|
|
شيخ المناضلين حسين التريكي: بورقيبة رجل عظيم ولكنّه نرجسي ويرفض القيادة الجماعية
خميّس عرفاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 20:21
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
بدعوة من المجلس المحلي لحماية الثورة بباردو، التقى المناضل حسين التريكي يوم 9 أفريل 2011 بمجموعة هامّة من متساكني باردو في قاعة المكتبة بالمعهد الثانوي بباردو. وقد قدّم الباحث في التاريخ المعاصر خميس عرفاوي الضيف، فذكر أنّه من مواليد المنستير سنة 1915، وأنّ حياته النضاليّة تخلّلتها ثلاث مراحل هامّة. المرحلة الأولى هي مرحلة ما بعد أحداث 9 أفريل 1938، التي برز خلالها في النشاط السرّي، وتحديدًا ضمن الديوان السياسي السابع للحزب الدستوري الجديد وفي «منظمة اليد السوداء». وقد انتهى هذا النشاط بوقوعه في قبضة البوليس ومحاكمته. واضطرّ، بعد طرد قوات المحور من تونس في ماي 1943، إلى مغادرة تونس مع ثلّة من رفاقه، نذكر من بينهم الحبيب ثامر ورشيد إدريس. وقد حكمت عليه المحكمة العسكريّة الفرنسيّة بالإعدام بتهمة التعاون مع قوات المحور أثناء احتلالها البلاد التونسيّة من نوفمبر 1942 إلى ماي 1943. وفي مرحلة ثانية، عاش حسين التريكي الانقسامات التي نشأت بين الدستوريين الجدد، وخاصة بين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف. ونظرًا لمواقفه المعارضة لبورقيبة، حُكم عليه مرة أخرى بالإعدام سنة 1957. وقد اضطرّ، في مرحلة ثالثة، إلى العيش خارج الوطن، وانتقل إلى الأرجنتين بأمريكا الجنوبيّة ليمثّل الجامعة العربية، وعاش هناك. وبرز في هذه المرحلة بحملاته ضد الصهيونية، وكان بصدد الإعداد لنشر كتاب "هذه فلسطين". استهلّ الضيف مداخلته بتذكير الحاضرين بالأحداث الهامّة التي وقعت يوم 9 أفريل. ففي هذا اليوم من سنة 1938 وقعت الأحداث التي نعرفها في تونس، والتي انتهت بعهد من القمع والآلام. وكذلك، في اليوم نفسه من سنة 1949، ارتكب السفاح الصهيوني مناحيم بيغن مجزرة دير ياسين، التي ذهب ضحيتها مئات الفلسطينيين. أمّا في 9 أفريل 2003، فقد سقطت بغداد في أيدي الجيش الأمريكي، ووقع احتلال العراق وتدميره. ثم شرع في استعراض ما احتفظت به ذاكرته الغنيّة من أحداث، فقال إنّه بدأ نشاطه في صلب الحركة الوطنيّة بعد أحداث أفريل 1938 ودخول أحزاب الحركة الوطنيّة في السرية. وقد تولّى الدكتور الحبيب ثامر قيادة النشاط السرّي للحزب الدستوري الجديد. وأشاد التريكي بهذا القيادي الذي وُلد بسيدي بوسعيد في عائلة أرستقراطية، وضحّى بالحياة السهلة والعيش الرغيد من أجل القضيّة الوطنية. وعندما اندلعت الحرب العالميّة الثانية اشتدّ القمع، وأدرك ثامر أنّ ساعة اعتقاله اقتربت، فاختفى مع الطيب سليم في منزل التريكي بمقرين بضعة أيام. وحسب أقوال هذا الأخير، قرّر ثامر الذهاب إلى ليبيا والاتصال بالماريشال الألماني إرفين رومل، إلاّ أنّه اعتُقل مع رفيقه الطيب سليم في صفاقس، وحكمت عليهما المحكمة العسكريّة بتونس بالسجن مدة عشرين سنة. ويضيف التريكي أنّ رشيد إدريس خلف ثامر في قيادة الحزب الدستوري الجديد، وأنّ القيادة الجديدة التي انضمّ إليها قرّرت توزيع المناضلين إلى قسمين: أولًا: قسم يقوم بالأعمال المباشرة، مثل تخريب المصالح الحيويّة بالمفرقعات، وأُسندت قيادته إلى التريكي. ثانيًا: قسم المناشير، يقوده رشيد إدريس. وكان المناضلون المسؤولون عن توزيع المناشير أكثر عرضة للخطر والوقوع في قبضة البوليس، وهذا ما حصل لمجموعة إدريس، فعُهدت المسؤوليّة إلى التريكي. وفي يوم 27 رمضان 