|
|
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
فاخر جاسم
الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 04:54
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الخلاصة تواجه الباحث الذي يتناول، دراسة العولمة المعاصرة، إشكاليات عديدة ترجع إلى كثرة الكتابات التي تتناولها، وتقديم دراسات متباينة لمضمونها، تركز على آليات العولمة، كحرية الأسواق وحرية انتقال رؤوس الأموال والبضائع والخدمات والأفراد، وسرعة نقل التكنولوجيا المتطورة والتبادل الثقافي بين الشعوب، وعولمة حقوق الإنسان والحريات السياسية والفكرية، وليس على مضمون العولمة الرأسمالية وأهدافها الحقيقة ونتائج تطبيق مبادئها على الصعيد الدولي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، حيث تشير الوقائع الفعلية لربط البلدان النامية بآليات العولمة انها أدت إلى نتائج بعيدة عن تمنيات أنصار الليبرالية الجديدة من المثقفين والسياسيين في كثرة من الدول الوطنية الذين دعموا التدخل الخارجي، لحل النزاعات الداخلية بين قيادة الدولة الوطنية الاستبدادية والقوى الوطنية المكافحة من أجل التغيير، بحجة عولمة حقوق الإنسان، متجاهلين تأثيراتها السلبية، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، على تطور الدول النامية والتي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام من الباحثين والمفكرين نظرا لتأثيراتها المباشرة على تخريب كثرة من الدول الوطنية ومنها عدة دول عربية، كما حدث في العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان وغيرها. تحاول هذه الدراسة المشاركة في الجدل حول العولمة الرأسمالية، سواء ما يتعلق بالمضمون أو الآليات التي طبقت فيها، من خلال تقديم نقداً موضوعياً لهذا المفهوم، قدر الإمكان، يستند إلى حجج ووقائع وليس على مواقف سياسية أو فكرية مسبقة، سواء تلك التي تستغل تعطش المواطن إلى الديمقرطية الحقيقة والتخلص من الاستبداد، فيجري الترويج للعولمة الرأسمالية، باعتبارها الضامن لتحقيق هذه التطلعات، أو تلك المواقف التي ترفض العولمة باعتبارها شر مطلق, هدف البحث: كشف التناقض بين مبادئ العولمة الرأسمالية المعاصرة واهدافها المعلنة، والوقائع الفعلية الناتجة عن تطبيق العولمة، خاصة على البلدان النامية. أهمية البحث: تسليط الأضواء على السلبيات التي رافقت تطبيق العولمة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، على الصعيد العالمي، حيث يلاحظ كثرة الدراسات التي تتناول إيجابيات العولمة والترويج لها، باعتبارها الطريق الوحيد للتطور الاجتماعي والسياسي. مشكلة البحث: الإجابة على سؤال رئيسي، لماذا يجري تزايد التفاوت بين الدول الرأسمالية التي تقود العولمة والدول النامية، على الرغم من ان الهدف المعلن للعولمة هو تقليل التفاوت من خلال انخراط هذه البلدان بركب العولمة والاستفادة من ايجابياتها؟ ويتفرع من هذا السؤال أسئلة أخرى منها، على سبيل المثال، ماهو الفرق بين الهيمنة والتعاون المتكافأ بين الدول؟ لماذا يجري اللجوء إلى القوة لفرض مبادئ العولمة على الدول التي تتخذ طريقاً مستقلاً في التنمية الاجتماعية والسياسية؟ فرضية البحث: يلاحظ تخلي تدريجي عن مبادئ وأهداف العولمة من قبل الدول الرأسمالية الكبرى، ويحاول البحث تحري أسباب ذلك، وهل هي مرتبطة بأن هذه المبادئ ليس لها مصداقية بالواقع؟ او تنامي وعي الدول والشعوب بالأهداف الحقيقية للعولمة الرأسمالية باعتبارها وسيلة للهيمنة على الدول النامية. منهج البحث: يعتمد على المنهج التاريخي في تحليل الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية التي طبقت فيها مبادئ العولمة الراٍسمالية ونتائجها السلبية والإيجابية المتحققة، وتأثيرها على التقدم السياسي والتنمية الاجتماعية في البلدان النامية. خطة البحث: سيتم تناول الموضوع من خلال مناقشة فرضيات العولمة للتأكد من مصداقيتها، على ضوء الوقائع الفعلية التي تخدم التوصل إلى معرفة علمية/ واقعية لظاهرة العولمة الرأسمالية المعاصرة، من زاوية محدودة هي مناقشة فرضيات العولمة ومدى مصداقيتها بناء على النتائج التي افرزها تطبيقها في البلدان النامية، من خلال خمسة محاور، الاول، مقدمات تمهيدية، الثاني، الجوانب الأقتصادية والاجتماعية لظاهرة العولمة، المحور الثالث، العلاقة بين العولمة وتحقيق الديمقراطية، المحور الرابع، فرضية العولمة في المجال الثقافي، المحورالخامس، العولمة وتحقيق السلم والأمن الدوليين.
