أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - لعمير بلحسين - الوجه الآخر للحفل الإقليمي للتميز بتيزنيت (3 والأخير).. من جمع الأموال إلى تدبيرها: كيف صرفت الاعتمادات؟ وما مصير اللوحات الإلكترونية؟















المزيد.....


الوجه الآخر للحفل الإقليمي للتميز بتيزنيت (3 والأخير).. من جمع الأموال إلى تدبيرها: كيف صرفت الاعتمادات؟ وما مصير اللوحات الإلكترونية؟


لعمير بلحسين

الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 02:32
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


موارد متعددة.. وتمويل تجاوز الاعتمادات الرسمية!

بعد أن كشف الجزء الأول من هذا التحقيق عن حملة واسعة لتعبئة الموارد المالية من جمعيات المجتمع المدني وفاعلين اقتصاديين ومحسنين، وأبرز الجزء الثاني امتداد هذه التعبئة إلى مؤسسات التعليم الخصوصي وشركات يرتبط بعضها بعلاقات تعاقدية مع المديرية الإقليمية، يصبح من المشروع اليوم الانتقال إلى السؤال الأكثر أهمية: ما حجم الموارد التي وضعت رهن إشارة الحفل الإقليمي للتميز بتيزنيت؟ وكيف تم تدبيرها؟
فالمعطيات التي توصلنا بها في هذا التحقيق تفيد بأن تمويل الحفل لم يكن قائما على مصدر واحد، بل استند إلى موارد متعددة ومتنوعة، تجمع بين الاعتمادات العمومية والمساهمات الخارجية. فمن جهة، خصصت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة سوس ماسة اعتمادات مالية بلغت، بحسب الوثائق المنشورة في بوابة الصفقات العمومية إلى حوالي 90 ألف درهم لتغطية نفقات تنظيم الحفل الإقليمي للتميز. ومن جهة ثانية، جرى تعبئة مساهمات مالية وعينية من جمعيات المجتمع المدني، وعدد من رجال الأعمال والمحسنين، قبل أن تمتد هذه التعبئة إلى مؤسسات التعليم الخصوصي وشركات ومقاولات، من بينها متعاملون اقتصاديون يرتبط بعضهم بعلاقات تعاقدية مع المديرية الإقليمية.
وبذلك، لم تعد الموارد المرصودة للحفل تقتصر على الاعتماد العمومي المخصص من الأكاديمية، وإنما أصبحت حصيلة مصادر تمويل متعددة، تختلف من حيث طبيعتها ومنشئها، لكنها اجتمعت جميعها لخدمة النشاط نفسه. وهو ما يطرح، من زاوية الحكامة المالية، ضرورة توفر آليات دقيقة تضمن حصر هذه الموارد، وتوثيقها، وتتبع أوجه صرفها، بما يكفل الشفافية وإمكانية المراقبة والافتحاص.
وتزداد أهمية هذا المعطى إذا استحضرنا أن تنوع مصادر التمويل لا يوسع فقط هامش الإمكانات المتاحة أمام المديرية الإقليمية لتيزنيت، بل يرفع في المقابل من مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقها. فكلما تعددت الموارد، تعاظمت الحاجة إلى تدبير مالي أكثر دقة، يقوم على الوضوح، وقابلية التتبع، وإمكانية التحقق من مطابقة أوجه الإنفاق للأهداف التي جمعت من أجلها تلك الموارد.
ومن ثم، فإن السؤال الذي يطرحه هذا التحقيق لم يعد يتعلق بمدى مشروعية تنظيم حفل للتميز الإقليمي بتيزنيت، ولا بأهمية تكريم المتفوقين، وإنما بمدى انعكاس حجم الموارد التي تمت تعبئتها على جودة التدبير، وعلى طبيعة مقتنيات المديرية الإقليمية، وعلى عدالة توزيعها بين المستفيدين. وهو ما يقود للتساؤل حول كيفية صرف هذه الموارد، ومدى انسجام ذلك مع متطلبات الحكامة والشفافية في تدبير المال العام.

