سرمد السبعاوي
كاتب
(Sarmad Al-sabawi)
الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 08:02
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
منذ عام 2003 دخل العراق مرحلة تاريخية جديدة لم تقتصر على تغيير النظام السياسي بل شملت إعادة تشكيل الدولة والمجتمع والاقتصاد والعلاقات الإقليمية. وخلال أكثر من عقدين تعاقبت الحكومات وأُجريت الانتخابات وتبدلت التحالفات السياسية إلا أن السؤال الذي ما زال يفرض نفسه على المشهد العراقي هو ما إذا كانت هذه التحولات قد أنتجت تغييراً سياسياً حقيقياً أم أنها ظلت تدور ضمن الإطار ذاته مع تبدل الأسماء والوجوه فقط.
تزداد أهمية هذا السؤال في ظل تصاعد النقاشات حول مستقبل الدولة العراقية وقدرتها على تجاوز أزمات المحاصصة والفساد وضعف المؤسسات خصوصاً مع بروز اتجاهات فكرية جديدة تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع ومن بينها ما يمكن تسميته بـ"الوعي السومري" الذي ينطلق من رؤية تعتبر العراق مشروعاً حضارياً وسياسياً متكاملاً يمتد عبر آلاف السنين وليس مجرد كيان سياسي تشكل بفعل ظروف القرن العشرين.
لا يقوم الوعي السومري على استحضار الماضي بوصفه مادة للحنين التاريخي بل باعتباره مصدراً للثقة بالنفس الوطنية. فالعراق الذي شهد نشوء أولى المدن وأقدم القوانين وأقدم النظم الإدارية في التاريخ الإنساني يمتلك من العمق الحضاري ما يؤهله لبناء مشروع وطني حديث قادر على تجاوز الانقسامات التي رافقت مرحلة ما بعد عام 2003. ومن هذا المنطلق لا يقاس التحول السياسي بعدد الانتخابات أو تداول الحكومات وإنما بمدى قدرة الدولة على الانتقال من منطق الولاءات الفرعية إلى منطق المواطنة ومن منطق التوازنات المؤقتة إلى منطق المؤسسات المستقرة ومن حالة التأثر المستمر بالمتغيرات الخارجية إلى امتلاك القدرة على التأثير في محيطها.
عند النظر إلى الواقع العراقي يمكن ملاحظة وجود مؤشرات متناقضة في آن واحد. فمن جهة هناك تغيرات اجتماعية وثقافية حقيقية بدأت تتبلور داخل المجتمع العراقي ومن جهة أخرى ما زالت البنية السياسية الأساسية التي نشأت بعد عام 2003 قادرة على إعادة إنتاج نفسها بدرجات متفاوتة.
لقد شهد العراق خلال السنوات الأخيرة تراجعاً نسبياً في مركزية الخطاب الطائفي الذي هيمن على الحياة السياسية خلال السنوات الأولى بعد سقوط النظام السابق. وأصبح المواطن العراقي أكثر اهتماماً بقضايا الخدمات وفرص العمل والتنمية الاقتصادية ومستوى الأداء الحكومي. كما أن الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد ولا سيما احتجاجات تشرين كشفت عن تنامي الشعور بالهوية الوطنية الجامعة لدى قطاعات واسعة من الشباب الذين رفعوا شعار "نريد وطناً" في تعبير واضح عن الرغبة في الانتقال من منطق المكونات إلى منطق الدولة.
إلا أن هذه التحولات الاجتماعية لم تنعكس حتى الآن بصورة كاملة على بنية النظام السياسي. فما زالت عملية تشكيل الحكومات تعتمد بدرجات مختلفة على التوافقات والتوازنات بين القوى السياسية أكثر من اعتمادها على البرامج الانتخابية. وما زالت الدولة تواجه تحديات تتعلق بضعف المؤسسات واستمرار الفساد والاعتماد المفرط على الاقتصاد الريعي الأمر الذي يجعل التحول السياسي عملية غير مكتملة حتى الآن.
إن أحد أهم العوامل المؤثرة في مستقبل العراق يتمثل في الجغرافيا السياسية. فالعراق لم يكن يوماً دولة هامشية على خريطة المنطقة بل كان دائماً في قلب التفاعلات الإقليمية والدولية. فمنذ فجر التاريخ شكل موقعه الجغرافي نقطة التقاء بين الشرق والغرب وبين الخليج العربي والبحر المتوسط وبين الأناضول وبلاد الشام.
وقد منحت هذه الجغرافيا العراق فرصاً استثنائية للنمو والتأثير لكنها في الوقت نفسه جعلته عرضة للتنافس والصراعات. فمن الدولة العثمانية إلى النفوذ البريطاني، ومن الحرب الباردة إلى مرحلة ما بعد 2003 ظل العراق ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية.
لكن السؤال الذي يطرحه الوعي السومري هنا هو: هل الجغرافيا قدر يفرض التبعية أم أنها أداة يمكن توظيفها لبناء القوة؟
التجارب الدولية تشير إلى أن الموقع الجغرافي لا يصنع القوة أو الضعف بحد ذاته، وإنما طريقة إدارة هذا الموقع. فالدول التي نجحت في توظيف جغرافيتها حولتها إلى مصدر نفوذ اقتصادي وسياسي، بينما تحولت الجغرافيا لدى الدول الضعيفة إلى مصدر للضغوط والتدخلات الخارجية.
