|
|
الوجه الآخر لحفل التميز بتيزنيت... أكثر من تسعين مراسلة لجمع الدعم تثير أسئلة حول احترام القانون18.18!
لعمير بلحسين
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 06:34
المحور:
الفساد الإداري والمالي
في الوقت الذي انشغلت فيه عدسات الكاميرات بتوثيق لحظات الاحتفاء بالمتفوقات والمتفوقين في حفل التميز الذي نظمته المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بتيزنيت، كانت هناك قصة أخرى لم تجد طريقها إلى المنصة، ولا إلى البلاغات الرسمية، ولا إلى التغطيات الإعلامية التي اكتفت بإبراز الجوانب الاحتفالية للحفل.
تكشف وثائق رسمية تم تداولها على نطاق واسع بمواقع السوسيال ميديا، وفي منتديات النقابات التعليمية، وجمعيات المجتمع المدني بتيزنيت أن تنظيم الحفل لم يقتصر على الإعداد اللوجستي أو التربوي، بل سبقه تحرك واسع النطاق لتعبئة الموارد المالية والعينية، من خلال عشرات المراسلات التي وجهها المدير الإقلمي إلى رجال أعمال، وجمعيات، ومؤسسات للتعليم الخصوصي، وبرلمانيين، وغرف مهنية، وهيئات مختلفة، في عملية منظمة امتدت على نطاق واسع داخل الإقليم وخارجه، بشكل منظم سنويا منذ التحاق المدير الإقليمي المهدي الرحيوي بمديرية تيزنيت في دجنبر 2020.
ولا يناقش هذا التحقيق المقال مبدأ الشراكة في حد ذاته، فالتعاون بين الإدارة العمومية وشركائها يبقى آلية مشروعة متى احترم القانون، وقواعد الشفافية والحياد والمحاسبة. غير أن حجم المراسلات، وطبيعة الجهات المستهدفة، وآليات تعبئة المساهمات، تفرض طرح أسئلة مشروعة حول الكيفية التي تم بها تمويل هذا الحفل، وحدود الدور الذي اضطلعت به الإدارة الإقليمية وموظفوها في هذه العملية. فهل كان الأمر يتعلق بحفل لتكريم المتفوقين؟ أم بحملة واسعة لجمع الأموال؟ أم أنها حملة لتعبئة التمويل خارج الإطار القانوني المنظم لذلك تحت عنوان التميز المدرسي؟
أكثر من تسعين مراسلة... كيف بنت المديرية الإقليمية شبكة تعبئة التمويل؟
وتكشف الوثائق التي تسربت أن المديرية الإقليمية لتيزنيت لم تعتمد على طلبات دعم متفرقة أو مبادرات معزولة، بل نسجت شبكة واسعة من المراسلات الرسمية شملت مختلف الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين والمدنيين. فقد وجهت عشرون مراسلة إلى كبار رجال الأعمال داخل إقليم تيزنيت وخارجه (الحاج الحسين بيشا، الحاج الناجم أدحلي، الحاج حميدة بلفقيه، والحاج محمد أوبيهي، الحاج الحسين كفاس، وخارج تيزنيت شركة AVEIRO...).
كما وجه المدير الإقليمي المهدي الرحيوي إحدى وعشرون مراسلة لطلب الدعم إلى جمعيات وهيئات مدنية (جمعية مؤسسة الأعمال الأجتماعية فرع تزنيت، والفرع الإقليمي للتعاون المدرسي، والفرع الإقليمي للجامعة الملكية للرياضة المدرسية، وجمعية تيزنيت ثقافات، واتحاد الجمعيات التنموية أملن، وجمعية ماء العينين، وجمعية منتدى الإبداع والتواصل، وجمعية حاملي القوقعة...).
فيما وجه إحدى عشرة مراسلة لطلب الدعم إلى مؤسسات التعليم الخصوصي، و أربع مراسلات طلب دعم إلى البرلمانيين (وعلى رأسهم البرلمانية المتألقة زينة إد حلي، وعبد الله غازي، وحنان عدياوي، وخديجة أروهال)، وخمس مراسلات مماثلة إلى الجماعات الترابية والغرف المهنية، في حين اقتصر الأمر بالنسبة ل 29 تسع وعشرين جهة أخرى على دعوات لحضور الحفل دون طلب أي مساهمة مالية أو عينية.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد دعوات بروتوكولية متفرقة، بل تكشف عن خطة تعبئة واسعة، قسمت الجهات المستهدفة بحسب طبيعتها، مع تمييز واضح بين من طلب منهم المدير الإقليمي تقديم مساهمات مالية أو عينية، وبين من اقتصر دورهم على حضور الحفل.