المحور الأول، مقدمات تمهيدية عمل الغرب على استثمار انهيار المعسكر الأشتراكي، لأحكام الهيمنة على العالم، عبر تسريع عمليات العولمة المعاصرة ، لنهب أكبر قدر من ثروات الشعوب من خلال تكرار تجربة الاستعمار بأشكال وأدوات جديدة، لانه متيقن إن السيطرة على العالم لا تدوم طويلاً، حيث ما زالت نضالات الشعوب تراود مفكريه ونخبه السياسية، بأن وقت هيمنة الغرب على العالم لا تدوم طويلاً، ولنا من تجربة إزالة الاستعمار الغربي عن كاهل الشعوب شواهد حية. إن الدول الرأسمالية الغربية، تتخذ موقفاً موحدا، ضد أي محاولة لكسر إنفراد هيمنتها على العالم، وهذا ما لاحظنا من الرد الهستيري ضد محاولة روسيا اضعاف الهيمنة الغربية، بالقوة المسلحة من خلال الحرب الروسية الأوكرانية، أو محاولة الصين إعادة التوازن في العلاقات، من خلال الاقتصاد والمنافسة التكنولوجية. ففي كلتا الحالتين لا تقبل الدول الغربية المساومة، ففي الحالة الأولى، هناك اصرار على رفض الحلول السلمية للأزمة الأوكرانية على قاعدة الأمن المتبادل وفق اتفاقية بودابست لعام 1996، التي تطالب بها روسيا ومجموعة الدول التي ترفض الهيمنة الغربية، كما ترفض دعوة الصين لعقد اتفاقيات تجارية دولية متكافاة تحقق المساواة والمنفعة المتبادلة. كثيراً ما يجري اخفاء جوهر العولمة الرأسمالية، باعتبارها شكلاً جديدا من الإمبريالية، يهدف إلى الهيمنة على البلدان الضعيفة ونهب ثرواتها، متعذرة بان تطور الصلات بين الدول والشعوب والتقدم التكنولوجي الذي لا يعرف الحدود، هو الذي أفرز آليات العولمة، أي أنها ظاهرة طبيعية تتلائم مع التطور الذي وصلت إليه البشرية، واعتبارها عامل تطوير لتلك الدول العاجزة عن تطوير ذاتها، فلا بد لها من الانصهار ومحو تفكيرها القديم عن الصراع والتبعية. إن هذا المنطق لا يختلف عن تبرير الاستعمارباعتبارها وسيلة لتطوير الشعوب المتخلفة. قوضت سياسة الولايات المتحدة التي تقود العولمة الرأسمالية المعاصرة، مبادئ العولمة المعلنة وقواعد القانون الدولي التي تم الترويج لها خلال العقود الثلاثة الأخيرة من خلال أعلان الطابع الامبريالي / الإمبراطوري الذي أقرته استراتيجية الامن القومي الجديدة التي صدرت في شهر نوفبر 2025 حيث اعلنت إن السياسة الخارجية للولايات تقوم على فرض السيطرة على قسم الكرة الغربي والعودة إلى مبدا مونرو في العلاقات مع دول أمريكا اللاتينية، باعتبارها منطقة تخضع فقط للنفوذ الأمريكي ولها الحق الحصري في السيطرة على ثرواتها الطبيعية وتسخيرها لمصالحها الخاصة، معلنة الحرب على الدول التي لا تخضع لسياستها. وقد ترافق مع هذه السياسة العودة إلى سياسة الضم الاستعمارية حيث تطالب الولايات المتحدة بالسيطرة على جزيرة غريلاند الدنماركية وضم كندا ( ). لقد مثل العدوان الأمريكي على فنزويلا وخطف رئيسها، نيكولاس مادورو، الذي لم يكن الهدف منه، كما كان يعلن سابقاً، دعم حقوق الانسان واقامة الديمقراطية، بل السيطرة على ثرواتها واستخدامها من قبل الشركات الأمريكية الكبيرة، الأمر الذي لا يتعارض فقط مع القانون والأعراف الدولية، بل مع الأهداف المعلنة للعولمة الرأسمالية. إن حصول هذا العدوان على القبول الضمني من الدول الرأسمالية الكبيرة، ألمانيا وفرتسا وبريطانيا، تحت ذريعة عدم شرعية الرئيس مادورو، على الرغم من فوزه بانتخابات ديمقراطية، يشير إلى أن هذا العدوان يعبر عن طبيعة العولمة الرأسمالية المعاصرة التي تمثل مصالح كل الدول الرأسمالية الغربية، وليس مصالح دولة منفردة. كما أن جوهر العولمة الرأسمالية، لم يكشفه العدوان الأمريكي على فنزويلا فحسب، بل سبقها العدوان العسكري على كثرة من الدول، والتهديد باستخدام القوة ضد الدول التي تعارض سياستها، ودعمها لحرب الإبادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وعدوانها على لبنان وإيران واليمن. اضافة إلى تأييدها المكشوف لمنظمات متطرفة، مصنفة إرهابية، حسب توصيف الدول التي تقود العولمة الرأسمالية، كما حصل مع حركة طالبان وتسليمها الحكم في افغانستان واستيلاء حركة تحرير الشام على السلطة في سوريا. نلاحظ، كثيراً إن هناك مسألة تتعرض إلى إهمال متعمد للكتابة عنها ودراسة أسبابها، من أغلب كتاب ومفكري الليبرالية الجديدة، تتعلق بالإجابة على سؤال: لماذا تلجأ الدول الرأسمالية التي تقود العولمة، وبشكل خاص الولايات المتحدة، إلى التخلي عن إليات العولمة الرأسمالية في وقت الأزمات؟ ولتوضيح الاجابة على السؤال، أشير إلى أن التمسك بآليات العولمة يستمرطالما تحقق هذه الآليات الهيمنة الغربية على العالم، ويتم التخلي عنها إذا فقدت قدرتها على تحقيق الهيمنة، وهذا هو سبب خرق آليات العولمة الذي نلاحظه في تعاظم تدخل الدولة الرأسمالية في الحياة الأقتصادية وقت الأزمات العالمية، كالأزمة المالية العالمية 2008 ـ 2009، وأزمة جائحة كورونا، والأزمة الراهنة الناتجة عن عدم القدرة على الفوز بالمنافسة الأقتصادية والتكنولوجية بين الصين وغيرها من الدول الرأسمالية الناهضة. هناك قضية، جرت الإشارة إليها، قبل إنهيار الاشتراكية ، من قبل بعض الباحثين الاقتصاديين الماركسيين " توماس سنتش وسمير أمين" تتعلق بوجود نظام اقتصادي عالمي قائم على ادماج الأسواق الوطنية بالسوق العالمية ، وتقسيم العمل الوطني بتقسيم العمل الدولي". وأهم انتقاد يوجه إلى نظرية الاقتصاد العالمي، هوعدم وجود بنية فوقية عالمية، دولة عالمية ، تقوم بحماية وحراسة رأس المال العالمي وضمان الأمن العالمي والدفاع عن علاقات الإنتاج العالمية( ). ومما يدلل على صحة هذا الرأي عدم قدرة الاتحاد الاوربي على إيجاد نظام سياسي مشترك للإتحاد يتناسب مع ادماج اقتصاديات الدول الأعضاء فيه. ويعتبر ، سنتش، اخفاء الهوية الوطنية لرأس المال، محاولة للتمويه على الطابع المتناقض للشركات المتعددة الجنسية التي تجمع بين " التدويل والاحتكار".