفجارات تهز كييف وسط دوي صفارات الإنذار الجوي
- كان يُصيب الكبار.. لماذا يهاجم السكري من النوع الثاني الشباب ...
- تحذير مصري من مخطط إسرائيلي تعتبره القاهرة -خطا أحمر-
- سوريا تدين الهجوم الإيراني على ناقلة نفط إماراتية في مضيق هر ...
- أنقرة تقترح آلية لحماية الملاحة في البحر الأسود بعد هجمات اس ...
- دميترييف: الاتحاد الأوروبي اصطدم بأزمة طاقة اختلقها بنفسه
- الزيدي: لن نسمح بتهديد دول الجوار
- فانس: سنواصل الضغط على إيران لإخراج أكبر كمية ممكنة من النفط ...
- -قناة 12-: الجيش الإسرائيلي يبحث تنفيذ انسحابات موضعية من من ...
- الآلية الخماسية الدولية إلى الواجهة في السودان


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عصام البرّام - حملات التأثير السيبراني عبر السوشيال ميديا .. الإعلام بين الحقيقة والتلاعب