سرمد السبعاوي
كاتب
(Sarmad Al-sabawi)
الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 06:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من دولة تتأثر بجغرافيتها إلى دولة توظف جغرافيتها لصناعة التأثير
لم يكن العراق يوماً دولة عادية على خارطة العالم بل كان منذ نشأة الحضارة الإنسانية مركزاً للتجارة والثقافة والسياسة لأن موقعه الجغرافي وضعه في قلب التواصل بين الشرق والغرب. فمن سهول سومر وأكّد وبابل وآشور انطلقت أولى المدن المنظمة وأول القوانين وأقدم شبكات التجارة والري وهو ما جعل بلاد الرافدين مركـزاً عالميـاً للحضارة.
إلا أن الجغرافيا التي صنعت مجد العراق تحولت في الأزمنة الحديثة إلى مصدر للتحديات، فالموقع الذي يربط الخليج العربي بتركيا وبلاد الشام وإيران أصبح ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. ولذلك ظل القرار العراقي عبر مراحل مختلفة يتأثر بالتوازنات الخارجية بقدر تأثره بالواقع الداخلي.
ومن هنا يبرز مفهوم الوعي السومري ليس بوصفه حنينًا إلى الماضي بل باعتباره فلسفة سياسية تؤمن بأن قوة الدولة تنبع من حسن إدارة الجغرافيا وتحويلها إلى مصدر إنتاج وتأثير ونفوذ لا إلى سبب للصراع والتبعية.
أولاً: الوعي السومري وإعادة تعريف الدولة العراقية
الوعي السومري هو وعي حضاري يستند إلى فكرة أن الدولة ليست مجرد سلطة سياسية بل منظومة متكاملة تقوم على القانون والإدارة والتنظيم الاقتصادي والتخطيط طويل الأمد. لقد فهم السومريون أن السيطرة على طرق التجارة والمياه والزراعة تعني امتلاك النفوذ ولذلك أسسوا أولى المدن والدواوين والأنظمة الإدارية في التاريخ.
وفي العصر الحديث يمكن ترجمة هذا المفهوم إلى مشروع وطني يجعل من العراق دولة مؤسسات حديثة تستثمر موقعها الجغرافي وثرواتها البشرية والطبيعية لبناء قوة اقتصادية وسياسية مستقلة.
فالوعي السومري المعاصر يعني أن تكون هوية العراق الوطنية فوق الانقسامات وأن تتحول الجغرافيا إلى فرصة للتكامل الاقتصادي والإقليمي بدل أن تكون ساحة لتصفية الصراعات.
ثانيـاً: تأثير الجغرافيا السياسية على القرار العراقي
يقع العراق عند تقاطع أهم المحاور الجيوسياسية في الشرق الأوسط فهو يجاور إيران وتركيا وسوريا والأردن والسعودية والكويت ويرتبط بالخليج العربي عبر منفذه البحري ويقع على طريق يربط آسيا بأوروبا.
هذا الموقع جعل العراق محوراً دائماً للتنافس الإقليمي والدولي إذ تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والأمنية والطاقة والنقل.
وبسبب هذا الواقع كثيراً ما تأثر القرار العراقي بالصراعات المحيطة خصوصًا عندما تضعف الدولة أو تنقسم القوى السياسية داخليـاً فتتحول السياسات الوطنية إلى انعكاس لموازين القوى الخارجية.
إن الجغرافيا لا تفرض التبعية بحد ذاتها وإنما غياب الدولة القادرة على إدارة هذه الجغرافيا هو ما يجعل القرار الوطني عرضة للتأثير.
ثالثـاً: الجغرافيا السياسية للعراق من العهد العثماني حتى اليوم
منذ القرن السادس عشر أصبح العراق ساحة صراع بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية بسبب موقعه الجغرافي الذي يربط الأناضول بالخليج العربي وبلاد فارس.
