أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - خميّس عرفاوي - الفساد في البلاد التونسية في القرن التاسع عشر















المزيد.....

الفساد في البلاد التونسية في القرن التاسع عشر


خميّس عرفاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 19:46
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


للفساد في تونس جذور تاريخيّة سأتعرض لبعض مظاهرها في القرن 19 ذلك القرن العصيب. وقد كتب حول الفساد الكثيرون ولكن الذي تعمق في دراسة الفساد وبصفة عامة العوامل التي أدت إلى احتلال البلاد التونسيّة من قبل الاستعمار الفرنسي هو جون قانياج مؤلف كتاب "أصول الحماية الفرنسيّة على تونس (1861-1881)". وهو أطروحة دكتوراه ناقشها سنة 1957 تحت اشراف الأستاذ شارل أندري جوليان اعتمد فيها على أرشيفات عديدة محفوظة في تونس وفرنسا وإيطاليا(1).
سنبيّن في هذا العرض بعض مظاهر الفساد على راس النظام وفي المالية والاقتصاد وسنعرف ببعض الفاسدين.

لقد كان نظام البايات الحسينيين متخلفا وفاسدا علاوة على كونه يسيّره أناس ينتمون إلى فئة المماليك وهم من أصول مختلفة مثل الاصل الإغريقي والاصل الشركسي والاصل القرجي والاصل الإيطالي، تعرّضوا للاختطاف وهم صغار وبيعوا في أسواق النخاسة بتركيا وآل بهم الأمر إلى تونس حيث تمت تنشئتهم على الدين الإسلامي وترقيتهم في السلم الوظيفي العسكري والمدني. ولقد كان إحساس أغلبهم بالانتماء إلى البلاد التونسيّة ضعيفا إن لم يكن منعدما.
ماذا كتب قانياج عن محمّد الصّادق باي (1859-1882) وهو آخر البايات قبل احتلال تونس سنة 1881؟ إنه مثل أخيه محمد باي (1856-1859)، ضعيف الإرادة مثلما كان أبوهما الباي حسين (1824-1835). لقد كان منفِّرًا ومتردِّدًا، سريع التّأثُّرِ وعرضةً للانفعال المفاجئِ والانزعاج المضطرب الذي يُمَكِّنُ حاشيته من استغلاله للسّيطرة عليه حسب هواهم.
لقد تخلّى محمّد الصّادق باي عن الحكم لفائدة وزيره مصطفى خزندار (1837-1873) الذي كان يحكم كما يحلو له، فكان يوقّع الوثائق التي يقدّمُها له الوزيرُ ويُردِّدُ ما يُلَقِّنُه إيّاه من أمورٍ. كان الباي يقضي كامل السّنة قابعا في قصوره بين باردو وحمّام الأنف صحبة ثلّة من الخدم والخصيان، مستسلما للخمر والاستهتارِ. وإستنادا إلى بيطريّ إيطاليّ كان في خدمة الباي منذ سنين طويلة، قال كان محمّد الصّادق "يشرب يوميا قارورة من الكونياك وربّما أكثر من ذلك طوال اليوم. وبالمناسبة سرعان ما غرق الملك في شيخوخة مبكّرة". وقد جاء في مذكّرة مجهولة المصدر محرّرة لإعلام وزارة الخارجيّة الفرنسيّة وصفٌ دقيقٌ يكشف عن حياة باي تونس اليومية: "إنّ محمّد الصّادق، الملك الحاليّ للإيالة لا يتمتّعُ بأيِّ ذكاءٍ، وهو منهمك في أحطّ الملذّاتِ، إذ أنّ حريمه لا يحوي إلاّ صغار الأطفال، و يتباهى بهذا دون أيّ حياءٍ... إنّه لا يهتمُّ بشؤون الدّولة إلاّ عندما يجبر على ذلك من طرف القناصل ويكتفي عند ذلك بترديد عباراتٍ يكون قد لقّنه إيّاها وزيرُه مسبقا. إنّه ينتصبُ مرّتيْن في الأسبوع على أريكة العدل لينصت للمتذمّرين وهو يدخّن غليونه ويصدر أحكاما غاية في الإيجاز يوحي بها إليه أحد ضبّاطه يكون واقفا على يمينه. أمّا خارج ذلك فهو قابع في حريمه، حيث لا حياة له إلاّ حياة طويلة من المجون.
وكان محمّد الصّادق باي، كأسلافه، يعمل على إقصاء إخوته وأبناء عمومته عن شؤون الدّولة. وكانوا يَحْيَوْنَ مثلَ الباي، حياة مجون في قصورهم ودورهم في أحواز تونس. فلا غرابة أن يكون نظام البايات كما وصفه احد تقارير الإدارة الاستعماريّة نظاما متخلّفا ومعتوها يحكمه أمراء تربوا على الجهل بالرجال وبالأشياء وكانوا عبيدا لنزواتهم وأهوائهم. وقد حقّقت تلك الإدارة على امتداد عهد الاستعمار أيّما نجاح في استغلال هذه المساوئ. الباي الوحيد الذي مثّل الاستثناء هو المنصف باي (جوان 1942-ماي 1943).