من وفرة الموارد إلى أسئلة التدبير... هل عكست المقتنيات حجم الإمكانات المتاحة؟

إذا كانت الموارد التي عبئتها المديرية الإقليمية لتيزنيت للحفل الإقليمي للتميز قد تعددت بين اعتمادات عمومية ومساهمات خارجية، فإن المعيار الحقيقي لنجاح أي تدبير مالي لا يمكن قياسه بحجم الأموال التي جرى تعبئتها، وإنما بمدى ترجمتها إلى نتائج ملموسة، وجودة المقتنيات، وحسن توظيفها في تحقيق الغاية التي رصدت من أجلها.
وفي هذا الإطار، تبرز اللوحات الإلكترونية التي اقتنتها المديرية الإقليمية باعتبارها إحدى أهم المقتنيات المرتبطة بالحفل، ليس فقط لقيمتها المالية، وإنما أيضا لرمزيتها باعتبارها الجائزة الأبرز التي يفترض أن تجسد العناية بالمتفوقات والمتفوقين، وأن تعكس صورة الإدارة في حسن تدبير الموارد العمومية.
غير أن المعطيات التي توصل إليها هذا التحقيق، مدعومة بشهادات عدد من المستفيدين، تفيد بأن عددا من هذه اللوحات كان يعاني من أعطاب تقنية منذ لحظة تسليمه، في حين أثار المختصون ملاحظات متكررة بشأن مستوى جودتها مقارنة بما كان منتظرا من مقتنيات خصصت لها اعتمادات مالية مهمة، وعززتها مساهمات متعددة من شركاء الحفل.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تسجيل أعطاب تقنية قد تقع في أي عملية اقتناء، وإنما بمدى احترام معايير الجودة عند اختيار المقتنيات، وبالكيفية التي تمت بها مراقبة مطابقتها للمواصفات قبل تسليمها إلى المستفيدين، خاصة وأن هذه الجوائز تمثل واجهة مؤسسة عمومية وقطاع وزاري حساس، ومن المفترض أن تعكس حسن تدبير الموارد المخصصة لها.
وتزداد هذه الأسئلة مشروعية إذا استحضرنا أن عددا من التلميذات والتلاميذ المتوجين في الأنشطة الرياضية والثقافية، بحسب المعطيات المتوفرة، لم يستفيدوا من اللوحات الإلكترونية ولا من أية جوائز تذكر، رغم الحديث عن توفر عدد منها ضمن ما اقتنته المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بتيزنيت. وهو ما يطرح تساؤلات حول المعايير التي اعتمدتها المديرية الإقليمية في توزيع الجوائز، ومدى احترام مبدأ المساواة بين مختلف فئات المتوجين.
ولا يقف الأمر عند حدود التوزيع، بل يمتد إلى تتبع مصير المقتنيات نفسها. فإذا كان جزء من اللوحات قد سلمته المديرية الإقليمية للمستفيدين، فإن التساؤل يظل قائما بشأن اللوحات التي لم يوزعها المدير الإقليمي المهدي الرحيوي: كم كان عددها؟ وهل جرى إدراجها ضمن سجل للجرد باعتبارها ممتلكات عمومية؟ وهل احتفظ بها داخل مصالح المديرية وفق المساطر المعمول بها؟ أم أعادها إلى الموردين وفق إجراءات موثقة؟ تلك أسئلة لا تستهدف استباق أي نتيجة، وإنما تلامس جوهر الحكامة المالية، التي تقوم على قابلية كل نفقة وكل مقتنى للتتبع والتحقق.
ولا ينبغي النظر إلى هذه التساؤلات باعتبارها نقاشا تقنيا حول معدات إلكترونية، بل باعتبارها مؤشرا على جودة التدبير المالي برمته. فحين تتعدد مصادر التمويل، وتتسع الموارد المرصودة لنشاط عمومي، تصبح الإدارة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإثبات أن كل نفقة تمت وفق معايير الشفافية والنجاعة، وأن كل مقتنى يمكن تتبع مساره منذ اقتنائه إلى غاية تسليمه أو الاحتفاظ به وفق الضوابط القانونية والتنظيمية.

