أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض السندي - حكومة خرساء وشعب ثرثار















المزيد.....

حكومة خرساء وشعب ثرثار


رياض السندي
دكتوراه في القانون الدولي، محام، أستاذ جامعي، دبلوماسي سابق، كاتب

(Riadh Alsindy)


الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 08:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هناك حقيقة ذو حدين في المجتمع العراقي، كثرة كلام الناس، وقلة كلام الحكومات.
وهذا ما يحتاج إلى تفصيل.
فكثرة الكلام هي ميزة نجدها في المجتمعات غير المنظمة والمتخلفة، والعاجزة، والغيبية التي تؤمن بالغيب والخرافات، والتي تقل فيها التربية العائلية والمجتمعية.

وأوضح مثل لعدم التنظيم هو العنوان. فلو سألت أي عراقي عنوان معين، فسيحتاج إلى عدة دقائق ليشرح لك ذلك. بينما في الغرب اليوم، يمكن ان تكتب مجرد رقم المبنى في موبايلك او سيارتك او ساعتك، وحتى لو اخطأت في بقيت التفاصيل فإنه سيعرض لك عدة خيارات تختار منها الخيار الصحيح دون تعب او شرح أو استفاضة.

أما العجز الذي يصيب هذه المجتمعات فهو نتيجة عدم البناء والتطور العلمي والتقدم الصناعي وإضاعة الوقت حتى يتراكم العجز لزمن طويل بينما يسير العالم بخطى حثيثة نحو التقدم والبناء.
وعندما يصيب المجتمعات العجز، فإنها تلجأ التبرير والتحجج والثرثرة لتعويض النقص في عجزها وفشلها.

وأوضح مثل على عجز المجتمعات الغربية عموماً، والمجتمع العراقي خصوصاً هو الحديث عن سبب هيمنة اسرائيل بتعداد شعبها الذي لا يزيد عن 7 مليون نسمة، على 22 دولة عربية، يبلغ مجموع سكانها 515 مليون نسمة، وستجد تبريرات لا نهاية لها.

اما السبب الثالث لذلك، فهو التخلف. ونعني هنا التخلف التعليمي، فالعالم قد وضع مصطلحات وتعريفات محددة لكل حالة. ولهذا ترى الأطباء عندما يتحدثون بينهم، فأنهم يتحدثون باختصار شديد، وربما بكلمة واحدة تصف الحالة المرضية التي يستغرق غير المتعلم ساعات لشرحها للاخرين.

اما السبب الرابع الذي يجعل المجتمعات تميل إلى كثرة الكلام والثرثرة، هو الإيمان بالغيبيات والأساطير والخرافات، لان هذه الأمور غير علمية وغير دقيقة ويصعب حصرها وتفسيرها.

وأوضح مثل على ذلك، هو الحديث عن الآخرة وتفصيلاتها التي لا تنتهي والتي لا يمكن إثبات تفصيلة واحدة منها، ناهيك عن القصص الأخرى كالإسراء والمعراج وعذاب القبر وغيرها.

أما السبب الخامس والأخير على ثرثرة المجتمعات، فهو قلّة التربية إبتداءاً من العائلة وانتهاء بالمجتمع. ففي العالم، لا يعلم الطفل على الاستماع قبل الكلام، ولا على الإيجاز والاختصار، ولا على استخدام المختصرات والأمثال للتعبير بشكل أقل. وحتى المجتمع لا يشجع على ذلك، بدليل انتشار المقاهي في المجتمعات والدول العربية، وهي أماكن للثرثرة وليست للاسترخاء لفترة قصيرة.

ان هذه الأسباب مجتمعة وربما هناك اساب اخرى غيرها، جعلت هذه الشعوب ثرثارة ولا تعرف الاختصار. بينما يزخر الأدب العربي بعبارات رائعة في هذا المجال، مثل خير الكلام ما قلّ ودّل.

وبالمقابل، نجد ان الحكومات العربية اليوم، وهي تواجه كل هذه الصعوبات والمعوقات داخل المجتمع، فتلجأ إلى الصمت في غالب الأحيان، لتجنب المسألة القانونية والمحاسبة أو التمرد الشعبي، ولتلافي الفهم الخاطيء والتفسيرات المنحرفة، والثرثرة التي لا طائل منها من جانب الشعوب التي تحكمها.

وهذا ما خلق فجوة بين هذه الشعوب وحكوماتها.