ولم يكن لجهاز الدولة من وظائف اقتصاديّة واجتماعيّة سوى جمع الضرائب وفرض الامن.
فماذا عن قطاع الماليّة؟
حسب قانياج بقيت إدارة الماليّة في تونس على ما كانت عليه من الفوضى والإهمال. ورغم الوعود الدّستوريّة، لم تخضع في يوم من الأيّام لأيِّ نظامٍ للتّسجيل والمراقبة الجدّيّةِ، ولم يُضبَطْ لأَمدٍ طويلٍ أيُّ ميزانية منظَّمٍة....كانت الأموال التي تدخل القصر من محصول الضّرائب المباشرة التي يتولّى جبايتها الـڤيّاد ومن محصول الضّرائب غير المباشرة تُصرفُ في غالب الوقت في حينها لقضاء حاجيات الباي أو الإدارة بعد أن يستصفي الوزير والأعوان حصصهم قبل غيرهم. وقد كانت الخيانة والإهمالُ سِمَةَ موظّفي باردو. كما كانت الإدارةُ عرضةً للاختلال بسبب هروب بعض الموظّفين السّامين من حين لآخر إلى الخارج مزوَّدين بما تحصّلوا عليه من أموال التحيّل وبعض الملفّات المُوَرِّطَةٍ. وقد صدر هذا في سنة 1852 عن محمود بن عيّاد شريك ومؤتمن الوزير الأول الذي اختُصّه بوظيفة الجباية العامّة على كامل تراب الإيّالة. ثمّ تلاه في سنة 1864 الڤايد اليهوديُّ نسّيم شمّامة، قابض ومديرُ المال في الآن نفسه الذي التجأَ إلى أوروبا بما يقاربُ العشرين مليون. وقد سار على نهجه بعد عشر سنوات ابنُ أخيه وخلفُهُ الڤايد شلومو شمّامة الذي هرب إلى "كرفو"Corfou" (في اليونان) بمحصول سرقاته. وقد كان الوزيرُ الأوّلُ هو القُدوةَ، إذ كان موظّفو الماليّة أعوانه قبل كلّ شيءٍ فكان يغُضُّ النّظر عن سوء تصرُّفهم بشرط أن يكون هو المنتفع الأوّل من ذلك.
وفي جويلية 1856 أحدث محمّد باي ضريبةٌ شخصيّةٌ سنويّةٌ مقدارُها ستَّةٌ وثلاثون ريالا تسمّى المَجْبَى او الإعانة. ويدفعُها كلّ الرّعايا الذّكور البالغون باستثناء أصيلي مدن تونس والقيروان والمنستير وسوسة وصفاقس. ثمَّ أضيفت استثناءاتٌ قانونيّةٌ أخرى لفائدة أعيان رجال الدّين والطلبة والجنود. وقد قوبلت المجبى بامتعاضٍ في البلاد إذ كانت الضّريبة ثقيلة الوطأة وكان استخلاصها فرصة لمختلف أنواع التّسَلُّطِ والقهر. ولم يكن الڤيّادُ يقدّمون للحكومة إلاّ عددا قليلا من المطالبين بالمجبى، لكنّهم كانوا لا يتوانون في ملاحقة التّابعين لهم بالنّظر، بكلّ حزمٍ مع فرض دفع الضّريبة حتّى على الأطفال والأموات جاهدين أنفسهم في استخلاص نفس الضّريبة عدّة مرّاتٍ. وعلى العكس من ذلك كانت عديد" الدّواوير" تتملّص من دفع الأداء بارتحالها في الوقت المناسبِ الى الجزائر بالنسبة الى قبائل المناطق الغربيّة والى طرابلس بالنسبة الى قبائل الجنوب.

