|
|
لعبة السلطة: الكولونيالية الجديدة في السيطرة على الوعي العربي
محمد كريم الساعدي
الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 17:21
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وظهور الأسباب المباشرة المتمثلة في فكرة الإرهاب وربطه بدول معينة، سبق ذلك عملية وصول الولايات المتحدة الأمريكية إلى سواحل الخليج العربي من خلال التدخل العراقي في الكويت، والسيطرة المباشرة على مقدرات الشعوب في هذه المنطقة. هذا التدخل جعل من أمريكا الفاعل الأول في منطقة الشرق الأوسط وما حولها، من خلال فرض سطوتها بشكل مباشر على المنطقة، مما أوجد مفهومًا مكملاً للكولونيالية القديمة، المتمثلة في الاستعمار القديم (فرنسا وبريطانيا)، وتوزيعهما لمنطقة الشرق الأوسط حسب اتفاقية سايكس بيكو. لكن الولايات المتحدة الأمريكية، برؤيتها الجديدة التي أزاحت حلفاءها من المنافسة على هذه الرقعة الجغرافية، أوجدت واقعًا جديدًا في المنطقة، وقد بدأت بتنفيذ أهم مخططاتها، وهو السيطرة على المجال السياسي والموارد الاقتصادية، بما في ذلك منابع النفط. وترافق هذا التخطيط مع تشكيل مرجعيات فكرية صمّمها عدد من الساسة الأمريكيين، إلى جانب مجموعة من المفكرين الذين رسموا خارطة الشرق الأوسط الجديد. وقد اعتمد هذا المشروع على إحداث تحول جذري في طبيعة الصراع في المنطقة، حيث انتقل —بعد اتفاقية سايكس بيكو— من صراعٍ حول الحدود إلى صراعٍ داخل الحدود، وفق الأفكار الأمريكية الجديدة. ماذا نعني بالتحول في الصراع من الخارج إلى الداخل؟ وكيف يتم بلورة هذه الأفكار الأمريكية الجديدة في عملية التغييرات الجيوسياسية في المنطقة العربية خاصةً، والعالم بصورة عامة؟ إنَّ تحول الصراع من الخارج إلى الداخل هو، في الأصل، لعبة أمريكية وعملية مكملة لما حدث في القرن الماضي؛ فقد كان الماضي قائمًا على التقسيم وزرع بذور الخلافات على الحدود بين الدول. هذه السياسة البريطانية القديمة، التي اعتمدت مبدأ (فرّق تسُد)، توالدت من جديد في الفكر الأمريكي، ولكن وفق رؤية مكملة للكولونيالية القديمة. وقد اعتنقت أمريكا هذه الرؤية وجعلت الصراع يتحول ويتشكل المشهد بشكل آخر؛ فشعار (فرّق تسُد) لم يعد كافياً لإنتاج حلول تتماشى مع التطبيقات الأمريكية في المنطقة العربية، بل إنّ التحول يجب أن يكون في مراحل أخرى من الصراع، أكثر تدميراً للوعي في المنطقة العربية. فقد عملت الإدارة الأمريكية على التصدي لأي تغيير في وعي أبناء منطقة الشرق الأوسط، وهو ما ظهر من خلال رفضهم للعديد من الأحاديث والتصورات السابقة التي كانت تهدف إلى جعل الصراع خارج الحدود، وبعيدًا عن جوهر القضايا، من أجل الحفاظ على كراسي تابعة للنظام العالمي. كما برز الاحتجاج ضد مبدأ استغلال السلطة من قِبَل الحكّام للبقاء في الحكم، حتى لو كان على حساب بقاء أنظمتهم الفاشلة في هذه المنطقة. لذلك، بدأت الأفكار الأمريكية الجديدة تدخل حيّز التنفيذ، ومعها بدأت عملية التغيير في الفكر الشرق أوسطي، مستهدفةً إسقاط الكراسي الرئاسية والتبعيات الخاصة لبعض الدول المجاورة المتدخلة بشكل مباشر في هذه السيطرة، وذلك من خلال الكيانات الموالية لها، التي تتحكم في المال والجاه في المنطقة العربية. وعليه، كان لابد للإدارة الأمريكية من إعادة توجيه أساليبها وطريقة تدخلها الجديدة، عبر إيجاد وسائل جديدة تُشعل شكل الصراع الجديد، الذي ينبغي أن يقع ضمن تصور أمريكي محدد يتضمن جانبين رئيسيين، هما: الأول: تطبيق خططها الجديدة دون أن تكون