أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عايدة محمود - بقايا أوراق النعناع الأخضر














المزيد.....

بقايا أوراق النعناع الأخضر


عايدة محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 08:35
المحور: الادب والفن
    


في طريقه إلى عمله – بمصنع الطوب على أطراف قريته – توقف أمام بيت يقطع الطريق مشدوهاً. كانت النوافذ مفتوحة، فتراجع قليلاً عندما طالت وقفته، لكنه لم يستطع أن يبتعد. هل عاد أهل الدار وعادت معهم؟ ترى من بالداخل لو لم تكن هي؟
مرت ساعة وهو لا يزال عالقاً في الطريق، يتحرك إلى الأمام خطوة ثم يتراجع خطوات. عادت به الذكرى لسنوات مضت؛ كان يعتقد أن الشمس تشرق من نافذة هذا البيت، وفي المساء يختبئ فيها القمر.
كانت تسكن هنا مع أبنائها الصغار وأمها العجوز بعد وفاة الأب والزوج. تجلس في مدخل الدار أمام ماكينة الخياطة العتيقة، وتترك أبواب الدار مشرعة. وخارج المنزل، يقبع زير ماء كبير مغطى بعناية، يعلوه كوب من الألمنيوم اللامع، وبجواره أصيص كبير من النعناع.
يجلس حولها بعض النسوة يتحدثن، يخترن من بين قطع الأقمشة المختلفة والألوان وهن يضحكن ويتبادلن الحكايات. يقاطعهن سلام أو تحية يلقيها بعض المارة، فترد مبتسمة قبل أن تعود إلى رفيقاتها ضاحكة.
ابتسم وهو يتذكر أنه كان يشعر بالظمأ دائماً كلما مر أمام الدار، فيقف أمام الزير يشرب، بينما تروي عيناه ظمأهما من البهجة داخل الدار.
منذ سنوات قليلة، وفي طريقه إلى العمل صباحاً، لاحظ أن النوافذ والأبواب مغلقة، لكن دهشته كانت أعظم عندما رآها ما زالت مغلقة في طريق عودته. بقيت سنوات على هذا الحال، لا أحد يعلم أين ذهب الجميع. استمع إلى حكايات كثيرة عن عربات تسللت في عتمة الليل وغادرت تحمل بهجة البيت وأهله، وعن أشباح وظلام، ولعنة أصابت البيت العامر فحولته إلى أطلال تقاوم السقوط.
دار حول البيت مرة أخرى؛ ترى هل عادت أم أن أحدهم اشترى البيت؟!
لم يستطع الذهاب إلى المصنع اليوم، فاختار مكاناً يطل على البيت وجلس. مرت ساعة أخرى قبل أن يلمح ظلها يمر أمام النافذة. انتفض واقفاً؛ إنها هي، لن تخطئها عيناه. حدث نفسه: "لكنك رأيت ظلاً!"، لكنه أقسم أنه ظلها.
انتصف النهار وشعر بالظمأ، فالتفت نحو موضع الزير القديم فلم يجد سوى حطام. اشتد به الظمأ، كما لاحظ نظرات المارة له وللنوافذ المفتوحة، فقرر أن يعود إلى بيته، ربما يعرف شيئاً غداً.
عاد إلى بيته في نفس موعد عودته اليومية. استقبلته طفلته الصغيرة متهللة كما تفعل كل يوم، تحسست جيب قميصه بحثاً عن الحلوى الملونة فانقبض قلبه؛ فقد أنساه الظمأ أن يحضرها كعادته كل يوم.
ظهرت زوجته وهي تحمل أطباق الغداء، وتنظر إلى وجهه باهتمام:
• "هل علمت؟"
• "ماذا؟"
• "عادت الخياطة!"
ابتلع ريقه وهو يحاول إبداء عدم الاهتمام، فبادرته قائلة:
• "ألم تكن تعلم؟"
عاوده شعور الظمأ، لمح زجاجة مياه بالقرب من أطباق الطعام، فرفعها نحو شفتيه يسكب الماء على شقوق روحه الجافة دون أن يشعر بالارتواء. التقطت أنفه رائحة النعناع مختلطة برائحة التراب المبلل حول الزير.
جلس إلى المائدة يحمل ابنته يطعمها في محاولة منه للاعتذار، ثم وجه حديثه لزوجته التي لم تبعد عينيها عنه:
• "من أخبركِ أنها عادت؟"
لم تخطئ أذنها شعور البهجة في صوته، فأجابته:
• "يقولون إن مدبولي، أمين الشرطة، رآها وهي تفتح البيت ليلة أمس."
لمعت عيناه بابتسامة، وتشاغل عنها باللعب مع الصغيرة.
لم يستطع النوم طوال الليل، وفي الصباح أسرع يرتدي ملابسه بحماس على غير عادته لينطلق قبل موعده. وأمام البيت وقف؛ كانت النوافذ مفتوحة كالأمس، ولاحظ أن المساحة أمام البيت قد كُنست ورُشت بالماء، واختفت الأتربة العالقة بالنوافذ والأبواب. شعر بالارتياح وتحرك ذاهباً إلى العمل؛ فهذا طريق ذهابه وعودته، وبالتأكيد سيراها، ويكفيه الآن أنها هنا.
بعد أيام قليلة، عاد باب البيت يفتح ولكن دون أن يكشف ما بداخله، وعاد صوت ماكينة الخياطة يغزو صمت المكان ولكن دون ضحكات النساء. كان شوقه لرؤيتها يقتله، ولم يكن يعلم أن رؤيتها ستقتل الذكرى داخله.
في طريق عودته، لمح ظل امرأة تقف أمام الدار فحثّ الخطى. كانت تغرس نبتة صغيرة في نفس موضع أصيص النعناع، لم يتبين نوعها. أشاحت بوجهها بعيداً عندما شعرت به يقترب. ارتفع صوته يسبق خطواتها التي تسرع إلى الداخل:
• "السلام عليكم."
ردت دون أن تلتفت إليه:
• "وعليكم السلام."
أسرع قبل أن تغلق أبوابها:
• "الحمد لله على السلامة."
رفعت عينيها تنظر إليه وهي تردد:
• "الله يسلمك."
لتغيب بعدها داخل ظلام البيت.
توقف مكانه مبهوتاً؛ لم يرَ عيني الشمس ولا وجه القمر، بل رأى عينين مطفأتين تركت سحب الغيوم الكثيرة آثارها فيهما. وجه ذابل وجسد نحيف يلفه ثوب أسود. أين ذهب لون الورد من وجهها؟ لقد اعتاد أن يلف سواد ضفائرها وجهها، ولم يكن السواد يوماً لونها المفضل.
عادت للظهور أمام الباب من جديد، فتظاهر بالانصراف. كانت تحمل دلواً به ماء، روت مكان الأصيص القديم وأخذت تسوي الأرض وتغرس بها بذوراً جديدة. وعندما مر الأمين مدبولي وتوقف قليلاً أمامها، أسرعت تهرول للداخل وتغلق الباب خلفها. لقد رأى ملامح الخوف التي ارتسمت على وجهها، ونظرة التشفي التي علت وجه الأمين.
عاد إلى بيته مهموماً؛ لماذا لم يهتم بالبحث عنها عندما اختفت؟ لماذا انشغل الجميع عن اختفاء بيت وحياة بأكملها؟ وفي الصباح قرر أن يسألها، ولكنه لم يسأل عنها عندما اختفت، فبأي حق يسألها الآن؟ وما شأن الأمين مدبولي بها؟
انشغلت القرية بحكايتها من جديد، ولم تكن حكاية واحدة بل العديد من الحكايات: "هربت مع أحدهم وعندما تركها عادت"، "اختطفتها الأشباح وعادت عندما أصبحت شبحاً مثلهم"." كان مدبولي وراء اختفائها، فهو الوحيد الذي أعلن رحيلها وهو أول من رآها عند عودتها".
عادت النسوة يترددن على بيت الخياطة، لكنها لم تعد تأتيهن بالأقمشة الملونة، ولم يعد باب البيت مشرعاً، ولا مكان لزير مياه تحيطه أوراق النعناع. عاد صوت ماكينة الخياطة، ولكنه وحده أدرك أنها لم تعد.
لم يعد يتوقف أمام الدار بعد أن رأى أشواك نبات الصبار تنمو فوق بقايا أوراق النعناع الأخضر.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سبحة بكري
- الجزء المفقود


المزيد.....




- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عايدة محمود - بقايا أوراق النعناع الأخضر