ونظرا إلى هذه الحالة التي تعاني منها الماليّة اعتمد النظام على القروض.
ولتجنب الاطالة سنركّز على قـرض سنة 1865 فحسب وسنبيّن في ماذا انفقت الاموال.
المقرض بنك "إرلنجي" بباريس. مبلغ القرض خمسة عشر مليونا من الفرنكات بفائض 7 % على رأس المال الإسميّ. لم تتسلّم الحكومة إلاّ مبلغ عشرة ملايين وثلاث مائة وخمسة وستين ألف فرنك (10.365.000) يدفع على خمسة أاقساط موزعة على مدى اربعة عشر شهرا ونصف. ولقد فرض المقرضون تسعيرة 72 فرنك مقابل كل 100 فرنك من راس المال الاسمي واقتطعوا عدة مبالغ تحت عناوين مختلفة منها خصم 7% في حال السداد المبكر ومبالغ أاخرى بعنوان "تشجيعات على أتعابهم وعنايتهم" وأخرى بعنوان وساطة لخلاص القصاصة. وإجمالا، فقد التزمت الحكومة بسداد 27 مليونا على مدى خمس عشرة سنة مقابل قرض فعلي بالمبلغ المذكور.
أين تذهب المبالغ المقترضة؟
يقول قانياج التقى أعوان "إرلنجي" بعد ذلك بـ "موربيرڤو" وهو وسيط يهوديٍّ من الإسكندريّة والدّحداح وهو تاجر ومثقّف لبناني حصل على الجنسيّة الفرنسيّة قيل إ انه غادر قرية بضواحي باريس دون حذاء ليجمع في أقلّ من عشر سنوات ثروة قدرت بثماني مليون فرنك، ليعرضا على حكومة الباي معدات عسكريّةً من كلّ الأنواع، قطع خردة مقدّرة بأرفع الأسعار ليتمكّن المتعاقدون من تحقيق أرباح طائلة. وإاضافة الى ما ذكر حلّ "موربورڤو" في أفريل 1865 مصحوبا بالسّمسار المرسيليِّ "أوديبار " Audibert"، وعرض على باردو سفينتين منزوعتي السّلاح غير صالحتين للإبحار. تمّ التّعاقُدُ ورست السفينتان بميناء حلق الوادي لتتآكلا هناك بعد أن دُفِعَ ثمنُهما على اعتبار كونهما جديدتين (وهو 250.000 فرنك).
كان الباي يرغب في تزويد جيشه بتلك المدافع المخطّطة التي عوّضت منذ سنة 1858 شيئا فشيئا المدافع الملساء في سلاح مدفعيّة الدّول الأوروبّيّة. كما "التزم إرلنجي بتسليم مائة مدفع مخطّط من طراز جديد مقابل مليون". لكنّه لم يُسلّمْ في أوت 1865 " إلاّ مدافع قديمة من النّفاية. كان الغشُّ مفضوحا وعُلِمَ بعد ذلك بقليلٍ بأنّ هذه المدافع لم تكلّفْ المُزَوِّدَ إلاّ 200.000 فرنك تقريبا. وجوابا عن الاستغراب الذي حصل، كشف المُزَوِّدُ نفسُه النّقاب عن خفايا هذه العمليّة، التي كان الوزيرُ الأوّلُ مصمِّما على أن يربح منها 500.000 فرنك".