هي المبادِرة بهذا التطبيق بشكل مباشر، كما حدث في العراق وأفغانستان. بمعنى آخر، جعل الدول المستهدفة نفسها تقدّم المبررات للتدخل والتحشيد الأممي لذلك، من خلال مؤسسات مثل مجلس الأمن الدولي. الثاني: التحول في الصراع من الخارج إلى الداخل، بهدف شرعنة خططها في المنطقة، وجعل كل كيان قائم على صفة فئوية أو جهوية أو عرقية يأخذ دوره في هذا الصراع. والقصد هنا هو منح هذه الكيانات الدينية والعرقية والعنصرية مبررات لإظهار وجودها في هذه المنطقة. هذا هو الإطار الكولونيالي الجديد، وهذه هي السلطة الكولونيالية الحديثة التي تمهد لها أمريكا، من أجل ممارسة سياستها وتطبيق أفكارها في المنطقة. وفي هذا السياق، سيكون لديها العديد من الوسائل لتحقيق هذا الإطار الكولونيالي الجديد، إذ تمتلك أمريكا نظريات جاهزة للتنفيذ وفق رؤيتها، مدعومة بمنظّرين قادرين على إنتاج رؤى كولونيالية جديدة تناسب أهدافها. في مجال النظريات الكولونيالية الجديدة، تتحرك أمريكا عبر ثلاث خطوات مرحلية تهدف إلى تشكيل وعي كولونيالي جديد في المنطقة العربية، ومن هذه النظريات: النظرية الكولونيالية الأولى: (نظرية النخب الثقافية) هذه النظرية ليست جديدة، فقد طُبقت سابقاً في الهند على يد الاستعمار البريطاني، وذلك من خلال اختيار حكّام للهند يساهمون في إنتاج صورة جديدة للهند تتماشى مع التصورات البريطانية. بدورها، عملت أمريكا على تطبيق هذه النظرية في العراق، حيث أسقطت نظامًا دكتاتوريّاً دعمته في العديد من المواقف السابقة، وبعد إسقاطه شرعت في تأسيس نظام حكم جديد من خلال عرّابها في مجلس الحكم، بول بريمر. لقد قام بول بريمر بإنتاج نظام حكم في العراق قائم على مجلس قسّم البلاد إلى أجزاء، وصوّر للعالم أن أمريكا جاءت لجعل كل الطوائف العراقية تشارك في الحكم، وهكذا، ظهرت أمريكا أمام العالم بمظهر راعية الديمقراطية في العراق. إلا أن ما كان يجري فعليّاً هو تطبيق خطة خبيثة تهدف إلى تقسيم العراق مستقبلاً. وفي هذا السياق، نجحت أمريكا في تصوير الصراعات الداخلية التي اندلعت لاحقًا في العراق وكأنها ليست مسؤولة عنها بشكل مباشر، بينما في الحقيقة هي التي زرعت بذور التفرقة عبر هذا المجلس. هذه التفرقة، مع مرور الوقت، تضخمت مثل كرة الثلج حتى كبرت وأصبحت عائقاً كبيراً أمام نهوض العراق وشعبه. إضافة إلى ذلك، استُغلت هذه الطريقة كذريعة لنهب ثروات العراق تحت شعار "توزيع الثروات"، الذي هو غطاء لنهب هذه الثروات عبر رجالاتها المتنفذين والمخفيين الذين ساهموا في إدارة العملية الانتقالية في العراق. ورغم مقاومة الوطنيين المخلصين لهذه السياسة الأمريكية، إلا أن العراق كان ليصبح أكثر تشرذماً لولا جهودهم. وعلى أساس هذه النظرية الأولى، بدأت أمريكا بالفعل بتنفيذ مخططها الكولونيالي الجديد الذي يهدف إلى تحويل الصراع من الخارج (بين العراق وجيرانه)، إلى الداخل (بين أبناء الوطن الواحد). النظرية الكولونيالية الثانية: (نظرية أحجار الدومينو) تعد هذه النظرية المرحلة الثانية التي مهدت لتعميم فكرة الصراع من الخارج إلى الداخل، والتي دعمتها أمريكا أيضاً تحت شعار الديمقراطية ونفذتها بطرق متعددة: 1. من خلال التدخل العسكري المباشر: كما حدث في العراق وأفغانستان. 2. التدخل العسكري غير المباشر: كما في ليبيا. 