سرمد السبعاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 08:21
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يبدأ إصلاح الدولة العراقية من إعادة هيكلة السلطة
يتركز الجدل السياسي في العراق منذ سنوات حول ضرورة حصر السلاح بيد الدولة و دمج الفصائل المسلحة ضمن المؤسسات الرسمية باعتبار ذلك أحد أهم متطلبات بناء الدولة واستعادة هيبتها. غير أن هذا النقاش على أهميته غالبآ ما يتناول أحد أعراض الأزمة أكثر مما يتناول جذورها البنيوية.
فالدولة العراقية تواجه تحديآ مزدوجآ. فمن جهة هناك التحديات الأمنية والسيادية ومن جهة أخرى هناك تضخم الجهاز الإداري وتعدد المؤسسات وتداخل الصلاحيات وضعف الحكومة وارتفاع الإنفاق التشغيلي وهي عوامل ساهمت في إضعاف قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: كيف ندمج الفصائل المسلحة فقط؟ بل: هل يمكن بناء دولة قوية قبل إصلاح بنيتها الإدارية؟ وهل تستطيع دولة تعاني من الترهل المؤسسي والبيروقراطية أن تدير مشروعآ وطنيآ كبيرآ للإصلاح الأمني والاقتصادي؟
من هنا تنطلق فكرة أن دمج المؤسسات وإعادة هيكلة السلطة التنفيذية قد يكون المدخل الأكثر واقعية لإصلاح شامل ومستدام.
فلسفة الدولة الرشيقة
تتجه أغلب نظريات الإدارة العامة الحديثة نحو مفهوم "الدولة الرشيقة" وهو نموذج يقوم على مؤسسات أقل عددآ وأكثر كفاءة وإدارة رقمية وسرعة في اتخاذ القرار ووضوح في المسؤوليات وتقليل مستويات التعقيد الإداري.
ولا يعني هذا النموذج تقليص دور الدولة بل زيادة قدرتها على الإنجاز من خلال التخلص من الازدواجية وتكرار الاختصاصات.
فكثرة المؤسسات ليست دليلًا على قوة الدولة بل قد تكون مؤشرآ على ضعف التنسيق وغياب التخطيط وارتفاع الكلفة الإدارية.
العراق وإشكالية تضخم المؤسسات
شهد العراق بعد عام 2003 توسعآ كبيرآ في الوزارات والهيئات المستقلة والدرجات الخاصة والمجالس والأجهزة الأمنية والاستخبارية والمكاتب التنفيذية نتيجة التحولات السياسية واعتماد نظام التوافقات.
ورغم أن بعض هذا التوسع جاء استجابة لاحتياجات حقيقية فإن جزءآ منه ارتبط بتقاسم النفوذ السياسي وتوزيع المناصب مما أدى إلى تضخم الجهاز الحكومي وتعقيد هيكل الدولة.
وأصبح المواطن يواجه مؤسسات متعددة لإنجاز معاملة واحدة بينما تتداخل الاختصاصات بين الجهات الحكومية ويصعب تحديد المسؤولية عند وقوع الخطأ أو الفشل الإداري.
البعد الدستوري والقانوني
يمثل الجانب الدستوري أحد أهم التحديات أمام أي مشروع لإعادة هيكلة الدولة.
فالدستور العراقي رسم إطارآ عامآ لتنظيم السلطات ومنح بعض الهيئات والمؤسسات استقلالية قانونية الأمر الذي يجعل أي عملية دمج أو إلغاء أو إعادة تنظيم بحاجة إلى أساس تشريعي واضح يحترم المبادئ الدستورية وسيادة القانون.
كما أن مبدأ الفصل بين السلطات يفرض ألا تتحول إعادة الهيكلة إلى وسيلة لتركيز السلطة التنفيذية أو تقليص الرقابة المؤسسية بل ينبغي أن تكون وسيلة لتعزيز الكفاءة مع الحفاظ على التوازن الدستوري.
ومن هنا تبرز أهمية مراجعة التشريعات المنظمة للوزارات والهيئات المستقلة والخدمة المدنية بما يسمح بإعادة توزيع الاختصاصات بصورة تحقق الكفاءة دون المساس بالضمانات الدستورية.