ولإعادة بعث بحريّة الباي، حمل وسطاءٌ، بإيعاز على ما يبدو من "الإرلنجي"، الحكومة على شراء رائد بـ 750.000 فرنك وفرڤاطة قدّرت بـ 2.410.000 فرنك. لكنّه تبيّن أنّ الفرقاطة لم تكن إلاّ جوّالة صغيرة، ومثل هذه القطعة البحريّة لم تك تساوي إلاّ بين 900.000 ومليون فرنك.
وبطبيعة الحال لم ينس "إرلنجي" ولا الخزندار أصدقاءهم. أصبح الدّحداح خادم الباي الذي يتقاضى 600 فرنك في الشّهر، صاحب ثروة تقدّر بثمانية ملايين في ثلاث أو أربع سنوات. كان له مقرٌّ بتونس واخر بباريس، حيث يستقرُّ في نهج "الأحواض" في حيّ النّجمة الأنيق، بعد أن غادر مسكنه المتواضع بسان مور "Saint-Maur". وقد رقّاه الباي في سنة 1866 إلى رتبة ملازم عقيد. ولتتويج هذا النّجاح المتأخّر لكنه لامع، أصبح الدّحداح يُلَقَّبُ بـالكونت، وصار الكونت الدّحداح. أمّأ ڤانسكو وهو صحفيّ من أصل رومانيّ لم تكن لـه سمعة طيّبة، بل كان يظهر بصورة المغامر فقد أصبح يزهو في القصر الذي اشتراه في "مونمورنسي "Montmorency". وما لبث أن تحصّل على ما كان يصبو إليه من جزاءٍ مقابل خدماته، ومنح الجنسيّة الفرنسيّة ووظيفة مستشار عامٍّ.
كما كانت ثروة الأصدقاء التّونسيّين هي أيضا في نموّ ثابت. لقد عثر الخزندار على أمين مال لَبِقٍ في شخص الڤايد شلومو شمّامة الذي نسج على منوال خاله بكل أمانة. فقد اشتغل خزناجي عام للماليّة اختلس أكثر من 10 مليون ريال، بين 1864 و 1866 وفرّ إلى كرفو Carfou. كما أثرى كلّ من حميدة بن عيّاد وسماسرة الوزير الأوّل اليهود: "ڤاتيار "Guettières" وهوسمسار يهوديّ ولد بليفورن وقع تشريكه طيلة خمس وعشرين سنة في كلّ العمليّات الماليّة التونسيّة. بنى ثروته بداية من سنة 1860 بخدمة الخزندار والڤايد نسّيم شمّامة. كُلّف من طرف الحكومة بالدّفاع عن مصالحها بليفورن في أعقاب المحاكمات التي أثارها فتح تركة شمّامة من 1881 إلى 1890، فاستغلّ هذه المهمّة بالخصوص للإثراء، و"سيزانا" "Césana" وهو سمسار يهوديّ أصيل ليفورن والوزراءُ التّونسيّون بفضل التّلاعب بالوساطات واللّزمات ونهب الأموال بمختلف الوسائل على حساب الحكومة. ولم يتوقّف عدد هذه العصابة عن النّمو، إذ كان الوزير الأوّلُ يعثر دائما على مساعدات جديدة للقيام بمهامَّ تستحقُّ الاعتبارَ. وقد لوحظ، في أواخر سنة 1865 انتقال قبيلة "فالنزي"Valensi" وهم يهود ولدوا في تونس من مكاتب القنصليّة إلى خدمة الحكومة الأكثر مكافأة.