النتائج.. حين لا تعكس المخرجات حجم الموارد المعبأة!

في التدبير العمومي، لا يخضع قياس جودة الأداء لحجم الاعتمادات المرصودة ولا بقيمة الموارد التي تم جمعها، وإنما بما تحققه تلك الموارد من أثر ملموس، وبمدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي رصدت من أجلها. ولذلك، فإن تقييم الحفل الإقليمي للتميز بتيزنيت لا يكتمل بمجرد الوقوف عند مصادر تمويله أو كيفية تدبير بعض مقتنياته، بل يقتضي أيضا مساءلة النتائج التي أفرزها هذا التدبير.
وتشير المعطيات التي توصل إليها هذا التحقيق إلى أن عددا من الاختيارات التي رافقت تنظيم الحفل أثارت تساؤلات لدى عدد من الفاعلين التربويين( خصوصا مفتشي المصالح المادية والمالية ومفتشي التخطيط ومفتشي التوجيه) والمستفيدين. فمن جهة، تم تسجيل ملاحظات بشأن جودة بعض الجوائز الموزعة، ومن جهة أخرى، لم يحظ عدد من المتوجات والمتوجين في المجالات الرياضية والثقافية بالتكريم الذي كانوا ينتظرونه في الوقت الذي تفاخرت المديرية بهم لشهور، في العديد من المناسبات بصفحتها الفيسبوكية، رغم أن الموارد التي تمت تعبئتها للحفل، وفق المعطيات المتوفرة، كانت تتجاوز الاعتماد العمومي الأصلي بفضل المساهمات المالية والعينية التي قدمها شركاء متعددون.
وهنا يبرز سؤال ملح: إذا كانت الإمكانات المالية قد تعززت بمساهمات إضافية من جمعيات ومؤسسات خصوصية وشركات وفاعلين اقتصاديين، فهل انعكس ذلك على جودة التنظيم والجوائز، وعلى توسيع دائرة المستفيدين، أم أن حجم الموارد لم يجد صداه في النتائج المحققة؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة لأن حفل التميز لا يمثل مجرد نشاط احتفالي، بل يشكل مناسبة رمزية لتكريس قيم الاستحقاق والإنصاف وتثمين التفوق. ومن ثم، فإن أي شعور لدى بعض الفئات بأنها لم تنل حقها من التكريم، أو أن مستوى الجوائز لا ينسجم مع حجم الإمكانات المتاحة، أثر في الرسالة التربوية التي يحملها هذا الموعد السنوي.
ولا يتعلق الأمر هنا بالحكم على سلامة التدبير من عدمها، فذلك يظل من اختصاص الجهات المخول لها قانونا ممارسة الرقابة والافتحاص، وإنما بإبراز وجود معطيات ووقائع موضوعية تجعل من المشروع التساؤل عن مدى التناسب بين الموارد التي تمت تعبئتها والنتائج التي تحققت على أرض الواقع، وعن مدى تحقيق مبادئ النجاعة وحسن تدبير المال العام.
ومن زاوية الحكامة، فإن الإدارة العمومية ليست مطالبة فقط باحترام المساطر المالية، بل كذلك بتحقيق الأثر الذي يبرر تعبئة الموارد العمومية والخاصة. وكلما اتسعت دائرة المساهمين، تعاظمت مسؤولية الإدارة في تقديم نموذج يعزز الثقة، ويظهر أن كل مساهمة تم توظيفها في مكانها الصحيح، وأن كل نفقة انعكست بصورة مباشرة على جودة الخدمة العمومية وتحقيق المصلحة العامة.
ومن هنا، لا يقتصر النقاش على تقييم نتائج حفل واحد، بل يمتد إلى أثر الطريقة التي تمت بها تعبئة الموارد وتدبيرها (من يونيو 2021 إلى يوليوز 2026) على علاقة الإدارة بشركائها. فالثقة التي يتم بناءها عبر الشراكات قد تتعزز إذا اقترنت بالشفافية والوضوح، وتتراجع حتما إذا نشأت لدى المساهمين أو الرأي العام تساؤلات حول كيفية توظيف تلك الموارد. وهو ما يقود إلى دراسة آثار هذه الشراكات على حياد الإدارة العمومية والثقة في المرفق العام.

