أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - سيف فلح حسن - أنا و الذبابة














المزيد.....

أنا و الذبابة


سيف فلح حسن

الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 08:41
المحور: كتابات ساخرة
    


حديثًا عابرًا، لكنه ترك أثرًا لم يغادرني


سألني، ونحن نتحدث عن الحروب في أوكرانيا وإيران، عن الصراع بين الخير والشر. كان المتحدث ينطلق من منظومة فلسفية وأخلاقية واضحة؛ ذا خلفية وطنية تؤمن بعراقٍ موحدٍ وقوي، وقومية تعتز بهويتها العربية، وتميل إلى شيء من الفكر الاشتراكي. ولطالما ظننت أن فكرة الصراع بين الخير والشر تجد صداها الأكبر لدى أصحاب المبادئ والفلسفات، أكثر مما تجده لدى الشخصيات البراغماتية.
كنت، في مرحلة من حياتي، أؤمن بأن الخير ينتصر في النهاية. لكنني، وقد بلغت الأربعينيات من عمري، تغيرت نظرتي. وربما تبدو هذه النظرة متشائمة، وإن كنت أفضل أن أسميها واقعية. فأجدني أميل إلى الاعتقاد بأن الشر هو الغالب. فإذا تحدثنا عن الفرد، فغالبًا ما تكون نزعات الأنانية والطمع والعنف أقوى من نزعات الإيثار والرحمة والعدل. وإذا تحدثنا عن العقل الجمعي، بدا الأمر أوضح وأكثر قسوة.
ومع ذلك، ظل ذلك الحديث العابر يطن في رأسي كذبابة ترفض مغادرة الغرفة. ولم يبق أمامي إلا أحد خيارين: إما أن أتفاهم معها، أو أقتلها! فقررت أن أتفاهم مع الذبابة، وأفكر معها.
وأثناء محاولتي الإجابة، وجدت نفسي أنظر إلى التاريخ من علٍ؛ نظرة قد تبدو سطحية، لكنها تحاول رؤية الصورة الكبرى بعين نسر.
الحضارات والدول والإمبراطوريات لا تبدأ بالقوة وحدها، بل تولد من اجتماع ثلاثة عناصر: الفكرة، والقوة، والغريزة.
أما القوة والغريزة فهما متلازمتان، وتشملان القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية، إضافة إلى الدوافع البشرية الأولى: حب البقاء، والرغبة في التوسع، والسعي إلى الهيمنة.
أما الفكرة، فلها مكانة مختلفة؛ فهي التي تمنح الحضارة رسالتها، والدولة مشروعها، والإمبراطورية شرعيتها. وهي التي تجعل القوة أكثر من مجرد بطش، والغريزة أكثر من مجرد صراع على البقاء.
غير أن التاريخ يكاد يعيد نفسه. فمع الزمن، يقل اعتماد الإمبراطوريات على الفكرة، ويزداد اعتمادها على القوة والغريزة. وأحيانًا لا تختفي الأفكار فحسب، بل تحل محلها أفكار هدامة، فتبدأ الحضارة مرحلة الانحدار.
وفي مكان آخر من العالم، تكون أفكار جديدة قد بدأت بالنمو. تتحالف مع قوة تلك المنطقة وغرائزها، فتولد حضارة جديدة، وتبدأ دورة أخرى من تداول الأيام بين الناس.
إذا صح هذا التصور، فإن الخير ليس الفضيلة المجردة، ولا الشر هو الرذيلة المجردة. الخير هو الفكرة الخلاقة التي تمنح المجتمعات القدرة على البناء والاستمرار والتجدد، والشر هو حين تنفصل القوة عن الفكرة، أو حين تتحالف مع أفكار تهدم أكثر مما تبني.
بهذا المعنى، قد يكون الخير قد انتصر دائمًا، لا لأنه قضى على الشر، بل لأنه نجح، في كل مرة، في إنتاج فكرة جديدة تنقذ البشرية من الانهيار الكامل. ولو انتصر الشر انتصارًا مطلقًا، لانتهى التاريخ منذ زمن بعيد.
ولعل هذا يقود إلى نتيجة أكثر تواضعًا: لا يوجد خير مطلق، ولا شر مطلق. فكلاهما يتداخلان في التجربة الإنسانية. وحتى القوة والغريزة، على ما فيهما من قسوة، كانتا شرطًا لبقاء الإنسان، بقدر ما كانت الفكرة شرطًا لازدهاره.
الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الشر، بل في اختلال التوازن؛ حين تستبد القوة، وتُقصى الفكرة، أو حين تفقد الفكرة قدرتها على تهذيب الغريزة وتوجيهها. عندها لا يكون سقوط حضارة بعينها هو ما يهددنا، بل يصبح بقاء الجنس البشري نفسه موضع سؤال. علميًا، قد يكون ذلك سببًا في انقراض الجنس البشري المحتوم. ودينيًا، قد يكون بداية يوم القيامة الموعود.
عند هذه النقطة، ملت الذبابة من مناقشتي، وقررت أن تتركني وحدي مع أفكاري






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشيكوف في بغداد
- فهم غزة: جذور الكارثة الإنسانية


المزيد.....




- رئيس وزراء بريطانيا: سنسلم كييف حقوق الملكية الفكرية الخاصة ...
- إدراج -سبسطية- الفلسطينية على قائمة التراث المعرض للخطر.. هل ...
- غادة العاملي تتحدث عن تأطير الذائقة العامة في جلسة أقامها ات ...
- -أيقونة الأزرق والأبيض-.. سيدي بوسعيد التونسية تدخل التراث ا ...
- خلال 60 يومًا.. تركي آل الشيخ يعلن تحقيق فيلم -7DOGS- أعلى إ ...
- في خيام النزوح.. أطفال غزة يتعلمون الموسيقى
- من اليمن إلى كابل.. معلمون عرب يدرّسون اللغة العربية من جذور ...
- مثقفون بلا حدود ..خريطة جديدة بالإذاعة الثقافية المصرية  
- من اصدارات المدى: هل الترجمة خيانة حقاً؟
- فندق «أم كلثوم» في بغداد إلى الإزالة.. وتعهد بإعادة بنائه به ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - سيف فلح حسن - أنا و الذبابة