3. من خلال الدعم بوسائل أخرى وضغوطات: مورسَت على الحكّام المنصّبين من قِبَلها، وليس بإرادة شعوبهم، كما حدث في تونس ومصر. هذه الاستراتيجيات جعلت الواقع العربي يواجه صوراً جديدة من الصراع، وهو الصراع الداخلي بين أبناء الوطن الواحد. وقد بدأت ملامح هذا التحول من الصراع الخارجي إلى الصراع الداخلي تظهر أولاً في لبنان، ثم في العراق، وبعد ذلك في ليبيا، واليمن، وسوريا. هذا الصراع الداخلي أدى إلى جعل تلك الدول قابلة للتجزئة، حيث تحولت من دول ذات تنوع جغرافي وسكاني، ومن طوائف وقوميات وأعراق وديانات متعايشة، إلى فئات متصارعة تحت عناوين مختلفة. وبعد ذلك لم يعد الصراع خارجياً (بين الدول)، أو على الحدود (كما كان في الكولونيالية القديمة)، مثل الصراع بين المغرب والجزائر على الصحراء الغربية، والصراع بين العراق والكويت، والصراع بين سوريا ولبنان؛ بل أصبح الصراع في الكولونيالية الجديدة داخل هذه البلدان، أو بين أبناء البلد الواحد. وهذه النظرية الثانية مهدت للنظرية الثالثة في إطار التطبيقات الكولونيالية الجديدة. النظرية الكولونيالية الثالثة: (نظرية الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد) يرى بعض الباحثين أنّ مصطلحي (الفوضى الخلاقة) و(الشرق الأوسط الجديد) يعبران عن توجهين مختلفين، لكنهما في الحقيقة يمثلان مرحلة واحدة متقدمة في الفكر الكولونيالي الجديد؛ فهما وجهان لعملة واحدة، وجزءان متكاملان للمرحلة الثالثة من الفكر الأمريكي الكولونيالي الجديد، الذي بدأ بعد تراجع الكولونيالية القديمة. وهذه النظرية الثالثة قائمة على ما يلي: 1. الصراع الداخلي من خلال خلق فوضى خلاقة في داخل الدول ذاتها لإضعاف ما تبقى منها. 2. ومن ثم تكوين صيغ جديدة في حكم هذه الدول تكون قابلة للهدم المستمر وفق رؤية (الفوضى الخلاقة). 3. ترسيم خارطة جديدة وفق أساليب معدة مسبقاً تحت مبادئ غربية متعددة مغلفة بإطار يحمل مسميات مختلفة، مثل حقوق الأقليات، وحقوق الإنسان، وحريات التعبير، وغيرها من الأمور التي لا تُطبَّق في البلدان الغربية إلا وفق قوانين صارمة تمنح السلطات حق التعذيب والنفي والتخوين، وكل ذلك لمن يخالف عقائدها السياسية والأخلاقية. وهذه النظرية الثالثة نشهد تطبيقاتها في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الجديد، وسوف تتوج هذه التوجهات الكولونيالية الجديدة في العقد الثالث من هذا القرن للوصول إلى الخارطة الكولونيالية الجديدة للرؤى الأمريكية في المنطقة العربية، وخاصة في الشرق الأوسط منها. أما فيما يخص أبرز من كتب في مجال التطبيقات الأمريكية وفق الرؤية الكولونيالية الأمريكية الجديدة، فقد صدرت هذه الرؤية في كتابين مهمين هما: (صدام الحضارات) لـ(صموئيل هنتنغتون)، وكتاب (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) لـ(فرانسيس فوكوياما). في الكتاب الأول، يناقش (هنتنغتون) الرؤية الأمريكية للعالم الآخر بحضاراته المختلفة، ويحدد من هي الحضارات الصديقة ومن هي الحضارات العدوة؛ إذ يجعل من الحضارات اليابانية والهندية والأفريقية والدول الغربية غير الأمريكية حضارات صديقة للمشروع الكولونيالي الأمريكي، بينما تكون الحضارة الإسلامية ومن بعدها الحضارة الصينية معادية للكولونيالية الأمريكية. ما يعنينا في هذا الكتاب هو الحضارة الإسلامية التي ينتمي إليها أغلب سكان الشرق الأوسط؛ فالسائد في الفكر الكولونيالي الغربي الجديد هو جعل الشرق الأوسط يسير وفق النظريات الثلاث السابقة، منتقلًا من حالة إلى أخرى، أي من طبيعة الصراع خارج الحدود إلى طبيعة الصراع داخل حدود كل دولة. هذا الفكر الذي يدعمه عدد من المفكّرين مثل (صموئيل هنتنغتون)، يجعل من الحضارة الإسلامية مركز الصراع مع هذه