أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رغد نصيف جاسم - ثورة في أساليب التعليم...مدخل لإنقاذ الدولة من الانهيار.














المزيد.....

ثورة في أساليب التعليم...مدخل لإنقاذ الدولة من الانهيار.


رغد نصيف جاسم

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 22:29
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



يُعدّ المجتمع الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الدول، فهو الحاضنة التي تتشكل فيها القيم والثقافة والمعرفة، ومن أبنائه تُصنع الحضارات وتُبنى منجزات التقدم العلمي والإنساني. وعندما يعتري المجتمع الخلل، فإن الدولة بأسرها تصبح عرضة للتراجع والضعف، لأن قوة الدولة في جوهرها ليست سوى انعكاس لقوة مجتمعها ووعي أبنائه.
لقد عانت الدول المتأخرة، في مراحل سابقة، من ظواهر سلبية محدودة التأثير، إلا أنها تحولت اليوم إلى آفات مستشرية تهدد كيان الدولة وتُضعف مؤسساتها، وفي مقدمتها المحسوبية والمنسوبية والرشوة وتراجع هيبة القانون وضعف سيادته. غير أن هذه المشكلات لم تعد التحدي الوحيد الذي يواجه المجتمعات، إذ برزت في السنوات الأخيرة ظواهر جديدة أخذت تنخر في البنية الاجتماعية والمعرفية للدولة، ولعل من أبرزها انتشار التعليم الخصوصي بوصفه بديلاً عن التعليم الحقيقي.
ففي كثير من الأحيان أصبح الهدف من التعليم الخصوصي ليس بناء المعرفة وتنمية القدرات الفكرية للطالب، وإنما تلقينه معلومات محددة تؤهله للحصول على معدل مرتفع في الامتحانات النهائية، ولا سيما امتحانات المرحلة الإعدادية. ونتيجة لذلك نشأ جيل يعتمد على المساندة الخارجية أكثر من اعتماده على جهده الذاتي، ويبحث عن الوسائل المختصرة للوصول إلى النتائج دون امتلاك المهارات الحقيقية التي تؤهله للنجاح. وعندما ينتقل هذا الطالب إلى مواقع المسؤولية مستقبلاً، فإنه يفتقر إلى القدرة على المبادرة واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، الأمر الذي ينعكس سلباً على أداء مؤسسات الدولة ويُضعف قدرتها على النهوض والتطور.
إن التعليم ليس قطاعاً منفصلاً عن المجتمع، بل هو المصنع الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان، وجميع أفراد المجتمع هم في نهاية المطاف مخرجات للنظام التعليمي، سواء كانوا موظفين في مؤسسات الدولة أو فاعلين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية أو أفراداً داخل الأسرة. ومن هنا فإن أي خلل في التعليم ينعكس مباشرة على وعي المجتمع وسلوكه وقيمه. وقد أفرز هذا الواقع، في كثير من الأحيان، أجيالاً تعاني ضعفاً في الوعي والانتماء، مع التأكيد على أن التعميم لا يجوز، فهناك نماذج مشرقة ومتميزة ما زالت تؤكد قدرة الإنسان على تجاوز التحديات. إلا أن انتشار ضعف الوعي لدى شريحة من الشباب تجاه هويتهم الثقافية والاجتماعية يمثل تحدياً حقيقياً، لأن الحفاظ على الهوية يعد أساساً من أسس استقرار المجتمع وتماسكه .
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إحداث ثورة حقيقية في أساليب التعليم ومعايير القبول الجامعي. فالمعدل الدراسي، على أهميته، لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد للحكم على قدرات الطلبة ومستقبلهم الأكاديمي. إن اعتماد اختبارات تقيس الذكاء والقدرات التحليلية والمهارات الإبداعية، إلى جانب تطوير المناهج وتفعيل الرقابة القانونية والأكاديمية على المؤسسات التعليمية، من شأنه أن يحقق نقلة نوعية في المجال العلمي. فبناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع هو المدخل الحقيقي لبناء المجتمع، والمجتمع الواعي هو الأساس المتين لقيام الدولة القوية.
وفي سياق متصل، أفرزت الثورة التكنولوجية تحديات جديدة لم تكن مطروحة في السابق. فالعالم اليوم لم يعد مجرد "قرية صغيرة" كما وصفته العولمة، بل أصبح فضاءً مفتوحاً تتداخل فيه الأفكار والقيم ووسائل التعلم والعمل. وبينما كان الطالب في العقود الماضية يعتمد بصورة رئيسية على القراءة والبحث والجهد الشخصي، أصبح اليوم يمتلك أدوات تقنية متطورة، يأتي في مقدمتها الإنترنت والذكاء الاصطناعي.
ورغم ما توفره هذه الأدوات من فرص هائلة للتعلم وتسريع الوصول إلى المعرفة، فإن سوء استخدامها أدى في بعض الأحيان إلى إضعاف العملية التعليمية. فقد أصبحت بعض البحوث الجامعية والرسائل العلمية واطاريح الدكتوراه ، تعتمد اعتماداً مفرطاً على المواد الجاهزة والمصادر الإلكترونية، بل وظهرت مكاتب متخصصة في إعداد البحوث والرسائل مقابل مبالغ مالية، الأمر الذي أفرغ العملية الأكاديمية من مضمونها الحقيقي. ونتيجة لذلك قد يحصل بعض الأفراد على شهادات علمية لا تعكس مستوى معرفتهم الفعلي ولا قدراتهم البحثية الحقيقية، وهو ما يشكل خطراً حقيقيا على كيان الدولة وذلك لأنه في الدول المتخلفة هؤلاء هم من يأخذون المناصب لإدارة الدولة ويسيطرون على النخب التي اقترب وقت انقراضها وافولها.
غير أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في طريقة التعامل معها. فالذكاء الاصطناعي والإنترنت يمثلان إحدى أعظم الثورات العلمية في تاريخ البشرية، وهما أداتان قادرتان على خدمة الإنسان وتسريع مسيرة التقدم إذا استُخدمتا بصورة صحيحة. ففي المجتمعات المتقدمة تُوظَّف هذه التقنيات لاختصار الوقت والجهد من أجل التفرغ للإبداع والابتكار وإنتاج المعرفة، بينما يتحول استخدامها الخاطئ إلى وسيلة للاتكالية وإضعاف القدرات الفكرية.

