لوله حميد
ناشط يساري و لاعب كرة قدم دولي سابق
(Lula Hamid)
الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 20:58
المحور:
عالم الرياضة
في السابق كانت الرياضة، ولا سيما كرة القدم، تُعرَّف من خلال الخصائص الفنية لكل منتخب، كان يُقال إن المنتخب الإيطالي يتميز بقوة خط دفاعه، والبرازيل بمهارة لاعبيه وفنونهم الكروية، وألمانيا بالانضباط والإصرار حتى اللحظة الأخيرة، فيما اشتهرت المنتخبات الإفريقية بقوتها البدنية وقدرتها على مفاجأة الجماهير بنتائجها.
أما اليوم، وبعد أن تحولت الرياضة عموما، وكرة القدم على وجه الخصوص، إلى سوق ضخم للاستثمار وتحقيق الأرباح، وبالتوازي مع هيمنة النظام الرأسمالي وتعزيز دور اليمين على مستوى المجتمع وعلاقات الإنتاج، أصبحت النقاشات المتعلقة بالرياضة تعكس المنطلقات ذاتها التي أفرزتها البنية الاقتصادية السائدة، من تصاعد النزعات اليمينية، وتعميق الخطابات العنصرية، وتوسيع الهوة بين الشعوب والقوميات والمكونات المختلفة. وهذا يؤكد من جديد أن البنية الفوقية الطبقية للمجتمع ليست سوى انعكاس لبنيته الاقتصادية.
وقد تجلت هذه الظواهر بوضوح أكبر في كأس العالم لكرة القدم 2026، حيث أصبح تأييد أي منتخب أو معارضته يرتبط بتاريخ دولته ودور سلطتها في التوازنات والصراعات الدولية، كما تحولت كثير من القضايا العالقة، مثل النزاعات القومية أو الدينية أو الجغرافية، إلى مبررات لتشجيع أو معاداة المنتخبات عند الفوز أو الخسارة، في حين لم تكن هذه الظاهرة بهذا الوضوح في البطولات السابقة رغم وجود المشكلات نفسها.
من اللعبة الشعبية إلى سلعة رأسمالية
شهدت بطولة كأس العالم 2026، التي استضافتها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، منذ بدايتها عشرات الأزمات والإشكالات، وكان معظمها مرتبطا بالولايات المتحدة بوصفها دولة تواجه أزمات مختلفة، وتراجعا في مكانتها الدولية، واحتداما في المنافسة الاقتصادية العالمية، فضلا عن تعاملها بعقلية الشرطي الدولي، وفرضها لسياسات الهيمنة والترهيب والعسكرتارية في مختلف المجالات.
ومن أبرز هذه المشكلات الأزمات اللوجستية والسياسية التي أثارت جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية والجماهيرية منذ انطلاق البطولة، وعلى رأسها أزمة التأشيرات والإجراءات الحدودية التي اتسمت بالفوضى، حيث واجه المشجعون والمسؤولون والحكام وحتى اللاعبون عراقيل في المطارات. ومن الأمثلة البارزة منع الحكم الدولي الصومالي عمر عبد القادر أرتان من دخول الولايات المتحدة وإعادته رغم امتلاكه جميع الوثائق القانونية المعتمدة من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
كما خضعت بعض المنتخبات، مثل العراق وإيران والسنغال، لتحقيقات وإجراءات تفتيش ومتابعة مشددة، وألغيت رحلات مئات المشجعين من دول عدة، منها إسكتلندا والجزائر والسنغال، بسبب رفض منحهم تأشيرات الدخول، رغم إنفاقهم مبالغ كبيرة على تذاكر المباريات والإقامة.
ومن أكثر الجوانب المثيرة للانتقاد في مونديال 2026 زيادة عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخبا، وهو قرار أدى إلى تراجع المستوى الفني للبطولة، لأن الدافع الأساسي وراء التوسع كان تعظيم الأرباح والاستثمارات، وليس تطوير الرياضة أو تعزيز التبادل الثقافي بين الشعوب. كما أن إضافة فترتي استراحة خلال المباريات لم يكن هدفها راحة اللاعبين أو الحفاظ على صحتهم، بل زيادة عائدات الإعلانات التجارية. كذلك أثار استخدام طفلة محجبة في مراسم البطولة انتقادات باعتباره محاولة لاسترضاء السعودية وقطر، بما يعكس تغليب المصالح الاقتصادية والسياسية على حقوق الإنسان وحقوق الأطفال.
منطق الربح والهيمنة يطغى على قيم الرياضة
ولا يثير الاستغراب أن تتعامل الولايات المتحدة، التي ترى نفسها شرطي النظام الرأسمالي العالمي، مع تنظيم البطولة بالعقلية ذاتها، وهو ما انعكس في توزيع المباريات. فمن أصل 104 مباريات في كأس العالم 2026، استضافت كل من المكسيك وكندا 13 مباراة فقط، بينما استضافت الولايات المتحدة 78 مباراة، ما يعني أن الجزء الأكبر من العوائد الاقتصادية والاستثمارات ذهب إلى الشركات ورؤوس الأموال والدولة الأمريكية.
