أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن منيف - قلق الجغرافيا وزنازين الشرق: بوصلة الحبر في مواجهة النفط والجلاد














المزيد.....

قلق الجغرافيا وزنازين الشرق: بوصلة الحبر في مواجهة النفط والجلاد


عبد الرحمن منيف

الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 15:34
المحور: الادب والفن
    


مأزق الهوية وقلق النشأة
إذا أردت أن تفتش عن بذور الحكاية في داخلي، فلن تجد خطاً مستقيماً وولادة هادئة. لقد وُلدتُ في "عمّان" عام 1933، ولكنني في الحقيقة وُلدتُ في المسافة القلقة بين صحراء نجد الخشنة التي حملتُ جينات والدي منها، وبين ضفاف دجلة والفرات الصاخبة التي ورثتُ ملامح والدتي وعاطفتها من طينها. هذه الخلطة الجغرافية جعلتني منذ طفولتي الأولى عابراً للحدود، غريباً في كل مكان، ومنتمياً إلى الوجع العربي في كل أصقاع الأرض في آن واحد.
انكسار الأوهام الحزبية وولادة الروائي
لم تكن الكتابة الروائية عندي يوماً نزوة جمالية أو تزجية للوقت، بل كانت ملجئي الأخير بعد انكسار الأوهام الكبرى، وامتداداً طبيعياً لصرخة مخنوقة في عتمة زنزانة عربية. في الخمسينيات، مثل كل الشبان في ذلك الجيل الغاضب، اعتقدتُ أن السياسة والحزبية هما الرافعة التي ستنقذ هذا الشرق من عثراته. تنقلت بين بغداد والقاهرة، تشربت الأفكار القومية واليسارية، وآمنت بشعارات التغيير، لكنني سريعا ما اكتشفتُ أن العمل السياسي الضيق غالباً ما يُسيّج الأفق ويُجهض الأحلام، وأن الأنظمة التي بشرت بالتحرر استعارت أبشع أدوات المستعمر، وظبّطت أجهزتها الأمنية لكسر إرادة الإنسان وتحويل الأوطان إلى معتقلات كبيرة يحرسها الخوف.
زلزال النفط والمدن الهشة
في عام 1961، نلتُ دكتوراه في اقتصاديات النفط من جامعة بلغراد، وهناك بدأت تتضح في ذهني المأساة الكبرى التي ستتحكم في مصير أمتنا. كان النفط بالنسبة لي ليس مجرد مادة سوداء تُستخرج من باطن الأرض لتباع في الأسواق، بل كان زلزالاً اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً يهدد باقتلاع الجذور. رأيت كيف بدأت مجتمعاتنا تتحول بسرعة جنونية من بساطة الصحراء وقيم الواحة إلى استهلاك مشوّه ومدن زجاجية قشرتها برّاقة وعمقها هش؛ مدن ملحية تذوب عند أول موجة ماء حقيقية، تاركة وراءها الغبار والسراب.
ومن هنا، من هذا المزيج بين خيبة السياسي وتشخيص الخبير الاقتصادي، وُلد الروائي في داخلي ليواجه وحشين: تغريب الإنسان بالنفط، وسحقه بالاستبداد.
جحيم شرق المتوسط واغتيال الإنسان
لقد اندفعت أكتب لأهتك أستار تلك المنطقة الجغرافية الملعونة بالقمع. وحين كتبتُ "شرق المتوسط"، ثم أتبعتها بـ "الآن.. هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى"، لم أكن أكتب نصاً متخيلاً من برج عاجي، بل كنت أسكب دماً ودموعاً على الورق عن أقبية رأيتها ورأيت فيها الأحرار يُساقون لمجرد الحلم بوطن أفضل.
في زنازيننا العربية، لا يقتصر التعذيب على الجلد، أو الصعق بالكهرباء، أو الحرمان من النوم؛ إن الجريمة الكبرى للجلاد هي محاولة اغتيال "الداخل" الإنساني، وإجبار المناضل على خيانة مبادئه، وجعله يرى في مرآة نفسه حطاماً بشرياً. إنهم لا يعاقبون السجين على ما فعل، بل يعاقبونه على الأمل الذي يحمله في عينيه لكي يؤبّدوا عجز المجتمع.
التاريخ البديل في "مدن الملح"
أما الملحمة التي استهلكت روحي، خماسية "مدن الملح"، فكانت محاولتي الكبرى لتدوين السيرة غير الرسمية للجزيرة العربية، ورواية قصة هؤلاء البدو الصامتين الذين دُفنت قراهم وقيمهم تحت أنابيب البترول وجبروت السلطة المتحالفة مع الشركات العابرة للقارات. أردت أن تكون الرواية هي الأداة البديلة لإعادة صياغة التاريخ الذي يُراد تزويره أو نسيانه.
ثمن الحرية وضريبة المنفى
لقد دفعتُ ثمن هذه الصراحة غليظاً؛ حُوربتُ، ومُنعَت رواياتي التي تفضح عورات الأنظمة الأمنية ومجتمعات الطفرة المشوهة، ونُزعت عني جنسيتي ليريدوني بلا أرض. لكنني كنت أردد دائماً: إن الكاتب الذي يهرب من مواجهة الجلاد أو يغمض عينيه عن قهر أهله هو كاتب يوقع وثيقة وفاته الإبداعية. إن المنفى الحقيقي ليس بـعُدك عن أرضك، بل المنفى هو أن تملك القدرة على الصراخ وتختار الصمت خوفاً من الزنزانة.
إن الحبر الذي سكبته في تعرية جحيم النفط والاعتقال السياسي العربي، كان خط دفاعي الأخير عن كرامة الإنسان. واليوم، ورغم رحيلي الجسدي، فإن صرخات الضحايا لا تزال حية في كل صفحة كتبتها، تذكر الطغاة بأن الجسد قد يفنى تحت وطأة السوط، وبأن المدن الزجاجية قد تذوب، لكن الكلمة الحرة تظل حية، تحاصر الجلاد وتلاحقه لعنةً في التاريخ حتى تنال الشعوب حريتها الكاملة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبد الإله الوصي على عرش العراق
- من ذاكرة التاريخ ياسين الهاشمي: الشهاب الذي هوى
- صفحة من تاريخ المقاومة في العراق الشيخ ضاري المحمود والكولون ...
- الخاتون


المزيد.....




- متحف الدفاع عن سيفاستوبول يتلقى نحو 200 قطعة أثرية جديدة
- بعد ترميم دام عامين ونصف.. إعادة افتتاح كنيسة الصعود التاريخ ...
- -بوكر- 2026: القائمة الطويلة تضم فائزين سابقين وثلاثة روائيي ...
- قصر كاترين يفتتح أبوابه مجانا لحاملات اسمي -كاترين- و-إليزاب ...
- الألعاب النارية تلتهم موقع تصوير فيلم في منطقة تفير الروسية ...
- لجنة الفنون الجميلة الأمريكية تخطط لحفلات مشتركة تضم موسيقيي ...
- -من أجل فراشة-.. فيلم كرتوني صامت عن -خط الموت الأصفر- ومعان ...
- سوريا تودع شيخ النحاة وأستاذ الأجيال.. من هو الأديب مازن الم ...
- أسطورة -الحشاشين- الإيرانية.. قصة قلعة -ألموت- التي ضمتها ال ...
- -دايبين في صوت الست-.. عرض يحتفي بإرث أم كلثوم في مهرجان جرش ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن منيف - قلق الجغرافيا وزنازين الشرق: بوصلة الحبر في مواجهة النفط والجلاد