آثار الشراكة.. عندما تصبح الثقة هي الرهان الحقيقي المفقود!

لا يثور النقاش في هذا التحقيق حول مبدأ الشراكة في حد ذاته، فالتعاون بين الإدارة العمومية ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي أصبح أحد أهم المرتكزات الأساسية لتطوير المرفق العمومي، وتوسيع إمكاناته، ودعم المبادرات ذات المنفعة العامة. كما أن مساهمة الفاعلين الاقتصاديين والمدنيين في إنجاح مشاريع ذات بعد تربوي أو اجتماعي تظل، من حيث المبدأ، ممارسة إيجابية متى تمت في إطار من الشفافية والاختيار الحر والاحترام الكامل للقانون.
غير أن نجاح أي شراكة لا يقاس فقط بحجم الموارد التي توفرها، وإنما كذلك بمستوى الثقة التي تخلقها بين مختلف الأطراف. فكلما كانت العلاقة بين الإدارة وشركائها قائمة على الوضوح، والاختيار الحر، والفصل بين الوظائف الإدارية والعلاقات المالية، ازدادت قوة هذه الشراكة، وتعززت مصداقيتها أمام الرأي العام.
وفي المقابل، فإن توجيه طلبات مساهمة إلى جهات تخضع، بدرجات متفاوتة، لاختصاصات الإدارة نفسها، أو تربطها بها علاقات تعاقدية أو رقابية، يثير تساؤلات حول الكيفية التي تدرك بها تلك الطلبات من قبل المخاطبين بها، حتى وإن لم يقترن ذلك بأي إلزام صريح أو أي مخالفة ثابتة. فالإشكال لا يرتبط فقط بما يقع فعلا، وإنما أيضا بما يتولد لدى المتعاملين مع الإدارة من انطباع بشأن طبيعة العلاقة التي تجمعهم بها.
ويحتل هذا البعد الإدراكي مكانة متقدمة في الأدبيات الحديثة للحكامة، لأن الإدارة ليست مطالبة فقط بأن تكون محايدة، بل بأن تحافظ أيضا على الصورة التي تجسد هذا الحياد. فالثقة في المرفق العمومي لا تبنى على سلامة القرارات وحدها، وإنما كذلك على اطمئنان المرتفقين والشركاء إلى أن تلك القرارات تبقى بمنأى عن أي اعتبار غير موضوعي.
ومن هذا المنطلق، فإن الشهادات التي استعرضها الجزء الثاني من هذا التحقيق، والتي عبر فيها عدد من مسؤولي مؤسسات التعليم الخصوصي وبعض المتعاملين الاقتصاديين عن تخوفهم من كلفة الاعتذار عن المساهمة، يمكن التعامل معها بشكل موضوعي كدليل على وقوع تجاوزات خطيرة تستوجب فتح تحقيق، ولا ينبغي أن تهمل، لأنها تعكس تصورا لدى جل الفاعلين لطبيعة علاقتهم بالإدارة. وفي مجال الحكامة، يشكل هذا التصور في حد ذاته مؤشرا يستحق التوقف عنده، لأنه دمر الثقة بين الإدارة بتيزنيت ومحيطها.
ولذلك، تتجه الممارسات الإدارية الحديثة إلى إرساء فصل واضح بين ممارسة السلطة الإدارية وبين أي مبادرات لتعبئة الموارد المالية، حماية للطرفين معا. حماية للإدارة من كل ما قد يثير الشكوك أو ما ينسف حيادها، وحماية للشركاء من أي شعور بأن مساهماتهم قد تمت خارج إطارها التطوعي. فكلما كان هذا الفصل أوضح، ازدادت قوة الشراكات، وتعززت شرعيتها، وارتفعت ثقة المجتمع في نزاهة المرفق العمومي.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في التشكيك في قيمة الشراكات أو في أهمية مساهمة الفاعلين الاقتصاديين والمدنيين في دعم المبادرات التربوية، وإنما في بناء نموذج مؤسساتي يجعل هذه الشراكات محكومة بقواعد معلنة، وإجراءات شفافة، وضمانات كافية تحول دون أي التباس في الأدوار أو تأثير في استقلال القرار الإداري.
وهذه الاعتبارات تقود إلى سؤال قانوني أوسع: ما هو الإطار التشريعي الذي ينظم تعبئة الموارد المالية لفائدة الأنشطة التي تنظمها الإدارات العمومية؟ وهل توفر المنظومة القانونية المغربية من الضمانات ما يكفل الشفافية، وقابلية التتبع، وتجنب تضارب الأدوار؟ وهو ما يقتضي التوقف عند الإطار القانوني والمؤسساتي المؤطر لهذه الممارسات.