ومن هذا المنطلق يمتلك العراق فرصة استراتيجية نادرة إذا استطاع استثمار موقعه بوصفه عقدة وصل بين الخليج وتركيا وأوروبا وبلاد الشام. فمشاريع النقل والطاقة والتكامل الاقتصادي يمكن أن تحول العراق من دولة تتأثر بالتوازنات الإقليمية إلى دولة تسهم في صياغتها.
وفي هذا السياق تبرز محافظة نينوى بوصفها إحدى أهم الركائز الجغرافية والسياسية لمستقبل العراق. فنينوى ليست مجرد محافظة كبيرة من حيث المساحة أو عدد السكان بل تمثل نموذجاً مصغراً للعراق بكل تنوعه القومي والديني والثقافي. كما أنها تشكل بوابة استراتيجية تربط العراق بسوريا وتركيا وتمثل جزءاً أساسياً من أي مشروع اقتصادي أو تجاري يهدف إلى ربط العراق بمحيطه الإقليمي.
لقد كانت نينوى عبر التاريخ مركزاً حضارياً وسياسياً مهماً وشكلت مدينة الموصل إحدى أهم الحواضر العراقية. وعندما تعرضت المحافظة إلى كارثة احتلال تنظيم داعش عام 2014 لم تكن الخسارة محلية فقط، بل كانت ضربة لمكانة الدولة العراقية وهيبتها ووحدتها.
لكن تجربة ما بعد التحرير أظهرت في المقابل قدرة المجتمع النينوي على استعادة توازنه وأكدت أن المحافظة تمتلك إمكانات كبيرة لتكون نموذجاً للتعايش والاستقرار وإعادة البناء. ولهذا فإن مستقبل نينوى لا يرتبط بمصير المحافظة وحدها، بل يرتبط بمستقبل المشروع الوطني العراقي نفسه. فنجاح الدولة في إدارة التنوع داخل نينوى يعني نجاحها في تقديم نموذج وطني يمكن تعميمه على بقية أنحاء البلاد.
وفي ظل هذه التحولات يبرز سؤال آخر يتعلق بمستقبل الديمقراطية والانتخابات في العراق. فمن الناحية النظرية تمثل الانتخابات أحد أهم أدوات التغيير السياسي لكنها ليست غاية بحد ذاتها. فالديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، بل بقدرتها على إنتاج مؤسسات فعالة وحكومات خاضعة للمساءلة وقادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
ومن الواضح أن العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق. فهناك قوى ما زالت تراهن على استمرار المنظومة السياسية الحالية مع إدخال تعديلات محدودة عليها في حين توجد قوى أخرى تسعى إلى إعادة بناء العملية السياسية على أسس أكثر ارتباطاً بالمواطنة والكفاءة والدولة المدنية.
وقد يكون العامل الحاسم في هذا المسار هو التحول الذي تشهده الأجيال الجديدة. فالجيل الذي نشأ بعد عام 2003 يختلف في أولوياته عن الأجيال السابقة. فهو أقل ارتباطاً بالصراعات التقليدية وأكثر اهتماماً بقضايا الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا وفرص العمل ومستقبل الدولة. وهذه التحولات قد لا تظهر نتائجها بشكل فوري، لكنها تحمل في داخلها إمكانية إحداث تغيير تدريجي في الثقافة السياسية العراقية.
ومن منظور الوعي السومري، فإن التحول السياسي الحقيقي لا يتحقق عبر تغيير الأشخاص فقط بل عبر تغيير قواعد اللعبة السياسية نفسها. فالدولة التي يتطلع إليها هذا الوعي هي دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والمؤسسات القادرة على العمل بعيداً عن الولاءات الضيقة. وهي دولة تستثمر ثرواتها وموقعها الجغرافي وإرثها الحضاري لبناء اقتصاد منتج ومجتمع مستقر وقرار وطني مستقل.
إن العراق اليوم ليس كما كان عام 2003، لكنه أيضاً لم يصل بعد إلى الدولة الوطنية المكتملة التي يتطلع إليها أبناؤه. فهو يعيش مرحلة انتقالية طويلة تتصارع فيها اتجاهات متعددة ،
بعضها يسعى إلى المحافظة على أنماط الحكم التقليدية وبعضها الآخر يدفع باتجاه بناء دولة حديثة تستند إلى مفهوم المواطنة والهوية الوطنية الجامعة.
ولهذا يمكن القول إن التحول السياسي في العراق لم يتحقق بصورة كاملة بعد لكنه لم يعد مجرد فكرة نظرية أيضاً. فهناك تغيرات حقيقية تجري داخل المجتمع وهناك وعي وطني آخذ بالنمو وهناك إدراك متزايد بأن مستقبل البلاد لا يمكن أن يبنى على الانقسامات والصراعات المستمرة.
ويبقى التحدي الأكبر في قدرة القوى الوطنية والمدنية على تحويل هذا الوعي المتنامي إلى مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي متكامل قادر على إعادة بناء الدولة العراقية على أسس جديدة. وعندما يصبح العراق قادراً على توظيف تنوعه بوصفه مصدر قوة واستثمار موقعه الجغرافي بوصفه مصدر تأثير وبناء مؤسساته بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار والتنمية عندها فقط يمكن القول إن البلاد دخلت فعلاً مرحلة التحول السياسي التاريخي الذي يتوقعه الوعي السومري وانتقلت من موقع الدولة المتأثرة بما حولها إلى موقع الدولة القادرة على التأثير في محيطها وصناعة مستقبلها بنفسها.
#سرمد_السبعاوي (هاشتاغ)
Sarmad_Al-sabawi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