أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن منيف - الأشجار واغتيال مرزوق: صرخة البداية وعالم لا يكف عن الانكسار














المزيد.....

الأشجار واغتيال مرزوق: صرخة البداية وعالم لا يكف عن الانكسار


عبد الرحمن منيف

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 14:37
المحور: الادب والفن
    


حين صدرت روايتي الأولى "الأشجار واغتيال مرزوق" في مطلع السبعينيات، كانت أكثر من مجرد قصة؛ كانت محاولة لفهم الهزيمة العربية، وتشريحاً مبكراً لغربة الإنسان في وطنه. اليوم، وبعد عقود طويلة، ألتفت خلفي لأرى أن تلك الأشجار التي دافع عنها "إلياس" ما زالت تُقطع، وأن "مرزوق" لم يتوقف عن التعرض للاغتيال المعنوي والجسدي في شتى بقاع هذا الشرق.
جدلية الوطن والمنفى
الرواية في جوهرها هي رحلة في قطار يجمع بين غريبين:
منصور عبد السلام: الأستاذ الجامعي المهزوم والمطرود من عمله.
إلياس: المغامر البسيط الذي يملك عشقاً أعمق من غريزة البقاء للأرض والأشجار.
يلتقي الاثنان في لحظة هروب وانكسار، ليعكسا أزمة المثقف العربي العاجز أمام السلطة، في مقابل المواطن البسيط الذي يتمسك بجذوره حتى الرمق الأخير. تقدم الرواية رؤية أدبية مبكرة لغربة الإنسان العربي عبر هذه الحوارية، وتمزج بين الواقعية والرمزية لتصوير صراع القيم والأرض، حيث يمثل "مرزوق" الضحية المستمرة للزيف والسياسة في عالم لا يكف عن الانكسار.
تشريح العجز: تفكيك شخصية منصور عبد السلام
تجسد شخصية منصور عبد السلام النموذج الأبرز للمثقف العربي المأزوم في مرحلة ما بعد النكسة، ويمكن تفكيك عجزها النفسي في ثلاثة أبعاد:
مركب الخصاء الفكري: يجد منصور نفسه فجأة مجرداً من سلاحه (الكلمة والتعليم) ومطروداً من عمله. يتحول عجزه عن تغيير مجتمعه إلى نقمة على الذات، فيعيش انفصاماً بين الأفكار الثورية العظيمة في رأسه، والواقع المخيب الذي لا يستطيع فيه حماية نفسه.
الهروب وجلد الذات: يمثل ركوب القطار هروباً فيزيائياً ونفسياً من مواجهة الواقع إلى المجهول. يستحضر منصور ذكرياته وندمه كوسيلة للهروب من مرارة الحاضر، ممارساً لوماً مستمراً لنفسه كرمز لجيل كامل آمن بالشعارات ثم استيقظ على الكابوس.
مرآة إلياس الفاضحة: يمثل منصور العقلانية المشلولة والمترددة، بينما يمثل إلياس الاندفاع الفطري والتمسك البدائي بالأرض. يرى منصور في حيوية إلياس وعشقه للأشجار مرآة تفضح موته الداخلي وجفاف روحه، مما يضاعف شعوره بالدونية.
لماذا يغتالون مرزوق؟
شهدت الرواية صراعاً فكرياً ونفسياً عميقاً بين شخصياتها، حيث جسد الحوار بين منصور وإلياس انهزام المثقف أمام بساطة التمسك بالأرض. وعكست الرموز الحوارية اغتيال مرزوق كضحية للظلم والقمع، معبرة عن خيبة أمل مستمرة وصرخة بقاء في عالم منكسر. "مرزوق" ليس مجرد اسم، بل هو رمز للإنسان البريء الذي يسحقه قطار التحديث الزائف، والقيم الأصيلة التي تُذبح على مذبح المصالح والسياسة.