1941، كان أفراد المجموعة يعدّون لإرسال المناشير إلى المناطق الداخلية، فاتصل بهم أحدهم وادّعى أنّه مبعوث من قبل صالح بن يوسف، ولم يكن في الحقيقة سوى عون سرّي وشى بالمناضلين الذين كانوا يحملون طرود المناشير، فتمّ اعتقالهم. وقد ذكر بلحسين جراد اسم التريكي في اعترافاته التي انتُزعت منه تحت التعذيب الشديد. وفي السجن، ساعدهم أحد أعوان السجون، وكان ينتسب إلى الديانة اليهودية، على الاتصال بالخارج. وأرسلوا عن طريقه لائحة بمطالبهم إلى المنصف باي، ثم قاموا بحركة تمرّد في السجن المدني بتونس انتهت بقتل أربعة مناضلين وفتح قضيّة ضد البعض. وفي الأثناء، بعث بورقيبة إلى الحبيب ثامر برسالة يطلب فيها من الدستوريين الجدد الامتناع عن التعامل مع الألمان. وقال التريكي إنّ مجموعة الحبيب ثامر كانت تريد انتصار الألمان على الحلفاء باعتبارهم أعداء مباشرين، تطبيقًا للقاعدة التي تقول: "عدوّ عدوّي صديقي". وفي غرّة ديسمبر 1942، أخذ حرّاس السجن التريكي وثامر ومحمود شرشور مقيّدين وحفاة إلى المحكمة بتهمة التمرّد داخل السجن، وهناك أُطلق سراحهم. وفي اليوم التالي، قاموا بزيارة المنصف باي في حمام الأنف. وقد كلّفه استقبالهم ثمنًا باهظًا، حسب قول المحاضر، إذ فقد الملك عرشه فيما بعد إثر طرد قوات المحور من البلاد التونسية. وعاد الدستوريون الجدد إلى النشاط، فأسّسوا جريدتي «أفريقيا الفتاة» و«الشباب»، وقدّموا برنامجًا في الإذاعة. وفي 9 أفريل 1943 عاد الحبيب بورقيبة إلى تونس، ووقع استقباله في طبرقة، وتم الاتفاق على أن يغادر أفراد المجموعة تونس قبل وصول الحلفاء، فقرّروا الانتقال إلى أوروبا. في البداية، ذهبوا إلى ألمانيا حيث التقوا شخصيات عربية، مثل الحاج أمين الحسيني. ثم انتقلوا إلى باريس، حيث فاجأهم الحلفاء الذين طوّقوا المدينة، فتسلّلوا خارجها بأعجوبة. وبعد ذلك ذهبوا إلى إسبانيا، التي وجدوا فيها مساعدة كبيرة من أحد التونسيين، وكذلك من حكومة الجنرال فرانسيسكو فرانكو، التي وإن منعتهم من الانتقال إلى المغرب، فإنّها عاملتهم كلاجئين سياسيين ومنحتهم بعض الأموال ليعيشوا بها. وإثر الحرب، سافروا إلى القاهرة حيث وجدوا الكثير من ممثلي حركات التحرر، من بينهم بورقيبة. وكان هذا الأخير يثير تخوّفات ثامر، لأنّه كان يرفض أن يشاركه أيّ كان في القيادة. وفعلاً، فإنّ بورقيبة غضب من تصريحات فرحات حشاد في نيويورك، لأنّه تحدّث عن القضيّة التونسيّة دون الرجوع إليه. فاستغل أفراد المجموعة الفرصة وأقنعوه بالسفر إلى نيويورك. وفي غيابه، أنجزوا مع ممثلين عن المغرب الأقصى والجزائر مؤتمر المغرب العربي (15 فيفري 1947). وقد تدخّل ثامر في المؤتمر وقال إنّ بورقيبة «حصان جامح يجرّ أربعة ملايين بشر ويجب كبحه». وكان كلامه مؤشرًا على استفحال الخلاف داخل الديوان السياسي للحزب الدستوري الجديد، إذ كان ثامر من أنصار القيادة الجماعية. وكان من مقرّرات المؤتمر رفض الحماية الفرنسيّة في تونس والمغرب، وعدم الاعتراف بأيّ حقّ لفرنسا في تراب الجزائر. وعندما رجع بورقيبة من الولايات المتحدة إلى القاهرة، غضب غضبًا شديدًا لأنّ المؤتمر نجح بدونه، ولأنّه كان يعتبر أنّ الجزائر تراب فرنسي وليس من حق الجزائريين المطالبة بالاستقلال. وفي ذلك الوقت، بعث علالة العويتي إلى بورقيبة يعلمه أنّ زعامته في تونس في خطر، ولهذا سارع إلى العودة إلى الوطن. وعندما كان التريكي في صحبته بالمطار، كشف له بورقيبة برقيّة من الديوان السياسي تثنيه عن مغادرة القاهرة، وطلب منه أن يشهد أنّ البرقيّة وصلت متأخرة. واستعرض