وبين الصراع بين المراكز الرأسمالية الثلاث الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي واليابان، الذي يصل في بعض الأحيان، إلى حرب تجارية وعقوبات اقتصادية. إن هذا التحليل تؤكده كثير من الواقائع منها، أن سياسة الحماية والضرائب والإتفاقيات الحكومية، دليل على تخلي الشركات متعددة الجنسية عن مبدأ المنافسة، الشرط المعلن لنشاطها على الصعيد العالمي والذي تحاول من خلاله اخفاء الطابع الاحتكاري لها. إن ظاهرة العولمة، ليست جديدة على الفكر السياسي، حيث ظهرت مع انتقال الرأسمالية إلى مرحلة الإمبريالية. ومن اهم المظاهر القديمة لظاهرة العولمة:ـ 1. التدفق الدولي لرأس المال. 2. انفصال ملكية رأس المال عن عمله جغرافياً. 3. تدويل العلاقات الرأسمالية المتمثل بتغلغل رأس المال في الأقتصاديات الأجنبية. 4. تقسيم عمل دولي، غير متساوي، بين الدول الرأسمالية والدول الضعيفة( ). إن الجديد الذي طرأ على السمات أعلاه، نتج عن تفاعلات العولمة الداخلية، والظروف الدولية التي تجري فيها، خلال فترة الحرب الباردة، ووجود نظام للعلاقات الدولية قائم على ثنائية القطبية، الامر الذي أدى إلى الحد من المظاهر السلبية للعولمة. أما في المرحلة الراهنة التي تشهد أحادية القطبية، فإن العولمة تجري في ظروف جديدة نوعياً تتمثل، أولاً، بتقدم هائل في وسائل الاتصالات بين الدول والشعوب، الذي جعل من العالم قرية صغيرة، حقيقة واقعة، ثانياً، تأثير بالغ لوسائل الإعلام المعولم على توجيه الرأي العام، ثالثاً، تراجع دور الحركة الماركسية والاشتراكية، وتأثيرها الفكري على الصعيد العالمي، بعد الصدمة التي تعرضت لها بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، حيث نلاحظ انحسار القاعدة الاجتماعية للأحزاب الشيوعية في العالم وتحول الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية نحو اليمين في نهجها الاجتماعي والسياسي، الذي ترافق مع جنوح الأحزاب الليبرالية " يمين الوسط" نحو اليمين، ونمو التيارات الشعبوية ذات التوجه اليميني في كثرة من البلدان الرأسمالية وتوليها السلطة( )، لذلك أصبح تأثير الجوانب السلبية للعولمة هو الطاغي على العلاقات بين الدول الرأسمالية المتطورة والدول ضعيفة التطور. وفيما يخص تحرير حركة رأس المال، باعتباره أحد مبادئ العولمة الرئيسية، فالتنفيذ العملي لها أدى إلى التخلي عن كافة الضوابط التي تنظم حركة رأس المال، بحيث تصبح عملية انتقال رأس المال والنقد بين الدول والشركات حرة وغير خاضعة لرقابة البنوك المركزية للدول التي تكون عاجزة عن التحكم باسعار الصرف والفائدة وتداول الأسهم والأوراق المالية. ولاضفاء شرعية على نهج تحرير الأسواق والنقد، تصدر الدول الرأسمالية القوانين التي تضفي الصفة القانونية على نشاط شركاتها في الأسواق الداخلية والخارجية. كما تقوم المؤسسات المالية الدولية، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، برعاية مصالح الشركات الغربية، من خلال استخدام سلطتها، في تقديم القروض والمساعدات التقنية والمشورة المهنية، للدول ضعيفة التطور، فتقوم باجبارها " أي الدول الضعيفة التطور" بالخضوع لشروط تحرير الاسواق والتجارة، التي تتطلب تحرير صرف العملة الوطنية، وتقليل الضرائب على البضائع والخدمات المستوردة والاستثمارات الأجنبية، وتقليص دورالدولة في النشاط الاقتصادي وخصصة الشركات التابعة لها وتخفيض نفقات الدولة على الخدمات الأساسية التي تقدم للفئات محدودة الدخل. تكثيفا جرى تحويل المنظمات الاقتصادية العالمية لتكون أداة لتنفيذ برامج الليبرالية الجديدة في تفكيك دور الدولة في الحياة الاقتصادية لصالح القطاع الخاص، على الصعيد الوطني وعلى الصعيد الخارجي، السماح بحرية حركة رأسمال والبضائع والخدمات والأفكار للأسواق الوطنية. وأخيراً لماذا يتجنب أغلب منظري العولمة المعاصرة وأنصارها في البلدان النامية ذكر سمة الرأسمالية للمفهوم، بل يجري تناول المفهوم بشكل عام؟ اعتقد أن هؤلاء يتعمدون ذلك، بهدف اعطاء انطباع بأن هناك عولمة واحدة, وهذا خلاف الواقع، لأن هناك عولمتان، الأولى هي العولمة الناتجة عن تطور العلاقات المختلفة بين الشعوب على مر التاريخ والتي تؤدي إلى التكامل والتقارب بينها ولا تحتاج إلى آليات ومؤسسات لتنفيذها بل لتنظميها لكي تحقق التكامل والمساواة عبر تبادل المصالح والمنفعة المشتركة. أي بمعنى لا توجد فيها هيمنة أو سيطرة لطرف على طرف آخر ولا تستغل الإمكانات الخاصة لأي بلد ، سياسية أواقتصادية أو بشرية، لإجبار الآخرين للخضوع لمشيئته، كما حال العولمة الرأسمالية. إن المقدمات السابقة تثير تساؤلات مشروعة منها، هل العولمة مازالت قائمة؟ وهل مبادئها ما زالت لها مصداقية لدى الدول والشعوب؟ هل العولمة هي تعبير عن مصالح العالم أم تخدم مصالح دول معينة؟ وهل العولمة أصبحت قدراً محتوماً لا يمكن للدول أن تتطور دون الخضوع الصارم لآلياتها؟ وفيما يخص تعريف العولمة، يلاحظ هناك اختلاف في مفهوم العولمة، لايقتصر على الباحثين والمفكرين والسياسين، بل ماذا تعني العولمة لمختلف الفئات والشرائح الاجتماعية، وما هي أهدافها من تبنيها ومدى إيمانها بها؟. كل ذلك بالإضافة إلى كثرة التناقضات التي تعرضت لها خلال التطبيق، أدى إلى خلق إلتباس لدى الشعوب، خاصة في البلدان النامية، حول المعنى الحقيقي للعولمة الرأسمالية وأهدافها، وهذا يرجع إلى أن" العديد من التحليلات والأبحاث حول الفكرة العامة للعولمة، وأن لم يكن دائما حول مفهومها الفعلي"( )، ومنها على سبيل المثال" العولمة بأوسع معانيها هي بلورة العالم كله في مكان واحد وهي نشأت كحالة إنسانية عامة"( ). المحور الثاني، الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لظاهرة العولمة نتناول في هذا المحور الفرضية الأولى للعولمة المتعلقة، بحرية الأسواق والتجارة والإنتقال الحر لرؤوس الاموال والأفراد والخدمات، والتكنولوجيات المتطورة، يؤدي إلى التكامل الاقتصادي وتقليل الفوارق بين الدول الغنية والفقيرة، وبالتالي تحقيق الاستقرار السياسي والإجتماعي، في الدول ضعيفة التطور، نتيجة التنمية الاجتماعية والاقتصادية التي تخلقها العولمة. الواقع يشهد عكس ذلك، حيث تعاني كثرة من الدول النامية والمتطورة، زيادة عدد المواطنين الذين يعانون من الجوع والفقر والحرمان الاجتماعي، مقابل ازدياد عدد المليارديرات في الغرب. فحسب تقرير منظمة اوكسفام ( منظمة خيرية تأسست عام 1942 لمعالجة مشاكل نقص الغذاء خلال الحرب العالمية الثانية) لعام 2024 تضاعفت ثروات خمسة مليارديرات منذ عام 2020 بينما اصبح خمسة مليارات إنسان أفقر خلال الفترة نفسها( )، وقد أدت آليات العولمة إلى زيادة التفاوت في الدخل الفردي بين الدول الغنية والدول الفقيرة؛ حيث يبلغ متوسط الدخل في الدول العشرين الأغنى 33 ألف يورو سنوياً، فيما لا يزيد دخل سكان الدول العشرين الأكثر فقراً على 600 يورو سنوياً، وهو ما يمثل 1 على 60. كما يلاحظ زيادة التفاوت بين الأغنياء والفقراء في الدول الغنية نفسها خلال الثلاثين سنة الماضية، حيث قامت النخب الليبرالية الحاكمة بتخفيض نسب الضرائب على الشرائح الأكثر غنى، والأعلى دخلاً، في مقابل تقليص الميزانيات المخصصة لرفع مستوى معيشة الشرائح الأقل دخلاً في تلك الدول( ). عموما أدت سياسة العولمة إلى ان يعيش ثلثي الفقراء في دول هشة تعاني من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي( ). وفيما يخص توفير فرص العمل والقضاء التدريجي على البطالة في البلدان الضعيفة التطور، كأحد نتائج تطبيق آليات العولمة الرأسمالية، تشير الوقائع إلى نتائج متعارضة، حيث نلاحظ التفاوت في عدد العاطلين بين الدول الغنية وضعيفة التطور، حسب احصاءات منظمة العمل الدولية التي تشير إلى ان نسبة العاطلين تبلغ 8,2 في المائة فقط في البلدان ذات الدخل المرتفع، فيما يصل هذا الرقم إلى أكثر من 21 في المائة في البلدان منخفضة الدخل( ). يضاف إلى ما سبق، نتج عن التجارة غير المتكافئة، زيادة الديون على البلدان ضعيفة التطور التي أصبح أكثر من 60% منها، تعاني من حالة مديونية حرجة أو معرضة للمخاطر، حسب تقرير البنك الدولي لعام 2022، على سبيل المثال، تبلغ خدمة الديون في دول شرق وجنوب أفريقيا 25 % عام 2022 بينما كانت 12% عام 2000 وتزداد هذه النسبة لتصل إلى 30% في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي( ). وحسب تقرير الديون العالمية الصدار من البنك الدولي عام 2022، سجل مجموع رصيد الديون الخارجية للبلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية رقمًا قياسيًا بلغ 1,1 تريليون دولار - أي أكثر من ضعف مستواها خلال عشر سنوات من عام 2012 حتى عام 2022، وبنسبة ارتفاع بلغت 134%، متجاوزة ما حققته من ارتفاع في إجمالي دخلها القومي بنسبة 53%( ). وبالنسبة إلى تحرير التجارة والأسواق ورأس المال، وحرية إنتقال الأفراد والخدمات يؤدي إلى زيادة التشغيل في مختلف الدول ولكن حقائق الواقع تشير إلى عدم مصداقية هذا الافتراض، حيث أدى تطبيق آليات العولمة الرأسمالية إلى " تدويل البطالة" حسب تقارير المنظمات الدولية التي أشارت إلى زيادة عدد العاطلين، سواء في الدول الرأسمالية المتقدمة او البلدان ضعيفة التطور، حيث بلغ عدد العاطلين 402 مليون شخص عام 2024، كما ذكرت تقارير منظمة العمل الدولية، وبلغ عدد الأشخاص الذين ليس لديهم عمل رسمي حوالي مليارين بنفس العام، بعد ان كان العدد 1,7 مليار عام 2003( ). كما أدى شرط ، دعم الديمقراطية في البلدان النامية، بالخضوع لوصفات المؤسسات المالية الدولية، البنك وصندوق النقد الدوليان ومنظمة التجارة الحرة، التي تفرض أحداث تغيير في الاقتصاد الوطني، يتضمن ، تحرير الأسواق الوطنية امام البضائع والخدمات الاجنبية، الغاء إشراف الدولة الوطنية ورقابتها على الاقتصاد الوطني وسبل تطوره، اضعاف تدخل الدولة في الاقتصاد الوطني الذي يعني رفع دعم الدولة للفئات الفقيرة، وهي احد المهام الرئيسية للدولة الوطنية المعاصرة منذ تأسيسها. إن تنفيذ هذه الشروط نتج عنها عرقلة التنمية الوطنية المستقلة وارتفاع الديون الخارجية وانخفاض مستوى المعيشة للفئات محدودة الدخل ( ). عموماً، إن نمو العولمة أدى إلى زيادة التفاوت بين الدول والبشر بشكل لا مثيل له، وتشير ذلك كثير من الدراسات، حيث لاحظت، إن (358 ) مليارديراً، في العالم يملكون ثروة تعادل ما يملكه نصف سكان المعمورة، وان 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الإنتاج العالمي وعلى 84% من مجموع المدخرات العالمية( ). لقد نتج عن هذا الاستحواذ للثروة العالمية لدى قلقة