ولا تعكس هذه الأرقام مجرد نشاط إداري اعتيادي، بل ترسم ملامح عملية تعبئة واسعة خطط لها المدير الإقليمي المهدي الرحيوي بعناية، استهدفت فئات محددة بحسب قدرتها على تقديم الدعم. كما تكشف أن المديرية لم تكتف بالشركاء التقليديين، بل وسعت دائرة البحث عن التمويل لتشمل رجال أعمال من خارج الإقليم، بما يحول حفلا تربويا محليا إلى مشروع تمويل جماعي متعدد المصادر، سبقته حملة مراسلات واسعة يصعب اعتبارها مجرد إجراء بروتوكولي أو تواصل مؤسساتي عادي.
فحين تتجاوز المراسلات التسعين، وتتوزع بهذا القدر من الدقة بين رجال الأعمال والجمعيات والمؤسسات الخصوصية والمنتخبين والهيئات المهنية... فإننا لا نكون أمام مبادرة ظرفية، بل أمام هندسة إدارية متكاملة لتعبئة الموارد، وهو ما يطرح، قبل أي شيء آخر، سؤالا جوهريا: أين تنتهي الشراكة، وأين تبدأ الإدارة في أداء أدوار لم تنشأ من أجلها؟
وتشير الوثائق المتداولة إلى أن طلبات الدعم لم تقتصر على الفاعلين الاقتصاديين داخل إقليم تيزنيت، بل امتدت إلى رجال أعمال من خارج الإقليم، بما يعكس اتساع دائرة البحث عن التمويل.
رجال أعمال وجمعيات وبرلمانيون ومؤسسات خاصة.. من هم الممولون؟
تظهر المراسلات أن المديرية الإقليمية توجهت إلى فئات متعددة، لكل منها وزن اقتصادي أو مؤسساتي أو اجتماعي.
ففي مقدمة الجهات التي طلبت منها الدعم المادي، يوجد عدد من كبار رجال الأعمال المعروفين داخل الإقليم وخارجه، إلى جانب جمعيات تنشط في مجالات اجتماعية وثقافية وتنموية، إضافة إلى برلمانيين، وغرف مهنية، وجماعات ترابية.
ويكشف هذا التنوع أن عملية البحث عن التمويل لم تكن مبادرة محدودة، وإنما عملية منظمة استهدفت مختلف الفاعلين القادرين على تقديم مساهمات مالية أو عينية.
وفي المقابل، تكشف الوثائق أن 29 تسعا وعشرين جهة ( رئاسة النيابة العامة ورئاسة المحكمة، رؤساء المؤسسات الأمنية، النقابات التعليمية...) تلقت دعوات لحضور الحفل دون أن تطلب منها أي مساهمة، وهو ما يعكس وجود تمييز واضح بين الجهات المدعوة للحضور والجهات التي تعتبرها المديرية الإقليمية مصدرا مضمونا للتمويل، وتقدير لخطورة مغامرة جمع الإحسان العمومي خارج سياق مقتضيات القانون 18.18 القاضي بتنظيم جمع التبرعات.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة إذا استحضرنا أن الإدارة العمومية لا تمارس إلا الاختصاصات التي يسندها إليها القانون، وأن أي توسع في مهامها يقتضي سندا قانونيا صريحا، لاسيما عندما يتعلق الأمر بتعبئة موارد مالية أو عينية من أطراف خارج الإدارة. لذلك، فإن النقاش لا ينصب على مبدأ الشراكة، وإنما على مدى احترام الضوابط القانونية والمؤسساتية التي تؤطرها، وعلى حدود الدور الذي يجوز للإدارة العمومية الاضطلاع به في هذا المجال.
حين يتحول موظفو الإدارة إلى جامعي دعم.. أين تقف حدود الاختصاص؟
من بين أكثر المعطيات إثارة للتساؤل، ما تفيده الوثائق من تكليف رئيس مصلحة البنايات والتجهيزات والممتلكات بتعبئة الدعم لدى المقاولات التي تربطها صفقات بالمديرية الإقليمية، وكل من رئيس مصلحة التخطيط والخريطة المدرسية، ورئيس مكتب الأنشطة الاجتماعية والثقافية، ورئيس مكتب التكوين المستمر، ورئيس مكتب الرياضة والارتقاء بالتربية البدنية، ورئيس مكتب الضبط، ورئيس مكتب التعليم الخصوصي لمتابعة تعبئة المساهمات المالية لدى بقية الفئات المستهدفة.