التريكي مضمون اتفاقيات 3 جوان 1955 المتعلقة بالاستقلال الداخلي، وقال إنّها تمثّل استقلالًا في إطار التبعية، وإنّها أضرّت بشعبيّة بورقيبة. وحسب رأيه، فإنّ صالح بن يوسف هو من أنقذ تونس وثورة الجزائر. وقد اضطرّ بورقيبة إلى الانتقال إلى باريس، وطالب باستقلال تونس، وهدّد بالاعتراف بخطئه أمام الشعب التونسي وبفسح المجال لصالح بن يوسف في قيادة الحركة. فكان له ما أراد، وتمّ التوقيع على اتفاق الاستقلال في 20 مارس 1956. وأكد التريكي أنّه لم يكن من أنصار بورقيبة ولا من أنصار بن يوسف، ويعتبر أنّ الخلاف أضرّ بالبلاد، وأنّ التونسيين اتّبعوا الأشخاص ولم يعتبروا مصلحة تونس وشعبها. وحسب رأيه، فإنّ خطأ بن يوسف يكمن في قلّة مرونته، بحيث لم يقدر على التكيّف مع الوضع الجديد الناجم عن قبول فرنسا بالاستقلال. وقد اقترح عليه التريكي أن يعقد مؤتمرًا صحفيًا ويصرّح فيه بأنّه يعترف بالاستقلال الذي جاء بفضل نضالات الشعب بقيادة الأمانة العامة، وأن يطالب باستكماله بتحقيق الجلاء عن بنزرت والمطالبة باستقلال الجزائر. غير أنّه رفض، لأنّه كان يعتبر أنّ بورقيبة خائن، ويرفض أن يقال إنّه أخطأ فحسب. ولذلك انفصل التريكي عنه. وجوابًا عن سؤال أحد الحاضرين حول الظروف التي جعلت من بورقيبة زعيمًا، قال التريكي إنّ بورقيبة رجل عظيم دون شك، وإنّ شهرته تعود إلى رفضه الخضوع لضغوط السلطات الاستعماريّة عندما كان في المنفى ببرج لوبوف، بمعيّة قياديين من الحزبين الدستوريين والحزب الشيوعي التونسي، وذلك سنة 1935. وذكّر بأنّ بورقيبة حوّل الحزب الدستوري من إطار نخبوي إلى حركة مناضلة ذات عمق شعبي. غير أنّه كان مريضًا بالإعجاب بنفسه، وكانت له «أنا» متضخّمة. ولم يكن وحده المسؤول عن سياسة القوة والتعسّف التي انتهجها، فقد شارك المحيطون به في ترسيخها. وقال التريكي إنّ بورقيبة «عاش على قلوب التونسيين» مدة تفوق ثلاثين سنة، وإنّه لا يمكن أن يكون نموذجًا يُهتدى به في ثورة الحريّة والكرامة.
#خميّس_عرفاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
شيخ المناضلين حسين التريكي: بورقيبة رجل عظيم ولكنّه نرجسي وي
...
المزيد.....
-
قرش شبح وإسفنجة مفترسة... اكتشاف أكثر من ألف كائن بحري جديد
...
-
ما الذي يجمع الصين وروسيا فعلاً؟
-
وليام هيغ: العودة إلى أوروبا ليست حلا سحريا لمشاكل بريطانيا
...
-
مصادر تكشف لـCNN دور قادة الخليج في عدول ترامب عن شن -هجوم ا
...
-
سموتريتش يتوعد بـ-حرب- على السلطة الفلسطينية بعد أنباء عن مذ
...
-
ترامب يلوح بضربة جديدة لإيران ويقول إنه أرجأ الهجوم قبل ساعة
...
-
ترمب: إيران لن تمتلك سلاحا نوويا والحرب معها ستنتهي سريعا
-
واشنطن تتهرب من المسؤولية عن غارة أوقعت 155 قتيلا بمدرسة إير
...
-
أمريكا.. تحذيرات من -صدمة محتملة- في صناعة السيارات جراء حرب
...
-
مباشر: ترامب يقول إن الولايات المتحدة قد تُضطر إلى توجيه ضرب
...
المزيد.....
-
علاقة السيد - التابع مع الغرب
/ مازن كم الماز
-
روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي
/ فاروق الصيّاحي
-
بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح
/ محمد علي مقلد
-
حرب التحرير في البانيا
/ محمد شيخو
-
التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء
/ خالد الكزولي
-
عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر
/ أحمد القصير
-
الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي
/ معز الراجحي
-
البلشفية وقضايا الثورة الصينية
/ ستالين
المزيد.....
|