من الأنفراد إلى أن تبلغ نسبة الفقر من سكان العالم حوالي الثلث (2.8) مليار( ). المحور الثالث، العلاقة بين العولمة وتحقيق حقوق الإنسان نناقش في هذا المحور، فرضية عولمة حقوق الإنسان ومدى مصداقيتها. وهنا أشير إلى المجالات التي تتعلق بتحقيق هذه الفرضية ومنها: أولاً، توسيع مجال احترام حقوق الإنسان يعتبر توسيع مجال الحريات واحترام حقوق الإنسان، أحد الأهداف الرئيسة التي تعلن العولمة تحقيقها على مستوى العالم، ويبدو إن هذا الهدف، مثل بقية الأهداف، خاضع لاجتهادات النخب الحاكمة وأنصارها، وفقاً للمصالح الخاصة لهذه النخب، وهناك بعض الشواهد التي تتناقض مع تحقيق هذا الهدف، حيث شهدت العقود الثلاثة التي مرت على تطبيق آليات العولمة، انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان الأساسية، لم يشهده العالم خلال فترة ثنائية القطبية، وهناك بعض الامثلة التي تدلل على ذلك، منها: • بلغ عدد ضحايا الصراع القبلي عام 1994 بين قبلتي التوتسي والهوتو في رواندا 800 ألف خلال 100 يوم. • أدت سياسة العقوبات الاقتصادية الامريكية، التي غالباً ما تأخذ صبغة دولية، إلى تدمير مقومات الحياة، وخسائر بشرية هائلة، خاصة بين الفئات الضعيفة من السكان كالنساء والأطفال، فعلى سبيل المثل، في العراق أدت إلى وفاة نصف مليون طفل وهو ثمن مقبول كما تقول وزيرة الخارجية الامريكية السابقة " مادلين أوبرايت "( ). كما أدت العقوبات إلى تدمير دول عديدة، حصل في السودان التي قسمت إلى دولتين والتي ما زالت تعاني من استمرار الحرب الاهلية. كما كان للعقوبات تأثيرا كبيراً على تدني مستوى المعيشة والخدمات الضرورية، مثل كوبا وكوريا الشمالية وإيران وسوريا وغيرها. • نتيجة العنف، تم تهجير أكثر من مليون ونصف وقتل الألاف من الروهينجا من مناطقهم في ميانمار، خلال أسابيع، يعيش حوالي ميلون منهم في بنغلادش المجاورة، في ظروف معيشية قاسية، دون ان تقدم لهم المساعدات الضرورية. • يعاني حوالي 20 مليون من السودانيين من الجوع، بسبب العنف والحرب الاهلية. وفي غزة أدى العدوان الإسرائيلي ، بعد 7 تشرين الأول| أكتوبر 2023، إلى خلق حالة تنعدم فيها متطلبات الحياة، بشكل لم تشهده الحروب من قبل، وإلى قتل وجرح عشرات الآلاف، أغلبهم من الاطفال والنساء، وتكرار التجهير، لأكثر من مرة، لحوالي مليوني إنسان، خلال فترة قصيرة. • الترويج لمبدأ التدخل الإنساني، باستخدام الوسائل العسكرية، في النزاعات الوطنية ، باعتباره يهدف لمحاربة الاستبداد ومساعدة الشعوب لتحقيق حقوق الإنسان والديمقراطية في الدول الوطنية. وبالنظر إلى الحصيلة النهائية لتطبيق هذا المبدأ، يتضح للمتابع إنه أدى إلى تهميش السيادة الوطنية للدول وزيادة التدخل الاجنبي بشؤونها الداخلية، لصالح دعم القوى المتطرفة الأمر، الذي أدى إلى انتشار العنف وتوسع الحروب الأهلية، وتفاقم الاستبداد والفقر وتدمير البنية الاقتصادية وقتل مئات الآلاف من المواطنين وتفتيت العديد من الدول، اضافة إلى زيادة عدد الفقراء واللاجئين والمشردين بالعالم الذي تضاعف ثلاث مرات منذ 2012 ليبلغ 120 مليون في نسيان 2024، حسب تقرير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين( ). • عموماُ، يزداد عدد ضحايا النزاعات المسلحة في العالم سنويا، فقد ذكر تقرير الدورة السادسة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى أن عدد القتلى بين المدنيين في النزاعات المسلحة ارتفع في عام 2023 بنسبة 72 بالمائة( ). ثانياً، تحقيق الديمقراطية تم فرض نموذج ديمقراطية الليبرالية الجديدة، الذي لا يتلاءم مع الظروف السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية، للبلدان النامية، باعتباره الشكل الوحيد للتطور الاجتماعي وبناء دولة على أسس ديمقراطية في مرحلة القطبية الواحدة، حيث تم تسويق مفهوماً للديمقراطية يقتصر على بعدها السياسي وآليات تطبيقه( انتخابات دورية، تبادل سلمي للسلطة، حرية تكوين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، حرية الصحافة والأعلام) وإهمال البعد الاجتماعي، الذي لا يقل أهمية عن البعد السياسي، خاصة في ظروف الدول النامية التي لا تعاني من الاستبداد فقط، بل ينتشر فيها الحرمان الاجتماعي وانعدام العدالة في توزيع الثروة، وهو لا يقل أهمية عن الاستبداد السياسي. وقد نتج عن تطبيق هذا النهج إلى تفكيك أغلب الدول التي طبق فيها، ومثال العراق يؤكد هذه الحقيقة، حيث تحول العراق إلى دولة فاشلة، من أكثر دول العالم انتشارا للفساد المالي والإداري، وبالتالي عدم قدرة الدولة على تلبية الخدمات الأساسية للمواطنين، رغم وفرة الموارد المالية الكبيرة. إن فرضية العلاقة، بين الديمقراطية وتطبيق مبادئ العولمة الرأسمالية، لم تثبت الوقائع مصداقيتها، فالذي طبق في الدول النامية هو الديمقراطية الشكلية وإعلانات رسمية عن الحقوق الفردية للإنسان، دون توفير الشروط المادية للتمتع بهذه الحقوق، التي يوفرها التطور الاجتماعي الذي يلبي الحقوق الاجتماعية لأغلبية المواطنين، وليس الفئات الغنية فقط( ). المحور الرابع، فرضية العولمة في المجال الثقافي من أهداف العولمة في المجال الثقافي، عولمة الثقافة من خلال خلق ثقافة عالمية، تنشأ من عملية الاندماج والتفكيك الثقافي التي تحدث على المستوى الدولي من خلال" عمليات تدعم تبادل السلع والناس والمعلومات والمعارف والصور وتدفقها مما يؤدي إلى عمليات تواصل تكتسب قدرا من الاستقلالية على مستوى عالمي"( ). بمعنى آخر تنشأ ثقافة عالمية عابرة للحدود القومية وتنشط بشكل مستقل عن الدول نتيجة تكامل ثقافات الشعوب، من خلال الانتقال الحر للأفكار والتبادل الثقافي واحترام التنوع الثقافي، بهدف الأطلاع على ثقافات وعادات وتقاليد مختلف الشعوب، مما يؤدي إلى خلق ظروف أفضل للتفاهم والتعاون بينها. في حين أنتشرت في عصر العولمة الخوف من الثقافات والمعتقدات غير الأوربية والترويج لنظرية صراع الحضارات وتفوق الثقافة الغربية، وانتشار العنصرية والتمييز ضد اللاجئين من البلدان النامية. وقد ظهر ذلك جلياً، حيث جرى الترويج لأفكار الخوف من الإسلام بعد أحداث 11 سبتمبر، والعداء للثقافة الروسية بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية، هذا من جانب، ومن جانب أخر، يجري التبادل الثقافي في ظروف غير متكافأة، نتيجة التباين بين وسائل التبادل الثقافي التي تملكها الدول الرأسمالية المتطورة والدول النامية فتكون النتيجة تفكيك الثقافات الوطنية في البلدان النامية لصالح تمدد نمط الثقافة الغربية في مجتمعاتها. ولتنفيذ مساعي " عولمة الثقافة " جرى الترويج لتدويل الثقافة الغربية، باعتبارها الثقافة القادرة على مواكبة التطور البشري وتحرر المجتمعات من الاوهام والغيبيات، وبالتالي هي الثقافة الوحيدة التي تتلاءم مع التطور العلمي والتكنولوجي. إن ذلك يعني تجريد الثقافة الغربية من السلبيات التي رافق تطورها، ومن أهمهما، تسويغ فكرة الاستعمار باعتباره وسيلة لتحضر المجتمعات المتخلفة، والابتعاد عن المعايير الاخلاقية الإنسانية، كالتركيز على النزعة الفردية الذاتية والاستمتاع الفردي على حساب التكافل الاجتماعي، واشاعة ثقافة الإستهلاك بدون توفر الأسس المادية لتمتع الأغلبية بخيرات التطور التكنولوجي، واخيراً تفكيك العائلة من خلال تشجيع المثلية والتحول الجنسي ونشر ثقافة الجريمة والعنف والمخدرات ووتجارة الجنس( ) الذي تركز عليه أمبراطوريات الإعلام المعولم، خاصة الأمريكية منها، بهدف نشر نمط الحياة الأمريكي، عن العيش والعمل والاستهلاك. ومن أجل اضفاء شرعية دولية "شكلية"، تلجأ الولايات وغيرها من الدول الغربية، لاستخدام المنظمات الدولية للتبشير بقيمها( ). كما إن عولمة الحقوق الثقافية والقومية والطائفية للمجموعات الإثنية، تم على حساب وحدة النسيج الاجتماعي وسيادة الدول، مما اطلق العنان للهويات الفرعية وما ينتج عنها من صراعات إثنية ومذهبية دينية، الأمر الذي أدى إلى تفكك كثير من الدول الوطنية في العالم الثالث. اجمالا، كل المساعي السابقة تهدف إلى " تذويب" الثقافة الوطنية " التي تعتبر أحد مصادر القوة التي تمتلكها شعوب البلدان النامية لمقاومة المظاهر السلبية للعولمة. وبناء على ما سبق فأن الإهتمام بتصدير قيم وثقافة العولمة، ينطلق من أعتبار الثقافة والأيديولوجياً، بشكل عام، أحد الوسائل المهمة لتحقيق الهيمنة، حسب رأي المفكر الماركسي غرامشي. عموماً ما تركز عليه العولمة الرأسمالية في المجال الثقافي، هو تطبيق نظرية صاموئيل هنتنغتون عن " صدام الحضارات" التي تتبنى فكرة الصراع بين الثقافات على المستوى العالمي، والتنبأ بزوال كثير من الثقافات غير الغربية، باعتبارها ثقافات غير قادرة على الفوز في الصراع بينها وبين الحضارة الغربية( ). اما فيما يعتبر انتقال المعلومات، والتعبير الحر عن الآراء ونشرها، باعتباره أحد مبادئ / مرتكزات العولمة، ووسيلة للتواصل بين الشعوب، وتعزيز العلاقات والروابط بينها. نلاحظ أن تطبيق هذا المبدأ قد أدى إلى سرعة إيصال المعلومات عن ما يحدث في أي مكان في العالم، ولكن سير تنفيذ هذ المبدأ واهدافه أختلف بعد سيطرة الإعلام المعولم على وسائل الإعلام الرئيسية في العالم، فأصبح أداة بيد قوى الهيمنة الغربية ونخب الليبرالية الجديدة الحاكمة، لنشر ما يخدم مصالحها ورؤيتها حول الأحداث، فبدلا من تكون حيادية في نقل الحقيقة، ونشر مختلف وجهات النظر والآراء، تم الحد من تدفق المعلومات للرأي العام والتضييق على وسائل الإعلام الحرة وفرض الرأي الأحادي، إضافة إلى تجنب وسائل الإعلام تناول الأسباب الحقيقة للأزمات الاقتصادية، كزيادة البطالة والتضخم وزيادة التفاوت الاجتماعي، حيث يجري إغراق وسائل التواصل الإجتماعي بالتحليلات المضللة عن الأزمات الأقتصادية وأسبابها والمعلومات الكاذبة والمفبركة عن النزاعات التي تجري في العالم والترويج لنشاطات ورؤية القوى والمنظمات الإرهابية المتطرفة ونشر الكراهية والتخويف من الآخر، الأمر الذي أدى إلى حرمان المواطنين من اتخاذ الموقف الصحيح من الأحداث والوقائع، فعلى سبيل المثال لم يمارس الإعلام المعولم، دوره بالتغطية الموضوعية لمجريات الحرب الروسية -الأوكرانية وأسبابها، وكذلك تجنب انتقاد التضييق على حرية التعبير والتظاهر، الذي مارسته، على نطاق واسع، كثير من الدول الرأسمالية، خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، اضافة إلى الترويج لطروحات إسرائيل عن أسباب المأساة الإنسانية المروعة التي نتجت عن العدوان( ). المحور الخامس، العولمة وتحقيق السلم والأمن الدوليين تقوم هذه الفرضية، على أن تطبيق آليات العولمة ستؤدي إلى التكامل والتقارب بين مختلف دول وشعوب العالم، وبالتالي تكون العلاقة بينها قائمة على المصالح المتبادلة، مما يؤدي إلى تقليل الخلافات والابتعاد عن اللجوء لاستخدام القوة لحلها، واعتماد الطرق السلمية بدلاً عن ذلك. هذه الفرضية تكون صحيحة إذا تركت الدول تحل الخلافات بنفسها بدون تدخل خارجي، الأمر الذي لا