أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - أسعد قلي طرطشلي - تطبيق الحاكمية في جمهورية الوجوه المستعارة: كيف تدير دولة نووية بكتالوج فقهي ومصنع للنفاق؟














المزيد.....

تطبيق الحاكمية في جمهورية الوجوه المستعارة: كيف تدير دولة نووية بكتالوج فقهي ومصنع للنفاق؟


أسعد قلي طرطشلي

الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 22:14
المحور: كتابات ساخرة
    


لو أردنا تعريف "الحاكمية" بمنظور علماني ساخر، لقلنا إنها المحاولة الفاشلة لإقناع إنسان القرن الحادي والعشرين بأن صانع القرار الحقيقي في وزارات التخطيط والمالية والطيران المدني لا يجب أن يكون خبيراً تكنوقراطياً يحمل شهادة الدكتوراه، بل يجب أن يكون "نصاً تاريخياً" كُتب في القرن السابع الهجري لفض نزاع قبلي حول توزيع غنائم التمر والمعيز.
المفهوم السياسي للحاكمية، الذي بعثه منظرو الإسلام السياسي بكثير من الرومانسية الحالمة والتشنج الخطابي، يعتقد بيقين مطلق أن "السيادة لله" في الحكم.
وهي عبارة تبدو ديباجتها الإلهية جميلة جداً ومعفية من الضرائب، ولكنها بمجرد أن تطأ أرض الواقع السياسي تتحول فوراً إلى "حاكمية المرشد العام" أو "حاكمية أمير الجماعة" الذي يرى نفسه الناطق الرسمي الوحيد باسم السماء، ويعتبر معارضيه خارجين عن الملة وليسوا مجرد خصوم سياسيين!
الجريمة الكبرى لهذه الأنظمة ليست في قمع الحريات وتجميد الاقتصاد فحسب، بل في تحويل "النفاق الاجتماعي" إلى آلية بيولوجية وحيدة للبقاء على قيد الحياة.

العلمانية تفهم المجتمع البشري ككتلة من التباينات والعيوب الطبيعية، ولذلك تضع "قوانين مدنية" تحكم السلوك الخارجي والمصالح المشتركة، تاركة الضمير والسرائر لرب العباد.
أما دول الحاكمية والوصاية فصر على اقتحام النفوس، وتريد صياغة "إنسان ملائكي" مفصل على مقاس الفتوى؛ والنتيجة الحتمية لهذه الهندسة المستحيلة هي نشوء "جمهورية الوجوه المستعارة"، حيث يعيش المجتمع بكامل أفراده انفصاماً حاداً وكوميدياً بين ما يظهره في الشارع وأمام الكاميرات، وبين ما يمارسه في الخفاء وخلف الأبواب المغلقة.
في دولة الحاكمية، تجلس اللجنة الاقتصادية للجماعة لتبحث عن حلول لانهيار العملة المحلية والتضخم. وبدلاً من دراسة حركة أسواق المال العالمية، وأسعار الفائدة، وسلاسل الإمداد، يقترح فقيه الجلسة فتح باب "الاستغفار الجماعي" لخفض سعر الدولار، أو إصدار فتوى تحرم التعامل بالعملات الرقمية لأنها تحتوي على "الغرر والجهالة"، مستدعياً نظام "الخراج والجزية" لإدارة بنك مركزي يتعامل مع احتياطي الفيدرالي الأمريكي!
هذا التناقض يولد خط إنتاج "التدين الشكلي اللوجستي"؛ ففي مجتمعات الوصاية، لا تُقاس كفاءتك الإدارية أو الأكاديمية بنتاج عقلك أو حجم إنجازك، بل بطول لحيتك، أو مواظبتك المشهودة في الصف الأول.
هذا الضغط الهيكلي يحول المظاهر الدينية من طاقة روحية صادقة إلى "أداة وظيفية تفعّلها للحصول على ترقية".
يتحول النفاق هنا إلى ذكاء اجتماعي؛ فتجد المسؤول يمارس أبشع صور الفساد الإداري والاختلاس المالي، لكنه يحرص على قطع الاجتماع لرفع الأذان وإظهار الورع التقي أمام الموظفين ليحمي كرسيه من الشبهات!
المفارقة الأكثر تهكماً هي أن أتباع "الحاكمية" الذين يكفرون العلمانية والدولة المدنية الحديثة ليل نهار، لا يجدون أي حرج شرعي في استخدام شبكات الإنترنت التي اخترعها الغرب، وهواتف الآيفون المصنوعة في كاليفورنيا، وبث خطبهم الحماسية التي تطالب بتدمير الحداثة والعودة إلى عصر الخيام! في العلن، يقف الجميع في المظاهرات والندوات للمطالبة بمنع الكتب الفلسفية، وحظر السينما، وتشفير المواقع الإلكترونية بذريعة "حماية السلم الأخلاقي للرعية"؛ ولكن بمجرد أن يغلق أحدهم باب بيته ويشغل شبكة الـ (VPN) العابرة للرقابة، يركض بنهم لافتراس نفس المحتوى الذي طالب بمنعه صباحاً! هذا التناقض جعل المجتمع يمتلك "شخصيتين": شخصية نهارية صارمة تطالب برجم العصاة، وشخصية ليلية رقمية تمارس كل ما لذ وطاب من شؤون الحداثة والعلمانية، في حالة من التصالح الذاتي المرعب مع الكذب اليومي.
ينتهي مشهد "الحاكمية والنفاق المنظم" دائماً بنفس القفلة البائسة: تسقط الدولة الدينية في وحل الحروب الأهلية وصراعات "الفرقة الناجية" لتصفية بعضهم البعض، ويهرب المواطنون العاديون عبر قوارب الموت نحو الدول العلمانية الغربية "الكافرة" ليحصلوا على حقوقهم الإنسانية والمواطنة الكاملة، تاركين أمير الجماعة يحكم الأنقاض والجدران المغطاة بالشعارات الطوباوية.