الرؤية الكولونيالية. ويبرر (هنتنغتون) أن أغلب الصراعات التي تحدث مع الجانب الإسلامي هي حروب حضارية؛ كما في حرب (الشيشان)، وحروب أوروبا الشرقية في (البوسنة والهرسك وكوسوفو)، وكذلك ما يحدث مع الجماعات الإسلامية في (شرق آسيا)، و(أفغانستان)، و(أفريقيا) مع جماعة (بوكو حرام)، و(جماعة الشباب) في (الصومال). وأيضاً كما في الصراع العربي الإسلامي مع الكيان الغاصب لفلسطين المحتلة، وغيرها من الصراعات بين الجماعات التي تنتمي للإسلام والديانات والقوميات الأخرى، معتبراً ذلك صراعاً وصداماً حضارياً مستمراً عبر التاريخ بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، ابتداءً من العصور التي سبقت الحروب الصليبية ومروراً بهذه الحروب التي استمرت إلى ما يقارب خمسة قرون، واستمراراً في الوقت الحاضر المتمثل بصراعات الشرق الأوسط. ويدعو هنتنغتون إلى قضية مهمة جداً في نظره، ألا وهي السيطرة على المعرفة التكنولوجية المتمثلة بوسائل الاتصال والتواصل، ويطرح مجموعة من العوامل التي يجب على الغرب السيطرة عليها، من ضمنها السيطرة على وسائل الاتصال العالمية، بالإضافة إلى السيطرة على الأسواق العالمية في شتى المجالات، ومنها التواصل التقني والتصنيع العسكري المصاحب لهذه التقنيات الجديدة التي أصبحت سمة من سمات العصر الحديث. كما يدعو إلى جعل الشرق الأوسط خاضعاً لهذه السيطرة وفق الكولونيالية الأمريكية ومتطلباتها لإخضاع الآخر. أما الكتاب الثاني، للمفكّر (فرنسيس فوكوياما) الذي كتب أطروحته في مجال الكولونيالية الأمريكية، إذ يرى فيها بأن العقل الأمريكي يمتلك السيادة على العالم الآخر الذي يقع خارج الحضارة الأمريكية، ومن ضمنه العالم الإسلامي، وبالأخص العالم العربي الواقع ضمن منطقة الشرق الأوسط. ويرى فوكوياما أن هذه السيادة الأمريكية يجب أن تبسط نفوذها على العالم، ومن ضمنه مواطنو الشرق الأوسط، من خلال مفاهيم طرحها في كتابه وهي نهاية التاريخ، والإنسان الأخير. إذ يرى (فوكوياما) أن العرب يقعون في دائرة التخلف، وخاصة في القضيتين الآتيتين: الأولى: تخلفهم عن التفوق المعرفي الذي يمتلكه الغرب بقيادة أمريكا، والذي من شأنه أن يسود العالم، لكن بشرط أن يكون الإنسان في العالم الذي يقع خارج أمريكا قادراً على النهوض بهذه المعرفة والتواصل معها من خلال الوصول إلى ما يؤهله لذلك. ومن ثم فإن العربي بحاجة إلى تحريك الركود في منطقته والخروج من دائرة السبات الثقافي الراكد. ويشير (فوكوياما) إلى أن أهم ملامح الخروج من هذا الركود الثقافي هو ما جاء به زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن من فكر مغاير، إذ اعتقد فوكوياما أن هذا الفكر هو الأصلح لتنشيط المنطقة وإخراجها من مجال الركود. وعلى الرغم من وجود مفارقة في هذه الرؤية —رؤية فوكوياما لأسامة بن لادن— تقع في تصورين مختلفين ظاهرياً في أمريكا، وهما: 1. إيجاد مشروع عصابة القاعدة التي كانت الغاية منها مواجهة الاجتياح السوفيتي لأفغانستان، كما هو معلن آنذاك. 