البعد الإداري والحكومة
ترى مدارس الإدارة الحديثة أن وضوح المسؤولية أهم من كثرة المؤسسات.
فعندما تتوزع المهمة الواحدة على أكثر من جهة تضيع المسؤولية ويصعب تقييم الأداء.
إن دمج المؤسسات المتقاربة في الاختصاص، وربطها بمنظومة إدارية موحدة، واعتماد مؤشرات أداء واضحة من شأنه أن يرفع كفاءة الإدارة ويزيد من سرعة اتخاذ القرار ويعزز مبدأ المحاسبة.
كما أن الحكومة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي أصبحت أدوات أساسية في بناء الإدارة الحديثة ولا يمكن لأي إصلاح إداري أن ينجح دون الاستثمار فيها.
البعد الاقتصادي والمالي
يشكل الإنفاق التشغيلي في العراق نسبة مرتفعة من الموازنة العامة بينما تبقى الحاجة كبيرة إلى الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة والصناعة والزراعة والطاقة.
إن تعدد المؤسسات والهيئات يعني تعدد الموازنات والمقار الإدارية والعقود والمخصصات والمركبات والحمايات وهو ما يضاعف الإنفاق ويزيد من الهدر المالي.
ويمكن لإعادة الهيكلة أن تحقق وفرآ ماليآ كبيرآ يوجه نحو المشاريع التنموية ويساعد على تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
البيروقراطية ومكافحة الفساد
ترتبط البيروقراطية المعقدة غالبآ بارتفاع معدلات الفساد الإداري لأن كثرة الموافقات والإجراءات تفتح المجال أمام الرشوة والوساطة واستغلال النفوذ.
إن تبسيط الهيكل الإداري وربط المؤسسات إلكترونيآ وتقليل حلقات القرار يمكن أن يقلل فرص الفساد ويزيد من شفافية الإدارة العامة.
ولذلك فإن مكافحة الفساد لا تعتمد على الرقابة وحدها بل تبدأ من تبسيط النظام الإداري نفسه.
الإصلاح الأمني وإعادة تنظيم المؤسسات
لا يقتصر الإصلاح الأمني على دمج الفصائل المسلحة بل يشمل أيضآ مراجعة البنية التنظيمية للمؤسسات الأمنية والاستخبارية وتحديد الاختصاصات بدقة ومنع التداخل بينها وتطوير آليات التنسيق وتبادل المعلومات.
فنجاح المؤسسات الأمنية يعتمد على وحدة القيادة والاستراتيجية ووضوح المسؤوليات أكثر مما يعتمد على كثرة الأجهزة.
الحياة الحزبية والاندماج البرامجي
كما تحتاج الدولة إلى مؤسسات أكثر كفاءة فإن النظام الحزبي قد يستفيد أيضآ من اندماج الأحزاب المتقاربة في الفكر والبرنامج.
فالتعدد الحزبي لا يمثل مشكلة بحد ذاته لكن التشتت الشديد للأحزاب ذات البرامج المتشابهة قد يضعف الاستقرار السياسي ويصعب تشكيل حكومات ذات رؤية واضحة.
التجربة السنغافورية
تعد سنغافورة من أبرز النماذج العالمية في الإصلاح الإداري. فقد اعتمدت منذ عقود على جهاز حكومي صغير نسبيآ عالي الكفاءة يقوم على الرقمنة والمساءلة واختيار القيادات وفق الجدارة.
وقد أدى هذا النموذج إلى تقليل البيروقراطية، وتسريع الخدمات الحكومية وتعزيز ثقة المستثمرين حتى أصبحت سنغافورة من أكثر الدول جذبآ للاستثمار وأكثرها كفاءة في الإدارة العامة.
التجربة الإماراتية
شهدت دولة الإمارات خلال السنوات الماضية عمليات دمج وإعادة تنظيم لعدد من الوزارات والهيئات الحكومية بهدف رفع الكفاءة وتحسين التنسيق والاستجابة للمتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية.
كما توسعت في الخدمات الرقمية حتى أصبحت غالبية الخدمات الحكومية تقدم إلكترونيآ مما أسهم في تقليل الإجراءات والوقت والكلفة على المواطنين والمستثمرين.