يتحقق بالواقع، فدول الهيمنة الغربية لها مصالحها الخاصة في الدول النامية، التي تتحقق بصورة أفضل في حالة بقاء النزاعات بين هذه الدول بدون حل، هذا هو المعطى الاول، الذي يجعل من هذه الفرضية غير واقعية، اما المعطى الثاني، فانه يتعلق بسعي الدول الرأسمالية الغربية إلى زيادة صادراتها من الأسلحة، الذي لا يتحقق بدون وجود نزاعات بين الدول، لذلك تلجأ هذه الدول" أي قوى الهيمنة الدولية" إلى تأجيج النزاعات الداخلية في الدول الوطنية ودفع أطرافها لاستخدام القوة لحلها، اضافة إلى عرقلة حل الخلافات بين الدول عن طريق المفاوضات والطرق السلمية. وهناك معطى ثالث، يتعارض مع مصداقية هذه الفرضية، يتعلق بزيادة سباق التسلح على المستوى الدولي، كأحد وسائل احتكار السلاح لزيادة أرباحها. وبناء على ذلك نلاحظ اشتداد سباق التسلح الذي وصل إلى مستويات قياسية، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وقيام نظام القطبية الواحدة. ولاعطاء ملموسية للعرض السابق، نشير إلى جملة من النقاط، الأولى، قيام الدول الغربية، بتوسيع عضوية حلف الأطلسي إلى 32 دولة أضافة إلى 21 دولة تشارك في برامج الشراكة من أجل السلام . ولزيادة عدوانية الحلف يتم رفع ميزانية تسلح الدول الأعضاء لأكثر من الضعف (5%) من الدخل القومي، النقطة الثانية، قيام الولايات المتحدة بانشاء أحلاف وتكتلات عسكرية، من أبرزها حلف " أوكوس AUKUS" تأسس في أيلول 2021 الذي يضم استراليا وبريطانيا والولايات المتحدة، وحلف" كواد Quad" الذي تأسس في أيلول 2021، وضم كل من الهند واليابان واستراليا والولايات المتحدة، لمواجهة التهديد الصيني المزعوم، اضافة إلى التحالفات العسكرية الثنائية، الأمر الذي يهدد بالعودة إلى الحرب الباردة. النقطة الثالثة، زيادة سباق التسلح الذي بلغ 2.7 ترليون دولار في عام 2024(حصة مجموعة السبع الرأسمالية 48.4% منها الولايات المتحدة 38.8%) ، وبزيادة 9,4 بالمائة مقارنة بعام 2023، وهي زيادة قياسية تحدث لأول مرة( )، النقطة الرابعة، أصبح اللجوء للقوة أو التهديد بها هو الأسلوب السائد، على الأغلب، لحل الخلافات بين الدول، بنسبة أكبر مقارنة بفترة الحرب الباردة، ومن أخطرها الحرب الروسية- الأوكرانية التي لا يمكن التنبأ بمخاطرها على الامن والسلام الدوليين، النقطة الخامسة، شهد العالم في عام 2023 أكبر عدد من النزاعات المسلحة منذ عام 1946، حيث تم تسجيل 59 نزاعاً في العالم , ولم يسبق أن كان العنف في العالم مرتفعاً إلى هذا الحد منذ نهاية الحرب الباردة حسب تقرير معهد أوسلو لأبحاث السلام لعام 2023. وكما يشير التقرير إلى أن ساحة النزاعات المسلحة أصبحث أكثر تعقيداً بسبب اشتراك عدد اكبر من الأطراف المتحاربة في نفس البلد( ).
الخاتمة إن تحليل فرضيات العولمة الرأسمالية وتناقضها مع أهدافها لدى تطبيقها في الواقع، لا يعني النظر إلى العولمة الرأسمالية بانها شر مطلق، بل يمكن الإستفادة منها وتقليل مضارها، وهذا يعتمد على وعي الشعوب وسلطاتها الوطنية وقدرتها على كيفية التعامل مع سلبياتها، اضافة الظروف الدولية والمحلية التي تطبق فيها آليات العولمة، فعلى سبيل المثال، هناك دول نامية ورأسمالية متوسطة التطور، استطاعت الاستفادة من تدفق الاستثمارات وسرعة انتقال التكنولوجيا المتطورة على النطاق العالمي، وحققت تنمية اقتصادية واجتماعية مرموقة، كما حدث في الصين، وروسيا، والبرازيل، والهند والنمور الأسيوية وفيتنام وغيرها، رغم الجوانب السلبية التي أشرنا لها سابقا وخاصة زيادة التفاوت واللامساواة، في هذه البلدان باستثاء الصين وروسيا وفيتنام، حيث تقلصت نسبة الفقر فيها لحد كبير في، حين زادت في بقية البلدان( ). يضاف إلى ذلك، توفر العولمة الظروف المناسبة لإمكانية زيادة التعاون العلمي الدولي لمواجهة المخاطر التي تهدد البشرية كالأوبئة والامراض وارتفاع درجة الحرارة والتصحر والجفاف، والكوارث الطبيعية.
ومن الناحية السياسية ساهمت العولمة في تدويل مفهوم حقوق الإنسان، الأمر الذي أدى إلى وضع قيود في دساتير الأنظمة الدكتاتورية، تضمن احترام سلطاتها لهذه الحقوق، والتحقق من ذلك، عبر السماح للهيئات الدولية المعنية بهذا المجال بمراقبة مدى التقيد بالشرائع الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وهذا أدى إلى رفع وعي الشعوب، بحقوقها السياسية والاجتماعية وتحفيز النضال الشعبي من أجل تحقيقها. الاستنتاجات الاول، إن عدم قدرة الولايات المتحدة، القائدة لمسيرة العولمة الرأسمالية المعاصرة، على الفوز في المناسفة السياسية والاقتصادية السلمية على الصعيد العالمي، افضى إلى لجوئها إلى كثرة من الأجراءات التي تتناقض مع مبادئ العولمة، منها، اللجوء إلى العقوبات الاقتصادية وسياسة الحماية الكمركية، ومنها، عرقلة الانتقال الحر للأفراد والخدمات، ومنها التخلي عن شعارات العولمة بالمتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان كوسيلة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الوطنية النامية،وهذا التوجه أتخذ منحنين، الاول، مساعدة المنظمات المتطرفة، للوصول إلى السلطة، كما حدث مع طالبان في افغانستان وحركة تحرير الشمال في سوريا التي حصلت على دعم مباشر في السيطرة على السلطة وتسويقها بانها سلطة ديمقراطية، والمنحى الثاني، اللجوء إلى القوة العسكرية في العلاقات الدولية لفرض هيمنتها وتحقيق مصالحها الخاصة، ومنها، العودة إلى سياسية الحرب الباردة في تأجيج سباق التسلح على الصعيد العالمي.