وقد وجدت المجتمعات والدول الغربية وظيفة المتحدث بأسم الحكومة أو الناطق الرسمي بأسمها، وهو الشخص المكلف رسمياً بتمثيل حكومة، منظمة، أو جهة معينة. يتمثل دوره الأساسي في التصريح بالمعلومات، نقل القرارات والسياسات، والرد على استفسارات وسائل الإعلام والرأي العام نيابة عن جهة عمله. وصدق الناطق الرسمي هو خير تعبير عن صدق الحكومة والتزامها بمصالح الشعب، ولدينا في العراق نموذج للناطق الرسمي الكاذب وهو وزير الإعلام الأسبق زمن صدام حسين، الوزير محمد سعيد الصحاف، ولدى الغرب يعد غربلي زمن هتلر خير مثال على ذلك.

وأولى تطبيقات تبليغ القرارات السياسية والتنفيذية كانت عن طريق المناداة، وتعد المئذنة الإسلامية شكلا من أشكال التبليغ وأول من تولى ذلك هو بلال الحبشي. وقد عُرفت وظيفة (المنادي أو المذيع) في الأنظمة السياسية الشرفية، وهو رجل يقوم بإعلان القرارات والفرمانات التي يصدرها الحاكم أو السلطان، إذ يدور المنادي في الأسواق وبين المناطق السكنية، إما مشيا على الأقدام أو ركوبا على الدواب، ليخبر الناس بنص القرار أو الفرمان مصاحبا ذلك بضرب الدف أو الطبل ليلفت انبتاه الناس. وفي العصور الحديثة، ومنذ اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر، بدأ الحكام يعلنون عن أخبارهم وسياساتهم عبر المنشورات المطبوعة، وعرفت هذه الظاهرة في الدول الغربية، كون الطباعة نشأت فيها قبل غيرها.

تكمن أهمية المتحدث باسم الحكومة في كونه: -

اولاً. حلقة الوصل الأساسية بين السلطة التنفيذية والجمهور؛ حيث يضطلع بدور محوري في تعزيز الشفافية، ونقل الحقائق، وتوضيح القرارات الرسمية بشكل موضوعي لوسائل الإعلام والمواطنين، مما يساهم في بناء الثقة المتبادلة ومنع انتشار الشائعات.

ثانياً. تلعب هذه الوظيفة الحيوية عدة أدوار رئيسية لضمان استقرار وتواصل فاعل داخل الدولة:
1. توحيد الخطاب الإعلامي: يضمن وجود صوت رسمي واحد وموثوق يمثل الحكومة، مما يمنع تضارب المعلومات أو التصريحات الصادرة عن مسؤولين مختلفين.
2. إدارة الأزمات والطوارئ: يتولى توضيح الحقائق والرد على الاستفسارات العاجلة، خاصة في أوقات الأزمات، لتهدئة الرأي العام وتقديم المعلومات الدقيقة بدلاً من اللجوء إلى التخمين.
3. مكافحة الشائعات: يسد الفراغ المعلوماتي الذي تستغله وسائل الإعلام غير الموثوقة أو المنصات الرقمية لبث الأخبار الكاذبة والشائعات.

ومنذ سقوط النظام السابق في العراق، ضعف دور الناطق الرسمي وارتد على أعقابه، فلا يوجد ناطق رسمي للحكومة في اغلب الأحيان وان وجد، فدوره ضعيف جداً،ولا يظهر إلا في أوقات نادرة، بينما عمله يقتضي الظهور شبه الدائم للإعلام.

ان عدم وجود ناطق رسمي يوصم الحكومة بالخرس، فتبدو حكومة خرساء لا تجيد الكلام، وتنتشر الشائعات والأقاويل الافتراضية عن كل مجريات السياسة ووقائعها وعلى تصرفات الحكومة وقراراتها، وتنتشر الثرثرة بين أبناء الشعب، ويصبح الشعب ثرثاراً مهرجاً، ميالاً لسماع السوء وللفوضى، كما قال الملك فيصل الأول ملك العراق في وصفه للشعب العراقي بقوله: "أقول وقلبي ملآن أسى إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية، خالية من أ فكرة وطنية، مشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء ميالون للفوضى، مستعدون دائمًا للانقضاض على أي حكومة كانت".