ولا يتعلق الأمر هنا بواقعة تنظيمية عابرة، بل بمعطى يثير سؤالا مؤسساتيا أساسيا: هل يدخل جمع المساهمات المالية لتغطية نفقات حفل رسمي ضمن الاختصاصات الوظيفية لموظفي وزارة التربية الوطنية؟
فالوظيفة الأصلية لهذه الأطر، كما يحددها التنظيم الإداري، ترتبط بتدبير الشأن التربوي والإداري، وتأطير المؤسسات التعليمية، ومواكبة تنفيذ السياسات العمومية في مجال التربية والتكوين. ومن ثم، فإن إسناد مهام تعبئة الموارد المالية لموظفين عموميين يطرح نقاشا مشروعا حول حدود الوظيفة الإدارية، والفصل بين التدبير الإداري وتدبير التمويل.
عشرات الملايين كل سنة.. لكن أين التقارير المالية؟
وبحسب الوثائق والشهادات التي تم استقاءها من مصادر متعددة، فإن القيمة الإجمالية للمساهمات التي جرى جمعها لفائدة تنظيم الحفل لهذه السنة فقط تقدر بحوالي 56 مليون سنتيم. فيما تم جمع مبالغ أكبر من ذلك بكثير في نهاية يونيو 2025، وبداية يوليوز 2024، فيما يبقى الرقم مستقرا في حدود 50 مليون سنتيم في باقي سنوات تدبير المدير الإقليمي المهدي الرحيوي.
ولا يتعلق السؤال هنا بحجم المبلغ في حد ذاته، بل بمدى توفر آليات واضحة للشفافية والإفصاح. فهل أعد المدير الإقليمي كشف مالي يحدد قيمة كل مساهمة ومصدرها؟ وهل توجد وثيقة محاسباتية تبين أوجه صرف هذه الأموال؟ وهل تم إشعار الرأي العام أو الشركاء بحصيلة هذه العملية؟
إن هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة أي مساهمة يقدمها الشركاء دعما للمدرسة العمومية، لكنها تندرج ضمن متطلبات الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بتعبئة موارد مالية بهذا الحجم.
غير أن أكثر المحاور حساسية في هذا الملف لا يتعلق بحجم الأموال التي جمعها المدير الإقليمي، وإنما بالجهات التي طلب منها تقديمها. فمن بين إحدى عشرة مؤسسة للتعليم الخصوصي تلقت طلبات للمساهمة، برزت شهادات متطابقة لمسؤولي بعض هذه المؤسسات حول طبيعة علاقتهم بالإدارة، وكيف ينظرون إلى هذه الطلبات في ظل كون الجهة الطالبة للدعم هي نفسها الجهة المخول لها قانونا مراقبة مؤسساتهم وتتبعها، وهو ما يسري على المقاولات التي تجمعها صفقات سارية المفعول مع المديرية الإقليمية.
إذا كانت عشرات الوثائق والمقالات قد كشفت كيف جمعت المدير الإقليمي الموارد المالية، فإن الجزء الثاني من هذا التحقيق سيحاول الإجابة عن السؤال الأكثر حساسية: كيف استقبلت المؤسسات الخاصة والمقاولات والجهات الممولة هذه الطلبات؟ وهل كانت المساهمات تعبيرا عن شراكة حرة، أم أن طبيعة العلاقة مع الإدارة أفرزت واقعا أكثر تعقيدا؟ شهادات ووثائق ستضع هذه الأسئلة تحت مجهر التحقيق.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أمريكا تتوقع إعلان إيران فتح مضيق هرمز خلال الأيام المقبلة..
...
-
تحقيق لـCNN: صور أقمار صناعية جديدة تكشف احتمال قيام إيران ب
...
-
ترامب يهدد بإبادة إيران بالكامل في حال استهدافه
-
الاستخبارات الوطنية الأمريكية تبدأ موجة جديدة من تقليص الوظا
...
-
مساعد بوتين: يتزايد دور القوة البحرية في العالم اليوم بوتيرة
...
-
قتيل بهجمات أوكرانية على سفن في بحر آزوف
-
الدفاع الروسية: استهدفنا بضربات جماعية ليلا مواقع مرتبطة بال
...
-
معلقا على العقوبات الأمريكية الأخيرة.. عراقجي: الحل يكمن في
...
-
-رويترز-: تصنيع صواريخ -باتريوت- سيتم في ألمانيا وقد ينقل إل
...
-
مباشر- ترامب: الولايات المتحدة -ستبيد بالكامل- إيران إذا تم
...
المزيد.....
-
The Political Economy of Corruption in Iran
/ مجدى عبد الهادى
المزيد.....
|