إن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في تقديم المعلومات فحسب، بل في تمكين العقول الواعية والمتمكنة علمياً من استثمار تلك المعلومات وتحويلها إلى أفكار وحلول ومشروعات تسهم في بناء الإنسان وتطوير المجتمع وتعزيز قوة الدولة. ومن ثم فإن التحدي الحقيقي هو ليس فقط في عدم القدرة على مواكبة التطور التكنولوجي فحسب بل اصبح التطور التكنلوجي أداة لانهيار الدول المتخلفة وعلية لا بد من إعادة صياغة فلسفة التعليم بما ينسجم مع متطلبات العصر.
وعليه، فإن الحاجة أصبحت ملحّة إلى ثورة علمية وتربوية شاملة تعيد النظر في أساليب التعليم والتقييم وبناء المهارات، بما يتلاءم مع التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم. فالدول التي تنجح في إعداد أجيال قادرة على التفكير النقدي والإبداع والإنتاج المعرفي ستكون الأقدر على تحقيق التنمية والاستقرار. أما الاستمرار في الأساليب التقليدية ومظاهر التراجع العلمي، فإنه سيقود إلى مزيد من الضعف والتآكل المؤسسي، بما يجعل مستقبل الدولة واستقرارها عرضة لمخاطر حقيقية قد يصعب تداركها في المستقبل.



#رغد_نصيف_جاسم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المنطقة التي لا تهدأ: الشرق الأوسط وصراع الإرادات الكبرى
- رئيس الولايات المتحدة الامريكية Donald Trump واحتمالية تاسيس ...
- الجلسة الاولى للبرلمان ثمنها دماء الشهداء
- أحرجوهم في الستة أشهر الأخيرة .. إنها الفرصة السانحة للإصلاح
- أوقفوهم إنهم مسئولون


المزيد.....




- صرخته أقوى من الطائرة.. رجل يحطم الرقم بأعلى صوت في العالم
- الاتحاد الأوروبي يدرس إرسال بعثة لدعم جيش لبنان وتعزيز سلطة ...
- روبيو يطمئن الخليج: لا اتفاق مع إيران على حساب أمن الحلفاء
- -الخماسية الأوروبية- تسعى لتعميق الشراكة بين الناتو وأوكراني ...
- قاضية فيدرالية تمنع ترامب من تطبيق شرط تقديم دليل المواطنة م ...
- ماكرون: هناك تقارب بين الأوروبيين والأمريكيين بشأن أوكرانيا ...
- حادثة صادمة.. موظفات في -وينديز- يقدمن لزبونة طعاما من سلة ا ...
- تل أبيب تجابه واشنطن.. لن ننسحب من لبنان
- الجزائر تستنفر جاليتها في مصر قبل الانتخابات التشريعية
- وزارة الصحة  الإسرائيلية في حالة صدمة: سرقة طحينة ملوثة بالس ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رغد نصيف جاسم - ثورة في أساليب التعليم...مدخل لإنقاذ الدولة من الانهيار.