2. ما أُعلن بشكل رسمي في أمريكا بعد ذلك بأن القاعدة منظمة إرهابية، ولابد من القضاء عليها بأي طريقة كانت، والقضاء على حلفائها من جماعة طالبان. وعلى هذين التصورين المختلفين، نرى الفرق والاختلاف بين المعلن والمخفي في أمريكا؛ لذا رحب فوكوياما بهذه المنظمة من خلال أفكار زعيمها ابن لادن، كونها تأتي ضمن أفكار تفعيل الركود في الشرق الأوسط والوصول إلى المعرفة الأمريكية. لكن هذا الاستغراب الذي أبديناه سابقاً بدأ يتكشف لمخططات الكولونيالية الأمريكية الجديدة في المواجهات المزعومة والخادعة مع الإرهاب، من خلال تسليم المناطق التي خططت لها أمريكا لإنشاء هذه الجماعات المتطرفة المشوهة لصورة الإسلام. ويتضح ذلك في تسليم زمام الأمور لهذه الجماعات، كما في تسليم أفغانستان للقاعدة وحركة طالبان، وكما في المخطط الثاني الذي يحدث في منطقة الشرق الأوسط في الحركات التي خرجت من عباءة داعش، الذي نشأ في العراق وتحت أنظار وإشراف أمريكي، وفق المبدأ الكولونيالي الجديد المخطط له، والذي يتضح في الفكر الفوكويامي أن التطرف الإسلامي هو خير من يُفعّل الراكد في الشرق الأوسط. ثانياً: أن مبدأ تفعيل الآخر من أجل الوصول إلى تصور الإنسان الأخير ونهاية التاريخ قائم على مسألة العلاقة التي تبناها فوكوياما من أفكار سابقة لفيلسوفين غربيين، هما: هيجل وهوبز. هذه العلاقة التي تُعرف بعلاقة السيد بالعبد تم ترسيخها من قِبَل الكولونيالية القديمة وتبنتها الكولونيالية الجديدة. ويذكر فوكوياما هذه الرؤية في كتابه نهاية التاريخ حيث يقول: "السيد هو إلى حد ما أكثر إنسانية من العبد، لأنه تطوع إرادياً لتجاوز طبيعته البيولوجية نحو غائية غير بيولوجية، وهي أن يكون معتَرفاً به. فلدى مخاطرته بحياته، يبرهن أنه حُر. أما العبد فهو على العكس، بحسب رأي هوبز، يتخلى عن هذه الإنسانية خوفاً من الموت العنيف. ولهذا السبب يبقى حيواناً ضحية الحاجة والخوف، غير قادر على تجاوز تحديده البيولوجي أو الطبيعي. لكن فقدان حرية العبد، أي إنسانيته الناقصة، تضع السيد أمام إحراج: فهذا الأخير يرغب بأن يُعترف به من قِبَل كائن آخر يملك مثله قيمة وكرامة خاصتين به. فهو بدلاً من ذلك، يُعترف به من قِبَل العبد الذي بقيت إنسانيته غير مكتملة لأنه تخلى عنها لخوفه الطبيعي من الموت. فقيمة السيد هي إذاً معترف بها من قِبَل شخص ليس إنساناً بالكامل"(1). ومن هذه المعادلة قدمنا في كتابنا السابق الذي يحمل عنوان "الجدلية الأنطولوجية وتشكيل المعنى/الواقع المعاش، الأفكار، رقمنة الوعي" تبياناً من ست نقاط لتوضيح ما أراده فوكوياما من هذه العلاقة وهذه المعادلة بين السيد والعبد، وهي كما يأتي: 1. إنَّ السيد هو الإنسان الأخير، وما عداه لا يصل إلى هذه الصيغة أبداً، بل يبقى إنساناً آخر، وبالتالي نحن أبناء منطقة الشرق الأوسط لا نصل إلى هذه المكانة مهما قدّمنا من طرائق جديدة ووسائل معرفية نظرية وعملية للتأقلم مع هذا التصور الجديد، بل نبقى في مرتبة العبيد، وهذه القاعدة الأولى في الفكر الكولونيالي الجديد الذي يمثله فوكوياما. 2. في النقطة الثانية من الفكر الكولونيالي الأمريكي، نجد أن ما يقوم به السيد تجاه الآخرين هو تطوع إرادي يتجاوز فيه طبيعته البيولوجية نحو غائية بيولوجية قائمة على مخاطرته بحياته ليبرهن أنه حر. مثال على ذلك هو الادعّاء الذي تصوره أمريكا في حروبها، مدّعية بأنها تقاتل من أجل حرية الشعوب المظلومة؛ فحرية السيد تُعتبر نعمة على العبد، وهذه المخاطرة قائمة على التضحية من أجل بقاء العبد حياً. فبفضل السيد/أمريكا نحن نبقى أحياء، وبفضله نعيش، وبفضله ننعم باستنشاق الهواء. فهو السيد الذي يحمينا ويغامر بكل قوته العسكرية وغير العسكرية حتى نبقى أحياء من عدو مفترض لا نعلم من يكون وفي أي لحظة يظهر، المهم أن نبقى في سياق الامتنان للسيد الحامي المضحي من أجل بقائنا، ولكن ليس في حياة كريمة كما نتصورها، فالكرامة والعزة له وحده، ونحن لنا البقاء فقط على سطح هذا الكوكب، حيث يكون هو السيد، وهو الحاكم، وهو