وتوضح هذه التجربة أن إعادة الهيكلة ليست هدفآ بحد ذاتها وإنما وسيلة لرفع جودة الأداء الحكومي.
تجربة إستونيا
اعتمدت إستونيا على التحول الرقمي بصورة شبه كاملة وربطت مؤسساتها الحكومية ضمن منظومة إلكترونية موحدة الأمر الذي خفض البيروقراطية إلى مستويات غير مسبوقة ورفع الشفافية وسهل وصول المواطنين إلى الخدمات.
وتبين هذه التجربة أن التكنولوجيا أصبحت جزءآ أساسيآ من الإصلاح الإداري الحديث.
تجارب أوروبية
شهدت المملكة المتحدة وعدد من الدول الأوروبية عمليات دمج للوزارات والهيئات أو إعادة توزيع الاختصاصات كلما اقتضت الحاجة بهدف ترشيد الإنفاق وتحسين الأداء.
وتؤكد هذه التجارب أن الهياكل الحكومية ليست ثابتة بل يجب أن تتطور مع تغير احتياجات الدولة والمجتمع والاقتصاد.
الإيجابيات المتوقعة
ترشيد الإنفاق العام وتقليل الهدر المالي.
توحيد القرار الإداري وتقليل تضارب الصلاحيات.
مكافحة الفساد الناتج عن التعقيد البيروقراطي.
تحسين جودة الخدمات الحكومية.
رفع كفاءة الإدارة العامة.
تعزيز بيئة الاستثمار.
تقليل تأثير المحاصصة على الهيكل الإداري.
تعزيز المساءلة والشفافية.
تسريع إنجاز المعاملات الحكومية.
السلبيات والمخاطر المحتملة
في المقابل لا يخلو المشروع من مخاطر وتحديات منها احتمال تركيز السلطة بصورة مفرطة إذا لم تقترن عملية الدمج برقابة مؤسسية فعالة وإمكانية حدوث ارتباك إداري مؤقت خلال مرحلة الانتقال وصعوبة إعادة توزيع الموظفين، ومقاومة القوى السياسية والإدارية التي قد تتضرر من فقدان النفوذ أو الامتيازات.
كما أن الدمج غير المدروس قد يؤدي إلى فقدان بعض الخبرات أو إضعاف بعض التخصصات إذا لم يسبقه تقييم علمي شامل.
خارطة طريق للعراق
يمكن أن يبدأ الإصلاح بحصر المؤسسات المتشابهة في الاختصاص ثم تقييم أدائها وإعداد تشريعات خاصة بإعادة الهيكلة وإنشاء هيئة فنية مستقلة تضم خبراء في القانون والإدارة والاقتصاد تتولى وضع خطة تدريجية للتنفيذ.
كما ينبغي ضمان حقوق الموظفين وإعادة توزيعهم وفق الحاجة والكفاءة، وربط المشروع بالتحول الرقمي وإصلاح الخدمة المدنية وتعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية والقضائية.
ويحتاج المشروع أيضآ إلى توافق سياسي واسع وحوار مجتمعي يوضح أهداف الإصلاح ويقلل من المخاوف المرتبطة به.
إن إصلاح الدولة العراقية لا ينبغي أن يقتصر على الملفات الأمنية بل يتطلب مراجعة شاملة لبنيتها المؤسسية وآليات إدارتها. فالدولة التي تمتلك مؤسسات فعالة وقليلة التعقيد وإدارة حديثة تكون أكثر قدرة على فرض القانون وتحقيق التنمية وجذب الاستثمار والاستجابة للأزمات.
إن دمج المؤسسات قبل دمج الفصائل ليس طرحآ بديلًا عن الإصلاح الأمني بل رؤية تعتبر أن بناء دولة قوية يبدأ بإصلاح مؤسساتها وإعادة تنظيمها على أسس الكفاءة والحكومة الرشيدة وسيادة القانون. وعندما تصبح الإدارة أكثر فاعلية والقرار أكثر وضوحآ والموارد أكثر كفاءة يكون العراق أقرب إلى بناء دولة مستقرة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل وتحقيق تطلعات مواطنيه.
#سرمد_السبعاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