الإطار القانوني.. بين الحكامة والشفافية وحدود تعبئة الموارد المالية

تتجاوز الأسئلة التي يثيرها هذا التحقيق حدود تقييم واقعة إدارية بعينها، لتلامس المبادئ الكبرى التي يقوم عليها تدبير المرفق العمومي في الدولة الحديثة. فالإدارة، بحكم ما تتمتع به من سلطات قانونية وتنظيمية، مطالبة بأن تمارس اختصاصاتها في إطار يضمن المساواة بين المرتفقين، والحياد في التعامل مع مختلف الفاعلين، والشفافية في تدبير الموارد، بما يعزز الثقة في المؤسسة العمومية ويحافظ على مصداقية قراراتها.
وقد كرس الدستور المغربي هذه المبادئ عندما جعل الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والشفافية، والمساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية، من المرتكزات الأساسية لتدبير المرافق العمومية. كما عززها القانون رقم 54.19 المتعلق بميثاق المرافق العمومية، الذي ألزم الإدارات العمومية باحترام مبادئ النزاهة والشفافية والحياد، وباعتماد تدبير يكرس الثقة في المرفق العمومي ويصون المصلحة العامة.
وفي هذا الإطار، فالحكامة لا تقتصر على سلامة الإجراءات المالية والمحاسبية، وإنما تمتد إلى الطريقة التي تعبئ بها الإدارة الموارد، وإلى الكيفية التي تدير بها العلاقة مع محيطها الاقتصادي والاجتماعي. فكل ممارسة قد تثير لدى المتعاملين مع الإدارة انطباعا بأن العلاقة المالية يمكن أن تتداخل مع العلاقة الإدارية، تصبح جديرة بالتقييم من زاوية الحكامة، حتى في غياب أي مخالفة ثابتة.
ومن هذا المنطلق، يثير هذا التحقيق أيضا سؤال قانوني يتعلق بالقانون رقم 18.18 المتعلق بتنظيم عمليات جمع التبرعات من العموم وتوزيع المساعدات لأغراض خيرية. فصحيح أن هذا القانون وضعه المشرع لتنظيم حالات محددة نص عليها المشرع، إلا أن فلسفته التشريعية تكشف توجها واضحا نحو إخضاع عمليات تعبئة الأموال لضوابط قانونية تضمن الشفافية، وإمكانية التتبع، وتحديد المسؤوليات، وحماية ثقة المتبرعين والرأي العام.
ومن ثم، فإن الإشكال الذي يطرحه هذا التحقيق لا ينحصر في الجواب عن مدى انطباق القانون رقم 18.18 على الوقائع محل البحث من عدمه، وهو أمر يبقى رهينا بالتكييف القانوني الذي تختص به الجهات المعنية، وإنما يمتد إلى التساؤل عما إذا كانت عملية تعبئة الموارد المالية لفائدة نشاط تنظمه إدارة عمومية قد تمت في إطار يوفر الضمانات نفسها التي سعى المشرع إلى تكريسها، من حيث وضوح المساطر، وإمكانية حصر الموارد، وقابلية تتبع أوجه صرفها، وإخضاعها للمراقبة والافتحاص عند الاقتضاء.
وتزداد أهمية هذا التساؤل بالنظر إلى أن تنوع مصادر التمويل، بين اعتمادات عمومية ومساهمات من جمعيات ومؤسسات تعليمية خصوصية وشركات ومتعاملين اقتصاديين، يفرض مستوى أعلى من الشفافية والإفصاح. فكلما تعددت مصادر الأموال، ازدادت الحاجة إلى وجود منظومة دقيقة يمكن من خلالها معرفة حجم الموارد التي تمت تعبئتها، وكيفية إدماجها في مسار التدبير، وأوجه صرفها، ومآل ما تم اقتناؤه بها.
ولذلك، فإن جوهر النقاش لا يتعلق بالطعن في مبدأ الشراكة، ولا في مشروعية البحث عن موارد لدعم المبادرات التربوية، وإنما في ضرورة أن يتم كل ذلك داخل إطار مؤسساتي واضح، يفصل بين سلطة الإدارة ووظيفة تعبئة الموارد، ويوفر ضمانات كافية لحماية جميع الأطراف، ويجعل كل عملية مالية قابلة للتتبع والمراقبة، بما ينسجم مع المبادئ الدستورية، ومع متطلبات الحكامة الجيدة، ويعزز ثقة المواطنين والشركاء في نزاهة المرفق العمومي.
وعلى ضوء مجموع الوقائع والوثائق والشهادات التي عرضها هذا التحقيق، فإن الأسئلة المطروحة لم تعد تقتصر فقط على تقييم قرارات إدارية اتخذت خلال تنظيم حفل للتميز، بل أصبحت تتعلق بمدى الحاجة إلى افتحاص إداري ومالي مستقل، تتحقق من مسار تعبئة الموارد، وأوجه صرفها، ومدى احترام القواعد القانونية والتنظيمية المؤطرة لها، بما يسمح بتقديم أجوبة مؤسساتية قائمة على الوقائع، وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء، مع صون حقوق جميع الأطراف واحترام الضمانات القانونية المكفولة لهم.