من كان يملك اخصب الاراضي التونسية؟
كانت قائمة أملاك مصطفي الخزندار وأملاك محمود بن عيّاد مذهلة. وكانت كلّ أراضي سهل تونس والشمال الغربي تقريبا ملكا لرجال البلاط بباردو وهي تقدّر بآلاف الهكتارات. وكان هنشير الجديّدة الذي افتكَّه الخزندار من بن عيّاد يقدّر بـ 7.000 هكتار وهنشير الكريب الذي كان للأمين باي مساحته 13.000 هكتار. أمّا هنشير ڤعفور الذي أهداه أحمد باي إلى الخزندار في سنة 1847 فيمتدُّ على 48.000 هكتار. وكان هنشير النّفيضة الذي صادره الباي سنة 1850 من اصحابه قبيلة اولاد سعيد يمسح 100.000 هكتار، قد أهداه محمّد الصّادق باي إلى الجنرال خير الدّين في ماي 1874. كان رجالُ البلاط المرموقون يتحوّلون بسرعة إلى مُلاّكٍ فلاحيّين وأكبر دليل على ذلك الڤايد نِسّيم شمّامة، صنيعة وشريك الخزندار الذي سنعود اليه.

وكان للفساد اسماء بارزة نذكر منهم مصطفى خزندار ومحمود بن عياد ونسيم شمامة
فمصطفى خزندار هو من أصل يونانيٍّ يسمّى في الحقيقة: "جورج كلكيان ستافيلاكيس" (Kalkian Stavelaskis). وقد اختُطِف وبيع في إسطنبول ثم في تونس واعتنق الإسلام وسُمّي مصطفى. ترعرع في قصر البايات في رعاية الأمير أحمد الذي ما أن إن تولّى العرش في سنة 1837 حتّى عيّنه في منصب الخزندار، وزوّجه من أخته كلثوم.
كان مصطفى كأغلب المماليك أُمِّيًّا أو يكاد. قال فيه " دي بوفال" De Beauval " (قنصل فرنسا ) إنّه من أصل يونانيٍّ وهو لبقٌ فصيح اللّسان متملّقٌ ملاطفٌ قد يعتريه الغرور ثمّ هو حادُّ الطّبع إلى أقصى الحدود".
نصّب الخزندار نفسه، منذ عهد أحمد باي، مساندا للإصلاحات، و" نصيرا لأفكار الرّقيِّ والتّمدُّنِ" حسب تعبير "ليون روش".
لم يكن له أيُّ اهتمام بالصّالح العام، كما لم يكن له أيُّ برنامج إداريٍّ في السّياسة الخارجيّة. كان يعيش ليومه حريصا على نهب مداخيل الإيّالة ما استطاع إلى ذلك سبيلا. لم يكن له من همٍّ إلاّ المحافظة على السّلطة وتنميةُ ثروته الطّائلة وأملاكه الشّاسعة التي جمعها. وقد جاء في تقرير متفقّدٍ ماليٍّ فرنسيٍّ ملحقٍ بحكومة الباي في سنة 1871 إنّ "سيدي مصطفى لم يكن له ولن يكون له من خطّة سياسيّة إلاّ نهب البلاد التي يحكمها وتفقيرُها لفائدته".
لقد بقي مصطفى خزندار في الحكم ستّا وثلاثين سنةً بفضل مرونته ولباقته. وقد كان بالإمكان بقاؤه في هذا المنصب إلى وفاته، لو لم يُعَجِّلْ تدخُّلُ الأعوان الفرنسيّين بسقوطه في سنة 1873. على أنَّ مصطفى خزندار لم يكن يشكُّ لحظةً في غدر الأيّام حتّى في أوج سطوته، لذلك، كانت السّياسة التي اتّبعها طيلة أيّام وزارته هي تأمينُ الملايين التي تمكّن من الاستيلاء عليها في أوروبا، ثمّ ضمان حمايته شخصيًّا من طرف قوّة أوروبّيّة.
وقد أوشك، في سنة 1850 أن يُحصِّلَ من الحكومة الفرنسيّة على وثائق تجنُّسه. ثمَّ إنّه، بعد عشرين سنةً من ذلك التّاريخ، سعى سرّيًّا للتحصيل من إنجلترا على براءة الحماية.
كان مصطفى خزندار إذن سيّدَ الإيّالة المطلق.

اما محمود بن عياد فهو سليل عائلة عريقة من سادات جربة ولد بمدينة تونس حوالي سنة 1810. وهو ابن شخصيّة هامّة وذات حظوة في بلاط أحمد باي. استولى محمود بن عيّاد على ممتلكات عائلته وتمكّن بفضل شراكته المخفّيّة مع مصطفى خزندار من الاستئثار بكل لِزْمَات الدولة على كامل تراب الإيّالة: منها الإشراف على مصنع الأقمشة، ولزمة الجلد، ولزمات التّبغ والملح والسّمك ومدخول ضريبة الحبوب ولزمة الآجرِّ والجير والجبس، أي ما يعادل الستّة وسبعين لزمة. وتولى وظيفة الجباية العامّة. كان ڤايدا على سوسة وجربة في نفس الوقت برتبة وزير. كان هو مزود العسكر ومكلفا بجمع ضريبة العشر من الحبوب. تمكّن من جمع ثروة طائلة في وقت قصير تُقدّر بستين مليون فرنك، أي ما يقابل أربعة أضعاف مداخيل الإيالة آنذاك ، أودع جانبا كبيرا منها في أوروبا. وفي سنة 1850 طلب سرّيًّا من الحكومة الفرنسيّة الحصول على الجنسيّة. و في جوان 1852 غادر الإيالة نهائيًّا ليستقرَّ بباريس حيث حصل على الجنسيّة الفرنسيّة. وتمَ فضَ الخلاف مع الحكومة التّونسيّة في سنة 1856 بتحكيم من قبل لجنة النّزاعات بوزارة الشّؤون الخارجيّة. ولكنه بقي في خصام مع الحكومة التّونسيّة إلى غاية سنة 1876 بسبب تصرّفه الماليِّ السّابق وبالخصوص من أجل الأملاك التي يدّعي أنّ أبناء إخوته استحوذوا عليها بإعانة من الحكومة بعد مغادرته البلاد. ومنذ جويلية 1857 استقرّ بالقسطنطينيّة، وتوفّي بها في 18 فيفري 1880.