الأنظمة الشمولية التي حاولت بناء "دولة الفضيلة المطلقة" بالسياط والرقابة، لم تنتج مجتمعاً مؤمناً، بل أنتجت مجتمعاً هشاً من الممثلين المحترفين الذين يتقنون البكاء في الخطب ويتقنون التزوير في المعاملات.

لن تنهض أمة يُعاقب فيها الصادق ويُكافأ فيها المنافق؛ والحداثة الحقيقية تبدأ عندما تسقط أقنعة الزيف، وتدرك الدولة أن كرامة الوطن تُبنى بالمواطنين الأحرار الذين يملكون شجاعة الاختلاف، وليس بالرعايا المرعوبين الذين يرتدون ثياب التقى ليخفوا خلفها عورات الترهل والهزيمة الفكرية.



#أسعد_قلي_طرطشلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فصام عابر للقارات: المانيفستو العالمي للمهاجر المؤدلج في بلا ...
- كتالوج الاستبداد العربي: كيف تُدير مزرعتك السعيدة في خمسة أي ...


المزيد.....




- -دايبين في صوت الست-.. عرض يحتفي بإرث أم كلثوم في مهرجان جرش ...
- الاسكان:إطلاق حملة توعوية لنشر ثقافة الالتزام بقانون تنظيم م ...
- هوليوود تعيد اختراع الخوف.. 4 اتجاهات ترسم ملامح مستقبل أفلا ...
- بعد عقدين من الإعلان عنه.. جوجنهايم أبو ظبي يفتح أبوابه في د ...
- فنان مصري يثير الجدل بين متابعيه بصورة غامضة على انستغرام
- دراسة: ربع الروس ينفقون حتى 5000 روبل على الفعالية الثقافية ...
- صراع السينما والتكنولوجيا.. هل ينجح ذكاء ماسك الاصطناعي في ه ...
- متحف بوشكين في موسكو يعرض كنوز الشارات والرموز الإمبراطورية ...
- شهد برمدا تفتح صفحة جديدة بأغنية عن القوة بعد الخذلان
- مصر.. الفنان أحمد عز يرضخ للقضاء قبل حسم قضيته مع زينة


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - أسعد قلي طرطشلي - تطبيق الحاكمية في جمهورية الوجوه المستعارة: كيف تدير دولة نووية بكتالوج فقهي ومصنع للنفاق؟