على سبيل الختم: بين حق الرأي العام في المعرفة وواجب المؤسسات في التحقيق

على امتداد ثلاثة أجزاء، لم يسع هذا التحقيق إلى الطعن في أهمية الاحتفاء بالتميز المدرسي، ولا إلى التشكيك في قيمة الشراكة بين الإدارة العمومية ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي، وإنما انصب جهده على تتبع مسار الموارد التي غنمها المدير الآقليمي للتعليم بتيزنيت المهدي الرحيوي تحت يافطة تنظيم الحفل الإقليمي للتميز بتيزنيت، والوقوف عند الكيفية التي جرى بها تدبيرها، وما أفرزته من أسئلة تتعلق بالحكامة والشفافية والحياد الإداري.
وقد أبرزت الوثائق التي استند إليها التحقيق، مدعومة بالشهادات والمعطيات المتقاطعة، وجود وقائع وأسئلة تستحق فتح تحقيق مؤسساتي، سواء تعلق الأمر بطرق تعبئة الموارد، أو بتعدد مصادر التمويل، أو بأوجه صرفها، أو بمآل بعض المقتنيات العمومية، أو بطبيعة العلاقة التي نشأت بين الإدارة وبعض الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات الخاضعة لاختصاصها الإداري.
ومن هذا المنطلق، فإن ما يقتضيه منطق دولة المؤسسات لا يتمثل في تبادل الاتهامات أو إصدار الأحكام المسبقة، وإنما في تفعيل الآليات الدستورية والقانونية المخول لها التحقق من الوقائع، والافتحاص المالي والإداري، وترتيب المسؤوليات، مع كفالة جميع الضمانات القانونية واحترام حقوق مختلف الأطراف.
وفي هذا السياق، يبدو من المشروع أن تحظى هذه المعطيات باهتمام أجهزة الرقابة المختصة، كل في حدود اختصاصاته، بما في ذلك المجلس الأعلى للحسابات، بالنظر إلى دوره الدستوري في مراقبة تدبير الأموال العمومية وتقييم الحكامة، والمفتشية العامة للمالية (IGF)، بالنظر إلى خبرتها واختصاصها في الافتحاص المالي وتقييم أنظمة التدبير والرقابة، على اعتبار توفر معطيات دقيقة، ومؤشرات تستوجب التحقيق في تدبير الأموال العمومية وتعبئة الموارد المالية، فضلا عن المفتشية العامة للشؤون الإدارية والمالية بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، باعتبارها الجهة المختصة بالافتحاص الإداري والمالي داخل القطاع، وذلك للتحقق من مسار تعبئة مئات الملايين التي جمعها المدير الآقليمي سنويا تحت يافطة تنظيم حفل التميز الإقليمي( ما يفوق 300 مليون سنتيم كحصيلة لعملية دقيقة ومنظمة لتسول المساهمات طيلة ست من التدبير)، وكيفية تدبيرها، وأوجه صرفها، ومدى احترام النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة لها.