القوي، وهو المسيطر على كل شيء، بما في ذلك وجودنا نحن في المنطقة العربية عامة، والشرق الأوسط خاصة. 3. وفقاً لهذه المعادلة الكولونيالية الأمريكية، نحن مطالبون بالتخلي عن إنسانيتنا، وعن مطالبنا بحياة كريمة، وعن قدرتنا على صناعة حياة جديدة لنا. والسبب في هذا التخلّي عن أهم خاصية وجدت على هذا الكوكب —وهي الإنسانية التي تميزنا عن الكائنات الأخرى— هو بقاء السيد حاكماً، بينما نبقى نحن أحياء بفضل السيد الأمريكي. فالخوف من الموت، الذي هو أيضاً بيد السيد الأمريكي، يجعلنا نستمر بالوجود وندين له بالفضل. وهذا الفضل هو نعمة ومنّة وعطاء من إنسان حر، قائد لهذا العالم، وإنسانه الأخير، الذي يرى أن التاريخ وصل إلى نهايته فيما يتعلق بالتطور المعرفي والعلمي والتقني. فالخوف من الموت هو السر في بقاء السيد الأمريكي ومدى سيطرته علينا. وما دام هناك عبيد غيرنا، يمكنه التخلي عنا وتقديمنا للموت كضحايا في حروبه ومغامراته، وعندما يفقد عبيده في مناطق العالم الأخرى الخارجة عن سيطرته، يعود إلينا ليدجننا مرة أخرى؛ لذا، البقاء على قيد الحياة يتطلب الخضوع للسيد وأفكاره العظيمة في نهاية التاريخ وإنسانه الأمثل والأوحد، وهو السيد الأبيض الأمريكي. 4. تكمن فكرة الكولونيالية الأمريكية الجديدة في التخلي عن الإنسانية من أجل البقاء على قيد الحياة، مما يحولنا وفق تصورها إلى الاقتراب من الحيوانية —وحسب وصف العبد كما في الاقتباس المأخوذ من كتاب نهاية التاريخ— هذه الحيوانية التي هي صفة العبد، ناتجة عن الخوف الذي يجعلنا ضحايا الحاجة للسيد الأمريكي، غير قادرين على تجاوز تحديدنا البيولوجي أو الطبيعي كما يراه هوبز، وهو التصور الذي يستند إليه فوكوياما في تصوّره لمن هم خارج تاريخه وإنسانه المفضل. 5. إنَّ مفهوم إنسانية العبد في الكولونيالية الأمريكية يقوم على فكرة أن العبيد هم من تكون إنسانيتهم ناقصة، وهذا النقص يقربهم من الحيوانية، والسبب في ذلك هو فقدان حرية العبد. وبفقدان الحرية تبقى إنسانيته ناقصة، وهنا يتمكن السيد الأمريكي من السيطرة؛ فهذا الأخير يرغب بأن يُعترف به من قِبَل كائن آخر يملك مثله قيمة وكرامة خاصتين به، لكن هذا الكائن، الذي يمتلك الخواص ذاتها، غير موجود، فبدلاً من ذلك يُعترف به من قِبَل العبد، الذي بقيت إنسانيته غير مكتملة لأنه تخلى عنها لخوفه الطبيعي من الموت. فقيمة السيد مُعترف بها إذًا من قِبَل شخص ليس إنساناً بالكامل. ومن ثم ستستمر هذه المعادلة طالما أن الطرف الأقوى مستمر بسيطرته وقوته وتفوقه، ولا يمكن للعبد أن يجد له سبيلاً إلى الحرية أبداً. 6. هذه المعادلة الكولونيالية الجديدة قائمة وفق تصور وجود طرف منتج وطرف مستهلك، ولكن متى ما أراد هذا العبد —وهو الطرف الأضعف— أن يغير المعادلة تُسلب منه الحياة؛ فكل ما يملكه العبد من أشياء وثروات وغيرها، هي ملك لسيده الأمريكي، بما في ذلك حياته ووجوده وإنسانيته. فلابد أن يكون في هذه المعادلة سيد قادر على توزيع طريقة العيش والحياة والكرامة وفق ما يريده هو، وبما أن العبد يقبل بهذه المكانة ويرضى بها، فإنه سيبقى في خانة الأضعف والمستعبد والمستعَمر (2). الهوامش 1. فوكوياما، فرانسيس: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة: د. فؤاد شاهين وآخرون، بيروت: مركز النماء القومي، 1993، ص189، ص190. 2. يُنظر: أ. د. محمد كريم الساعدي: الجدلية الأنطولوجية وتشكيل المعنى، الواقع المعاش، الأفكار، رقمنة الوعي، عمان: دار صفاء للنشر والتوزيع، 2023، ص125، ص128.
