أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - لماذا نكتب عن الذين يرحلون؟ في الدفاع عن الذاكرة قبل أن تصبح نسيانًا














المزيد.....

لماذا نكتب عن الذين يرحلون؟ في الدفاع عن الذاكرة قبل أن تصبح نسيانًا


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 00:19
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كلما رحل كاتب، أو صحفي، أو فنان في بلادنا، تتكرر العبارة نفسها: "لقد كان قامة كبيرة." ثم ينتهي كل شيء.
تمضي أيام العزاء، وتجف دموع الأصدقاء، وتذبل كلمات الرثاء، وتطوى الصفحة كأن الرجل لم يعش بيننا يوماً، وكأن ما كتبه وما صنعه يمكن أن يذوب مع الزمن.
لا أحد يسأل بعد ذلك: أين كتبه؟ أين أوراقه؟ أين رسائله؟ أين سيرته؟ ومن سيحكي للأجيال القادمة لماذا كان يستحق أن يُذكر؟
هكذا، في بلادنا، نمارس النسيان بإتقان.
الرثاء فعلٌ إنساني نبيل، لكنه لا يكفي.
الرثاء يواسي الأحياء، أما التوثيق فينقذ الذاكرة. الرثاء يلتفت إلى لحظة الفقد، أما التوثيق فيلتفت إلى العمر كله؛ إلى الأفكار، والتجارب، والكتب، والرسائل، والهزائم والانتصارات الصغيرة التي صنعت صاحبها.
ولهذا السبب لا أعتقد أن الأمم تحفظ تاريخها بالخطب التأبينية، وإنما تحفظه بالبحث، والكتابة، والأرشفة، والدراسة.
حين بدأت العمل على كتاب «دينق قوج: المثقف العضوي وبناء الذاكرة الوطنية في جنوب السودان» لم يكن هدفي أن أضيف كتاباً جديداً إلى مكتبتي، ولا أن أشارك في جائزة.
كان السؤال الذي يلاحقني أبسط من ذلك وأكثر إلحاحاً:
كيف يمكن لرجل ترك هذا الأثر في الصحافة والثقافة والتوثيق، ثم لا نجد عنه دراسة علمية واحدة تجمع مشروعه الفكري؟
كلما تقدمت في البحث، ازداد هذا السؤال ثقلاً.
لم تكن المشكلة في الكتابة، بل في العثور على المادة نفسها.
كانت المصادر متناثرة بين مقالات قديمة، وحوارات صحفية، ومنشورات متفرقة، وشهادات شفوية، وأصدقاء احتفظ كل واحد منهم بجزء من الحكاية.
اضطررت إلى إجراء مقابلات، والبحث في الأرشيف، ومراجعة ما كُتب هنا وهناك، حتى تتشكل أمامي صورة رجل عاش للكلمة أكثر مما عاش للأضواء.
هناك أدركت أن التوثيق ليس جمع معلومات فحسب، بل إعادة بناء ذاكرة كانت مهددة بالتلاشي.
وأثناء هذه الرحلة اكتشفت حقيقة أخرى.
الأمم لا تفقد رجالها عندما يموتون، بل عندما تتوقف عن الكتابة عنهم.
فالموت حدث طبيعي، أما النسيان فهو قرار ثقافي.
وحين لا نوثق أعلامنا، يبدأ كل جيل من الصفر، ويعيد اكتشاف ما كان يجب أن يكون معروفاً منذ زمن.
ولهذا تبدو مجتمعاتنا وكأنها بلا ذاكرة طويلة؛ لأننا نبرع في صناعة المناسبات أكثر من براعتنا في صناعة الأرشيف.
لقد علمني العمل على سيرة دينق قوج أن مسؤولية الباحث لا تبدأ من جمع الوثائق، بل من الإيمان بأن لكل شخصية أثرت في الناس حقاً في أن تُقرأ قراءة علمية، لا أن تُختزل في كلمات رثاء عابرة.
فالذاكرة الوطنية لا تُبنى بالحنين وحده، وإنما بالوثيقة، وبالنقد، وبالسرد الذي يحفظ التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة.
ربما لهذا السبب أرى أن الكتابة التوثيقية ليست ترفاً ثقافياً، بل ضرورة وطنية.
إنها مقاومة هادئة ضد النسيان، ومحاولة لإنصاف الذين صنعوا جزءاً من تاريخنا ولم يطالبوا بشيء في المقابل.
فكل كتاب يُكتب عن شخصية وطنية هو في حقيقته كتاب عن المجتمع الذي أنجبها، وعن الزمن الذي عاشته، وعن القيم التي حاولت الدفاع عنها.
لم أكتب عن دينق قوج لأنه صاحب جائزة حملت اسمه، ولا لأنني أردت أن أروي سيرة رجل رحل.
كتبت عنه لأنني خشيت أن يتحول إلى اسم يُذكر في مناسبات التأبين، ثم يختفي في زحام الأيام.
فالكتابة ليست تكريماً للموتى، بل حماية للأحياء من فقدان ذاكرتهم.
ولأن الأمم التي لا تحفظ ذاكرتها، تظل مضطرة إلى إعادة كتابة تاريخها في كل جيل، وكأنها لم تبدأ بعد.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كازينو أوبرا شهرزاد الزمن الجميل ماذا تعرف عنهأ
- تياترو الأزبكية | أوّل مسرح وطنيّ في تاريخ مصر
- أتني| ساحة وسوق ومقهى ثقافي في قلب الخرطوم
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (68)
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (67)
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (66)
- تعرف على تاريخ نادي غزل المحلة زعيم أندية الدلتا المصرية
- من هي الفنانة عبير بيبرس المتهمة بقتل زوجها رجل الأعمال
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (65)
- تعرف على قصة كورونا مع الفنانين المصريين بالتفصيل الممل
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (64)
- فضل شاكر ملك إحساس الأغنية العربية تنتهي رحلته إلى السجن
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (63)
- عبد الرحمن أبو زهرة معلم الدراما المصرية في قفص الاتهام
- مرزوق الغانم رئيسا لمجلس الأمة الكويتي للمرة الثالثة في تاري ...
- حسناء سيف الدين.. تعلن إصابتها بأورام في الرقبة
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (62)
- ميناء الإسكندرية أقدم موانئ العالم البحرية يحترق
- ميدان وتمثال مصطفى كامل وحكاية بدروم سوارس
- زبيدة ثروت ملاك السينما المصرية الصغير في ذكرى وفاتها الرابع ...


المزيد.....




- انفجارات تهز كييف وسط دوي صفارات الإنذار الجوي
- كان يُصيب الكبار.. لماذا يهاجم السكري من النوع الثاني الشباب ...
- تحذير مصري من مخطط إسرائيلي تعتبره القاهرة -خطا أحمر-
- سوريا تدين الهجوم الإيراني على ناقلة نفط إماراتية في مضيق هر ...
- أنقرة تقترح آلية لحماية الملاحة في البحر الأسود بعد هجمات اس ...
- دميترييف: الاتحاد الأوروبي اصطدم بأزمة طاقة اختلقها بنفسه
- الزيدي: لن نسمح بتهديد دول الجوار
- فانس: سنواصل الضغط على إيران لإخراج أكبر كمية ممكنة من النفط ...
- -قناة 12-: الجيش الإسرائيلي يبحث تنفيذ انسحابات موضعية من من ...
- الآلية الخماسية الدولية إلى الواجهة في السودان


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - لماذا نكتب عن الذين يرحلون؟ في الدفاع عن الذاكرة قبل أن تصبح نسيانًا