وشهدت البطولة أيضا تدخلات غير مسبوقة من مسؤولين سياسيين، من بينها إلغاء البطاقة الحمراء التي حصل عليها أحد لاعبي المنتخب الأمريكي بقرار من الرئيس الامريكي دونالد ترامب. أما على صعيد الإيرادات، فقد تجاوزت أرباح البطولة منذ نهاية دور المجموعات وحتى الانتقال من مرحلة 48 منتخبا إلى دور الـ32 إجمالي أرباح مونديال قطر 2022 قبل المباراة النهائية. وبلغت أسعار التذاكر مستويات غير مسبوقة، إذ وصل سعر تذكرة المباراة النهائية، بحسب تقرير فرنسي، إلى 9717 يورو، بينما بلغ سعر أرخص تذكرة 3496 يورو، في حين وصلت أسعار المقصورات المخصصة للمسؤولين والملوك والرؤساء والأثرياء إلى مستويات قياسية (المصدر: شبكة RMC Sport الفرنسية).
كما ارتفعت بصورة كبيرة تكاليف الإقامة والتنقل بين الدول الثلاث المستضيفة، الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، الأمر الذي جعل البطولة تبدو وكأنها كأس عالم للأثرياء، وأفقدها جزءا كبيرا من روحها الجماهيرية. كذلك انعكست المسافات الطويلة بين الدول المضيفة سلبا على جاهزية اللاعبين ومستوياتهم الفنية.
في المقابل، قدم حفل افتتاح البطولة في المكسيك عرضا فنيا مميزا نال إعجاب الجماهير حول العالم، ولا سيما بمشاركة النجمة العالمية شاكيرا التي أضفت على الحفل أجواء احتفالية مميزة بأغانيها واستعراضاتها، ويمكن اعتبار ذلك من أبرز الجوانب الإيجابية للبطولة.
ملف حقوق العمال والأمن في المكسيك
ناقشت منظمات حقوقية دولية، من بينها الاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب، بجدية أوضاع العمال غير المسجلين. وكشفت عدة تقارير أن الشركات المتعهدة بتجديد الملاعب، ومنها ملعب أزتيكا التاريخي في المكسيك، استعانت بمهاجرين غير نظاميين من هايتي وفنزويلا للعمل من دون توفير حقوقهم الصحية أو معايير السلامة اللازمة. كما وُجهت اتهامات إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بعرقلة عمليات التفتيش التي تستهدف التحقق من أوضاع هؤلاء العمال وحقوقهم. وفي الوقت نفسه، خيمت مخاوف أمنية كبيرة على بعض المدن المكسيكية، مثل غوادالاخارا، بسبب هجمات الجماعات الإجرامية المنظمة.
ومن بين أبرز التطورات التي رافقت مونديال 2026 أيضا قمع الاحتجاجات التي نظمتها نقابات المعلمين في المكسيك قبل ساعات من افتتاح البطولة. وقد دفعت هذه الاحتجاجات السلطات المكسيكية إلى نشر آلاف من عناصر الأمن ومكافحة الشغب في محيط المطارات والملاعب. وجاءت هذه الاحتجاجات اعتراضا على إنفاق مبالغ هائلة على تنظيم كأس العالم، في وقت يعاني فيه المواطنون في المكسيك من تدهور مستويات المعيشة.
الخاتمة
يكشف كأس العالم 2026 بوضوح أن الرأسمالية لم تعد تكتفي بتحويل العمل والطبيعة إلى سلع، بل امتدت لتسليع الرياضة والثقافة والمشاعر الإنسانية أيضا. فما كان يفترض أن يكون مناسبة للتقارب بين الشعوب وتعزيز قيم التضامن والسلام، أصبح ساحة لتوسيع النفوذ السياسي للدول الكبرى، وتعظيم أرباح الشركات الاحتكارية، وتكريس اللامساواة الاجتماعية. إن استعادة الرياضة لدورها الإنساني تتطلب إخراجها من منطق الربح الأقصى وهيمنة رأس المال، وإعادتها إلى وظيفتها الأصلية بوصفها حقا اجتماعيا وثقافيا وإنسانيا يخدم الشعوب، لا وسيلة جديدة لتراكم الثروة وتعزيز الهيمنة الطبقية. ففي ظل النظام الرأسمالي، لم يعد كأس العالم مجرد بطولة لكرة القدم، بل أصبح مرآة تعكس تناقضات هذا النظام وأزماته، وتؤكد أن النضال من أجل رياضة عادلة لا ينفصل عن النضال الأوسع من أجل مجتمع أكثر عدالة ومساواة وإنسانية.
لاو حميد (لوله)
لاعب كرة قدم سابق في الدوري العراقي.
#لوله_حميد (هاشتاغ)
Lula_Hamid#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