حوار خلف حدود الزمن: لقاء في قطار الحاضر
لو قُدّر لي أن أركب ذلك القطار مجدداً اليوم، لجلست في المقعد المقابل لمنصور وإلياس، لينمو بيننا هذا الحوار التخيلي الكاشف:
عبد الرحمن منيف: "يا منصور، مرّت عقود طويلة، وما زلتَ تفكّر في الهزيمة وتجلد ذاتك؟ ألم تتغير هذه الملامح المجهدة بعد؟"
منصور عبد السلام (يهز رأسه بابتسامة مريرة): "يا دكتور عبد الرحمن، الهزيمة لم تعد حدثاً عابراً في التاريخ؛ لقد تحولت إلى هواء نتنفسه. في زمانك طردوني من الجامعة، أما اليوم، فقد جفّت الأوراق وتغيرت الأسماء، وبقي العجز في مكانه، بل أصبح أكثر قسوة لأننا صرنا نرى انكسارنا على شاشات هواتفنا في كل ثانية."
إلياس (يقاطعنا محتجاً وهو ينظر من النافذة): "أنتم والمقالات! دائماً تبحثون عن الكلمات الميتة. انظروا إلى الخارج.. الاسمنت يلتهم الجبال، والأشجار لم تعد تُقطع بالفؤوس بل تُقتلع بالآلات من جذورها لتبنى مكانها ناطحات سحاب صماء. إنهم لا يغتالون مرزوق وحده اليوم، إنهم يغتالون تراب الأرض."
عبد الرحمن منيف: "لكنك يا إلياس ما زلت تقاوم، وما زلت تسافر برغم انكسار منصور."
إلياس (بصلابة فطريّة): "سأظل أسافر وأزرع، حتى لو كانت الأرض تضيق. إذا استسلمنا لمنصور وأفكاره، فلن يتبقى من الوطن سوى الرماد."
صرخة مستمرة في الحاضر
لو عدت لكتابة هذه الرواية اليوم، لن أغير حبكتها، بل سأعمق من صرختها. إن القطار الذي استقله منصور وإلياس لا يزال يسير، والركاب يزدادون خوفاً وتيهاً، والمدن الاسمنتية الحديثة لا تزال تبتلع الأشجار والحب والأمان. إنها رواية الأمس، ورواية اليوم، وربما كابوس الغد إذا لم يتوقف هذا العالم عن انكساره.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قلق الجغرافيا وزنازين الشرق: بوصلة الحبر في مواجهة النفط وال ...
- عبد الإله الوصي على عرش العراق
- من ذاكرة التاريخ ياسين الهاشمي: الشهاب الذي هوى
- صفحة من تاريخ المقاومة في العراق الشيخ ضاري المحمود والكولون ...
- الخاتون


المزيد.....




- كيف عرّى فيلم -نازا- هشاشة إسرائيل -الأخلاقية- وأربك مؤسساته ...
- إيمي 2026.. هل أصبح التلفزيون الملاذ الأكثر جرأة لنجوم السين ...
- -ورق الكافور- لعبد الله العرفج.. بين رهان الذات والهجرة والا ...
- نقيب الفنانين السوريين مازن الناطور: -اللي عنده أصالة مثل ها ...
- أكثر من 200 سينمائي إسرائيلي يتضامنون مع مخرجي نازا: التحريض ...
- تقرير يكشف مفاجأة حول وفاة الممثلة الأمريكية الشهيرة هايدن ب ...
- -بسطات الكتب في دمشق-.. مشهد ثقافي ينبض بالحياة في قلب العاص ...
- تحت شعار -بأفكارنا نبني-.. الدوحة تجمع نخب العقول في ملتقى - ...
- نقيب الفنانين مازن الناطور يرحّب بأصالة قبل حفل دمشق: -أهلا ...
- ردود فعل غاضبة جدا في إسرائيل على فيلم -نازا-.. ما أهمها ولم ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن منيف - الأشجار واغتيال مرزوق: صرخة البداية وعالم لا يكف عن الانكسار