وبعد الحرب العالمية الأولى دخل العراق تحت النفوذ البريطاني الذي أدرك أهمية موقعه الاستراتيجي وموارده الطبيعية ثم أصبح خلال الحرب الباردة جزءاً من التنافس الدولي بين الشرق والغرب.
وفي العقود اللاحقة شهد العراق الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج ثم الاحتلال الأمريكي عام 2003 وصولًا إلى الحرب ضد تنظيم داعش وهي أحداث تؤكد أن الموقع الجغرافي جعل العراق في قلب التوازنات الإقليمية والدولية.
لقد أثبت التاريخ أن العراق كلما ضعف داخليًا أصبح أكثر عرضة للتدخلات الخارجية، وكلما امتلك مؤسسات قوية استطاع أن يحافظ على استقلال قراره السياسي.
رابعـاً: التأثير الأمني للجغرافيا السياسية
يعد الأمن الوطني أكثر القطاعات تأثراً بالموقع الجغرافي للعراق، فحدوده الطويلة والمتنوعة جعلته عرضة لتحديات مستمرة.
وقد شهد العراق انتقال الصراعات الإقليمية إلى أراضيه سواء عبر الجماعات المسلحة أو شبكات التهريب أو الإرهاب العابر للحدود.
وكانت أحداث عام 2014 مثالًا واضحـاً على كيفية استغلال هشاشة الحدود والتداخل الإقليمي لإحداث انهيار أمني واسع عندما تمكن تنظيم داعش من السيطرة على مدن عراقية مهمة.
كما أن طول الحدود مع دول الجوار يجعل مكافحة التهريب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة تحدياً دائمـاً.
ويضاف إلى ذلك أن أمن المياه أصبح جزءاً من الأمن القومي إذ يؤثر أي انخفاض في تدفقات دجلة والفرات على
الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
إن الأمن العراقي يحتاج إلى مؤسسات موحدة، وسيطرة كاملة على الحدود، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، وتعاون إقليمي قائم على احترام السيادة والمصالح المشتركة.
خامسآ: التأثير الاقتصادي للجغرافيا السياسية
يمتلك العراق واحداً من أهم المواقع الاقتصادية في العالم فهو يمثل جسراً بريآ بين الخليج العربي وتركيا وأوروبا كما يمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز وأراضي زراعية واسعة.
لكن الاعتماد على النفط جعل الاقتصاد العراقي شديد الحساسية للأزمات الدولية وتقلبات الأسعار.
كما أن أي اضطراب سياسي أو أمني في المنطقة يؤثر في حركة التجارة والاستثمار ويؤخر مشاريع الربط الإقليمي.
وفي المقابل فإن استثمار الموقع الجغرافي يمكن أن يحول العراق إلى مركز لوجستي عالمي يربط آسيا بأوروبا عبر شبكة من الموانئ والسكك الحديدية والطرق السريعة.
إن الاقتصاد الحديث يقوم على الموقع والخدمات والتجارة والنقل وليس على الموارد الطبيعية وحدها.
سادسـاً: المياه والطاقة والممرات التجارية
يشكل ملف المياه أحد أهم تحديات العراق المستقبلية، فاعتماد نهري دجلة والفرات على دول المنبع يجعل الأمن المائي مرتبطاً بالتفاهمات الإقليمية.
وقد أدى انخفاض مناسيب المياه إلى تراجع الإنتاج الزراعي واتساع التصحر وارتفاع معدلات الهجرة الداخلية.
أما في قطاع الطاقة فإن العراق يمتلك إمكانات ضخمة تؤهله ليكون مركزاً إقليمياً للطاقة إذا تمكن من تطوير قطاع الغاز والصناعات البتروكيميائية وربط شبكاته مع دول الجوار.
وفي مجال الممرات التجارية يستطيع العراق أن يكون أقصر طريق لنقل البضائع بين الخليج وأوروبا وهو ما يمنحه أهمية اقتصادية وسياسية كبيرة إذا استثمر هذه الميزة بصورة صحيحة.