#محمد_كريم_الساعدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الفعل الأدائي في التراجيديا الحسينية قَلَبَ مفهوم أرسطو للتر
...
-
النظرية الديكولونيالية كتاب جديد للمؤلف الدكتور محمد كريم ال
...
-
قراءة ثقافية في: تبريرات الوجود الكولونيالية الغربية والحاضن
...
-
الكولونيالية الغربية : بن غوريون والصراع الشرق أوسطي / قراءة
...
-
سلسلة قراءة ثقافية في: تبريرات الوجود: الكيان الإسرائيلي وال
...
-
الأدب يفضح السياسة: من الهامشي إلى المركزي / اليهودي شايلوك
...
-
كتاب الإعلام الجديد ووسائل التواصل / شبابيك اعتراف رقمية لصا
...
-
فن المسرح والسياق الاجتماعي
-
الاتفاق والاختلاف بين مسرح الشارع وعروض المسرح التقليدي المق
...
-
فلسطين والمسرح رؤية في خطابات ما بعد الاستعمار
-
آراء غربية في التفوق الحضاري على الآخر
-
أصدار جديد كتاب (الهوامش في لعبة ما بعد الحداثة) للأستاذ الد
...
-
نص مسرحية (صانع الأشياء الأصم) الوهم في صناعة عالم جديد نص م
...
-
الاحتفالات الكولونيالية وتأثير عروض الشارع في المخرجين الغرب
...
-
الاستشراق والمعرفة وتشويه الآخر / نقد ما بعد كولونيالي
-
العرب ومسرح الشارع/ رؤية نقدية في مسرح الشارع / الجزء الرابع
-
جماليات البناء الأنطولوجي للشكل الفني
-
اليونان والرومان والحقبة المسيحية ومسرح الشارع رؤية نقدية في
...
-
مسرح الشارع وتحديد المسار الاصطلاحي ... رؤية نقدية في مسرح ا
...
-
رؤية نقدية في مسرح الشارع الجزء الأول : تساؤلات في أصل فكرة
...
المزيد.....
-
آلاف العرب بأمريكا مهددون بالترحيل.. ما هي أزمة وضع الحماية
...
-
UKMTO: حادثة بين ناقلة نفط وقوات عسكرية قبالة سواحل سلطنة عُ
...
-
الهند تطلق أول قطار ركاب يعمل بالهيدروجين لخفض الانبعاثات
-
إدارة ترامب تشدد قواعد التأشيرات.. قيود جديدة تطال الطلاب وا
...
-
كيم جونغ أون يستقبل مسؤولا صينيا رفيعا في بيونغ يانغ
-
-هجوم جوي وآلاف الجنود-.. هل تقترب واشنطن من الخيار العسكري
...
-
تقرير يكشف كواليس تعاطي واشنطن مع ملف استهداف مدرسة ميناب ال
...
-
تعرض ناقلة نفط لهجومين عند مصب لكونسورتيوم -أنابيب قزوين- في
...
-
عواصف رعدية عنيفة في فرنسا تخلف قتيلين وتقطع الكهرباء عن 53
...
-
صربيا تنضم لبرنامج Artemis لاستكشاف القمر
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|