غير أن أهمية هذه الوقائع لا تقف عند حدود تنظيم حفل للتميز. فالمعطيات والوثائق الرسمية التي اعتمدها هذا التحقيق، والمتعلقة بعدد من البرامج الإصلاحية بالإقليم، تطرح أسئلة أوسع حول منهجية تتبع المؤشرات، ومدى تطابق بعض المعطيات المصخمة والمعلنة مع الواقع الميداني، خاصة في ضوء الملاحظات والاستفسارات التي وجهتها المصالح المركزية بالوزارة إلى المديرية الإقليمية بتيزنيت بشأن تنزيل عدد من البرامج التحويلية(موضوع تحقيق جديد). وهي معطيات تستحق بدورها معالجة مستقلة، قائمة على الوثائق والتحليل، بعيدا عن أي استنتاجات مسبقة.
فالحكامة لا تقاس بحجم الاحتفالات، ولا بعدد البلاغات والصور الرسمية، ولا بالمؤشرات المعلنة في التقارير، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على تقديم بيانات دقيقة وقابلة للتحقق، وبمدى احترامها لمبادئ الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وخضوعها للمراقبة كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
ويبقى الهدف الأسمى من هذا التحقيق هو الإسهام في ترسيخ ثقافة الحكامة الجيدة، وصون الثقة في المدرسة العمومية، وتعزيز حق الرأي العام في الوصول إلى المعلومة، بما يجعل الرقابة المؤسسية والافتحاص أدوات لتطوير الأداء العمومي وترسيخ دولة القانون، لا مجرد وسائل لترتيب المسؤوليات بعد وقوع الاختلالات.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوجه الآخر للحفل الإقليمي للتميز بتيزنيت (2)..إكراه المؤسسا ...
- الوجه الآخر لحفل التميز بتيزنيت... أكثر من تسعين مراسلة لجمع ...


المزيد.....




- 11 كياناً وفرداً تحت العقوبات.. بريطانيا تستهدف شبكات ذهب وت ...
- المنظمة البحرية الدولية: لا أساس قانونياً لفرض رسوم على عبور ...
- جهود عربية لإقناع ترامب.. هل يراجع الرئيس الأمريكي دعمه لنتن ...
- احتجاجات شعبية وأزمة سياسية بعد إقالة وزير الدفاع الأوكراني ...
- بيع منزل طفولة دونالد ترامب في نيويورك بعد تجديدات بتكلفة 50 ...
- الأردن: إحالة 10 أشخاص إلى القضاء بتهمة تسريب وثائق ومعلومات ...
- غارات أمريكية تستهدف جسورا رئيسية جنوب إيران وتقطع طرقا استر ...
- خسائر الشركات الإيطالية في روسيا تجاوزت 40 مليار يورو بسبب ا ...
- البيت الأبيض: ترامب يؤكد محاولات إسرائيل والدول الأجنبية الت ...
- -أحب الدماء-.. رسائل صادمة تكشف ما سبق مجزرة عائلية مروعة في ...


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - لعمير بلحسين - الوجه الآخر للحفل الإقليمي للتميز بتيزنيت (3 والأخير).. من جمع الأموال إلى تدبيرها: كيف صرفت الاعتمادات؟ وما مصير اللوحات الإلكترونية؟