سابعـاً: مشروع طريق التنمية وتحويل الجغرافيا إلى قوة
يعد مشروع طريق التنمية من أهم المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تغير موقع العراق في الاقتصاد العالمي.
فالمشروع يربط ميناء الفاو الكبير بشبكة سكك حديد وطرق سريعة تمتد إلى تركيا ومنها إلى أوروبا ما يجعل العراق محطة رئيسية للتجارة العالمية.
ولا يقتصر أثر المشروع على النقل بل يمكن أن يقود إلى إنشاء مناطق صناعية ومدن لوجستية ومراكز استثمارية على امتداد الطريق ويوفر فرص عمل واسعة ويزيد من الإيرادات غير النفطية.
إن نجاح المشروع سيحول العراق من دولة عبور للصراعات إلى دولة عبور للتجارة والاستثمار.
ثامنـاً: ماذا نتعلم من سنغافورة وتركيا والإمارات؟
نجحت سنغافورة في تحويل موقعها البحري المحدود إلى أحد أكبر المراكز التجارية والمالية في العالم عبر الاستثمار في الموانئ والإدارة الحديثة والتعليم.
واستثمرت تركيا موقعها بين آسيا وأوروبا لتصبح مركزآ إقليمياً للنقل والطاقة والصناعة من خلال تطوير الموانئ والسكك الحديدية والمطارات.
كما استطاعت الإمارات أن تجعل من موانئها ومناطقها الحرة ومراكزها المالية بوابة اقتصادية عالمية رغم محدودية مساحتها.
إن الدرس المشترك من هذه التجارب هو أن الجغرافيا وحدها لا تصنع النفوذ وإنما الإدارة الكفوءة والاستقرار السياسي والبنية التحتية الحديثة هي التي تحول الموقع إلى مصدر للقوة.
والعراق يمتلك من المقومات الطبيعية والبشرية والجغرافية ما يفوق كثيراً من هذه الدول لكنه يحتاج إلى مشروع وطني متكامل لاستثمارها.
تاسعـاً: كيف يصبح العراق مؤثراً لا متأثراً
لكي يتحول العراق إلى دولة مؤثرة في محيطه، فإنه يحتاج إلى استراتيجية وطنية تقوم على عدة مرتكزات:
بناء دولة مؤسسات قوية تحتكر القرار الأمني وتطبق القانون على الجميع.
ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة فوق الانتماءات الفرعية.
تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
استثمار الموقع الجغرافي في التجارة والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.
بناء سياسة خارجية متوازنة قائمة على المصالح الوطنية.
الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والقوة الناعمة.
تطوير البنية التحتية وربط العراق بالمشاريع الاقتصادية الإقليمية والدولية.
إن هذه الخطوات ستجعل العراق لاعباً اقتصادياً وسياسيآ مؤثراً بدلاً من أن يبقى متلقياً لتداعيات الصراعات المحيطة.
إن الجغرافيا السياسية ليست لعنة مفروضة على العراق بل فرصة تاريخية إذا أُحسن استثمارها. فالوعي السومري الحديث يدعو إلى إعادة بناء الدولة على أساس الحضارة والإدارة والقانون والإنتاج وتحويل الموقع الجغرافي إلى رافعة للتنمية والنفوذ الإقليمي.
فالعراق الذي أنجب أول مدينة وأول قانون وأول نظام إداري قادر على أن يستعيد مكانته إذا امتلك مشروعآ وطنياً يجعل من الجغرافيا مصدرآ للقوة لا سبباً للتبعية ومن الاقتصاد أداةً للاستقلال ومن الهوية الوطنية أساساً لوحدة القرار السياسي ليصبح العراق مؤثرآ في محيطه وصانعًا للتوازنات لا مجرد ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين.
وعي سومري
#سرمد_السبعاوي (هاشتاغ)
Sarmad_Al-sabawi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