واليوم، وبعد تشكيل حكومة جديدة في العراق برئاسة علي الزيدي، وإطلاقه أقوى حملة لمكافحة الفساد والقبض على الفاسدين ومصادرات الثروات الطائلة التي اختلسوها من أموال الدولة وثروات الشعب، وابتزاز الناس، لا نجد متحدثا رسميا بأسم الحكومة عن كل هذه القرارات والتصرفات والوقائع، ليخرج للشعب وللإعلام ليوضح الحقائق، بل تم استحداث مكتب إعلامي تابع لرئاسة مجلس الوزراء الذي يقوم بأصدار بيانات صحفية عن جلسات مجلس الوزراء وقراراته بإيجاز، واحيانا بأسلوب الفيديوغرافيك وهو أسلوب ديجيتال لا يجيد معظم أفراد الشعب العراقي فهمه او حتى الوصول اليه، ولا يتطرق هذا المكتب إلى إجراءات مكافحة الفساد، لذا فإن كل ما نجده عن هذه الحملة الضخمة والجريئة والمهمة سوى صفحات التواصل الاجتماعي وفيديوهات وصور يلتقطها أشخاص عاديون ويعرضونها على صفحاتهم وحساباتهم على السوشال ميديا، مع تفسيرات خاصة قد لا تكون صحيحة او دقيقة تماماً. ومع حرصنا على عدم الإساءة لأي شخص ما زالت قضيته قيد الاتهام، إلا ان إشباع ضمأ الشعب لمعرفة أسباب هذا التدهور والفشل منذ 23 عاماً تبقى حاجة ملحة تقتضي تقديم إيضاحات وافية على الأقل.

لذا، اقترح على السيد علي الزيدي رئيس وزراء العراق الحالي، تعيين متحدث رسمي بأسم حكومته ليكون لسان الحكومة الذي يوضح للشعب وللإعلام إنجازات الحكومة وقراراتها، لقطع دابر الإشاعات والتأويلات غير الصحيحة وغير الدقيقة، شريطة ان يكون هذا المتحدث كفوءا وجريئا ويجيد اللغتين العربية اولاً، والإنكليزية ثانياً، ويمتاز بالصدق ودقة التعبير، وهذا سيوفر على الحكومة والشعب الجهد والوقت، والقيل والقال، ويخرج الحكومة من حالة الصمت والخرس، ويقلل من ثرثرة الشعب والمتصيدين في الماء العكر. ويزود الإعلام بموقف رسمي صادر من جهة ذات اختصاص.

وهذا ما سيمنح الحكومة قوة في مواجهة الفاسدين واعتراضاتهم ضد حملة مكافحة الفساد في العراق، وسيكسب الحكومة ثقة الشعب وتأييده، بما يعطي زخماً شعبياً لها. وأخيراً نتمنى كل الخير للعراق وللعراقيين.

د. رياض السندي
دكتوراه في القانون - بغداد
2026/7/21



#رياض_السندي (هاشتاغ)       Riadh_Alsindy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زيارة غير مناسبة لطهران
- زيارة الزيدي لواشنطن… هل هي خطة بناء أم مجرد عشاء؟
- الضحية والجزار في التعامل بين إيران وأمريكا
- القضية الكردية في دقائق معدودة وأيام محسومة
- عندما يقود الساقطون دولة العراق
- الأبعاد القانونية لمرسوم سحب منصب بطريرك الكلدان
- أبرم شبيرا طاووس قومي فارغ ومتقلب
- لماذا نعترض على زيارة البابا للعراق في هذا الوقت؟
- قرن كامل بين المس بيل والرئيس ماكرون حول الشيعة
- مصطفى (ال) رشيد.. كاتب مزيف ومتملق رخيص
- رؤية جديدة في محاكمة يسوع
- تفسير الكتلة الأكبر.. بدعة قانونية
- بداية المؤامرة على العراق
- إستقالة أم سحب الثقة أم إقالة لحكومة عبد المهدي؟
- مخاضُ الثورة في العراق
- الرمزية في الانتقام السياسي
- هل خرج العراق من أحكام الفصل السابع من الميثاق؟
- نظرة على قرار مجلس الأمن الأخير حول العراق
- الرأي القانوني في إقالة محافظ نينوى
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح


المزيد.....




- كيف تؤثر حمامات الساونا على المناعة؟
- العلماء يحذرون من تأثيرات الثقب الإكليلي الجديد على الأرض
- الكويت تعوّل على -أبواط باكستان- في مواجهة إيران
- مذكرة إسلام آباد زرعت قنبلة تحت أي تسوية سلمية في الشرق الأو ...
- تاريخ مشترك وروابط أخوية راسخة.. مسؤولون في السعودية والإمار ...
- -نيويورك بوست-: ترامب يرغب بأن يكون رئيس -فيفا- جياني إنفانت ...
- ترامب يوافق على اتفاق نووي مع السعودية لا يحظر تخصيب اليوران ...
- الجيش الأمريكي يكشف هوية جندي -يُعتقد أنه قُتل في هجوم على ا ...
- واشنطن تواصل ضرباتها على إيران، وترامب يقول: -لم ننتهِ بعد- ...
- ترامب يتوعد بمواصلة ضرب إيران وطهران توسع هجماتها في الخليج ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض السندي - حكومة خرساء وشعب ثرثار