وبالنسبة إلى نسيم شمامة فهو سمسار يهوديّ ولد بمدينة تونس سنة 1805. بعد أن كان تاجر أقمشة لمدة طويلة دخل في خدمة الجنرال محمود بن عيّاد كخادم فخزناجي قبل 1850. ثمّ دخل في خدمة خزندار بعد حوالي سنتين. لم يتأخّر عن جمع خطط خزناجيّ ومراقب ماليّة، أصبح ڤايدا لليهود في أكتوبر 1859، فمديرا للماليّة في أفريل 1860. غادر المملكة نهائيا في جوان 1864 حاملا معه 20 مليون فرنك، وهي حصيلة سرقاته. استقرّ بباريس ثمّ بليفورن في سنة 1871 حيث توفّي تاركا ثروة تقدّر بأكثر من ‌27 مليون فرنك. وفي سنة 1866 أسند له لقب نبيل بموجب أمر ملكيّ صادر بفلورنس.
عندما غادر الڤايد نسّيم تونس إلى باريس في مهمّة رسميّة للتّفاوُض حول قرض جديد تسلّم وصل براءةً من الخزندار حول إدارته الماليّة وكان يعتزم السّفر بدون رجعة. ومن دهائه أن أخذ معه جزءا من ملفّات الحكومة الماليّة ووثائقَ مورّطةٍ له ولشركائه تُمكّنُه من تهديد الوزراء والموظّفين الذين قد تحدّثُهم أنفُسُهم بمهاجمته بعد سفره. ولم تكن هناك قضيّةٌ لشمامة مثلما كانت هناك قضيّة ضد بن عيّاد. واحتفظ نسّيم، إلى مماته، بأملاكه العقّاريّة الكائنة بالإيّالة، وهي: ثلاثون منزلا ودكّانا وأراضٍ تغطّي حيًّا كاملا من حارة تونس، وضَيْعَتَانِ تمسحان 400 و450 هكتارا بالمحمّديّة، وتسعة وتسع عشرة قطعة أرض بالمرسى، وديارا وحدائق بحلق الوادي وسيدي بو سعيد وأريانة تُقَدَّرُ قيمتُها الجُمليّةُ بمليون فرنك.
نستنتج ان الفساد في عهد البايات لم يقتصر على الاجانب وعلى المماليك وهم الفئة المهيمنة في المجتمع التونسي بل شمل ايضا الاعيان المحليين مسلمين ويهودا كلما سنحت لهم الظروف. ولسائل ان يتساءل هل ان الفساد مرتبط بالأشخاص ام بالمنظومة السياسيّة والإداريّة وبالنظر الى استمرار الفساد في كافة مظاهره بل استفحل صلب المؤسسات الرسميّة في عهد الاستعمار الفرنسي المباشر ونشب مخالبه في كافة مفاصل المجتمع في عهد الدولة التونسيّة هل يحق القول ان الفساد هو مكوّن من مكونات الشخصيّة التونسية؟

الهوامش
(1) Ganiage, Jean, "Les origines du protectorat français en Tunisie (1861-1881), Maison tunisienne de l édition, 1968.
نقل الكتاب الى العربيّة من طرف محمّد محسن البوّاب وعادل بن يوسف، اصول الحماية الفرنسيّة على تونس (1861-1881)، تونس : برق للنشروالتوزيع، 2012.



#خميّس_عرفاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفساد في البلاد التونسية في القرن التاسع عشر
- شيخ المناضلين حسين التريكي: بورقيبة رجل عظيم ولكنّه نرجسي وي ...


المزيد.....




- سجال بين إسرائيل ولجنة أممية اتهمتها بـ-استهداف الأطفال الفل ...
- التعادل السلبي يحسم مواجهة إنجلترا وغانا ويضعهما على مشارف ا ...
- إيرباص تحت تدقيق جديد بعد أمر أوروبي بفحص إيه 380 بسبب تشققا ...
- بذريعة -رسوم الاستخدام-.. جمعية استيطانية تطالب عائلة مقدسية ...
- بوتين يحدد 4 أسس لموقف روسيا في المفاوضات بشأن أوكرانيا
- بوتين: سنرد على أي تهديد خارجي أو داخلي
- ترامب يدعي استرداد تكاليف العملية العسكرية في فنزويلا 28 مرة ...
- ريابكوف: الحوار الروسي الأمريكي بشأن القضايا الشائكة في حالة ...
- الخارجية الأوكرانية: زيلينسكي لن يتوجه إلى بولندا لتجنب فضائ ...
- توسك: مؤتمر أوكرانيا سيكون أكثر جدوى بدون زيلينسكي


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - خميّس عرفاوي - الفساد في البلاد التونسية في القرن التاسع عشر