الثاني، ابتعاد نخب الليبرالية الجديدة الحاكمة في أغلب البلدان الرأسمالية الكبيرة عن المعايير والقيم الاخلاقية في تعاملها مع مشاكل العالم، خاصة في بلدان الجنوب، حيث يتم تجاهل مشاكل المجاعة ونتائج الحروب الأهلية وما ينتج عنها من زيادة اعداد اللاجئين والمشردين والفقراء وتدمير مقومات حياة البشر، اضافة إلى تشجيع ارهاب الدولة التي تمارسه بعض الدول، ومثال الدعم الذي يقدم لإسرائيل لاستمرار عدوانها الهمجي على الشعب الفلسطيني والبلدان العربية المجاورة لها، أحد الأدلة الملموسة على فقدان القيم الاخلاقية لدى هذه النخب. الثالث، الأزمة البنيوية في الولايات المتحدة ومن أبرز مظاهرها: ـ ضعف الاقتصاد الأمريكي في الفوزفي المنافسة على الصعيد العالمي، حيث عجز الاقتصاد الأمريكي عن مجاراة دول رائدة، كالصين، التي تفوقت بنسبة النمو والتكنولوجيا وأصبحت تحتل المركزالثاني في الناتج القومي، وقد انعكس ذلك على ارتفاع عجز الميزان التجاري الامريكي الذي بلغ 1,2 ترليون دولار في 2024( ) وارتفاع مستوى الدين العام ( يبلغ 37.64 ترليون دولار)( ). ـ عجز الديمقراطية الأمريكية عن تجديد نفسها، الذي تمثل بضعف القدرة على خلق قيادات جديدة، وتحجر نظام الحزبين واشتداد النزاعات الفردية بين قياداتهما، اضافة إلى انعدام الفروق بينها. ـ نمو هائل بالتفاوت الاجتماعي بين السكان وزيادة مستوى العنف والجريمة والمخدرات (2 مليون) تعرضوا للسجن لفترات معينة عام 2019 وتعرض 240 الف طفلاً للاحتجاز عام 2019 بحسب تقرير لجنة حقوق الانسان الدولية( ). ـ تضخم وظائف الدولة العسكرية والامنية، نتج عنه ارتفاع النفقات العسكرية، ونشر القواعد العسكرية الامريكية على قارات العالم ( توجد 800 قاعدة عسكرية أمريكية في 150 دولة) وارتفاع متواصل للميزانية العسكرية ـ بلغت 886 مليار دولار لعام 2024( ). وتشير المعلومات إلى أن الولايات المتحدة التي قادت العولمة، خلال الثلاثين سنة الاخيرة، خاضت 13 حربا أنفقت عليها 14,2 ترليون دولار( ). إن سياسة التمادي في العسكرة، غالباً ما ينتج عنه عواقب خطيرة تؤدي إلى تدهور الاقتصاد، حسب تحليل، بول كيندي( ). ـ فقدان ثقة البلدان الرأسمالية الكبرى بالسياسة الامريكية بسبب السياسات الشعبوية والانكفاء الداخلي " أمريكا أولا" وعدم الالتزام بآليات العلاقات الدولية، والغاء الاتفاقيات مع الدول الأخرى (الاتفاق النووي مع إيران، واتفاقية نافتا) الانسحاب من المنظمات الدولية، واضطراب العلاقات السياسة والاقتصادية مع كثير من الدول، بما فيها الحليفة. الرابع، إن من أهم ما ينبغي ان يتضمنه الخطاب السياسي، للقوى الوطنية المكافحة ضد مخاطرالعولمة الرأسمالية وسلبياتها على شعوبها، والوقوف بوجه مشاريع الهيمنة الغربية التي تتخذ من العولمة شعاراً، هو معرفة الهدف الاستراتيجي للسياسة الخارجية للدول الرأسمالية الكبرى، في فترة ما بعد الحرب الباردة، المتمثل بالعمل على تفكيك الرأسماليات التابعة " في الدول الوطنية " لغرض إعادة" تقسيم العالم " وإحكام الهيمنة الغربية على دول الأطراف، في مرحلة يمكن أن يزداد يزداد الصراع بين دول المركز" الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي: وبين الدول الرأسمالية الناهضة كالصين وروسيا والهند والبرازيل، للسيطرة على اقتصاديات الدول الوطنية.
#فاخر_جاسم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سمات العولمة الرأسمالية المعاصرة ومراحل تطورها
-
الصحافة الماركسية والارتقاء بالدور الوطني للصحافة العراقية
-
الإحتلال الامريكي وديمقراطية الفوضى الخلاقة
-
الإعلام الغربي والمعايير الأخلاقية: الأزمة الأوكرانية إنموذج
...
-
ظاهرة السياسي الشعبوي
-
اليسارالإشتراكي ورهانات الحاضر
-
ارهاب الدولة في ظل نظام القطبية الواحدة 3 3
-
ارهاب الدولة في ظل نظام القطبية الواحدة ( 2 3 )
-
الإرهاب الدولي ومفهومه في ظل نظام القطبية الواحدة
-
الرؤية الحرة للأشياء .. قراءة صادقة للواقع
-
النقد والمعايير الأخلاقية
-
الحزب الشيوعي العراقي والممارسة الثورية للاخلاق
-
العوملة الرأسمالية والدولة الوطنية الديمقراطية
-
الرأسمالية المعولمة وفعالية المعايير الاخلاقية
-
جدلية الصراع بين السلطة والدولة في العراق بعد 2003 القسم الث
...
-
جدلية الصراع بين السلطة والدولة في العراق بعد عام 2003
-
الماركسية: فلسفة للتغيير أم للتبرير؟ 2 2
-
الماركسية: فلسفة للتغيير أم للتبرير ؟
-
أكتوبر وحل القضية القومية
-
العولمة الرأسمالية واعادة بناء اليسارالاشتراكي
المزيد.....
-
لماذا تشعر بالإرهاق خلال موجات الحر؟
-
المراحيض الذكية.. ثورة طبية في الكشف المبكر عن الأمراض
-
6 عادات يومية تحمي قلبك من الأمراض
-
أنظمة الذكاء الاصطناعي لـ-أوبن إيه آي- تخرج عن السيطرة وتشن
...
-
الجيش الأمريكي يعلن إكمال جولة أخرى من الضربات ضد إيران (فيد
...
-
السعودية تعلن استهداف سفينة تجارية تابعة لإحدى شركاتها في ال
...
-
طائرة تابعة للجيش الأمريكي ترسل إشارة استغاثة فوق السعودية
-
أفضل هاتف قابل للطي من سامسونغ
-
قانون الدفاع الأمريكي: أكثر من تريليون دولار للجيش وتحفظات ب
...
-
كاتب أمريكي: هيغسيث يقود البنتاغون إلى أزمة تهدد الأمن القوم
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|